بعد مرور عدة أيام على الأحداث، خيم الصمت على طاولة الإفطار.
جلس "سلطان الحديدي" في صدر المجلس، حضورٌ مهيبٌ يملأ المكان وقارًا وقوة، وكأنه يمتص الأنفاس بسكونه. كان يترأس المائدة، يحدق في الجميع بنظراته الثاقبة، بينما أمامه في المقدمة، انزوى 'جون' يتناول طعامه بصمتٍ مطبق. كل من حولهم كان يجلس في هدوءٍ تام، وكأن هناك خيطًا رفيعًا من الترقب يشد الأعصاب.
فجأة، كُسر حاجز الصمت بهبوط 'جهاد' من أعلى الدرج. ألقى نظرة سريعة على الوجوه الجالسة قبل أن يقول بصوته المعتاد: "صباح الخير."
جاء الرد جماعيًا، خافتًا: "صباح النور."
اتجه 'جهاد' نحو 'جون' وجلس بجواره، ثم همس له: "كله تمام، سايمون يرسل لك سلامه."
أجاب 'جون' ببرود، وهو لا يرفع عينيه عن طبقه: "جيد."
قاطعهم صوت 'سلطان' الحازم: "جهاد، أريد أن أتحدث معك."
أجاب 'جهاد' بجدية: "تحت أمرك يا جدي."
ارتشف 'سلطان' من كأس العصير، ثم قال ببطء: "تمام، الليلة."
أومأ 'جهاد' بالإيجاب وهو ينظر لجده: "تمام."
تدخل 'يوسف'، وعلامات الشك بادية على وجهه: "هل هناك شيء مهم يا أبي؟"
هز 'سلطان' رأسه بالنفي بحدة: "لا شيء. أمر خاص بالعمل! ليس من شأنك."
رمق 'يوسف' 'جهاد' بنظرة ضيقة، ثم أجاب بضيقٍ واضح: "حسنًا كما تريد، أبي."
التفت 'جون' إلى 'جهاد'، منهيًا التوتر المؤقت: "كل شيء جاهز للاجتماع يا جهاد؟"
أكد 'جهاد': "كله فل."
استطرد 'يوسف'، وكأنما أراد إثارة الأمر مرة أخرى: "أخبار الشغل إيه يا جون؟"
نظر 'جون' إلى عمه بهدوء، وكأنما يستمتع بإجابته: "كل شيء تمام يا عمي، وكله بفضل جهاد."
رمقه 'يوسف' بسخرية واضحة: "حقًا؟ وماذا يفعل جهاد؟ هل يقتل بالنيابة عنك؟"
ابتسم 'جون' بهدوء لـ 'يوسف'، ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه: "عمي... أنا من غير جهاد ولا حاجة."
ثم التفت إلى 'جهاد' الجالس بجواره، ونظر إليه بثقةٍ مطلقة: "وكمان جهاد بالنسبة لي غير الكل. أنا ممكن أؤمن على حياتي معه من غير ما أشك فيه لحظة واحدة."
ازداد وجه 'يوسف' احتقانًا من الكراهية: "والله كويس، طلع ينفع في حاجة."
نظر 'جهاد' إلى والده بنظرةٍ حزينة وغاضبة في آنٍ واحد: "والله كفاية إني مش شبهك، لأني لو أنا كدا كنت كرهت نفسي."
أجابه 'يوسف' بنبرةٍ لاذعة: "لا لا، أنت أسوأ من كدا صدقني."
تدخلت 'مليكة' بحزن، محاولة تهدئة الوضع: "بابا لو سمحت كفاية."
لكن 'جهاد' رفض، ونظرات الغضب لم تفارق عينيه: "ليه يا مليكة؟ خليه يكمل، يمكن يقدر يرجع اللي راح بسببه."
اشتعل 'يوسف' غضبًا: "قصدك إيه؟"
نظرت 'كوثر' إلى 'جهاد' بحزن، وكأنها تستجدي منه الصمت: "جهاد! أنت بتقول إيه؟"
صرخ 'جهاد' بغضبٍ مكتوم: "كل حاجة حصلت بسببك أنت!"
تدخل 'سلطان' بنبرة تحذيرية حاسمة: "جهاد!"
نهض 'جون' من أمام الجميع بهدوء، وكأنه يقطع الجدال: "عن إذنكم. يلا يا جهاد."
نهض 'جهاد' وهو يرمق 'يوسف' بنظراتٍ تحمل مزيجًا من الكره والحزن والضيق، وتوجه خلف 'جون' بصمتٍ ثقيل.
في الطريق، كان 'جون' يجلس في إحدى السيارات الفارهة، تتبعه قافلة ضخمة من الحراس الخاصين به. بجواره، جلس 'جهاد' بضيقٍ ظاهر، ملامح وجهه لا تزال تحمل آثار الغضب. بعد لحظات، التفت إلى 'جون' وقال بصوتٍ خافت: "جاد، أنا آسف على اللي حصل من شوية."
نظر 'جون' إليه بهدوء، وعيناه تعكسان فهمًا عميقًا: "ولا يهمك يا جهاد. أنا مش عارف إيه اللي حصل بينك وبين عمي، ومش هضغط عليك غير يوم ما تحب تقول بنفسك. وقتها هكون موجود."
ابتسم 'جهاد' بامتنان وحب: "شكرًا جاد، بس صدقني لو عرفت مش هتسامح حد فينا."
اتسعت عينا 'جون' بدهشة طفيفة: "لدرجة دي؟ على العموم براحتك... بس بلاش تعمل كدا يا جهاد. أنت شايف قدامك، أنا ليا سنين بدور على قاتل أبويا ولغاية دلوقتي مش عارف أوصل له. بس أنت أبوك معاك، متخسروش."
هز 'جهاد' رأسه بالنفي، ونظراته تاهت في الأفق: "مش كل الآباء زي بعض."
أكد 'جون' بحسرة، وكأنما يتذكر جرحًا قديمًا: "معاك حق. أنا عارف معنى الكلام ده. والدي كان أحسن أب في الدنيا، بتمنى لو لسه موجود."
ثم نظر إليه بحنين: "كان بيحبك أوي أنت ومراد."
أومأ 'جهاد' بتأكيد، وهو ينظر إلى الخارج، وذكرى الأيام الخوالي تلوح في الأفق: "أيوه، أوي."
توجه الاثنان معًا إلى الشركة، كل منهما يحمل أعباءه الخاصة، والصمت يلفهما من جديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور بعض الوقت في القصر، خيم الصمت على مكتب 'سلطان' بينما كان هو و'يوسف' يتناولان القهوة.
قطع 'يوسف' هذا الهدوء بسؤالٍ مباشر: "أنت عايز جهاد في إيه يا بابا؟"
رفع 'سلطان' فنجانه، ارتشف قليلًا، ثم أعاده إلى مكانه بهدوءٍ حاسم: "قلت لك، دي حاجة مش تخصك."
تجاهل 'يوسف' التحذير، وواصل بضيقٍ لم يستطع إخفاءه: "بس يا بابا، جهاد ممكن يدمر الشغل. بلاش تعتمد عليه كتير، أنت نسيت اللي حصل زمان؟"
نظر إليه 'سلطان' بحدةٍ، صوته يحمل تحذيرًا واضحًا: "يوسف، أنا بأثق في جهاد ثقة عمياء، وياريت ما تنساش إنه ابنك."
تمتم 'يوسف' في نفسه بمرارة: "للأسف، دي الحاجة الوحيدة اللي مانعاني عنه."
وكأن 'سلطان' قرأ أفكاره، قال بنبرةٍ باردةٍ أثارت رعشة في جسد 'يوسف': "لو فكرت مجرد تفكير إنك تأذي جهاد، وقتها هأنسى إنك ابني... أنت فاهم؟"
أجاب 'يوسف' بتوترٍ ملحوظ، ملامح الخوف ارتسمت على وجهه: "تحت أمرك."
أمسك 'سلطان' أحد الملفات وبدأ يقرأ فيها بصمتٍ، بينما ظل 'يوسف' يحدق به، الخوف والقلق من المستقبل يسيطران عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"في أحد المنازل الراقية"
كان 'جاك' يجلس في منزله الفاخر، بجانبه أخته المدللة 'مايا'، التي تمسك بيده برجاء وتطلب: "جاك، لو سمحت، أنا أريد العمل معك."
أجاب 'جاك' برفضٍ قاطع: "لا."
اعترضت 'جوليا'، الأخت الأخرى، بضيق: "وليه الشغل يا أختي؟ دي حاجة مملة جدًا!"
هز 'جاك' رأسه بتأكيد: "أجل."
قاطعت 'مايا' بغيظ: "لا يا جاك، أنا أريد العمل... أنتِ اصمتي يا جوليا، أنتِ المملة وليس العمل الممل."
تساءلت 'جوليا' بمكر: "والله؟ طيب، إشمعنى الشغل عند جاك بالأخص؟"
توترت 'مايا': "أنا... علشان..."
دنت منها 'جوليا' بخبث: "علشان إيه؟"
صرخت 'مايا' بغيظ: "وأنتِ مالك؟! وبعدين أنا عايزة أشتغل مع أخويا ومش حد غريب!"
نظرت 'جوليا' إليها بمكر: "والله؟ يعني مفيش سبب تاني؟"
صاحت 'مايا' بغضب: "جوليا، اللعنة عليكي! مفيش حاجة تانية أكيد! جاك، قول حاجة!"
وضع 'جاك' يديه على أذنيه بغضبٍ وصراخ: "بس بس! اللعنة عليكم وعلى من علمكم اللغة المصرية!"
نظرت 'مايا' إلى 'جوليا' بخبثٍ، وكأنها وجدتها فرصة: "ده جهاد هو السبب!"
لعنت 'جوليا' أختها في سرها: "آه يا حيوانة، حسابك معايا بعدين."
ضحكت 'مايا' وكأنها قرأت أفكارها: "مش هتقدري."
قالت 'جوليا' بضيقٍ، ثم التفتت إلى 'جاك': "بس أنتِي... وبعدين جاك، مالها اللغة المصرية؟ دي أحلى لغة! وبعدين أنت عصبي كدا ليه النهاردة؟"
كررت 'مايا' سؤالها بجدية: "أخي، أريد العمل معك."
أجاب 'جاك' برفضٍ قاطع: "لا مش موافق."
صرخت 'جوليا' بغيظ: "لا، روحي يا مايا، أنا موافقة!"
شبك 'جاك' ذراعيه معًا ونظر إليها بذهول: "أنتِ يا زفتة! مش رفضتِى زيي من شوية؟"
عانقت 'جوليا' أختها بقوة وتمثيلية: "لا مش أنا! وبعدين الشغل مش عيب، وهي هتشتغل معاك!"
بادلتها 'مايا' العناق وهي تقول بتمثيلية مماثلة: "آه يا قلبي يا جولي أنتِ... أنا بأحبك أوي."
أجابت 'جوليا' بتأكيد: "أنتِ روحي أنتِ... أنا أحبك أنا."
نظر جاك إليهما بقرفٍ مصطنع: "بس إيه أنتِي وهي مش طبيعيين. أكيد برا أنتِ وهي."
تظاهرت 'مايا' بالبكاء: "أنت مش جاك أخويا!"
نظرت 'جوليا' إليها بتأكيد: "جاك مش بيرفض لينا طلب."
نهضت 'مايا' وهي تمثل المغادرة: "أنا همشي، شكرًا يا أخويا يا اللي كنت فاكرك أخويا!"
حاولت 'جوليا' النهوض معها: "استني أنا جاية معاكي، أنا مش قادرة أستنى معه. ده مش جاك!"
صاح 'جاك' فجأة: "بس خلاص! مايا، بكرة تيجي معايا الشركة، تمام؟"
عانقت 'مايا' 'جاك' بفرحة: "حبيبي يا جاكي!"
ضحك 'جاك': "طيب قومي يلا أنتِ وهي، مش خلاص؟"
اعترضت 'جوليا' بنفي: "لا، وأنا؟"
نظر 'جاك' إليها بذهول: "أنتِ إيه؟"
فركت 'جوليا' أصابعها معًا بخجل مصطنع: "أحم، أرفع فلوس مليون دولار!"
صرخ 'جاك': "نعم يا أختي!"
نظرت إليه 'جوليا' بقرف: "أنت إيه الكلام البيئة اللي بتقوله ده يا جاك؟"
تعهد 'جاك' لأخته بنظراتٍ حادة: "أنا بيئة؟"
أجابت 'جوليا' بنفيٍ سريع: "حد قال كدا أبدًا!"
خلع 'جاك' حذاءه وتوعد: "أنا هأوريكي مين البيئة، تعالي هنا!"
ركض 'جاك' خلف 'جوليا' في أرجاء المنزل، بينما كانت 'مايا' تجلس تستمتع بالمشهد وهي تأكل الفشار بمتعةٍ كبيرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في غرفة الاجتماعات، كان 'جون' يجلس في الصدارة، هادئًا بشكل يثير الدهشة، ويعمل بجديةٍ تناقض تمامًا صورته كرئيس مافيا غاضب وحاد.
بجانبه، انهمك 'جهاد' في العمل على أحد الملفات بانتباهٍ شديد، بينما كان 'سام' منهمكًا على الحاسوب، و'دين' يجلس بجواره.
على الناحية الأخرى من الطاولة، جلس أحد رجال الأعمال البارزين في أمريكا، "فيكتور"، يشاركون في مناقشة مشروعٍ ضخم.
قال "فيكتور" بابتسامةٍ عارمة، حاول فيها إخفاء توتره: "إنه أحد أكبر الفنادق في العالم وعلى مستوى عالٍ يا سيد جون. وإنه لشرف عظيم أن تساعدني في بنائه."
رد "جون" بهدوءٍ، وعيناه ثابتتان على "فيكتور": "الشرف لي يا سيد فيكتور."
تدخل "جهاد" مؤكدًا: "بالفعل، إنه فندق ضخم وفي مكان جيد جدًا. ولكن، قطعة الأرض التي سيكون عليها المشروع ملكية خاصة بالدولة وعليها بعض المشاكل، وليس مسموحًا بالبناء هناك، أليس كذلك؟"
تلعثم "فيكتور" بتوتر: "أحم... أجل يا سيد جهاد. ولكنني أعلم جيدًا أن هذا الشيء بسيط بالنسبة للسيد جون، وأنه لن يكون هناك عائق كبير، أليس كذلك؟"
وضع "دين" قدمًا فوق الأخرى، ونظر إلى 'فيكتور' ببرود: "ولهذا تقترح هذا المشروع علينا؟"
نفى "فيكتور" سريعًا، محاولًا التخفيف من حدة الموقف: "لا لا، حقًا سيدي. إن شركات الحديدي هي أكبر الشركات في أنحاء العالم، وأنا مجرد رجل أعمال بسيط يريد العمل معكم في مشروع مهم، وإنه لفخر أن أعمل مع السيد جون."
وضع "جون" القلم الذي بيده جانبًا، ورفع نظره إلى "فيكتور"، صوته يحمل قرارًا لا رجعة فيه: "حسنًا، أنا موافق، ولكن بشرط واحد."
تحدث "فيكتور" بخوفٍ ظاهر، وكأنه يخشى القادم: "تـ...تفضل يا سيدي."
نظر إليه "جون" بدقة، كاشفًا عن شرطه: "أنا سوف أكون مالك هذا الفندق، وأنت مجرد مستثمر بنسبة معينة في المشروع."
شحب وجه "فيكتور" بذهول: "لكن سيدي، هذا لا يجوز!"
تساءل "جهاد" بهدوء، مستعرضًا نقاط الضعف في موقف فيكتور: "لم لا؟ أنت لا تستطيع فعل أي شيء في هذا المشروع بدون وجودنا فيه، أليس كذلك؟"
ابتلع "فيكتور" ريقه بخوف: "لكنني جئت لأكون صاحب نصف المشروع على الأقل."
رفع "سام" نظره عن الحاسوب، ورمق "فيكتور" بنظرة استهزاء: "وهل كنت تعتقد أنك تريد الأكثر؟ هل جننت؟"
نهض "جون"، منهيًا الجدال: "هذا كلامي النهائي يا سيد فيكتور. يمكنك المغادرة."
نهض "فيكتور" بسرعة، وتوسل: "لا سيدي، انتظر، أنا... أنا موافق على كل شيء!"
ابتسم "جهاد" لـ "جون"، ابتسامة انتصار خفية: "حسنًا إذًا، مبارك لك يا سيد فيكتور."
همس "فيكتور" بصوت منخفض، بالكاد مسموع: "ولك يا سيد جهاد."
ثم استأذن وغادر.
غادر "فيكتور" وترك الجميع خلفه. توجه "جون" بخطوات ثابتة وقوية باتجاه مكتبه، خلع سترته، وسحب الكرسي إلى الخلف قليلًا وجلس بجدية، ثم جلس الشباب أمامه.
قال "سام" بضحك: "كان هيموت والله كمان شوية!"
أضاف "جهاد" بضيقٍ واضح: "فاكر إنه يقدر يضحك علينا ببعض الأوراق والوثائق وفكر إننا مش هنعرف إنها مش حقيقية."
أكد 'دين': "فعلاً، بس على مين؟ جون أعطى الرجل الضربة القاضية."
ضحك 'جهاد': "معاك حق، ده من حسن حظه إنه خد نسبة في المشروع."
قال 'دين' بغيظ: "والله أنا كان نفسي ياخد تاكسي على الآخرة."
اعترض 'سام' بغيظ: "دين، أنت فاكر إن كل حاجة موت وبس؟"
رد 'دين' بضيق: "أومال! فاكر إنه يقدر ينصب علينا بسهولة؟"
نفى 'سام': "علشان مش عارف هو قاعد مع مين، بس لو عارف إنه قاعد مع رئيس المافيا جون، ما كانش قدر يقف على رجليه تاني، صح؟"
أكد 'دين' بضحك: "صح، ههههه."
تساءل 'جهاد': "فين جاك؟"
قال 'سام' بضحك، مستهزئًا: "أكيد مع إحدى العاهرات في أحد الأماكن."
فجأة، جاء 'جاك' من الخلف، صوته يحمل الغضب: "اخرس أيها الحقير!"
شهق 'سام' بفزع: "آه! أنت بتطلع منين يا زفت؟"
ضحك 'جهاد' بصوت عالٍ: "ههههه."
تساءل 'جون': "جاك، تأخرت ليه؟"
أكد 'دين': "فاتك موضوع نار!"
رد 'جاك' بغيظ: "أعمل إيه؟ كله بسبب المجانين اللي معايا في البيت!"
ضحك 'جهاد': " حصل إيه؟"
قال "جاك" بغيظ، متوجهًا بالكلام لـ 'جهاد': "حصل إيه يعني؟ كله منك! قلت لك ما تعلمش حد منهم اللغة المصرية، بس أقول إيه؟ منك لله يا شيخ!"
نفى "جهاد" ببراءة مصطنعة: "وأنا مالي؟ هما اللي حبوا يتعلموا، ده بدل ما تشكرني."
رد 'جاك' بغيظ: "أشكر مين يا زفت؟ أنا النهاردة كنت شوية وهيحصل لي حاجة منهم، واحدة بتقولي أنت بيئة! شفت آخرتها؟"
ضحك 'سام' بصوت عالٍ: "هههههه، قالت لك بيئة؟ هههههه، جاك بيئة، حلو! ههههههه."
صفع 'جاك' 'سام' بقوة خلف رقبته: "اخرس!"
تحسس "سام" مكان الصفعة، وهو يقول بألم: "آه! حاضر."
ضحك 'جهاد': "ههههه، وإيه السبب؟"
قال 'جاك' بضيق: "علشان يا سيدي مايا هانم عايزة تشتغل هنا في الشركة معايا."
تعجب 'دين': "ليه تشتغل؟"
نفى 'جاك': "مش عارف. والتانية جوليا هانم عايزة مليون دولار."
اعترض 'سام' بضيق: "وإيه يعني؟ ما تاخد اللي عايزاه، ما تبقاش بخيل بقى! هو آه مليون كتير بس مش كتير على جوليا."
توقف 'جاك' مستفهمًا: "بتقول إيه؟"
نفى 'سام' بسرعة: "أنت سمعت صوتي؟"
ضحك 'جهاد': "ههههه، والله أنتم مصيبة!"
أكد 'جون'، منهيًا الجدل: "جاك، معنديش مانع من شغل مايا هنا في الشركة."
أكد جاك: "كم تريد؟"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الليل قد أرخى ستائره الداكنة، وحينها، تفرّق الجميع عائدين إلى ملاذهم.
في مكتبه الفسيح، حيث لا يقطعه سوى صمت الليل، جلس "سلطان" متكئًا بوقار، ساق فوق أخرى، متعمقًا في تفاصيل ملف بين يديه. كان يقلّب الأوراق بتركيز شديد، وعيناه تتتبعان كل حرف وكأنها تحمل سرًا دونه.
قاطعه نقرٌ خفيف على الباب، فرفع رأسه وأذن للطارق بالدخول بكلمة مقتضبة: "تفضل."
انفتح الباب وولج "جهاد"، أغلقه خلفه بهدوء ثم ألقى نظرة متسائلة على "جده".
أشار له "سلطان" بالجلوس بجواره، فامتثل "جهاد" قائلاً بفضول: "خير يا جدي؟"
نظر إليه "سلطان" بحنان بالغ، ذلك الحنان الذي يخفي وراءه ثقل السنين والأسرار: "جهاد، كان فى موضوع مهم عايز أتكلم معاك فيه بس قبل ده كله كنت عايز اقولك متزعلش من كلام يوسف هو والدك و.."
قاطعه "جهاد" بنبرة قاطعة، تخنقها مرارة عميقة: "جدي هو مش ابويا وعمره ما هيكون...وبخصوص كلامه انا خلاص اتعودت عليه يعنى مش فارقة "
وضع "سلطان" يده على كتف حفيده بحركة أبوية: "جهاد، انت عارف انه بيعمل كدا بسبب الماضى، والماضي حاجه مش عاديه علشان تتنسي. "
ابتسم "جهاد" ابتسامة باهتة، حزينة كخريف العمر: "عارف ياجدى بس هو السبب فى كل حاجه، الماضى ده ممكن بسببه اخسر اغلى الناس عندى."
تنهد "سلطان" بضيق، وكأن حمل العالم قد أثقل كاهله: " "انا عارف، وبتمنى الماضى يفضل فى الماضى، بس فى موضوع الازم تعرفها"
سأل جهاد بتوتر: " موضوع اى "
شرح "سلطان" لـ "جهاد" ما كان ينوي إخباره به، كلمة تلو الأخرى، كاشفًا عن حقائق اهتز لها قلب "جهاد".
قال "جهاد" بصدمة، وعيناه تتسعان بذهول: " ايه انت بتقول ايه"
أكد "سلطان" بأسى: " هى دى الحقيقه إللى عرفتها ولازم تعرفها."
تطلع "جهاد" إلى جده بدهشة لم يستطع إخفاءها: "هو ازاى قدر يعمل كدا، هو ايه."
أجابه "سلطان" بلهجة حاسمة: " علشان كدا لازم تسافر ياجهاد"
نظر إليه "جهاد" بتعجب: "أسافر؟.. أسافر فين."
تنهد "سلطان" بعمق، وكأنه يجهز حفيده لمهمة عظيمة: " حتسافر مصر بأسرع وقت، و اكيد عارف اللى حتعملوا انت فاهم"
نهض "جهاد" من مكانه بحزن يكسو ملامحه: "فاهم."
وقف "سلطان" وعانق حفيده بقوة، وكأنه يودعه : " يمكن باللى هتعمله تصلح حاجه من إللى حصلت زمان."
هز جهاد رأسه بالنفي، خاليًا من الأمل: " معتقدش ياجدى"
قال "سلطان" بضيق، محاولًا بث بعض القوة في كلماته: " ربنا معاك ياحبيبي."
ابتسم "جهاد" ابتسامة هادئة، تحمل بين طياتها تصميمًا خفيًا: "خلال يومين هكون فى مصر عن اذنك"
أكد سلطان: "تفضل."
غادر "جهاد"، وبقي "سلطان" يرمقه بنظرة مملوءة بالقلق، ثم قال بصوت خافت، كدعاء يرجو السماء: "ربنا يكون معك يا جهاد، ويخفف الهم الى على قلبك يا رب."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"في مكان آخر"
كان صراخ طفلة صغيرة يمزق سكون الظلام. كانت تجلس وحيدة، يداها الصغيرتان ترتجفان. إحداهما غارقة في الدماء، وفي الأخرى تمسك مسدسًا. بجانبها، جثة هامدة تسبح في بحر من الدماء.
كانت تصرخ بقوة، كلماتها المتقطعة تتصاعد في جنون: "ابتعد عني! ابتعد عني يا ماما! ابتعد يا بابا! آآآآآه! ابتعدددددد!"
نهضت "هيرا" من نومها مفزوعة، تتعرق بشدة، وتلهث بصعوبة، وصراخها يمزق سكون الغرفة: "ابتعد! ابتعد عني! أنا لا أريدك! ابتعد! آآآآآه!"
جالت "هيرا" بنظراتها في الأرجاء المظلمة، ثم نهضت من فراشها. أمسكت كوبًا من الماء، وتناولته بصعوبة، يداها ترتجفان بقوة لا إرادية. جلست على الأرض، احتضنت ساقيها، وقضت بقية الليل في الظلام، لم تستطع أن تغفو مجددًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءه ممتعه للجميع 🦋
التؤام.. أمانى& أمل