البارت الثالث عشر 🦋

البارت الثالث عشر 🦋

38 0

نبدأ 🙋

بعد أيام قليلة من خطبة الشباب، التي ألقت بظلالها على القصر بأكمله، كانت الأجواء تغلي بالترقب، خاصة مع خبر حمل "ماسة" الذي ذاع في كل أرجاء البيت، والعناية الفائقة التي حظيت بها من الجميع، وكأنها قطعة من البلور.

في حديقة القصر الفسيحة، حيث تتناثر أزهار الياسمين البيضاء وتعبق رائحتها في الهواء، كان "سلطان" يجلس على مقعد خشبي عتيق، وعيناه تتأملان الفراغ، كأنها تبحث عن إجابات في الأفق البعيد. قطع عليه سكون المكان اقتراب "جهاد" بخطوات مترددة، يحمل في عينيه ثقلًا لا تخطئه عين.

"جدي، ممكن أتكلم معاك؟" همس 'جهاد'، وصوته يحمل رجفة خفيفة.

رفع "سلطان" رأسه، وابتسامة رقيقة ارتسمت على شفتيه، لكنها لم تخفِ قلقًا دفينًا: "بالتأكيد يا جهاد، تفضل يا بني."

جلس 'جهاد' أمامه، يداه متشابكتان بقوة، وعيناه تتجنبان النظر في عيني 'جده'، كأنه يحاول جمع شتات كلماته: "كنت عايز أتكلم بخصوص جاد."

"عايز تقول إيه يا جهاد؟" سأل 'سلطان'، نبرته هادئة، لكنها تخفي ترقبًا عميقًا.

تنهد 'جهاد' بعمق، كأن حملًا ثقيلًا جاثمًا على صدره: "جاد لازم يعرف السبب اللي رحت له مصر."

"لكن يا جهاد، أنت كدا بتدمر كل حاجة. بتهدم جسور الثقة اللي بينكم." حذر 'سلطان'، وقد ظهر القلق جليًا على ملامحه.

"لا يا جدي، أنا مستحيل أتحمل العذاب ده أكتر من كده. كل يوم بيكبر جوايا شعور بالذنب. جاد لازم يعرف. لازم يعيش الحقيقة زي ما أنا بعيشها." نفى 'جهاد' بشدة، وارتعش صوته بالغضب الممزوج باليأس.

"هتروح تقول له إيه؟ إني متزوج أخته، وإني سافرت مصر عشان أدور عليها؟ هتفتح أبواب جهنم على نفسك وعليه." سأل 'سلطان'، محاولًا إظهار بشاعة الموقف، وكأنه يرى سيناريو مأساويًا يتكشف أمامه.

نظر 'جهاد' إلى 'سلطان' بنظرة حزينة، ثم قال بصوت متهدج، وكأن الكلمات تخرج من أعماق روحه: "جاد لو عرف من حد تاني، مستحيل يسامحني. هيتحطم. لو عرف إن ماسة أخته وهو ما يعرفش، هيدمر الدنيا ."

"عارف، وعشان كدا بقولك بلاش تقوله. أنا اللي هقول له كل حاجة في الوقت المناسب. أنا اللي هختار اللحظة اللي تكون صدمته أقل، واللي يقدر يستوعبها." أكد 'سلطان' بكلمات قاطعة، لكن عيناه كانتا تحملان عبئًا ثقيلًا.

انحنى 'جهاد'، وعيناه غائمتان بالدموع، وهمس بكلمات كأنها اعتراف مؤلم: "أنا أول ما شفت ماسة حبيتها يا جدي، وأنا ما أعرفش إنها أخت جاد... أنا ما اتجوزتش ماسة عشان أنت طلبت كدا. أنا بحبها والله العظيم بحبها. قلبي اختارها قبل ما عقلي يعرف الحقيقة."

ربت 'سلطان' على كتف حفيده بحزن عميق، وعيناه تعكسان فهمًا لما يمر به: "عارف يا جهاد، أنا أكتر شخص عارف اللي جوا قلبك. الألم اللي بيعصف جواك، والخوف اللي مالي روحك."

هز 'جهاد' رأسه بالنفي، ونظرة اليأس تملأ عينيه، وكأنها انعكاس لواقع مرير: "لا يا جدي، ما فيش حد عارف أو حاسس باللي فيا. ده حمل تقيل اوي، وما فيش حد يقدر يشيله من عليا."

"بالتأكيد في يوم من الأيام كل اللي جواك من تعب هيروح، صدقني. ربنا مش بيسيب حد يتألم لوحده." حاول 'سلطان' طمأنته، لكن صوته كان يحمل نبرة حزن عميقة.

"لا يا جدي، اللي أنا متأكد منه إن كل ده هيروح بالدم. التمن هيكون كبير." قال 'جهاد'، وعيناه تحدقان في الفراغ، كأنه يرى مصيرًا مظلمًا.

"أنا مش هسمح بكده مهما حصل يا جهاد. روحك غالية عندي، وحياتك أهم من أي شيء." قال 'سلطان' بقوة، وعيناه تشتعلان بالإصرار، لكن في داخله كان الخوف يتملكه.

رفع 'جهاد' عينيه إلى السماء الداكنة، وهمس لنفسه بمرارة، وكأنها نبوءة مؤلمة لا مفر منها: "صدقني يا جدي، حتى أنت في اليوم ده مش هتقدر تمنع حاجة."

ظل 'سلطان' ينظر إلى 'جهاد'، وقلبه يعتصر ألمًا وحزنًا على ما تحمل هذا الشاب من أوجاع وظلم، وعلى المستقبل المجهول الذي ينتظرهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في قصرهم الفخم، كانت الأم "كوثر" تجلس في غرفتها الهادئة، نور خافت يتسلل من النافذة ويسقط على صفحات كتاب عتيق كانت تتصفحه بعناية.

بجانبها، فنجان قهوتها الساخنة، ينبعث منه البخار الرقيق، ترتشف منه ببطء وسكينة، وكأنها تحاول استعادة هدوئها الداخلي الذي اهتز مؤخرًا.

قطع عليها هذا الصفاء طرق خفيف على الباب، كأنه دقات قلب خائف.

"اتفضل." قالت 'كوثر' بصوت رقيق، وعيناها مرفوعتان نحو الباب.

فُتح الباب ببطء، وظهر 'جهاد' من خلفه، ووجهه يحمل أمارات التعب والقلق، وعيناه تحملان همًا خفيًا.

"ممكن أدخل؟" سأل بتردد، وكأنه يطلب ملاذًا.

تركت 'كوثر' القهوة من يدها، وابتسامة حانية ارتسمت على شفتيها، وكأنها تريد أن تمسح كل أحزانه: "طبعا يا حبيبي، تعال يا روحي."

دخل 'جهاد' وأغلق الباب خلفه، ثم اقترب وجلس أمامها على الأرض، كأنه طفل يبحث عن حضن أمه: "وحشتيني. جيت أشوفك. كنت محتاج لكلامك."

وضعت 'كوثر' يدها على خده، ومسحت حزنًا خفيًا شعرت به، فقد كانت تعرف ابنها جيدًا: "يا حبيبي، أنت مش كنت معايا من شوية؟ ده أنا لسه شايفاك."

ابتسم 'جهاد' ابتسامة حنونة، لكنها لم تصل إلى عينيه، كأنها قناع يخبئ ألمًا عميقًا: "أنت عارفة أنا مش بشبع منك أبدًا يا أمي. أنت الأمان بتاعي."

"مالك يا جهاد؟ فيك حاجة؟ قلبي حاسس بيك." سألت 'كوثر' بقلق، فقد كانت تعرف ابنها جيدًا، وتشم رائحة الحزن من مسافة بعيدة.

"أنتِ زعلانة مني؟" سأل 'جهاد'، وعيناه تبحثان عن طمأنة، وكأنه يخاف أن يفقد حبها.

"لا طبعًا، أنت ليه بتقول كدا؟ عمرك ما زعلتني." نفت 'كوثر' على الفور، وعيناها مليئتان بالحب.

"حتى لما اتجوزت من غير ما تعرفي؟ عملت كل حاجة من وراكي." قال 'جهاد'، وكأنه يعترف بذنب.

هزت 'كوثر' رأسها بابتسامة حانية، وبنبرة مليئة بالحب العميق: "يا قلب أمك، أنت عارف يا جهاد إنك مهما عملت مش بزعل منك. أنت ابني اللي ما جبتهوش، أنت روحي."

"مش عايزة تعرفي سبب الزواج المستعجل ده؟ ممكن يكون فيه حاجة تزعلك." سأل 'جهاد'، وعلامات الخوف بدأت تظهر عليه، وكأنه على وشك أن يكشف سرًا عظيمًا.

ضحكت 'كوثر' بصوت خفيف، وكأنها تزيح عنه عبئًا: "أنت مش بتعمل حاجة غلط وأنا متأكدة من ده. زي ما أنا متأكدة إنك عملت الصح. قلبي عمره ما كذب عليا فيك."

بنظرة خوف عميقة، ارتجف صوت جهاد: "ماما، ممكن أطلب منك طلب؟ أهم طلب في حياتي."

"بالتأكيد يا قلب ماما. عيوني لك." أكدت الأم، وقلبها ينقبض خوفًا مما سيقوله، فقد أحست بثقل الكلمات قبل أن تُقال.

انحنى 'جهاد' أكثر، وعيناه مليئتان بالدموع، وصوته يكاد يكون همسًا: "ممكن لو مهما  حصل، تسامحيني؟ عشان مش هقدر أعيش وفى نظرة زعل وحدة في عيونك... أنت أمي اللي مهما عملت في حياتي، مش هديكي حقك. عمر ما حد حبني زي ما أنتِي حبتيني."

امتلأت عينا 'كوثر' بالدموع، وقالت بصوت متهدج، وهي تحتضنه بقوة، كأنها تحاول امتصاص كل آلامه: "يا روحي أنت... ربنا عالم أنا بحبك قد إيه يا جهاد. أنت كنت هدية "سلمى" ليا، عوضتني عن كل اللي فات. أنت مهما عملت قلبي راضي عنك. أنت روح البيت ده، ونوره. أنا مش عارفة ليه أنت بتكره "يوسف"، بس اللي أعرفه إنك مستحيل تعمل الغلط. قلبي بيشهد لك."

"ربنا يخليكي ليا. أنت أحسن أم في الدنيا. أنا بحبك يا أمي، بحبك اوى." قال 'جهاد'، وعيناه تذرفان دموعًا حارة، كأنها توديع أخير.

نهضت 'كوثر' وعانقته بقوة، وكأنها تريد أن تمسح عنه كل أحزانه وتثبت وجودها معه: "يا حبيبي، ربنا لا يحرمني منك. أنت سندي في الدنيا."

ابتعد 'جهاد' عنها ببطء، وابتسامة حزينة مرسومة على شفتيه، وكأنها وداع مؤلم: "أنا همشي، عن إذنك."

"روح يا حبيبي، ربنا يحفظك ويحميك." قالت 'كوثر' بحنان، ويدها تلوح له بوداع، وقلبها ينقبض.

نظر 'جهاد' إليها بحب عميق، وكأنها اللحظة الأخيرة، ثم غادر الغرفة بصمت، تاركًا وراءه حزنًا ثقيلًا، وهاجسًا لا يبارحه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شقت صرخاتُ امرأةٍ الليلَ، اختراقًا عنيفًا لسكونٍ هشٍّ كان يحاول التسلل إلى روح الطفل الصغير الواقف جامدًا أمام مرآةٍ يرتعش انعكاسُها مع كلِّ صوت. "جهاد! اهرب يا جهاد! ابعد من هنا!"

ترددت الصرخات، لا مجرد كلمات، بل جراحٌ صوتيةٌ تنزفُ في ذاكرةٍ لم تُطوَ بعد.

تسمر "جهاد" في مكانه، الخوفُ يرتسمُ على وجهه كقناعٍ من الرعب، دموعُه تتدفقُ بغزارةٍ لا يملكُ لها تفسيرًا. "لا يا ماما، مش هسيبك، يا ماما!" خرجت الكلماتُ كأنها آخرُ نفسٍ يمتلكه.

توسلت الأم، عيناها تفيضانُ بحرًا من الدموع، تستجدي الحياةَ في هروب طفلها، "لا، اهرب! لو ممشيتش هتموت! اهرب!" نبرتها تحملُ يأسَ من يرى نهايةَ الوجود.

مد "جهاد" يده الصغيرة، يستنجدُ بها كغريقٍ يبحثُ عن قشة، "تعالي معايا يا ماما!"

توسلت الأم مجددًا، صوتُها مبحوحٌ من الألمِ والرجاء، "امشي يا حبيب ماما، اهرب!" كلماتٌ أخيرةٌ أرادت أن تظلَّ حيةً فيه.

ركض "جهاد"، خطواتُه المتعثرةُ تحملُ ثقلَ عالمٍ ينهار، صدى صراخِ أمه يطارده: "ماما! ماما! تعالي، ماتسيبينيش، ماما!"

فجأةً، انفجرَ صوتُ طلقٍ ناريٍّ، مزقَ هدوءَ اللحظةِ كصاعقةٍ مفاجئة. ارتعشَ "جهاد" والتفتَ، قلبهُ ينفجرُ في صدره، يصرخُ صامتًا. ركضَ نحو الصوت، نحو المكانِ الذي رأى فيه أمه، جسدُها غارقٌ في بحرٍ قرمزيٍّ، يُعلنُ نهايةَ البراءة.

"ماما! ردي عليّ، ماما! ردي!" صرخاتٌ يائسةٌ، لا تحملُ إلا رجاءَ طفلٍ يرفضُ الواقع.

فتحت الأمُ عينيها بصعوبةٍ، نظرةٌ أخيرةٌ تحملُ أمانةَ الحياةِ، وصيةَ البقاء، "اهرب يا جـ...هاد... قبـ...ل ما يحـ...صل ليك حاجة... اهـ...رب..."

انفجر "جهاد" في شهقةٍ عاليهٍ، صوتها يحمل كل آلام الكون دفعة واحدة. "لا مش هسيبك! ردي عليّ يا ماما! تعالي معايا يا ماما!"

نظرات مرعوبة تجمدت في عينيه، أيقن أن النهاية قد حانت، وأن عالمه قد انهار. "ماما... ماما... مااااااااامااااااااا!"

نهض "جهاد" فجأةً من نومه، جسده يرتجف بعنف، والكلمات تخرج منه كأنها لعنة أبدية: "ماما! تعالي معايا! ماااااااااامااااااااااااااااا!"

اقتربت "ماسة" منه، وجهها يعكس قلقًا عميقًا، عيناها ترصدان كل تفاصيل معاناته. كان يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة بالغة، يتعرق بشدة، وجسده يرجف بقوة لا يستطيع السيطرة عليها. همس بصوت منخفض، يكاد يكون غير مسموع: "ماما... ماما..."

وضعت "ماسة" يدها على وجهه، لمست برود جبينه، محاولة أن تجذبه من عالم كابوسه المظلم، .:"جهاد حبيبي، أنت كويس؟ رد عليا يا جهاد!"

بصعوبة بالغة، خرجت الكلمة من بين شفتيه المرتعشتين: "ماسة..."

تجمعت الدموع في عيني "ماسة"، خوفها عليه يفوق أي وصف، أدركت أن هذا ليس مجرد حلمٍ عابر.: "حبيبي، إيه اللي حصل؟ أنت كويس؟ رد علي!"

هز "جهاد" رأسه، محاولًا أن يطمئنها، وأن يطمئن نفسه، "أنا... أنا كويس، ما تخافيش."

هزت "ماسة" رأسها نفيًا، كلماتها تحمل يقينًا بأن هناك ما هو أعمق من مجرد "كابوس". "لا، أنت مش كويس. إيه اللي حصل؟ و بتهرب من إيه؟"

نهض "جهاد" من فراشه، يتظاهر بالقوة واللامبالاة محاولًا إبعاد شبح ماضيه. "مفيش حاجة يا ماسة، أنا كويس. ده كابوس مش أكتر."

"ماسة" بحدةٍ، نبرتها تحمل إصرارًا على كشف الحقيقة، "لا يا جهاد، دي مش أول مرة! أنت تقريبًا بتحلم بيه كل يوم!"

بلع "جهاد" ريقه بصعوبة، نظراته تهرب من عينيها، يرفض الاعتراف بما يعيشه. "ماسة حبيبتي، ما فيش حاجة، صدقيني."

تعلقت "ماسة" في أحضانه، احتضانها يمثل له ملاذًا، وقوة لا يملكها بمفرده. "حاضر، المهم إنك كويس."

هز "جهاد" رأسه في صمتٍ، ثقل الذنب والماضي يضغط عليه. "أنا كويس. تعالي."

جلست "ماسة" على الفراش، نظراتها المتسائلة لا تفارقه، تشعر بأن هناك ما يقال. "نعم؟"

نظر "جهاد" إليها، خوف دفين يلمع في عينيه، يخشى أن يخسرها. "أنا بحبك. أنت عارفة كده؟"

"ماسة" بابتسامةٍ حانيةٍ، كلماته تلامس قلبها رغم قلقه الواضح. "عارفة."

"جهاد" بنظرةٍ تحمل رهبة الفقد والشك في نفسه، "طيب، لو مهما حصل، مش هتكرهيني؟"

"ماسة" بتأكيد قاطع، صوتها يفيض بالإخلاص والثقة المطلقة. "مهما حصل، أنت أهم حد في حياتي يا جهاد."

"جهاد" بترددٍ، الكلمات تتجمع في حلقه، ثقيلةً، محملةً بأسرارٍ مؤلمة. "حتى لو عرفت إني عملت حاجة ممكن تكرهيني عليها؟"

انتفض قلب "ماسة" خوفًا، نبرتها تحمل قلقًا متزايدًا، تستشعر خطرًا قادمًا. "أنت بتقول كده ليه؟ في إيه يا جهاد؟"

هز "جهاد" رأسه، يحاول طمأنتها بكلماتٍ واهنةٍ، بينما الصراع يدور في داخله. "مفيش يا حبيبتي، أنا بس بسأل."

نظرت "ماسة" إلى عينيه الدامعتين، أدركت أن هناك سرًا ثقيلًا يحمله  وأن حبه لها يدفعه للاعتراف ولو بطريقةٍ غيرِ مباشرة. "مهما حصل منك، أنا مسامحاك."

عانقها "جهاد" في صمتٍ، احتضانه لها كان اعترافًا صامتًا، وطلبًا للغفرانِ قبل أن يطلب. "عايزك تعرفي إني بحبك أوي يا ماسة، وإني مش وحش."

بادلت "ماسة" الحضن، تأكيدها يعكس ثقتها العمياء به، إيمانها بأنه طيب مهما كان ما يخفيه. "عارفة، وواثقة إنك أحسن حد في الدنيا دي يا جهاد. أنت مستحيل تكون وحش."

وضع "جهاد" قبلةً على رأسها، امتنانه لها يتجاوز كل الكلمات، هي ملاذه الأخير. "ربنا يخليكي لي."

"ماسة" بخوفٍ: "جهاد، أنت فيك إيه؟ أنا خايفة عليك."

"جهاد" بضحكةٍ خافتةٍ، يحاول تبديد مخاوفها، لكن آثار الكابوس لا تزال عالقة في روحه. "ما تخافيش، أنا دلوقتي كويس، صدقيني."

"ماسة" بابتسامة، تصدق كلماته، لكن قلقها عليه لم يبارحها تمامًا، أدركت أن القادم قد يكون أصعب مما تتخيل. "مصدقاك."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الصباح الباكر، بينما يتجمع الجميع حولَ طاولة الإفطار في جو من المبرح العائلي، هبط "جهاد" من الأعلى. كانت ابتسامة رقيقة تعلو وجهه، تخفي وراءها عتمة ليل لم يبارح روحه بعد، "صباح الخير."

الكل: "صباح النور."

غمز "صهيب" لـ "جهاد"، نبرته مرحة لكنها تحمل فضولًا لا يخفى.: "صاحي متأخر ليه؟"

ضربَ "جهاد" "صهيب" بالزيتونة، ضحكته تبدو خاليةً من الهمومِ، لكنها مجرد ستارٍ رقيق. "وأنت مالك!"

"صهيب" بغيظٍ مصطنعٍ، "أنا غلطان عشان قلقان عليك!"

"دين" بضحكٍ، مستمتعًا بالموقف الساخر. "أحسن، تستاهل!"

"صهيب" بغيظٍ، "أنت بتدخل ليه؟"

"سام" بسخريةٍ، "أصلي بيتعلم منك!"

"صهيب" بتساؤلٍ، يتظاهرُ بالاستغرابِ من تواطئهم ضده. "أنتوا متفقين مع بعض عليا؟"

"سام" وهو يهز رأسه، "حاجة زي كده!"

"صهيب" بغيظٍ، "نفسي ما فيش حد يدخل في أمور الآخرين!"

"جهاد" بتساؤلٍ، مشاركًا في المزاحِ، رغمَ الثقلِ الذي يحملهُ في داخله. "والله ناس باردة فعلًا، بتدخل في اللي ما يخصهمش!"

"صهيب" وهو يأكل ويهز رأسه بتأكيدٍ، "فعلاً دول حاجة مش طبيعية!"

"مليكة" بضحكٍ وهي تشير إلى رأسه، "صهيب، أنت متأكد إن ده عقلك؟"

"لين" بضحكٍ، "ههههه، ما أعتقدش!"

"سام" وهو ينظر لـ "صهيب"، "أنا فخور بيك... يا بيضة!"

"دين" بضحكٍ، "ههههه، أنت نوع نادر من الحيوانات يا صهيب!"

"صهيب" بغيظٍ، "والله ما فيش حد حيوان غيرك أنت وهو!"

"جهاد" بتأكيدٍ، يضفي لمسةً إضافيةً من المزاحِ، ليُخفيَ ما يكتنفه. "وأنت معاهم!"

"صهيب" بغيظٍ، يتظاهرُ بالضيقِ الشديدِ، لكنَّ الضحكاتِ كانتَ تتبعُ كلماته. "أنا مش عارف أنتوا ليه بتحسسوني إني حمار؟"

"جاسي" بضحكٍ، كلماتها تكشفُ عن علاقةٍ مرحةٍ وخاليةٍ من التكلف. "عشان أنت كده فعلاً!"

الكل: "هههههه."

"صهيب" بغيظٍ، "اسكتي يا قردة هانم!"

"جاسي" وهي تهز رأسها لـ "صهيب"، "حاضر يا أنكل حمار!"

"كوثر" وهي تنظر لهم بحدةٍ، تحاولُ فرضَ بعضِ النظامِ على فوضاهم المحببة. "بس عيب، مش كل يوم!"

"صهيب" بضيقٍ، يتصنعُ البراءةَ، وكأنَّه الضحيةُ البريئة. "أنت مش شايفة يا ماما بيعملوا معايّ إيه؟"

"كوثر" بغيظٍ، تضعُ اللومَ عليهِ، فلطالما كانَ هو شرارةَ المرح. "اسكت أنت السبب!"

"صهيب" وهو يأكل بغيظٍ، "لا، أنا اسكت أحسن."

"لين" بضحكٍ، "معلش!"

"صهيب" وهو ينظر لـ "لين" بغزلٍ، "عشانك أنتِ والله!"

"مليكة" بتأكيدٍ، "أنت كل يوم كده يا صهيب!"

"جهاد" وهو يأكل بضحكٍ، يراقبُ المشهدَ، ضحكتهُ تُخفي آلافَ الأفكارِ المتضاربة. "ههههه، وياريت بيتعلم!"

"ماسة" وهي تنظر إلى "صهيب"، حنانها يظهرُ في كلماتها، تُخففُ من حدةِ المزاح. "والله حرام، ده صهيب لطيف."

"صهيب" وهو ينظر إلى "ماسة"، كلماته تكشفُ عن تقديرٍ خاصٍ لها، هي الوحيدةُ التي تفهمُ "لطفه". "طيب، والله ما فيش غيرك في البيت ده!"

ثم نظر إلى "جون" وقال، "بعدك طبعًا!"

الكل: "ههههههه."

"صهيب" وهو ينهضُ، "أنا رايح المرسم."

"ماسة" بنظرةِ دهشةٍ، اكتشفتْ جانبًا جديدًا في شخصيتهِ، يُثيرُ فضولها. "الله، أنت بتحب ترسم؟"

"صهيب" بتأكيدٍ، "أيوه."

"ماسة" وهي تهز رأسها، "أنا كمان."

"لين" بتأكيدٍ، "دي ماسة بترسم حلو أوي!"

"صهيب" بتأكيدٍ، "خلاص، تعالي معايا وتيجي لين كمان."

"جهاد" وهو ينظر لـ "ماسة" و"صهيب" بضيقٍ وحزنٍ يزدادانِ عمقًا، شعرَ بأنَّ شيئًا ما يُسحبُ منه، وأنَّ الظلالَ بدأتْ تلتهمُ نوره. "روحي يا ماسة."

نهضت "ماسة" بفرحٍ، "طيب أنا ممكن ثواني وأكون جاهزة."

"صهيب" بتأكيدٍ، "طيب أنا في الانتظار."

صعدت "ماسة" للأعلى وهبطت بسرعةٍ وغادرت هي و"صهيب" و"لين" معًا، وظلَّ "جهاد" والآخرون جالسين، يُدركُ أنَّ لحظةَ الحقيقةِ تقتربُ، وأنَّ الأسرارَ التي كتمها لسنواتٍ ستُفضحُ قريبًا.

حتى قال "جون" وهو ينظر لـ "جهاد"، "جهاد، عايزك."

"جهاد" وهو ينهضُ خلفه، يعلمُ أنَّ هذهِ الدعوةَ ليستْ بريئةً، وأنَّ مصيرهُ قد يتحددُ الآن. "تمام."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دلف "جون" إلى المكتب، يتبعه "جهاد" الذي كان يلفّه قلقٌ مكتوم. جلسا الاثنان، وبادر "جهاد" متسائلًا بنبرةٍ تكاد لا تخفي ارتباكه: "خير يا جاد، أنت كويس؟"

نَفى "جون" برأسه، وعيناه تخترقان جهاد: "أنت اللي فيك إيه؟ حاسس إن في حاجة مش عايز تقولها ليّا."

حاول "جهاد" التماسك، ينفي بتأكيدٍ مصطنعٍ: "لا أبدًا... أكيد لو في حاجة هقول، أنت عارف أنا مش بخفي عنك حاجة."

تأمّل "جون" وجهه بشكٍ لم يخطئه جهاد: "مش عارف ليه حاسس عكس كلامك."

حاول "جهاد" إقناع "جون"، وكأنه يثبت شيئًا لنفسه قبل جون: "جاد، أنت أكيد هتعرف لوحدك أي حاجة أنت شاكك فيها، مش كده؟"

ابتسم "جون" ابتسامةً خفيفةً، تحملُ في طياتها تحديًا: "كويس إنك عارف. يعني لو في حاجة، هعرف بيها أكيد يا جهاد."

أومأ "جهاد" بتأكيدٍ، يحاول تغيير مجرى الحديث: "عارف. المهم أنت بقى، مالك؟ في حاجة؟"

تنهّد "جون" ببطء، وكأنّ الكلمات تخرج منه بصعوبة: "في حاجة. أنا عرفتها وأنت مسافر."

تساءل "جهاد" وقلبهُ يرتجف: "في إيه؟"

أرجع "جون" ظهره إلى الخلف، يستند إلى مقعده، ونظرةٌ ثقيلةٌ غطت وجهه: "أنا عرفت مين قتل أبويا."

تجمّد "جهاد" مكانه، وذهولٌ كاملٌ ارتسم على ملامحه: "إيه؟ إزاي؟ ومين؟"

تحدث "جون" بضيقٍ، وكأنّ الحقيقة مرّةٌ في فمه: "ليو هو اللي قال إن اللي قتل أبويا واحد من العيلة."

سأل "جهاد" بهدوءٍ مصطنعٍ، يحاول استيعاب الصدمة: "واحد من العيلة مين؟"

نفى "جون" برأسه، ملامحه تعكسُ حنقًا: "ما أعرفش."

نظر "جهاد" بدهشةٍ، وكأنّ العقل يرفض التصديق: "يعني إيه ما تعرفش؟ أومال عرفت إزاي؟"

أجاب "جون" بضيقٍ، صوتهُ يحملُ مرارةً: "ليو ما عرفش غير إنه واحد من العيلة بس مين، ما عرفش لسه."

نظرةُ تساؤلٍ ملأت عيني جهاد: "طيب وبعدين؟"

أجاب "جون" بنفيٍ، وعيناه تشتعلانِ بوعيدٍ: "مش عارف. بس أكيد هعرف مين، ومش هرحمه."

أومأ "جهاد" بتأكيدٍ، وكأنّ الكلمة تعزف على وترٍ حساسٍ بداخله: "أكيد."

نظر "جون" إليه بجديةٍ، وغير مسار الحديث فجأة: "طيب في شغل مهم عندي، وأنت معايا."

أومأ "جهاد" بتأكيدٍ: "تمام."

نهض "جون"، إشارةٌ منه للانطلاق: "خلينا نمشي."

غادر الاثنان المكتب معًا. وصلا إلى مكانٍ يقفُ فيه "جاك"، واقترب "سام" من "جون" قائلًا: "هنا المكان اللي موجود فيه البنات."

تأمّل "جون" أحد القصور القديمة التي يحيطها سورٌ عالٍ، وفي مقدمته يقفُ عددٌ كبيرٌ من الرجال كالحراس. نظر إلى "هيرا" التي كانت تجلس على السيارة، تحمل السلاح بيدها، وسأل: "كم عددهم؟"

رفعت "هيرا" عينيها إلى عين "جون" بجديةٍ قاتلةٍ: "خمسين."

نظر "جهاد" إلى "جون"، ونبرته تحملُ قفلقًا: "هناك الكثير من الرجال."

أومأ "جاك" بتأكيدٍ: "أجل، وأيضًا عدد كبير من الفتيات المخطوفين."

نظر "دين" إلى "جون"، وتساءل بانزعاجٍ: "أنا لا أفهم يا جون، نحن رجال مافيا، لماذا نعمل عمل الشرطة؟"

أكّد "سام" كلام دين: "مع دين حق."

نفى جهاد وهو ينظر إليهما، كلماتهُ تحملُ قناعةً عميقةً: "لا، ليس كذلك. نحن نفعل الصح يا دين، إنهم سوف يقتلون هؤلاء الفتيات، والشرطة تتعاون معهم. ونحن سوف ننقذهم بالتأكيد."

قال "جاك" بضيقٍ، كلماتهُ تحملُ تحذيرًا: "لكن يا جون، إنها بضائع تخص... جون كيو، رئيس المافيا الصينية."

نظر "جون" إلى "جاك" بغضبٍ، عيناه تشتعلانِ بتحدٍ: "ماذا إذًا؟ هل ترى أني خائفٌ منه؟"

انعقد لسان "جاك"، وقال وهو يهز رأسه: "لا، لم أقصد هذا. ولكن سوف نقع في كثير من المشاكل."

نظر "جون" إلى عدد الحراس، كان يدرسُ تحركاتهم بدقةٍ، وعيناه تعكسانِ عزمًا لا يتزعزع: "أنا أحب المشاكل، وهؤلاء الفتيات إنهم موجودون في روسيا وليس الصين، أليس كذلك؟... وفي المرة الماضية حاول جون كيو قتلي، وأنا أخبره أنه ليس جيدًا اللعب معي... ومثلما قال جهاد، إنهم فتيات بحاجةٍ للمساعدة، ونحن سوف نساعد فقط."

نظر إليه "جهاد" بصدمةٍ، وكأنه ينظر إلى الشيطان ذاته، وقال: "هل رأيت يا جاك؟"

أومأ "جاك" بتأكيدٍ: "حسنًا، ماذا نفعل الآن؟"

رمق "جون" الجميع بنظرةٍ أخيرةٍ، ثم تقدم باتجاه القصر، صوتهُ حاسمٌ: "ماذا؟ العمل في الانتظار."

قفزت "هيرا" من على السيارة، وعيناها تلمعانِ بحماسٍ: "هيا إذا!"

تقدم الجميع نحو القصر. التف "جاك" و"دين" إلى الخلف، وقام "سام" بقطع الكهرباء عن القصر بأكمله، ليغرق المكان في ظلامٍ دامسٍ. توجه "جون" و"جهاد" و"هيرا" معًا إلى الأمام. اقترب منهم أحد الرجال وسأل: "إلى أين أنتم تذهبون؟"

ابتسمت "هيرا" ابتسامةً صفراء، تحملُ في طياتها تهديدًا مبطنًا: "إلى الداخل."

قال أحد الرجال بفظاظة: "إنه ليس مكانًا للسياحة سيدتي."

رفعت "هيرا" يدها للأعلى، سخريةٌ لاذعةٌ في صوتها: "وهل تراني أحمل الكاميرا في يدي؟"

نظر الرجل إلى "جون" والجميع بتفحصٍ: "إذًا ماذا تفعلون هنا؟"

رفع "جهاد" يده، وضربه بقوةٍ خاطفةٍ أردته أرضًا: "جئت للعب معك!"

اندفع بقية الرجال باتجاه "جون" و"هيرا"، لكنهم قاموا بضرب الجميع بمهارةٍ وشراسةٍ، دون إخراج أي صوتٍ. بعد السيطرة على كل من في الخارج، توجهوا إلى الداخل في الظلام، وظلوا ينظرون إلى المكان كأنهم يمتلكون عيني بومةٍ، وكأنهم يسيرون مثل الرياح دون إخراج صوتٍ أو حتى إصدار أي حركةٍ، كأنهم يعيشون هنا منذ سنين.

انطلق كل شخصٍ إلى جهةٍ معينةٍ، وأطلقوا النار على كل الحراس الموجودين بصمتٍ مميتٍ. صعدوا إلى الأعلى، وكان المكان مليئًا بشبكات الليزر الحمراء. نظر "جون" لـ "سام"، وخلال ثوانٍ كان كل المكان في أمان.

توجه الجميع للداخل، ووجدوا عددًا كبيرًا من الفتيات يجلسن على الأرض، وفوق رؤوسهن يقف عددٌ من الرجال يوجهون الأسلحة إلى رؤوسهن. كانت دموع الفتيات تغرق وجوههن، والرعب يملك قلوبهن، تريد كل واحدةٍ منهن الركض والهرب إلى حضن أمها.

نظر "جهاد" إليهن بحزنٍ عميقٍ، ثم إلى جميع الشباب. رفع السلاح الخاص به على رأس أحد الرجال، وكذلك فعل "جاك" و"دين" و"سام" و"هيرا" و"جون". وقبل أن يحرك أحدٌ من الرجال زناد المسدس، كانت جثث الجميع على الأرض بجوار الفتيات اللاتي صرخن بخوفٍ ورعبٍ.

نظر الشباب لبعضهم البعض، ثم أشار "جون" لـ "سام" و"هيرا"، وقاموا بمساعدة الفتيات.

أمر بتنظيف المكان كله، ولم يتركوا مجرد أثرٍ بسيطٍ لهم.

غادر الجميع المكان. وأخبر "جون" "سام" و"دين" بإرسال كل الفتيات إلى منازلهن بهدوءٍ.

ذهب كل منهن إلى المنزل، وكأنهن كن في المدرسة وليس مخطوفات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أحد الأماكن، كان يجلس شخصٌ يبدو عليه القوة والصرامة. نهض ووقف، ينظر إلى في أحد الأماكن، كان يجلس شخصٌ يبدو عليه القوة والصرامة. نهض ووقف، ينظر إلى الشخص الذي أمامه ويقول بتحذيرٍ يخترقُ الصدر: "مهما حصل، جون مش لازم يعرف مين قتل أبوه، أنت فاهم؟"

الشخص الثاني: "بس يا باشا، ده جون مش سهل أبدًا."

الشخص الأول بتأكيدٍ، ونبرتهُ حادةٌ لا تقبلُ النقاش: "عارف. عشان كده تعمل المستحيل، مفهوم؟"

الشخص الثاني: "بس يا باشا، جون مش بيستسلم."

الشخص الأول: "ولو هو بس عرف، الدنيا كلها هتدمر، أنت فاهم؟ لازم ما يعرفش مين!"

الشخص الثاني: "تحت أمرك، بس لإمتى؟"

الشخص الأول: "للوقت المناسب."

الشخص الثاني: "تحت أمرك. عن إذنك."

غادر هذا الشخص، وترك الآخر يفكر بقلقٍ ورعبٍ من القادم المجهول.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور عدة أيامٍ من بحث "جون" المضني عن قاتل والده، ومن حزن "جهاد" الذي يتآكل قلبه من قرب الجميع من "ماسة"، وهم لا يعلمون أنها واحدةٌ منهم...

كان يجلس "جون" و"جهاد" و"مليكة" و"ماسة" معًا، يتحدثون والسعادة تأخذ مكانها بينهم. قالت "مليكة" وهي تنظر إلى جهاد: "جهاد، مش ناوي تاخد ماسة وتروح شهر عسل؟"

نظر "جهاد" إلى "ماسة"، ابتسامةٌ خفيفةٌ تعلو وجهه، لكنها لم تخفِ التفكير العميق في عينيه: "أكيد، بس الأول، ماسة، تحبي تروحي فين؟"

أجابت "ماسة" بضحكةٍ خفيفةٍ: "أنا كان نفسي أروح إنجلترا جدًا، بحبها أوي."

نظرت" مليكة" إلى "جون" بذهولٍ، وقالت: "حتى جاد كمان بيحبها جدًا، وأكثر مكان بيحب يسافر فيه!"

ابتسم "جون" ابتسامةً عافت وجهه، وكلماته تؤكد ذلك: "فعلاً، أنا بحب أروح هناك جدًا."

أكدت "مليكة" كلامها: "مش عارفة كل يوم بحس إن فيكي حاجات كتير شبه جاد وصهيب."

نظر "جهاد" إلى "جون" بابتسامةٍ حزينةٍ، وكأنّ الكلمات تخنقُه: "فعلاً."

ثم نظرت "مليكة" إلى "ماسة" جيدًا، وضيقت عينيها، وقالت بدهشةٍ أكبر: "دي كمان نفس لون العين، أنتوا أخوات ولا إيه؟"

نظر "جهاد" إلى "مليكة" بصدمةٍ بالغةٍ، وكأنّ قلبهُ توقف. ثم قال "جون" بضحكةٍ حاولت أن تبدو عاديةً: "ههههه، فعلاً بقت أختي من يوم ما جات هنا."

نظرت "ماسة" إلى "جون" بفرحةٍ بريئةٍ، لم تدرك ما يخفيه جهاد: "وأنا سعيدة إني يكون عندي أخ زيك، مش كده يا جهاد؟"

تظاهر "جهاد" بابتسامةٍ، لكنّ الحزن قد احتل قلبه بالكامل: "أكيد يا حبيبتي."

نظر "جون" إلى "جهاد" بقلقٍ، يشعرُ بأنّ هناكَ شيئًا ما ليسَ على ما يرام: "أنت كويس؟"

أومأ "جهاد" بابتسامةٍ هادئةٍ لـ "جون"، محاولًا طمأنتهُ بينما الصراع يشتعلُ بداخله: "أنا كويس يا جاد."

هز "جون" رأسه بشكٍ، لم يقتنع تمامًا: "تمام."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في المساء، كان يقف "جهاد" أمام النافذة، يحدّق في "ماسة" وهي تنام بعمقٍ، تبدو كملكةٍ صغيرةٍ في عالمٍ لا يدري حجمَ الألمِ الذي يحملهُ هو. تنهّد بقوةٍ، ثم نظر إلى السماء، وكأنها تحملُ كلَّ ما بداخله من إحساسٍ بالحزنِ والضيقِ والخوفِ. لمعت عيناه بدموعٍ خفيفةٍ، وهو يشعرُ بالاختناقِ الشديدِ داخلَ صدره.

حاول التنفسَ بهدوءٍ، لكنه لم يستطع. ظلّ ينظرُ إلى السماء والنجومِ التي تلمعُ بشدةٍ، تمنّى لو أنه يكونُ طائرًا حرًا لا يحملُ بداخله كلَّ هذه الأعباء والحزن.

أغمض عينيهِ، واقترب من "ماسة"، وجلس بجوارها على الفراش. همس بصوتٍ بالكاد مسموعٍ، كلماتٌ تخرجُ منهُ كاعترافٍ مؤلمٍ: "سامحيني يا ماسة، بس اللي عملته غصب عني."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب تحترق

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (36)
الفصل 0: المقدمة
2025/10/23
الفصل 00: الشخصيات 🦋
2025/10/23
الفصل 1: البارت الاول 🦋
2025/10/23
الفصل 2: البارت الثاني 🦋
2025/10/23
الفصل 3: البارت الثالث 🦋
2025/10/23
الفصل 4: البارت الرابع 🦋
2025/10/23
الفصل 5: البارت الخامس 🦋
2025/10/23
الفصل 6: البارت السادس 🦋
2025/10/23
الفصل 7: البارت السابع 🦋
2025/10/23
الفصل 8: البارت الثامن 🦋
2025/10/23
الفصل 10: البارت العاشر 🦋
2025/10/23
الفصل 11: البارت الحادى عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 12: البارت الثاني عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 13: البارت الثالث عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 14: البارت الرابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 15: البارت الخامس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 16: البارت السادس عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 17: البارت السابع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 18: البارت الثامن عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 19: البارت التاسع عشر 🦋
2025/10/23
الفصل 000: الشخصيات الثانيه 🦋
2025/10/23
الفصل 20: البارت العشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 21: البارت الواحد والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 22: البارت الثاني والعشرين
2025/10/23
الفصل 23: البارت الثالث والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 24: البارت الرابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 25: البارت الخامس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 26: البارت السادس والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 27: البارت السابع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 28: البارت الثامن والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 29: البارت التاسع والعشرين 🦋
2025/10/23
الفصل 30: البارت الثلاثين🦋
2025/10/23
الفصل 31: البارت الواحد والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 32: البارت الثاني والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 33: البارت الثالث والثلاثين 🦋
2025/10/23
الفصل 34: البارت الاخير 🦋
2025/10/23

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة