البارت العشرين 🦋

البارت العشرين 🦋

33 0

غادر "جون" الفرع الرئيسي للشركة، تاركًا خلفه أصداء اجتماعات مشحونة. لم يكن مجرد غاضب، بل كانت عيناه تشتعلان بجحيمٍ داخلي، تعكس سخطًا عميقًا وقرارًا لا رجعة فيه.

انطلق بسيارته بسرعة جنونية، كل ميل يقطعه يزيد من حدة التوتر الذي يسيطر عليه.

بعد دقائق معدودة، توقفت سيارته الفارهة أمام البوابة الضخمة للقصر، الذي بدا وكأنه صامت، يترقب عودته العاصفة.

هبط "جون" بخطوات سريعة وحازمة، متجاهلًا كل ما حوله، وكأن القصر نفسه يتقلص أمام إصراره.

صعد السلالم بتعجل، واتجه مباشرة نحو الجناح الكبير الخاص به، والذي لم تطأه قدماه منذ وفاة "جهاد". كان هذا الجناح، الذي يختزن ذكريات الماضي الأليمة، هو النقطة التي تلاقت عندها حياة "جون" و"مليكة"، لكن عناد الأخيرة جعلهما يلتقيان صدفةً فقط.

فتح "جون" الباب بهدوء مباغت، وكأن هدوءه الظاهري يخفي عاصفةً قادمة. وجدها واقفةً أمام النافذة، شاردة الذهن، تحدق في السماء اللازورديّة، ويداها تلفان ذراعيها كأنها تحتضن حزنها.

ظل جون يراقبها لدقائق طويلة، تتلاطم في داخله أمواج الشوق والحنين، مزيج من الحب القديم والألم الحديث.

استدارت "مليكة" فجأة، وصدمتها رؤيته كانت واضحة على وجهها، تلاها تعجبٌ كبير.

نطقت بصوتٍ بالكاد مسموع، وكأنها لا تصدق عينيها: "أنت بتعمل إيه هنا؟"

اقترب "جون" بابتسامة هادئة، لكنها تخفي تصميمًا لا يلين: "والله دي الجناح الخاص بي أنا كمان، ولا إيه؟"

نظرت إليه "مليكة" بذهولٍ أكبر، وصرخت بحدة: "لا طبعًا! الجناح ده بقى ملكي أنا... أنت مالكش حاجة فيه!"

اقترب "جون" أكثر، ولم تفارق الابتسامة شفتيه، بل زادت من غموضه: "مين قال كده؟ الجناح وصاحبة الجناح ملكي؟"

رفضت "مليكة" بحدة، وتراجعت للخلف أكثر، وكأنها تحاول الهروب من مصير محتوم: "الكلام ده مستحيل يا جون!"

وضع "جون" يده على الحائط الذي تسند "مليكة" ظهرها عليه، محاصرًا إياها بوجوده الكاسح: "ليه مستحيل؟ أنتِ مراتي، ودي غرفتي، وأعمل اللي أنا عايزه هنا يا مليكة."

شعرت "مليكة" بتوتر شديد من قربه، من هذا المغرور الذي يقتحم عالمها الخاص. تمتمت بصوتٍ متلعثم: "ا...ابعد ع...عني!"

نظر إليها "جون" بانتصارٍ خفي، وكأن كلماته تزيد من حصاره: "ليه؟ أنتِ مراتي."

دفعت "مليكة" "جون" بعيدًا عنها بقوة، وكأنها تدفع كل الذكريات المؤلمة التي يمثلها: "ابعد عني يا جون، أنت مش زوجي... زوجي هو جاد... أما أنت جون، رئيس المافيا، قاتل أخويا جهاد!"

حاول "جون" السيطرة على غضبه الذي بدأ يتصاعد في داخله، وهو يحاول إخفاءه عنها: "مليكة، بلاش الكلام في الموضوع ده."

صرخت "مليكة" في وجهه، كل كلمة تخرج كالسياط: "بلاش ليه يا أستاذ جون؟ أنت نسيت ولا إيه؟ نسيت جهاد؟ هو راح بسببك وبسبب أبوك! خسرت أمي ومراد وكل عائلتي! أنا بقيت يتيمة بسببه وبسببك!"

أدار "جون" وجهه عنها، وكأنها طعنته في الصميم: "مليكة، أنتِ مش يتيمة، أنا معاكِ، أنتِ لسه مراتي و... روحي."

وقفت "مليكة" أمامه، تحدق في عينيه بنظرة قاطعة: "لا، اطلع بره يا جون. كل حاجة بينا إحنا الاثنين خلاص ماتت."

نظر "جون" إليها بغضبٍ لم يعد قادرًا على إخفائه: "مليكة! أنتِ بتقولي إيه؟ إيه البرود ده؟"

ابتسمت "مليكة" ابتسامة تأكيد، ابتسامة تحمل في طياتها مرارة السنين: "البرود ده اتعلمته منك يا جون."

عاد الهدوء الغاضب ليصطبغ على صوت "جون"، وكأنه يطرح سؤالًا أخيرًا: "ده آخر كلام عندك؟"

نظرت "مليكة" إلى عيني "جون" الغاضبتين بقلقٍ خفي، لكنها حاولت أن تثبت على موقفها: "أيوه، ده آخر كلامي."

خطا "جون" خطوته الأولى نحو الخارج، وكل كلمة يقولها تحمل تهديدًا مبطنًا: "تمام يا مليكة، على راحتك. وأنا بقى جه دوري."

نظرت "مليكة" إليه بشك، متسائلة عن معنى كلماته: "قصدك إيه؟"

وقف "جون" مكانه، ولم يستدر، بل ألقى كلماته الأخيرة التي أصابتها بالصدمة: "بكرة تعرفي... آه صحيح، ادوارد طلب إيدك."

اتسعت عينا "مليكة" بصدمة حقيقية: "إيه؟ ادوارد؟"

استدار "جون" إلى الخلف ونظر إليها ببرود، وكأن كلماته ليست سوى حقيقة يجب أن تتقبلها: "إيه، ما تعرفيش يا بنت عمي ولا إيه؟"

نفت "مليكة" بتأكيد، محاولةً لملمة شتات صدمتها: "لا... لا أكيد أعرف."

غادر "جون" الجناح أخيرًا، تاركًا خلفه "مليكة" تنظر إلى المكان بصدمة وقلق، وقلبها يخفق بقوة من هذا "الأحمق" الذي عاد ليقلب حياتها رأسًا على عقب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الخارج، كان "جون" يسير والضيق ينهش روحه، وعيد مبطن لتلك التي تجرأت على إظهار القوة أمامه.

بينما كان يهبط السلالم، لمح والدته، "كوثر"، تجلس وحيدة، تحدق في الفراغ بعينين شاردتين. اقترب منها وجلس بجوارها، صوت القلق يغلف كلماته: "أنتِ كويسة؟"

ابتسمت "كوثر" ابتسامة باهتة، محاولة إخفاء مرارة قلبها: "أنا بخير يا حبيبي."

شك "جون" في ردها، وعيناه تبحثان عن إجابة في عينيها: "أنتِ قاعدة هنا لوحدك ليه في الوقت ده؟"

نظرت "كوثر" إلى جون بحزن عميق، صوتها يحمل ثقل السنين: "أبدًا... بس مفيش حاجة زي الأول يا... جون."

تذكر "جون" الماضي، وكأن شبحًا مر من أمامه. قطع لحظة الصمت الثقيلة بكلمات سريعة، محاولًا الهروب من مواجهة ماضيهما المشترك: "أنا عندي شغل، عن إذنك."

نظرت "كوثر" إلى ابنها وهو يغادر، وتنهدت بحزنٍ لم يعد يخفى. تمتمت لنفسها، وقلبها يعتصر ألمًا: "حتى أنت يا جاد اتغيرت أوي... مت يا جهاد، وأخدت كل حاجة حلوة معاك. يا ريتك موجود دلوقتي، وحشتني يا حبيبي أوي."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"تحت سماء النجوم"

خرج "جون" إلى الخارج، وتوجه نحو سيارته، لكن شيئًا ما لفت انتباهه. كانت عيناه تقعان على المقعد الخشبي الكبير تحت الشجرة العتيقة، التي تتوسط الحديقة الشاسعة للقصر.

أغلق باب السيارة مرة أخرى، وتراجع نحو المقعد ببطء، ثم جلس عليه بهدوء. رفع رأسه إلى الأعلى، محدقًا في السماء المرصعة بالنجوم، وكأنه يبحث عن وجه مألوف بينها.

تنهد بعمق، وبدأ يتمتم بكلمات تائهة في الفضاء: "3 ونص... كل يوم منهم كان أسوأ من اللي بعده... معها حق أمي، مفيش حاجة زي الأول. أنا ما خسرتكش انت وبس، خسرت كل حاجة يا جهاد من بعدك... وحشتني يا غبي. ما كنتش عارف إني لو خسرتك، هكون وحيد كده. أنت كنت كل حاجة في حياتي. حتى وقت موت أبويا كان غضبي كبير، بس حزني قليل. دلوقتي حزني أكبر من غضبي. وقتها أنت كنت معايا، دلوقتي أنا وحيد... نفسي أحكي لك حاجات كتير، كان غضبي بيبقى رماد في وجودك يا جهاد."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في قصر "مراد"، حيث تتشابك خيوط الحب والألم، كان "مراد" يجلس في صمت يحضن "عشق" بحب غامر، فيما كانت هي تسترخي على قدميه، تهمس بكلمات لم تصل إلى أعماق روحه المنهكة.

كانت عيناه تحدقان في الفراغ، بينما كان عقله يسبح في لجج الماضي، يستعيد سنوات طويلة من الغربة والشوق لعائلته التي ظن أنها فقدت إلى الأبد. لقد عاش وسط عائلة كبيرة وجميلة، لكن ذلك لم يمنعه أبدًا من أن يحمل في قلبه ذكرى كل شخص أحبه، ذكرى محفورة بدماء الألم والخسارة.

لقد مزقه الحزن على ما حل بأمه وأخيه، وتمنى لو كان هو من أزهق روح عمه، لا أن يكون هذا المصير قد طال "جهاد"، الطفل الصغير الذي لم يسلم من قسوة هذا العالم الموحش.

كل يوم كان يشتهي العودة إليهم، لكن فكرة خسارة شخص آخر كانت كابوسًا يطارده، فقرر الابتعاد، ليس خوفًا، بل حمايةً. أصبح الحامي الخفي لأخوته، ظلهم الذي لا يرى، يراقبهم من بعيد، يحميهم بصمت كالحارس الأمين.

كبر "مراد" تحت ستار اسم "راكان"، وصعد ليصبح من أبرز رجال الأعمال وأكثرهم نجاحًا وشهرة وقوة.

كان النجاح حليفه في كل مساعيه، فكل ما يطمح إليه يصبح ملكًا له. لكن وسط هذا الصعود المدوّي، أسر قلبه جمالٌ لم يكن يتوقعه؛ "عشق"، التي ملكت كيانه منذ اللحظة الأولى، وأقسم أن تصبح له. كان حبها له يفوق أي شيء في العالم، هي طفلته المدللة، وما زالت كذلك. في حضرة "عشق" وعائلته، كان "مراد" يعود طفلاً لم تدنس يده بالدماء.

ثم باركهما الله بطفل، ليس مجرد طفل، بل نسخة طبق الأصل من ابن عمه "جون"، في الطباع والغضب والشكل، والاختلاف الوحيد هو المرح الذي كان يسكن "جاد"، كما كان "جون" في صغره، قبل أن يسيطر القسوة والغضب والشر على كيانه.

تنفس "مراد" بحزن عميق وهو يتذكر تلك اللحظة التي رأى فيها "جهاد"، أخاه الصغير، ولأول مرة منذ سنوات، غارقًا في الدماء أمامه. لعن نفسه مرارًا على رؤيته في هذا الوضع، وعلى ابتعاده عنه. تمنى لو يعيش "جهاد" فقط، وكأن السماء سمعت ندائه فلم يمت.

لكنه قرر أن يموت "جهاد" في نظر الجميع. كان الأطباء يفقدون الأمل في نهوضه، لكن "مراد" لم يفقد الأمل للحظة واحدة.

وأخيرًا، فتح "جهاد" عينيه، معلنًا وجوده، وأنه ما زال حيًا يرزق أمامه. شعر "مراد" بفرحة غامرة لوجوده على قيد الحياة في عيني "جهاد". لكنه لم يعلم ماذا سيحدث عندما ترى العائلة كلها ذلك الوجه الذي ظنوه قد رحل. القرار الوحيد الذي شعر بأنه الأصوب هو الظهور مرة أخرى، ولكن ليس بصفته "راكان الصياد"، بل بصفته "مراد الحديدي".

ظل "مراد" غارقًا في أفكاره طويلاً، لا يعي ما يدور حوله، حتى اقترب منه أحد الحراس قائلاً باعتذار: "اعذرني سيدي على المقاطعة."

رفع "مراد" نظره بهدوء: "ماذا حدث؟"

أجاب الحارس بجدية: "السيد جهاد على وشك الوصول سيدي، ولكن..."

قاطعت "عشق" بقلق: "في إيه؟ هو تعبان؟"

نظر "مراد" إلى الحارس بقوة: "ولكن ماذا؟"

أجاب الحارس بقلق: "إنه يحضر معه السيد صهيب إلى هنا."

نظرت "عشق" بصدمة إلى مراد: "يعني صهيب كده عرف كل حاجة؟"

نظر "مراد" إلى "عشق" ثم إلى الحارس: "حسنًا، اذهب أنت، ودع كل شيء كما هو."

غادر الحارس وهو يهز رأسه بالتأكيد.

نظرت "عشق" إلى "مراد" بذهول وقالت: "بس كده الكل هيعرف إنك عايش!"

أجاب "مراد" بغموض: "أكيد."

أدارت "عشق" رأسها في الاتجاه الآخر بغيظ: "يا برودك! انسان مستفز!"

أمسك "مراد" بفنجان القهوة، محاولًا إخفاء ابتسامة كادت أن ترتسم على وجهه.

بعد دقائق ثقيلة، انفتحت بوابة القصر على مصراعيها ليدخل "جهاد"، يهبط من السيارة ويداه تشيران إلى "صهيب" الذي كانت عيناه تتسعان بذهول وهو يحدق في روعة المكان.: "احنا فين؟"

تمتم صهيب بصوت خافت، بينما كان "جهاد" يتقدم بثقة نحو الداخل، قائلاً: "تعالى معايا، وهتفهم كل حاجة."

هز "صهيب" رأسه موافقًا، يتبعه بخطوات مترددة، وعيناه لا تكفان عن مسح المكان، مندهشًا من العدد الهائل من الحراس الذين يحيطون بهذا المنزل الشاهق.

دخل "جهاد" ليرى "مراد" جالسًا في هدوء طاغٍ، قدم فوق الأخرى، يحتسي قهوته بهدوء يثير الأعصاب، بينما "عشق" تجلس بجواره، ملامح الضيق بادية على وجهها.

توقف "جهاد" واستدار لينظر إلى "صهيب" الذي كان ينظر إلى المكان بذهول، غارقًا في حيرة عميقة.

لمحت عينا "صهيب" الرجل الجالس أمامه، بعينين خضراوين تشبهان عيني "جهاد"، لكنهما تحملان غموضًا وشرًا خفيفًا يجعلك تشعر وكأنك تائه في متاهة. ثم أدار رأسه لجهة اليمين، ليقع بصره على تلك الفتاة الجميلة ذات الوجه الملائكي الطفولي.

همس "صهيب" بصوت منخفض يكاد لا يسمع: "مين دول يا جهاد؟"

نظر "جهاد" إلى برود "مراد" المتناهي، وتنهد بغيظ، ثم أشار إلى "صهيب" بالجلوس: "اتزفت هنا."

جلس "صهيب" كطفل مطيع: "حاضر، مين دول بقى؟"

نظر "جهاد" إلى مراد: "أنت ساكت ليه كده؟"

أجاب "مراد" بهدوء: "عايزني أقول إيه وأنا أقول."

دهش جهاد: "أنت مش هتقول جبت صهيب ليه هنا؟"

رد "مراد" بثقة وهو ينظر إليه: "كنت عارف إنك هتعمل كده."

سألت عشق: "أنت قلت له كل حاجة؟"

هز "جهاد" رأسه بالنفي: "لا."

جلس "صهيب" بلا فهم: "جهاد أنا مش فاهم حاجة، مين دول؟"

نظر "جهاد" إلى مراد: "أنا لازم أقوله أنت مين."

بينما "مراد" يشرب قهوته، نظر إلى "جهاد" بجمود: "براحتك."

صرخ "جهاد" بغيظ وهو ينظر إليه: "أنت بارد كده ليه؟"

هزت "عشق" رأسها بتأكيد: "الحمد لله مش أنا لوحدي اللي عارفة كده."

هز "صهيب" ملابس جهاد: "جهاد في إيه؟"

صاح "جهاد" فيه: "إيه! اسكت يا زفت شوية!"

قال "صهيب" بغيظ: "بس أنا مش فاهم حاجة!"

نظر "جهاد" إلى صهيب: "عايز تفهم؟ طيب بص بقى... أنا كنت ميت بس مش ميت... مراد كان برضه ميت طلع برضه مش ميت... كده ارتحت؟"

اتسعت عينا "صهيب" للحد الأقصى: "أنت مين ومراد مين اللي ميت ومش ميت؟"

أكدت عشق: "أنا أشرح لك."

هز "صهيب" رأسه: "أنتِ مين أصلاً؟"

أشارت "عشق" إلى نفسها: "أنا... أنا عشق."

ابتسم "صهيب" بغباء: "والله عشق!"

قالت "عشق" باهتمام: "المهم سيبك مني، أفهمك بقى."

صهيب: "يا ريت!"

فركت "عشق" يديها وهي تحاول أن تشرح: "بص بقى، جهاد كان ميت بس مش ميت، كان في غيبوبة بس هو دلوقتي مش في غيبوبة. مراد اللي هو راكان بس مش راكان كان ميت بس طلع مش ميت، وهو اللي عالجه وفي نفس الوقت هو اللي قال إنه ميت. فهمت حاجة؟"

اتسعت عينا "صهيب" وفتح فمه بصدمة تامة: "جهاد مين ومراد مين وراكان مين؟"

نظر "جهاد" إلى "مراد" بذهول: "جاءت تكحلها عمتها... أنت اتجوزتها إزاي دي؟"

وضع "مراد" يده على وجهه: "ندمان والله!"

نزل "جاد" من الأعلى: "أنا أفهمك."

تنهد "مراد" بغيظ: "كملت!"

نظر "صهيب" إليه: "أنت مين أنت كمان؟"

ضحك جاد: "هههه أنا جاد."

شعر "صهيب" بالدوار: "والله!"

جلس "جاد" بجوار والده: "أنا هقولك اللي عايز تعرفه."

نظر إليه صهيب: "اتفضل."

أشار "جاد" بيده إلى الجميع: "اللي قاعد جنبك ده جهاد نفسه، جهاد اللي مات. واللي جنبي ده مراد، برضه مراد اللي مات. نفس اللي جنبك ده جهاد اللي كان في غيبوبة، هو نفسه بقى فاق من الغيبوبة. اللي جنبي أنا ده راكان، اللي نفسه مراد، اللي الكل يعرفه إنه راكان، بس في الحقيقة هو مراد اللي عالجه، اللي قاعد جنبك ده. كده أكيد فهمت، ولو ما فهمتش يبقى أنت أكيد... أكيد غبي ولازم تروح للدكتور، صح يا ماما؟"

هزت "عشق" رأسها بتأكيد: "ما فيش شك واحد في المية."

نظر "صهيب" إلى "جهاد" بعينين حائرتين: "أنت بقى مين فيهم؟"

رمق "جهاد" "مراد" بنظرة غيظ: "جننت الواد كده."

اتكأ "مراد" بظهره إلى الوراء، متمتمًا بهدوء: "والله أنت اللي فكرت إنك تجيبه هنا."

تنهد "جهاد" بندم: "كان يوم شبه شكلك."

ثم التفت إلى صهيب: "بس كده ركز معايا."

تراجع "صهيب" بخوف: "تاني؟ لا لاااا!"

ضحك "جهاد" قائلًا: "اهدأ... اللي قاعد هناك ده يبقى مراد أخويا، اللي الكل فاكر إنه ميت بس هو مش ميت."

أومأ "صهيب" بذهول: "زيك يعني؟... آه... أنا برضه مش فاهم."

نظر "مراد" للجميع بغيظ ثم قال: "بس أنا أفهمك."

شرع "مراد" في سرد الحكاية كاملة على "صهيب"، بهدوء يلامس الأعصاب، من البداية حتى اللحظة الراهنة، كاشفًا عن سنوات من الغموض والتضحيات.

سأل "جهاد" بعد أن انتهى مراد: "فهمت؟"

نظر "صهيب" بصدمة وهو يشير إلى مراد: "يعني أنت مراد ابن عمي يوسف وأخو جهاد اللي ميت... في الحقيقة عايش؟"

ابتسم "جهاد" بفرحة غامرة: "الله ينور عليك! فهم!"

نظر "جاد" إلى والده بغرور: "بس أنا الشرح بتاعي أحسن."

نهض "صهيب" من مكانه، ووجهه لا يزال يحمل آثار الصدمة: "أنتو عيلة ملبوسة مش كده؟ يعني إيه عايش!"

ضحكت عشق: "عيلة زبالة معلش."

نظر إليها "صهيب" بتساؤل: "وأنتِ مين بقى؟ بنته؟"

عانقته "عشق" بفرحة: "والله العظيم أنت الوحيد اللي عسل في العائلة دي يا صوبي!"

صاح "مراد" بصوت عالٍ كله غيرةً: "عشق! اتنيلي جنبي... وأنت يا حيوان، دي مراتي والحيوان ده ابني!"

همست "عشق" بصوت منخفض: "للأسف."

رمقها "مراد" بنظرة حادة: "عشق!"

تنهد "جهاد" بغيظ: "ما خلاص بقى، كفاية لعب عيال... مراد هنعمل إيه؟"

نظر "مراد" إلى "صهيب" بتأكيد: "صهيب، أنت دلوقتي عرفت كل حاجة، والأكيد إن مفيش كلمة واحدة من اللي سمعته حد يعرف بيه."

نظر "جهاد" إلى "صهيب" الذي كانت معالم الصدمة لا تزال مرتسمة على وجهه: "ماتقلقش من حاجة، صهيب مش هيقول."

نظر "مراد" بشك: "تمام... دلوقتي يا جهاد، أنت لازم ترجع للعائلة تاني."

دهش جهاد: "بس أنت قلت الجاسوس والشخص اللي بيعمل كده لسه موجود؟"

أكد مراد: "علشان كده لازم ترجع، ومش أنت بس، كلنا كده، بس هنرجع بطريقتي أنا."

سأل "جهاد" بقلق: "اللي هي إيه؟"

ابتسم "مراد" بخبث: "أقولك."

سرد "مراد" الخطة الخاصة به على الجميع. اتسعت عينا "جهاد" بشدة وهو يستمع إلى الخطة: "نعم يا اخويا !"

ابتسم "مراد" بهدوء: "في إيه؟"

هزت "عشق" رأسها بالنفي: "لا أبدًا، خطة زي الزفت !"

قال "جاد" بذهول: "إيه الغباء ده!"

نكر صهيب: "طيب والله حلوة!"

نظر "جهاد" إلى "صهيب" بغضب: "أخرس أنت! قال حلوة قال!"

سأل "جهاد" بتساؤل: "عايزني أعمل إيه؟"

أجاب "مراد" بهدوء: "تشتغل معايا."

وضع "جهاد" يده في شعره بغيظ: "طيب ما هو كده هيعرف إني عايش، إيه الفرق؟"

سأل "مراد" باستنكار: "أومال عايز تعمل إيه؟ تروح تقوله: ازيك يا جون يا حبيبي، أصلي طلعت عايش وجيت أشوفك أصلك وحشتني؟ رد!"

صاح "جهاد" بغيظ: "طيب ما أنت السبب من الأول! حد قالك تاخدني عندك؟"

رد "مراد" بغضب: "أومال أسيبك تموت؟!"

رد "جهاد" بغضب، وكلماته محملة بمرارة السنين: "علشان أنت لو كنت موجود من البداية مكنش ده كله حصل! مكنتش أمي ماتت وأنا مقتلتش حد! مكنتش دخلت العالم ده من البداية! مكنش جاد كرهني ومكنش صهيب ضربني ومكنتش ماسة كرهتني! مكنتش بعدت عن ابني وما شفتهوش ومفرحتش بيه! مكنش أبويا كرهني! مكنش ده كله حصل يا مراد أنت فاهم؟"

نظر "مراد" إليه بحزن عميق: "عارف، بس أنت ماتعرفش كرهي لنفسي عامل إزاي يا جهاد. أنا كنت خايف عليك، خايف أخسرك. مكنتش عايز أظهر غير والخطر اللي حواليك أنا نهيته بيدي."

تنهد "جهاد" بضيق: "أنا آسف يا مراد على الكلام ده، أنت ما لكش ذنب، الغلط غلطي من البداية."

عانق "مراد" جهاد: "ما تعتذرش، كلامك صح، أنا اللي آسف، سامحني."

بكت "عشق" بدموع: "كفاية، حرام."

نفخ "جاد" بضيق: "إيه الفيلم الهندي ده!"

نظر "صهيب" بحزن: "أنا آسف، كله بسبب أبويا."

ابتسم له جهاد: "أنت ملكش ذنب."

نكر صهيب: "لا، ذنبي إنك كنت هاتخسر حياتك بسببي."

نكر جهاد: "انسى يا صهيب... المهم أنت لازم تتعالج فورًا."

أكد مراد: "ما تقلقش، أنا حأتصرف."

ابتسم جهاد: "شكرًا."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور أسبوع، وتحديدًا في قصر الحديدي الفخم، كانت "لين" تقف أمام غرفة "صهيب"، قلبها ينبض بتردد وخوف. ثلاثة أعوام ونصف، ثلاثة أعوام ونصف قضتها تحاول الاقتراب منه، تحدثه، لمسة منه، أي إشارة تدل على أنه لم يفقدها. لكنه كان كالصخرة، يصدها ويطردها كل يوم، يرفض منحها ولو دقيقة واحدة من وقته.

فتحت الباب ببطء، وتسللت للداخل بخفة، عيناها تجوبان أركان الغرفة بحزن وهي تبحث عنه. لم تجده. همت بالمغادرة، لتعود إلى عالمها الخالي منه، حتى شعرت بيد قوية ترفعها فجأة. صرخت "لين" برعب، ولكن صرختها تحولت إلى ذهول وصدمة حين وجدت نفسها في أحضان "صهيب"، الذي كان يبتسم لها بحب وشوق غامر.

قالت "لين" وهي تنظر إليه بعينين لا تصدقان: "ص... صهيب؟ أنت؟"

أنزلها "صهيب" برفق على الأرض، وهمس بصوت يرتجف شوقًا: "قلب صهيب."

وضعت "لين" يدها على وجهه بخوف، وكأنها تتأكد من وجوده: "أنت إزاي صهيب؟"

عانقها "صهيب" بقوة، وكأن روحه عادت إليه: "وحشتيني يا قلب وروح صهيب، وحشتيني يا لين."

فاضت عينا "لين" بالدموع: "و... وأنت كمان وحشتني أوي أوي يا صهيب. أنت كنت فين؟ ليه سبتني؟"

بادلها "صهيب" الدموع، وكلماته خرجت كاعتراف مؤلم: "سامحيني، أنا آسف، غصب عني. أنا بحبك أوي يا لين، بحبك أوي، أنتِ روحي."

ازدادت دموع لين: "أنت بعدت عني ثلاث سنين ونصف يا صهيب. كنت بحاول أرجعك فيهم، أرجع صهيب حبيبي تاني، بس ما قدرتش."

وضع "صهيب" يديه على وجهها، ومسح دموعها برفق: "عارف، عارف يا حبيبتي، سامحيني يا لين لو في يوم أذيتك بسبب حزني، بس والله ما كنتش قادر. فكرة موت جهاد دمرتني وخدت روحي. هو حصل له كده بسببي."

نظرت "لين" في عينيه، التي كانت تلمع لأول مرة منذ زمن طويل، وكأن الحياة عادت إليهما: "إيه اللي حصل خلاك اتغيرت كده يا صهيب؟ أنت كنت غير كده، إيه اللي حصل؟"

جلس "صهيب" على السرير وأجلسها بجواره، ثم قال بنبرة تحمل وعدًا: "هقولك كل حاجة بس مش دلوقتي، والله هقولك كل حاجة يا لين. أنا بعشقك يا روح صهيب."

اندست "لين" بين ذراعيه، وكأنها وجدت ملاذها الأخير: "صهيب، مش مهم، المهم إنك رجعت تاني. أنا بحبك أوي أوي يا لين. كنت مش عايشة من غيرك، من غير صهيب حبيبها."

نظر "صهيب" في عينيها، وقال بصدق: "لين، أنتِ الحاجة الوحيدة اللي فكرت فيا، ومن غيرك ولا حاجة."

عانقت "لين" "صهيب" بشدة، وظلا متعانقين، وكأن الزمن توقف ليحتضن لحظة عودة الروح إلى جسدها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد ساعات طويلة من اجتماع العائلة في الأسفل، كانت "مليكة" تجلس بهدوء بين "هيرا" و "ماسة"، تتبادلن أطراف الحديث العادي. فجأة، شق صوت "مايا" الرقيق الصمت بسؤال حمل نبرة من القلق: "مليكة، أنتِ ما تعرفيش ادوارد فين؟"

رفعت "مليكة" حاجبيها باستفهام، وسألت: "ليه؟"

أجابت "جوليا" بجدية، وعلامات الحيرة مرتسمة على وجهها: "له أسبوع مختفي، ومفيش خبر عنه خالص."

تداخل "دين" بفضول، وكأنه خارج الصورة تمامًا: "مين ادوارد؟"

رمقته "مايا" بنظرة تؤكد أهمية الأمر، وقالت: "ده ادوارد، مصمم معروف بيشتغل معانا في الشركة، ومختفي بقاله أسبوع كامل، ومحدش يعرف عنه أي حاجة."

سأل "جاك"، وقد بدأ القلق يتسلل إلى نبرته: "طيب، آخر مرة حد شافه إمتى؟"

أشارت "هيرا" نحو "مليكة" بتساؤل: "تقريبًا آخر واحدة شافته مليكة، مش كده؟"

تداخل "سام"، الذي كان منشغلًا بممازحة "جهاد" الصغير، وقال بنبرة مازحة: "يبقى أكيد اسألوا مليكة."

رمقته "جوليا" بنظرة غيظ واضحة، ولسان حالها يقول: "أومال إحنا بنعمل إيه يا أستاذ سام؟"

ابتسم "سام" باعتذار خفيف، وقال: "اعتذر آنستي."

توجهت "ماسة" بالسؤال إلى "مليكة"، وقد لاحظت صمتها المفاجئ: "مليكة أنتِ ساكتة ليه؟"

تنهدت "مليكة"، وأجابت بهدوء صادم، وكأنها تلقي قنبلة بين أيديهم: "أبدًا... ادوارد طلب إيدي للزواج."

تجمد الجميع في أماكنهم، واتسعت أعينهم بصدمة عارمة، ولم يخرج منهم سوى صرخة جماعية مذهولة: "إييييييه!"

نظرت "مليكة" إليهم ببرود، وكأنها تخبرهم بأبسط حقائق الكون: "طلب إيدي من ابن عمي الكبير."

اتسعت عينا "مايا" بصدمة وصلت حد الذهول، وصرخت: "يا نهارك أسود!"

شهق "جاك"، وفهم الأمر على الفور: "جون!"

رمقتها "جوليا" بنظرة اشمئزاز، وقالت بحدة: "ده طلع أهبل!"

سألت "ماسة"، وقد بدأت تستوعب حجم الموقف: "هو ما يعرفش إنه زوجك؟"

هزت "مليكة" رأسها ببطء، مؤكدة: "لا ما يعرفش."

نظر "سام" إلى "جوليا" بسخرية، وقال: "ولسه بتدوري عليه!"

ضحك "دين" ضحكة سوداء، وقال بتشاؤم: "ده أكيد الجثة بتاعته متعلقة عريانة."

رمقته "ماسة" بغيظ، وقالت بحدة: "دين الزفت! اخرس، الطفل قاعد جنبك!"

نظر "سام" إلى "جهاد" الصغير ببراءة زائفة، وقال: "طفل إيه؟ أنا شاكك إنه كبير وبيستهبل!"

صاح "جهاد" الصغير بغضب طفولي بريء، وقد نفد صبره: "العب وأنت اسكت يا زفت!"

نظر "سام" إليهم منتصرًا، وقال: "شوفتوا!"

توقفت "ماسة" عن مزاحها، ولاحظت شحوب "لين" وشرودها، فسألت بقلق: "لين أنتِ كويسة؟"

أجابت "لين" وهي غارقة في أفكارها حول تغير "صهيب" المفاجئ: "أيوة كويسة."

نظرت "ماسة" إليها بشك لم تستطع إخفاءه: "أومال ساكتة ليه؟"

ابتسمت "لين" ابتسامة باهتة، وقالت بهدوء: "أبدًا، بس دماغي وجعاني شوية."

نظرت "ماسة" إليها بحزن، وقالت: "تمام."

تتجه الأنظار فجأة نحو "جهاد" الصغير الذي ركض مسرعًا باتجاه "جون"، الذي اقترب من الجميع. وبجواره فتاة ذات عيون زرقاء كالسماء الصافية، وشعر أصفر ينساب على كتفيها، وجسد نحيل طويل، تعانق يد "جون" بتملك واضح.

شعرت "مليكة" بوخز من الغيرة، لكنها تجاهلته ببراعة.

وقف "جون" أمام الجميع، وقال بهدوء مصطنع: "مساء الخير."

رد الجميع في نفس واحد: "مساء النور."

سأل "سام"، ولم يتمالك نفسه من إطلاق دعابته المعتادة: "مين القشطة؟"

رمقته "جوليا" بنظرة غاضبة، وقالت بحدة: "ساااام!"

قالت "مايا" بقرف واضح: "مين السحلية؟"

نظر "دين" إليها بصدمة، وارتسمت علامات الدهشة على وجهه: "إيه هي دي سحلية؟"

نظرت "مايا" إليه بعينين مشتعلتين، وقالت بتحدٍ: "إيه، مش عاجبك؟"

أجاب "دين" بخوف مصطنع: "عجبني طبعًا!"

قال "جهاد" الصغير ببراءة طفولية، موجهًا حديثه إلى جون: "جون، دي سحلية اللي في مصر بجد؟"

وضعت "ماسة" يدها على فم "جهاد" الصغير، وقالت بحنان: "بس يا حبيبي، بس عيب."

نظرت "هيرا" إلى "جاك" الذي كان يجلس بصمت غير معتاد، وسألته: "إيه، أنت كمان مش عايز تقول حاجة؟"

ابتسم "جاك" ابتسامة ساحرة، وقال بهدوء: "أنا مش شايف غيرك أصلاً هنا."

ابتسمت "هيرا" بحب واضح. ثم نظرت "جوليا" إلى "سام" بقرف وقالت: "معفن!"

قال "سام" بغيظ لـ جاك: "ارتحت!"

نظرت "ماسة" إلى "جون' بتساؤل، وعلامات الاستفهام تملأ عينيها: "مين دي يا جون؟"

نظر "جون" إلى الفتاة التي بجواره بابتسامة هادئة، وقال ببطء، وكأن كل كلمة تحمل وزنًا ثقيلًا: "أقدم لكم ماريا... خطيبتي."

شعر الجميع بصدمة هائلة، وتجمدت الأنفاس في صدورهم، وصرخوا جميعًا في ذهول، ما عدا مليكة: "إييييييه!"

نظر "جون" إلى هدوء "مليكة" الذي بدا غريبًا في هذه اللحظة.

نهضت "مليكة" ووقفت أمامه، ونظرت إليه بابتسامة بسيطة، ابتسامة تخفي وراءها بحرًا من المشاعر،

وقالت بصوت بالكاد مسموع: "مبروك، ألف مبروك."

نظرت "ماريا" إلى "مليكة" بابتسامة خبيثة، وقالت بنبرة تحمل تحديًا خفيًا: "الله يبارك فيكِ، أنا بعرف أتكلم مصري كويس أوي يا مليكة."

قالت "مليكة" بضيق واضح في صوتها، وقد نفد صبرها: "والله كويسة، عن إذنك."

غادرت "مليكة" مسرعة نحو الأعلى، وركضت الفتيات خلفها دون تردد.

نظر "جاك" إلى "جون" بصدمة، وقال بصوت خافت: "ليه؟"

أكد "جون" وهو ينظر للأعلى، وعيناه تحملان خليطًا من الحزن والتصميم: "هي اللي اختارت."

قالت "ماريا" بخبث، وهي تشد على ذراع جون: "حبيبي، أنت مش قلت إنكم خلاص؟"

أكد "جون"، وكأنه يحاول إقناع نفسه: "أيوة، خلينا نمشي."

غادرت "ماريا"، وقالت بوداع مزيف: "تمام، عن إذنكم، بكرة أشوفكم تاني، باي."

غادر "جون" المكان، ونظر الشباب إلى بعضهم بذهول تام. قال "دين" بتعجب: "إيه اللي بيحصل ده؟"

قال "سام" بصدمة لم يصدقها: "معقول جون يتزوج على مليكة؟"

نكر "جاك" الأمر بشدة، وقال بيقين: "مستحيل! أنتم عارفين مليكة بتحب جون إزاي، وهو كمان. أكيد لا."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الأعلى، دلفَت "مليكة" إلى الغرفة وهي تتنفس بصعوبة بالغة، وكأن حمل العالم كله جاثمٌ على صدرها. اقتربت منها الفتيات، وقد بدت على وجوههن علامات الضيق والقلق.

نطقت "هيرا" بنبرة لوم وعتاب: "ده بسبب اللي بتعمليه يا مليكة! شفتي عنادك وصلك لفين؟"

جلست "مليكة" على السرير بهدوء ظاهري، يخفي وراءه عاصفة من المشاعر، وقالت بصوت بالكاد مسموع: "دي حريته."

رمقتها "ماسة" بصدمة لم تستطع إخفاءها: "مليكة! إزاي أنتِ بتحبي جون وتقبلي باللي بيحصل ده؟"

قالت "مايا" بتعجب وهي تهز رأسها: "هو إزاي جون عمل كده أصلاً؟"

أكدت "جوليا" بحدّة، وكأنها تمتلك الحقيقة كاملة: "أكيد هيعمل كده! مليكة كل يوم بتثبت إنها بتكرهه، وهي بتعند مش أكتر، صح؟"

نفت "مليكة" بقوة، وعيناها تلمعان بحزن عميق: "لا مش بعند. أنا بكرهه ومش بحبه، ده مش جاد... جاد مش موجود. أنا مش بحب الشخص ده، أنا بحب جاد وبس."

تسمرت "هيرا" في مكانها بذهول، وقالت بنبرة حزينة: "أنتِ بتقولي إيه يا مليكة؟ أنتِ بتقولي كلام وبس! ده جاد حبيبك، بلاش تخسري... فين مليكة بتاعت زمان اللي بتعشق الحياة وبتعشق جون؟"

أكدت "مايا" بقوة: "فعلاً، أنتِ اتغيرتي يا مليكة، بلاش تعملي كده."

أصرّت "جوليا" بكلمات قاسية، محاولة إيقاظها من غفلتها: "مليكة، بكرة تندمي وتخسري جون. هو بيحبك، هو كره كرهك له. دلوقتي السحلية دي تاخده منك."

لم تستطع "مليكة" التحمل أكثر، فانتفضت واقفة وقالت بضيق شديد، وقد بلغت بها المشاعر أقصاها: "اطلعوا برا! براااا!"

أكدت "ماسة" بحسرة، وهي تسحب الفتيات معها: "يلا بينا نطلع."

خرج الجميع تاركين مليكة وحدها. تمددت على الفراش، وقد غاصت في بحر من الأفكار المتلاطمة. تدفقت الدموع من عينيها، وهمست بصوت مبحوح: "وحشتني يا جهاد أوي أوي... يا ريتك كنت موجود معايا. أنا حاسة بالوحدة من غيرك... آآآه."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

         

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب تحترق

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (36)
الفصل 0: المقدمة
2025/10/23
الفصل 00: الشخصيات 🦋
2025/10/23
الفصل 1: البارت الاول 🦋
2025/10/23
الفصل 2: البارت الثاني 🦋
2025/10/23
الفصل 3: البارت الثالث 🦋
2025/10/23
الفصل 4: البارت الرابع 🦋
2025/10/23
الفصل 5: البارت الخامس 🦋
2025/10/23
الفصل 6: البارت السادس 🦋
2025/10/23
الفصل 7: البارت السابع 🦋
2025/10/23
الفصل 8: البارت الثامن 🦋
2025/10/23
الفصل 10: البارت العاشر 🦋
2025/10/23
الفصل 11: البارت الحادى عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 12: البارت الثاني عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 13: البارت الثالث عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 14: البارت الرابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 15: البارت الخامس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 16: البارت السادس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 17: البارت السابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 18: البارت الثامن عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 19: البارت التاسع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 000: الشخصيات الثانيه 🦋
2025/10/23
الفصل 20: البارت العشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 21: البارت الواحد والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 22: البارت الثاني والعشرين
2025/10/23
الفصل 23: البارت الثالث والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 24: البارت الرابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 25: البارت الخامس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 26: البارت السادس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 27: البارت السابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 28: البارت الثامن والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 29: البارت التاسع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 30: البارت الثلاثين🦋
2025/10/23
الفصل 31: البارت الواحد والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 32: البارت الثاني والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 33: البارت الثالث والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 34: البارت الاخير 🦋
2025/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة