قال العلّامة مقبل الوادعي - رحمه الله - : " الذنوب هي التي أذلت المسلمين، والتعامل بالربا وإباحة الزنا في كثيرٍ من البلاد الإسلامية، واستيراد القوانين الوضعية من قبل أعداء الإسلام والخضوع لها، وكم يعد العاد... وتبرج وسفور، واختلاط في المدارس والجامعات، والدواء يكون بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، ثم بالرجوع إلى العلماء، يقول الله تعالى: { وَإِذا جاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنِ أَوِ الخَوفِ أَذاعوا بِهِ وَلَو رَدّوهُ إِلَى الرَّسولِ وَإِلى أُولِي الأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَستَنبِطونَهُ مِنهُم } " -📚 | تحفة المجيب (1 / 181). صلّــوا علىٰ الحبيب قلوبكـم تطيـب😁💚 _______________________________ _"مُبارك عليا الفوز بيكِ.. أنا كدا فزت بنور الدنيا دي كلها ليا لوحدي." (قبــل ذلك بثـلاثـة أسـابيـع) _"إنتَ بتهزر؟!!! " _"إنتَ عايزني بهزر؟؟؟ " صرخ به مروان بانفعالٍ والفرحة تضيء وجهه كما لم تفعل من قبل : _"لأ!! لأ إنتَ مبتهزرش بالله عليك.. حرام عليك تقول كدا بعدين ترجع تقول بتهزر دا إنتَ لو عايز تقتلني مش هتعمل كدا.. " كتم أنفاسه فجأة ثم قفز على مالك بتهورٍ يحتضنه بقوةٍ غير مُدركٍ لما يفعله من شدة إنتشائه. _"حيلك حيلك!!! إيه إه العبط دا؟! إهدى يا حبيبي مش كدا." هكذا قالها مالك بينما يبعد مروان عنه بصعوبة، قبل أن يكمل ما بدأه من حديثٍ قائلًا : _"أنا هروح مصر مع مصطفى وخالد يوم الحد الجاي يعني كمان 3 أيام وأظن إنتَ عرفت دا من حد فيهم، هنروح نشوف الدنيا هناك إيه وإيه اللي فاضل ولما نرجع نتكلم أكتر.. بس غالبًا كتب الكتاب هيبقى في مصر بعد ما نسافر ونستقر ونعرف نرتب أمورنا نبقى نكتب الكتاب لو عايز." لاحقه مروان باستنكارٍ وحماس غير مراعٍ لمشاعر صديقه قائلًا : _"لو عايز؟!! أنا لو عليا نخليها الليلة دي." بدى الإنزعاج جليًا على وجه مالك قبل أن يتحدث مُغيرًا مجال الحديث قائلًا : _"طب خلاص أنا هروح أسأل خالد على حاجة بخصوص العقود.. " تقلصت المسافة بين حاجبي مروان ليتسائل بقوله : _"عقود إيه؟؟؟ " أجابه مالك مُقررًا : _"أصل إحنا قررنا بدل ما كل واحد يكون لوحده في حتة أنا في القاهرة ومصطفى في اسكندرية مش هنعرف نتجمع زي ما اتعودنا وإحنا وأجوازنا والعيال،كلنا بقينا متعودين على بعض وصعب نرجع كل واحد في حتة لوحده .. وبعدين مازن وخالد اتجوزوا هنا في فرنسا وبيوتهم هنا أصلًا، عشان كدا قررنا نشتري عمارة في اسكندرية قريب من بيت أبو مصطفى ونعيش كلنا سوا." تحدث مروان باهتمام : _"طب ليه عمارة؟ ليه مش بيت؟؟؟ " _"إحنا في البداية كنا ناويين كل واحد ياخد شقة في العمارة دي وخلاص بس بعد كدا لما لقينا صاحبها عارضها للبيع قلنا هناخدها عشان أنا ومصطفى وخالد ومازن هنبقى كلنا هناك بأربع شقق، ومصطفى اتفق مع جوز بنته إنهم ياخدوا شقة معانا عشان شيرين عايزة أروى تبقى معاها يعني كدا خمس شقق.." عقب مروان بسؤال صديقه قائلًا بمنطقية : _"طب يعني خمس شقق يخلوكم تاخدوا عمارة كاملة؟! إنتو حتى ممكن تاخدوا دور أو دورين وتكونوا جنب بعض لكن العمارة ليه؟؟؟ " أجابه مالك قائلًا : _"مازن كمان قال كدا بس خالد قال لأ لو خدنا العمارة هيبقى أحسن عشان الستات والبنات يبقوا براحتهم يطلعوا وينزلوا من غير ما حد يقفل عليهم في الأسانسير أو حد يضايقهم فاقتنعنا وكمان عشان الشباب لما يكبروا يكون عندهم الشقق بتاعتهم حتى نكون وفرنا عليهم وساعدناهم.." أومأ له مروان بتفهم وقد اقتنع برأي أصدقائه قبل أن يأتيه اقتراح مالك الذي كان سؤالًا أكثر منه اقتراحًا : _"مروان.. إنتَ كمان مفكرتش تيجي تعيش معانا؟؟؟" نظر له مروان بتمعن قبل أن يتنهد ويجيب قائلًا وقد تغيرت نبرة صوته ومعالم وجهه لأخرى أكثر ضيقًا : _"مش عارف والله.. هشوف نور عايزة إيه ونفكر مع بعض بعدين ربنا يبقى يسهل." تفهم مالك ما يدور بداخل مروان الآن، هو يعلم أن مروان لم ولن يحب هذا البلد أبدًا.. ورغم عدم بوحه بهذا في حياته كلها إلا أن هذا الأمر لا يخفى على مالك فمنذ جاء مروان لفرنسا وكان وقتها فتى بالثانية عشر من عمره لم يغادرها أبدًا سوا للإبتعاد عن نور حتى تنتهي من دراستها، ما يعرفه الجميع عن مروان أنه لا يمتلك أي ذرة انتماء للبلد الذي أهدر منه سنوات طفولته ومراهقته لذا بالطبع فإن عودته هناك أشبه بعودة الناجي لدوامة المحيط وأمواجه العاتية من جديد. __________________________ _"ها يا ماما قلتِ إيه؟؟؟ حضرتك موافقة مش كدا؟؟" أجابته السيدة هالة بحيرة وحزنٍ كبيرين اتضحا في عينيها : _"صعب عليا.. صعب عليا أسيب القصر اللي عشت عمري كله فيه يا مالك.. صعب أوي." جلس على ركبتيه أمامها وكأنه يتوسلها وأمسك بكلتا يديها قائلًا بتأثر : _"يا أمي.. يا أمي كفاية بقى عيشة في الماضي.. دا الماضي لو كان حلو مينفعش نعلق نفسنا بيه عشان نقدر نكمل حياتنا نقوم نعلق نفسنا بماضي كله ألم ووجع.. وأنا كل سنة كنت بتحايل عليكِ تيجي معايا فرنسا وكنتِ بترفضي.. طب دلوقتي أنا جيت ليكِ مصر بس كمان أنا مش هقدر أعيش في القصر دا تاني.. المكان دا دمّر حياتي كلها ولسة بيدمر فيها لحد دلوقتي... أنا لسة بخاف ولسة إسراء بتصحيني من النوم عشان أبطل عياط وأنا نايم، أنا لو خيرتيني أعيش هنا في البيت دا ولا أرجع المصحة هرجع المصحة، أنا يصعب عليا نكون في بلد واحدة وإنتِ عايشة لوحدك يا أمي، وبعدين أنا جهزت بيت كبير لينا كلنا وكلنا هنبقى مع بعض..طب حتى تعالي معانا عشان تبقي مع فيان وكيان وسيبك من البيت اللي مشوفناش فيه غير الهم والزعل دا..." وضعت أناملها على وجهه تتحسس تجاعيد عينيه وملامحه التي لازالت تحمل أثرًا وسيمًا تركه له الزمن بابتسامةٍ حزينة : _"لسة صغير على الوش دا يا حبيبي.. ليه إستسلمت للزعل وخليته يعمل فيك كدا؟؟؟ " لمعت عيناه وقال مُجيبًا أمه بخجل طفلٍ أخطأ يقف أمام والدته ليعترف بذنبه قائلًا : _"أنا غلطت يا أمي.. غلطت لما سلّمت نفسي للحزن وسبته لما سحبني جواه وضيّع مني كتير.. الحزن والزعل سرقوا من عمري لحظات حلوة كتير أوي وأنا غرقان في دماغي ومش عارف أطلع.. ورجعوا خدوا مني سنين تانية وأنا بعافر وبحاول أطلع منهم، غلطان عشان فضلت عايش في الماضي ومعرفتش أتخطاه، غلطان عشان أذيت وجرحت ناس بيحبوني وبعدت عنهم.. وفي الحقيقة إن كل اللي أنا أذيتهم بهجري ليهم هما اللي دلوقتي مقدرش أبعد عنهم مصطفى ومازن وإسراء.. أنا كنت بغض الطرف عن نعم كتير أوي عندي وكنت بركز على حاجات وحشة أنا معملتهاش وكنت بحمل نفسي المسؤلية وأقسى على نفسي ونفسي مكانتش تستاهل مني كل القسوة دي.. بس أنا اتغابيت وقسيت على نفسي لإني مكنتش مُدرك إن نفسي دي هي اللي هتكمّل معايا.. ودي أهم حاجة أنا اتعلمتها في حياتي.. إن الإنسان مهما عمل ومهما الدنيا عملت فيه مينفعش يفضل راكن في الماضي ويسيبه يبلعه." ربتت هالة على رأس ابنها وكأنه مالك صغيرها المدلل ليس الرجل البالغ سبعةً وأربعون عامًا وقد أغرقته بحنانها : _"إنتَ شاطر يا مالك عشان إعترفت بغلطك، وعشان كدا أنا وأي حد إنتَ زعلته منك مسامحينك.. بس أهم حاجة نتعلم من غلطاتنا عشان منقعش فيها تاني... حتى لو كنت فهمت الكلام دا متأخر دا ميمنعش إنك تعلمه لعيالك وافتكر الكلام اللي سعيد كان بيقوله دايمًا أهم حاجة يوم العيد جه وكل العيال لابسين هدوم جديدة حتى لو حد إشترى هدومه متأخر دا مش هينقص فرحة العيد." ابتسم مالك ابتسامةً غزت وجهه من اليمين لليسار كطفلٍ صغيرٍ ثم قال بأملٍ تشدق في صوته من العدم : _"يعني موافقة تيجي معايا؟؟؟ " ابتسمت هالة بحبٍ على ذلك الصغير الجالس عند قدميها ثم قالت وهي تربت على وجهه : _" موافقة، هو أنا عندي كام مالك يعني عشان أرفض ليك طلب يا حبيبي." _________________________ _"مصطفى حبيبي وحشتني يا قلب أمك... يا حبيبي يا إبني." كانت هذه دولت التي ما إن رأت ابنها حتى احتضنته بقوة تربت عليه وفعل هو المثل أيضًا قبل أن يداهمه دفع مازن من الخلف قائلًا بحنق : _"وسّع يا عم من وشي مش كفاية مشيلني الشنط وكمان واقف في سكتي كدا زي الحيطة السد إيه مفيش دم ولا إحساس!! " صاحت دولت بحدَّة في مازن قائلةً بغيظٍ منه : _"حيطة لما تقع على نفوخك تفشفش دماغك قادر يا كريم.. مالَك يا زفت الطين إنتَ بتزق إبني كدا ليه مش تحاسب ولا هما علموك في بلاد برة تمشي تنطح في الخلق زي الطور الهايج كدا؟!!! " مال مازن على أذن زوجته قائلًا بحنق يصر على أسنانه بعنفٍ وغلٍ مكبوت : _"ولما أفرش لأمك الملاية دلوقتي يبقى حلو؟؟؟ مش قلت لك مش عايز اتزفت أطلع فضلتي تقولي دا ماما هتتبسط بيك يا مزوش واضح يا أختي إنها مبسوطة بيا أوي كانت ليلة غم ساعة ما مزوش الكلب قرر يناسبكم دا انتم نسب يعر." بينما فريدة تهمس لزوجها باعتذار أتاهم ذلك الصوت الأجش الوقور من خلفهم قائلًا : _"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. خير يا أم مصطفى مين الضيوف اللي منورين البيت كدا؟؟؟" إلتف الجميع على أثر صاحب هذا الصوت الذي ما إن رأى وجوه الثلاثة حتى توسعت عيناه وانفرجت أساريره برؤيتهم بينما اتجهوا ثلاثتهم له بخطواتٍ مُتسارعة يتسابقون له قبل أن ترتمي فريدة بين ذراعيه بحبٍ وعينين دامعتين، إبتعد الرجل عنها يُمازحها قائلًا يدَّعي الجدّية : _"إنتِ يا ست إنتِ.. إبعدي عني كدا ميصحش أنا راجل متجوز." اقتربت منه فريدة تتدلل عليه ويدها تلامس لحيته البيضاء برقةٍ ودلالٍ قائلةً : _"وأنا كمان ست متجوزة على فكرة.. وعندي بنوتة قمر شبه جدها كدا." اقترب منها الرجل أكثر وضمّها إليه بحبٍ بالغ مع قوله : _"لأ طالما متجوزين زي بعض يبقى إحنا زمايل مفيش مشاكل.. وحشتيني أوي يا فريدة يا حبيبتي.. وإيه الجمال دا الله أكبر بسم الله ما شاء الله.. ربنا يحميكِ يا فريدة ويبارك فيكِ ويثبتك على طاعته والطريق المستقيم يا رب." كان «الحاج علي» يشير لفستان فريدة البنفسجي الفضفاض الذي أسدلت من فوقه خمارها الطويل برقةٍ لتمزج بين التعفف والأناقة بطريقةٍ مُميزة، بينما اقترب منه مصطفى يقبل يده بأدبٍ واحترام ليربت الحاج علي علىٰ يدي ابنه قبل أن يبادله ذلك العناق الودود ومن بعده أتى دور مازن الذي فعل المثل وقبّل يد حماه بحبٍ خالصٍ وقال يمازحه : _"خلِّ بالك يا حاج إنتَ عمّال تحضن وتعاكس في مراتي وأنا ساكت من الصبح يا عمي عشان خاطر إنتَ أبوها بس." تعالت ضحكات الحاج علي في البيت.. ضحكاته الهادئة التي تبعث السلام حيث يضحك، ومن حسن حظ الكرة الأرضية أن الحاج علي رجلٌ بشوش لا تغادر الإبتسامة ثغره البسّام أبدًا. دلف الحاج للداخل وجلس على كرسيّه وبيده مسبحته وجلس يتمتم بدعائه بخفوت ثم قال لهم بود : _"أومال فين بنتك يا فريدة وفين مراتك وعيالك يا مصطفى." أجابه مصطفى قائلًا : _"شيرين والعيال تحت في العربية إحنا قلنا نطلع أنا ومازن الأول بالشنط عشان منطلعش كلنا ونبقى وزن على الأسانسير وفريدة طلعت معانا تفتح لينا الباب." ابتسم الحاج بسرعة وقال له بحماس : _"طب مستني إيه يا إبني إتصل عليهم خليهم يطلعوا بسرعة ميصحش برضو تسيب جوز بنتك قاعد تحت كدا." ابتسم مازن وقال يدعي أنه يمازح مصطفى بينما في الحقيقة الجميع يعلم أنه يقصد بحديثه دولت قائلًا بخبث : _"سامع الناس.. سامع الكلام، بيقول لك ميصحش تسيب جوز بنتك واقف تحت كدا.. مش ناس واقفة في وشي مش عايزاني أعدي وأنا شايل شنط عيالهم." كتمت فريدة ضحكتها، أومأ مصطفى بالسمع والطاعة لوالده وقبل أن يخرج الهاتف من جيبه تفاجأ الجميع بالكهرباء تنطفيء ليتحدث مازن ساخرًا : _"شكل نورنا غطا على الكهربا فعلًا يا عمي.. قدمنا أخضر عليهم يا مصطفى... منورة يا فراولة." ضحكوا عليه جميعًا ثم قال مصطفى : _"طب خلاص كدا الأسانسير قفل وهيضطروا يطلعوا السلم.. أنا هنزل أجيبهم هتيجي معايا يا مازن؟؟؟" أوما له مازن ثم قام وذهب رفقة أخيه للأسفل، ما هي إلا دقائق حتى صعد كلاهما مازن يحمل حنين على كتفيه و بجانبه أروى تحمل شقيقها الصغير عبد الله، ومن خلفهما مارتن الذي أمسك بيد شيرين يعاونها في صعود درجات السلم وسط العتمة الشديدة وفي النهاية مصطفى الذي أحاط صغيره حسن من كلا الجانبين يسنده للصعود كي لا يجهد قدميه إذ أن عكازاته وضعت في إحدى الحقائب،وقد صعد مازن بالمقدمة ليخرجهم ويعدهما لحسن كي يكونا جاهزين بمجرد صعوده. _"عروستنا الحلوة إيه الجمال دا تبارك الرحمن ما شاء الله." هكذا قالها الحاج علي وهو يربت على رأس أروى التى ارتمت عليه تقبل يده بحب ثم أشار للصغير عبد الله يداعبه قائلًا : _"يا أهلًا بالراجل المحترم الصغير.. عامل إيه يا أستاذ عبد الله؟؟؟ " أجابه عبد الله قائلًا بسعادة : _"حلو.. شطور" ضحك الجد على براءة حفيده ذو السنوات الأربع ثم قال : _"إسمها الحمد لله دائمًا وأبدًا يا عبد الله." قطع مزاحهم هذا شهقة دولت العالية التي أطلقت سراحها بمجرد رؤيتها لحفيدها وابنها يسنده بيديه بينما مارتن يساعده في تثبيت عكازاته بمرفقيه. انتبه الجميع لشهقتها ومن ثم لصراخها الذي أخذ في التعالي قائلةً بانفعال : _"يا نهـار إســود!!!! إيه اللي عمل فيك كدا يا حسن؟!!!" تحدث مصطفى يحاول تهدئتها : _"إهدي بس يا ماما مفيش حاجة.. دي إصابة بسيطة بس ورجله إتلوت محصلش حاجة." تحدثت دولت تعقب قول ابنها بنفس الصوت المرتفع قائلةً بانفعال : _"وجاتله من إيه الإصابة دي؟؟؟ مين اللي عمل فيك كدا يا حسن؟؟؟ " تحدث مازن يحاول إخماد هذا الحديث : _"يا حماتي مفيش حاجة حصلت ولا حد عمل فيه حاجة هو كان عنده تمرين كورة ووقع على رجله ورجله اتجزعت بس وشوية وهتخف.. " _"وهو أي حد بيقع رجله بيمشي بعكازات كدا؟؟؟ لازم تكون أمه مش مهتمية بيه ولا بصحته أومال هو عامل زي عود القصب الناشف كدا ليه.. ما هي طالما مش هاممها ابنها بياكل إيه ومبياكلش إيه أكيد هتبقى أخرته كدا يعني أومال هما اللي مشيوا بعكازات ميشوا بيها من فراغ؟؟؟ أكيد كان عندهم أمهات مهملة رامية عيالها كدا." توسعت أعين الجميع بصدمة ليتحدث مصطفى بانفعالٍ يدافع عن زوجته أمام والدته لأول مرة منذ زواجهما قائلًا بغضب : _"وإيه اللي دخل شيرين في الكلام دلوقتي يا ماما؟؟؟ إنتِ ناوية تبتديها كدا من أولها؟؟؟ " تحدثت دولت بصوتٍ بدأ بالإنخفاض رغم ثباته وحدته : _"إيه اللي دخلها إزاي يعني؟؟؟ هو مين اللي بيأكل العيال دي؟؟؟ ومين المسؤل عن تغذيتهم إنتَ عاجبك كدا يعني؟ حتة راجل زي الورد ماتش كورة يعمل فيه كدا؟؟؟ هي يعني لو كانت خدت بالها من عيالها بدل ما هي ماشية ورا اللي اسمها إسراء دي كان ابنها بقى كدا؟؟؟ " تحدث مازن يقول بهدوء : _"كدا ميصحش يا حماتي بعد إذنك مينفعش تجيبي سيرة واحدة مش موجودة لو سمحتي.. وبعدين إسراء دي مرات أخويا وأنا مسمحلكيش تتكلمي عنها بالأسلوب دا." رمقته دولت بغيظٍ ولم تكد تفتح فمها ترد عليه حتى قاطعها صوت مصطفى يتحدث بغضب : _"على فكرة بقى حسن موقعش في ماتش كورة.. حسن اتخانق عشان واحدة كانت بتتعاكس ولعلمك بقى يا ماما حسن لو مكانش اتخانق عشان يدافع عن البنت دي أنا بنفسي اللي كنت همسكه العكازات.. وشيرين اللي إنتِ عمّالة تزعليها دي هي اللي ربته على إن أي واحدة برة البيت بالنسباله أروى ولو شاف أي واحدة في مشكلة يساعدها زي ما كان هيقف جنب أروى أخته." كادت ترد عليه لولا صوت الحاج على الذي نهرها قائلًا بهيبةٍ لم يسلبها منه الزمن : _"دولـت!!! جرا إيه يا دولت من إمتى وإنتِ صوتك بيعلى وأنا عايش على وش الدنيا؟؟؟ إدخلي يلا حضري الغدا زمانهم جعانين ومش عايز ولا كلمة." امتثلت دولت لأوامر زوجها دون مناقشة وانصرفت تتمتم بضيق مُخلفةً ورائها شيرين الواقفة باندهاش ووجهٍ مُتصلب وعينان مدهوشتان وما هي إلا ثوانٍ حتى اقتربت منها فريدة وأروى لتبدأ فريدة الحديث قائلةً : _"متزعليش يا شيرين هي بس زعلت عشان حسن.." لاحقتها أروى قائلةً تواسي أمها : _"خلاص يا ماما كبري دماغك دا أصلًا موضوع ملهوش أساس وميستاهلش زعلك يا حبيبتي.. " اقترب منها مصطفى يقبل جبينها ثم قال مُعتذرًا بصوتٍ قد رقَّ من أجلها : _"حقك عليا يا شيرين أنا أسف.. أنا عارف إنك زعلانة بس حقك عليا والله العظيم أنا أسف ليكِ وأنا وعد مني هراضيكِ ماشي؟؟؟ متزعليش بقى يا ست الكل. " أنهى كلماته وهو يضمها لصدره بحنان يحاول استرضائها ليقطع ذلك قول مارتن الذي بدأ يتحدث بكلماتٍ فصحى تداخلت بها بعض الكلمات المصرية قائلًا : _"مين السيدة دي؟؟؟ إنها غريبة أوي، حماتي أتمنى لو كنتُ ابنك حقًا فأنتِ أمٌ رائعة أوي جدًا يعني." ابتسمت شيرين له ثم قالت له : _"والله يا مارتن إنتَ طيب وابن حلال، بعدين ما انتَ ابني فعلًا زيك زي حسن.. " قاطعتها أروى بقولها العجول : _"زيه زي مين؟؟؟ إلا دا.. دا الوحيد اللي مسمحش إنك تعتبريه زي حسن إنتِ عايزة تخربي بيتي ولا إيه دا جوز بنتك يا غالية." رمقها زوجها بنظرةٍ جانبية ثم قال بتكبر يمازحها بمصريةٍ متقنة : _"إمشي يا شاطرة إلعبي بعيد عن هنا" ضحك الجميع وتعالت القهقهات على مظهر أروى التي وقفت فاغرةً فاهها ببلاهةٍ وغير تصديق. ومن ثم تحدث الحاج علي قائلًا لمصطفى ومازن : _"أومال أخوكم فين يا ولاد مجاش معاكم ليه؟.. " تحدث مازن قائلًا : _"مالك راح يشوف أمه ووصل مراته عند أهلها تقعد معاهم شوية وعياله معاها يا عمي." عقب الحاج علي قائلًا بحب : _"طب يا حبيبي ربنا يسعده وميحرمهوش منهم ولا يحرمهم منه.. إبقى إتصل عليه يا مصطفى خليه يجيب مراته وعياله وييجوا يسلموا علينا وحشني أوي الواد دا وعايز أشوفه وأشوف عياله." أجابه مصطفى قائلًا بهدوء : _"متقلقش يا بابا هما كدا كدا اشتروا بيت هنا وهيعيشوا معانا في اسكندرية هو ونسيبه اللي إسمه خالد.." ابتهج وجه الحاج ثم قال بسعادة : _"بجد والله!! ألف حمد وشكر ليك يارب دا أنا كنت بدعي كتير إني أشوفه عشان واحشني أوي.. إلا قول ليا يا مصطفى هيسكنوا بعيد عن هنا بكتير؟؟؟ " تحدث مازن بسرعة قائلًا يجيب حماه تحت نظرات التعجب من الجميع قائلًا : _"بعيد إيه يا عمي دا العمارة بعد الشارع دا بشارعين مش أكتر.. يعني في محرم بِك برضو." تحدث مصطفى يستفسر بفضول موجهًا سؤاله لوالده : _"إشمعنى يا والدي عايز تشوف مالك أوي كدا؟؟؟ " _"عشان مالك الدالي دا يا ابني من أنضف الناس اللي الواحد ممكن يقابلهم في حياته.. عيّنة متتسابش، فاكر لما كنا لسة ساكنين في القاهرة لما كنت إنتَ ومازن تزعلوا معاه وانتم صغيرين وأقول ليكم حتى لو هو الغلطان روحوا صالحوه والعبوا معاه؟؟؟ عشان مالك دا قطعية نضيفة من جوا عامل زي توب القماش اللي مهما تحاول توسخه شوية ماية صغيرين ينضفوه ويرجعوه أبيض من جديد.. مالك طول عمره بيحاول يدي كل اللي حواليه كل الحاجات اللي اتحرم منها... اتحرم من إخوات وهو صغير عشان كدا لما اتعرفتوا على بعض بقيتوا إخواته وأي حد يدوس لكم على طرف يتخانق معاه، إتحرم من بيت مستقر وطفولة طبيعية تحسسه بالأمان عشان كدا إداهم لنور وحاوطها بحب وأمان من كل ناحية، إتحرم من أب يسانده لما أبوه مات عشان كدا بيساند عياله في كل لحظة وبيخاف عليهم أكتر من روحه، إتحرم من سنين كتير في حياته وإنه يكمل كليته بشكل طبيعي عشان كدا علم مروان تعليم مش عادي وضمن مستقبله.. مالك الدالي دا مش بس مقدر النعم اللي عنده وبيستغلها صح، دا كمان مقدّر قيمة النعم اللي مش عنده وبيحاول يوهبها لغيره، كل دا وبتسألوني أنا بحبه ليه؟؟؟ مالك دا لو ارتكب أخطاء الدنيا كلها هيفضل كبير في نظري لإنه راجل الإنسان يتشرف بيه." ________________________ _"خالتو مرااااااام" هكذا صاح بها الصبيان فيان وكيان في آنٍ واحد لتستقبلهم مرام في أحضانها قائلةً بحب : _"عيون خالتو مرام.. إيه الجمال دا وحشوتني أوي يا حبايب قلب خالتو." بينما في اتجاهٍ أخر إسراء ترتمي في حضن ماجد الذي ضمها إليه بقوة قائلًا لها بمزاح : _"العمة الكبيرة اللي عايشة برة مصر ومبتجيش غير في المناسبات إيه اللي جابها دلوقتي؟؟؟ " ضربته على كتفه وقالت بضجر من مزاحه : _"خلاص يا بايخ بقت عمتو اللي عايشة معانا عادي.." ارتمت مرام عليها قائلةً بغير تصديق : _"بتهزري! يعني خلاص هتفضلي معانا؟؟؟ إيه جوزك طلقك ولا إيه؟؟؟؟ " دفعتها إسراء عنها بحنق وقالت بانفعال : _"طلقة في نفوخك!! بت مهزقة بصحيح." تحدث ماجد باستفسار : _"أومال فين جوزك صحيح إزاي سابك تيجي لوحدك؟؟؟ " أجابته إسراء تنفي حديثه السابق بقولها : _"مسابنيش لوحدي ولا حاجة، دا وصلني لحد الباب تحت أنا والعيال وراح يسلم على مامته." أردف ماجد يعاتب أخته قائلًا : _"ودا كلام يعني يا إسراء يبقى تحت البيت وميطلعش، وانتِ سبتيه يمشي ليه مش تخليه يطلع؟؟؟ " _"هو فكر إنكم متعرفوش إننا نازلين مصر عشان كدا قال يوصلني ويروح لمامته عشان نبقى براحتنا.. هو قال برضو إنكم ممكن متبقوش جاهزين تستقبلوا حد." تحدثت مرام وهي تداعب الصغيران قائلةً : _"يعني خلاص هتستقروا في مصر وهترجعوا تعيشوا معانا هنا أخيرًا؟؟؟ " ابتسمت إسراء ثم قالت بنفسٍ راضية : _"هنستقر في مصر خلاص بس مش هنفضل في القاهرة.. هنروح اسكندرية مع إخوات مالك." أردفت مرام القول تعقب قول شقيقتها : _"ليه يا إسراء؟؟؟ ماتفضلوا معانا هنا هي يعني القاهرة وحشة؟؟؟ أكيد مالك اللي عايز كدا صح؟ خلاص ماجد يكلمه ويقنعه تفضلوا معانا." وقبل أن يتحدث ماجد سبقته إسراء بقولها : _"لا محدش يكلمه في حاجة.. أصلًا أنا اللي طلبت منه نكون مع إخواته عشان هو بيبقى مبسوط ومرتاح معاهم وأنا أهم حاجة عندي جوزي وعيالي يبقوا مرتاحين ومبسوطين.. وكمان فيان وكيان متعودين على ولاد أعمامهم ومتعلقين بيهم أوي، وبعدين ألكس مش أبعد من باريس يعني.. إبقوا تعالوا زورونا واحنا هنبقى نجيلكم كل شوية." _________________________ خرج يبحث عنها فإذا به يراها واقفةً في الحديقة والهواء يداعب فستانها الأحمر القاتم وخمارها الأبيض المُرفرِف في الهواء جاعلًا إياها تبدوا كملاكٍ بفستانٍ أحمر في مرجٍ يحاول الطيران،وكاد يُحلِّق عبر الفضاء لولا تلك الأزهار التي تمسكت به بقوة تحاول إبقائه بينها لأطول وقتٍ مُمكن.. اقترب منها حتى وقف خلفها وقال بصوتٍ خفيض : _"واقفة كدا ليه يا تفاحة قلب بابا؟؟؟" فتحت عيناها ببطيءٍ شديد ثم قالت : _"أنا عايزة أمشي من هنا، المكان دا فيه طاقة غريبة أوي... بس حاسة إني مش مبسوطة." تحدث مالك يردف قولها : _"المكان دا يا نور عمر ما حد دخله وكان مبسوط.. حتى أصحابه عمرهم ما كانوا مبسوطين فيه." تحدثت نور بهدوءٍ وصوتٍ مختنق : _"طب يلا نمشي.. مدام هالة وافقت تيجي معانا؟؟؟" تنهد مالك ثم قال مُجيبًا إياها : _"آه وافقت بعد مُحايلة قد كدا... " صمت ثم قال بصوتٍ مهتز : _"نور... همهمت نور له بهدوء ولازالت تقف مُعطيةً إياه ظهرها بثبات تستنشق الهواء برئتين مرحبتان مفتوحتان على مصرعيهما ليسترسل مالك في الحديث قائلًا : _"هو إنتِ ليه بتقولي على أمي مدام هالة.. ليه بتقولي لإسراء يا طنط أو خالتو؟؟؟ " إلتفتت له نور واتجهت نحوه تقف أمامه بثبات وقالت بصوتٍ هادئ ونظراتٍ لم يستطع هو تأويلها : _"عايزني أقول لهم إيه؟؟؟ جدتي وأمي؟ أنا مليش أم ومليش جد ولا جدة ومليش أي أهل.. مليش أهل غيرك، إنتَ أبويا وأنا مليش غيرك في الدنيا دي كلها.. ومش محتاجة بقى ليا أهل غيرك." تحولت ملامح مالك للسعادة والتأثر قبل أن تستكمل نور حديثها ثم قالت بدلالٍ فطري غير متعمد : _"قرأت قصيدة امبارح ومن ساعتها معلّقة في دماغي.. ومن ساعتها وأنا عمّالة أفكر إزاي كل كلمة في القصيدة دي مظبوطة عليك بالشكل دا يا بابا." ارتفع حاجبه الأيسر مع ابتسامةٍ متسائلة لتتابع هي : _"هقول لك بس هغير فيها شوية عشان تناسبني وأنا بقولهالك.." أومأ لها مالك بموافقة لتتابع هي وقد بدّلت الصيغة المؤنثة في القصيدة لأخرى مذكرة : _"يا مُسكّني وسَكَني وسَكِنَتي وساكني وسُكوني وسكوتي.. وسِكَّتي وسَكْرتي وسُكَّري.. وسري وسريرتي وسروري.. فمَن لروحي وراحي يا أكثري وأقلي.. ويا كل كلّي، فكن لي فإن لم تكن لي فمَن لي؟!! يا مُسكّني إذا غضبت وسكني إذا ضللت.. وسَكِينَتي إذا قلقتُ وساكني إذا فرغت.. وسكوني إذا ثرتُ وسكوتي إذا انفجرت.. يا سِكَّتي إذا ضعتُ وسكري إذا ما أضنكت الحالة.. وسرّي إذا قلت وسريرتي إذا انتفضت.. يا أمني إذا فزعت ويا كلّي إذا انصهرت.. " _______________________ _"إزيك يا بوسي عاملة إيه وحشتي خالو يا بت.. " صاحت به ليلى تعنفه بغيرةٍ قوية : _"وحشتك؟ بجد والله؟؟؟ بجد والله يا بابا؟؟؟ طيب ماشي إنتَ حُر في نفسك." تحدثت شيماء تواجه شقيقتها الصغيرة قائلةً تمازحها : _"لا بقول لك إيه يا غنوة بنتك هتبدأ غيرة وهتجر شكل مع بنتي من دلوقتي؟؟؟ أنا مش ناقصة خناقات كفاية أوي عليا خانقها هي وأحمد أخوها طول النهار والليل." ضحكت غنى وقالت من بين ضحكاتها : _"طب نعمل إيه يا شيماء ما هي أخر العنقود وبتغير على أبوها.. دي مش عايزاه يكلمني ولا بتطيقني لو قربت ناحيته." تحدث خالد بنصف ابتسامةٍ قائلًا : _"يا نهار أبيض على اليوم اللي بقول لغنى فيه تسلم إيدك الأكل حلو... ياخرابي بتبقى ليلة سواد على دماغي." تحدثت رضوى أكبر الشقيقات بمزاح : _"نكدية من صغرها.. دي عفريتة دي.. دي ربنا يصبره اللي هتبقى من نصيبه." تحدث خالد بانزعاجٍ قائلًا يحاول إدعاء المزاح : _"لا نصيب إيه وبتاع إيه؟!! إنتم هتفضلوا تقولوا كدا من دلوقتي... لا يا حبيبتي إنتِ وهي وهي لسة بدري على الكلام دا." ثم انتشل صغيرته وأجلسها على قدمه وداعبها قائلًا : _"لسة بدري أوي.. هي دلوقتي من نصيبي أنا بس، صح يا ليلى؟؟؟ " ضحكوا جميعًا قبل أن تتحدث وعد قائلةً بغيرةٍ حزينة تحاول مواراتها بالضحك : _"ماما أنا عايزة أعرف إشمعنى ليلى لوحدها قلب بابا." تحدثت غنى بحبٍ قائلةً لابنتها : _"لا يا حبيبتي إنتِ كمان قلب بابا." وتحدثت شيماء تضيف على حديث شقيقتها السابق : _"دا إنتِ أول فرحتهم يا دودي. " أخذها خالد وأجلسها فوق كتفيه وعاد ليجلس مُجددًا مكانه وأجلس ليلى على قدمه من جديدٍ ثم قال : _"دا إنتِ يا وعد أول حد أخاف عليه وعيني تشوفه.. وأول حد أشيله كدا يا وعدي يا وش السعد عليا." وفي الأسفل غفل خالد عن تلك البذرة التي تحترق على قدميه ولم يشعر بها سوى عندما بدأت بالتشنج وضغط أسنانها بغيظ قبل أن تقول بغضبٍ جامح : _"نزلها يا بابا عشان مولعش فيها!!!! " صرخ بها خالد يعنفها قائلًا بجدية : _"بت يا ليلى!! إيه قلة الأدب دي.. تولعي في مين يا بت إنتِ؟؟؟ تولعي في أختك؟؟؟ اتفضلي اعتذري لاختك الكبيرة يلا بلاش قلة أدب." اعتذرت ليلى بصوتٍ منخفض لا يكاد يسمع ثم غادرت المكان والأرض تهتز تحت أقدامها بعنفٍ بالغ ليتابع خالد باستنكارٍ وطريقةٍ جعلتهنَّ جميعًا يضحكنَّ عليه : _"إيه الجنان دا؟! وإيه البلوة اللي ربنا رازقني بيها دي.. ولية مسخوطة بصحيح." ثم رفع صوته متعمدًا إسماعها في الغرفة المجاورة : _"دا إنتِ أمـك معملتـش كـدا يا بـت!!! " ثم نظر لزوجته وسألها قائلًا : _"غنى هو مُهاب راح فين؟؟؟ سلم على خالاته وخرج وأنا نسيت أسئله." تحدثت رضوى تجيبه : _"مُهاب نزل يلعب مع أحمد وصحابه كورة." أردف خالد القول مُعقبًا : _"طب أنا هنزل أقف قريب منهم عشان محدش يرخم عليهم ولا يعملوا مشاكل مع حد." أجابته رضوى من جديدٍ تطمئنه : _"متخافش يا خالد مش هيتخانقوا ولا حاجة.. أدهم وسليمان معاهم تحت لو حصل حاجة هيتصرفوا، وإن شاء الله مش هيحصل حاجة متخافش وبعدين المنطقة كلها عارفة عيالنا وعارفين إنهم مش بتوع مشاكل ومُهاب كمان مش بتاع مشاكل متخافش مش هيجرى حاجة.." تحدثت غنى تقول : _"لا طالما هو وفيان بعاد عن بعض يبقى متقلقوش." _________________________ في مساء ذات اليوم عاد مالك وخالد بأسرتيهما للأسكندرية واتجها مُباشرةً لمنزلهم الجديد ليقوموا بتفريغ حقائبهم بهدوء قبل عودة مصطفى ومازن وأسرة كٌلٍ منهما، وبالفعل قاموا بتفريغ حقائبهم بسلاسةٍ وسرعة والسبب في ذلك هو مصطفى الذي قام بجلب سيدتان لتنظيف وترتيب المنزل بأكمله. بعد أن انتهوا جميعًا من الترتيب ذهب كلٌ منهم لشقته حيث كانت شقة خالد ومالك بالإضافة لشقة السيدة هالة في نفس الطابق ألا وهو الطابق الثاني، فبعد أن اتفقوا جميعًا على أن يضموا الثلاثة شقق الخاصة بالطابق الأول ليجعلوا منهم شقةً واحدةً كبيرة لجعلها للتجمعات العائلية والإحتفالات أخذ مالك وخالد شقتيهما بالطابق الثاني بالإضافة للسيدة هالة التي لن تقوى على صعود الدرج. ما هي إلا ساعاتٍ حتى أتت سيارة فريدة تحمل بداخلها فريدة ومازن وابنتهما حنين ليصعد ثلاثتهم لشقتهم بالطابق الثالث ويخلدوا للنوم بعد أن وجودا الجميع نائمين كلٌ بمنزله. انقضى الليل وعاد الصباح للإبتسام على وجههم بإشراق شمسٍ تفتحت لتوها لتعلن عن بدايةٍ جديدةٍ ترحب بهم في أحضانها.. في الصباح الباكر وتحديدًا في الثامنة والنصف صباحًا اسيتقظ مصطفى على بكاء صغيره عبد الله وشيرين تقف حاملةً إياه أمام النافدة تحاول مداعبته كي يهدأ ويتوقف عن البكاء، استيقظ مصطفى وفتح عيناه بصعوبةٍ إثر الضوء النافذ عبر الستائر المفتوحة ثم نهض من مرقده وفرك عينيه واتجه لزوجته يحمل عنها الصبي مع قوله بصوته المتحشرج إثر النوم : _"هاتيه يا شيرين إنتِ شايلاه من بدري.. هاتيه أنا همسكه بدالك وانتِ روحي اعملي له حاجة يسلي نفسه فيها." تحدثت شيرين وهي تتمسك بالصبي أكثر : _"طب استنا ادخل الحمام وفوق نفسك وأنا همسكه.." سحبه مصطفى منها وقال بإصرار : _"يا ستي هاتيه هو أنا اشتكيت ليكِ؟؟؟ هاتيه وروحي إنتِ بس اعملي فطار وأنا هشيله." وبالفعل حمل مصطفى ابنه بينما ذهبت شيرين تعد لهم عصيرًا ينعشهم ويمدهم بالطاقة والحيوية في بداية اليوم الذي سيحتاج للنشاط، وما هي إلا عشر دقائق حتى أتت شيرين تحمل صينيةً عليها ستة كؤوسٍ من عصير الموز باللبن ثم وضعتها على الطاولة الصغيرة المجاورة للسرير وناولت زوجها كأسه ومن ثم ناولت الصبي كأسه الصغيرة وعادت تقف من جديد لتخأذ الصينية وتعطي كُلًا من حسن وأروى ومارتن عصيرهم. وما هي إلا دقائق حتى تلقى مصطفى اتصالًا من والده يدعوه للنزول هو وأسرته لتناول الإفطار معهم بحلول التاسعة صباحًا.. وبالفعل تجهزوا جميعًا في خلال دقائق وهبطوا للأسفل ليستقبلهم الجد بحبٍ وسعة وكانت الجدة في المطبخ تعد لهم الفطور وبعد مرور ربع ساعة تعالى صوت رنين جرس الباب ليفتح مارتن الباب ليستقبل مالك وأسرته بعد أن دعاهم الحاج علي لقضاء اليوم برفقتهم. دلفوا جميعًا بسعادة يتبادلون السلام والتحيات واتجه مالك للحاج علي يقبل يده قبل أن يربت الحاج على رأسه بحب وابتسامته الطاهرة التي اخترقت بياض ليحته وشاربيه الأبيضان كقلبه الصافي صفو الحليب البارد فجرًا. ضمه الحاج على وربت عليه بحبٍ شديد وقد بدا للعيان سعادته برؤية مالك التي كادت تفوق سعادته بلقاء ابنه مصطفى وزوج ابنته.. وكذلك مالك كان سعيدًا بعودته لذلك الرجل الوحيد الذي لم يرَ منه سوءًا طوال حياته، كذلك جلس الصغيران فيان وكيان على قدمي الرجل العجوز وظل يداعبهما ويدغدغهما قبل أن تقترب منه نور وتلقى عليه السلام بوقارٍ دون أن تلامسه ليشير الحاج علي لها داعيًا إياها للجلوس بجانبه قبل أن يقول : _"إيه يا نورا كبرتي كدا إمتى ما شاء الله عليكِ اللهم بارك." ثم تابع موجهًا حديثه لمالك ومصطفى بعينين دامعتين : _"يا ولاد معقول كدا العيال كبروا وبقوا رجالة عندهم عرايس زي القمر كدا؟!!.. " ابتسموا جميعهم ليتحدث مصطفى وقد اقترب من والده يربت على قدمه قائلًا : _"جرا يا حاج علي في إيه دي حاجة تفرح مش تزعل." عقب الحاج علي قول ابنه بتأثر : _"ما أنا فرحان أهو يا مصطفى.. فرحان بيك وباخواتك وبعيالك وبعرايسكم أهو. " تحدث مالك قائلًا بسعادة : _"طب افرح أكتر يلا يا حاج عشان نور تفاحة قلب أبوها كتب كتابها قرب.. " اقشعر بدن نور بينما صاح الجميع بفرحٍ يهللون في غير تصديق، جائت السيدة دولت تحمل بين يديها صينيةً كبيرة مليئة بأكواب الشاي وقطع الكعك ذات رائحة الڤانيليا اللذيذة. أعطت دولت كُلًا من الجالسين صحنه والفنجان الخاص به وما كادت تعطي الصغير عبد الله قطعة الكعك الخاصة به حتى قالت شيرين تنبه حماتها : _"لأ يا طنط بلاش عبد الله ياكل من الكيكة دي عشان عنده حساسية من البيض هتتعبه.. أنا عملت له عصير وساندوتشات فطر بيهم فوق عندنا.. " تحدثت دولت بتهكم قائلةً : _"الواد بقى عنده أربع سنين ولسة عنده الحساسية طب دا كلام؟.. " تحدثت فريدة تحاول استباق الأحداث وإخماد مخططات والدتها : _"عادي يا ماما حساسية البيض بتفضل لحد سن خمس سنين وفي ناس بتفضل معاهم حتى لما يكبروا." لم تنجح فريدة في ما أرادت فعله عندما عقبت دولت بحديثها المبطن قائلةً : _"ما هو الواد لو بياكل كويس وبياخد دوا يقلل الحساسية دي أو يمنعها كان زمانه خف.. بس نقول إيه بقى." وقبل أن تتحدث شيرين أو فريدة تحدث مصطفى قائلًا : _"عمتًا يا ماما متزعليش ولا تزعلي نفسك إحنا كدا كدا خدنا شقة في بيت مالك وخالد وهنروح هناك من بليل عشان منتسببلكيش بإزعاج.." تدخل الحاج علي يعقب قائلًا : _"تعيشوا فين يا مصطفى.. بيتك هنا متسيبهوش عشان كلام أمك وبعدين شيرين بنتي عاقلة وعارفة إن حماتها بتحبها أوي بس هي بتخاف على العيال بس مش أكتر." تحدث مصطفى بانفعال رغم ثبات صوته على نفس الهدوء قائلًا : _"لأ يا بابا بعد إذنك، أنا مش هقبل أعيش في حتة مراتي بتتهان فيها.. وبعدين ماما بتتعمد تضايقها على كل كلمة تقولها وكل حركة تعملها، هي عملت إيه دلوقتي عشان ماما تتكلم عليها كدا؟. " تحدث مالك يحاول فض الإشتباك قائلًا : _"بالراحة يا مصطفى مش كدا.. وبعدين محصلش حاجة دا سوء تفاهم صدقني طنط مش قصدها حاجة." لاحقه مصطفى مندفعًا : _"لا يا مالك تقصد، متحاولش تتهمني بإني ضد أهلي عشان خاطر مراتي عشان أنا مش كدا بس أنا مبحبش أشوفها زعلانة بسبب كلام يتقال عليها وهي متستاهلهوش.. شيرين دي سابت أهلها وجت تعيش معايا في اسكندرية ورجعت سابت مصر كلها وراحت معايا فرنسا ودايمًا أنا والعيال في أولوياتها وأهم عندها من نفسها فمينفعش دلوقتي أشوف حد بيتهمها بالتقصير وأسكت حتى لو الحد دا كان أمي لإن اللي زي شيرين دي تستحق إن جزمتها تتشال على الراس.." تحدث مارتن بالفرنسية قائلًا بملامح متوترة : _"يا عم.. الأمور لن تحل هكذا أرجوك اهدأ قليلًا." تنفس مصطفى الصعداء ثم قال بهدوء : _"مش مهم.. أصلًا إحنا كدا كدا كنا هنروح نعيش هناك والبيت مش بعيد ولا حاجة... بس يلا حصل خير." _____________________________ _"أنا مبسوطة أوي.. فرحانة أوي من اللي عملته تحت عند مامتك دا يا مصطفى... يعني، مقصدش إني أوقع بينكم.. أنا بس قصدي.. " قاطعها مصطفى بحديثه قائلًا : _"أنا عارف إنتِ قصدك إيه.. وأنا معملتش حاجة، أنا عارف إنك لما بتضايقي بتحطي في نفسك وبتسكتي ودا بيتعبك وأنا مبحبش أشوفك كدا.. وبعدين إنتِ أصلًا قصيرة مش محتاجة تضغطي أكتر من كدا لحسن تفضلي تضغطي لحد ما هتبقي عاملة زي علبة التونة المصفحة." حدثته شيرين بينما ترتمي بين ذراعيه تحتضنه بقوة : _"يا عم إنتَ تقول اللي عايزه علبة تونة علبة مخلل إن شالله حتى علبة أناناس.. مش مهم المهم إني بحبك أوي." ضحك مصطفى وبادلها العناق بين ضحكاته القوية التي شابهت ضحكات سانتا كلوز ذو البدلة الحمراء والزلاجة الخشبية التي يجرها مجموعةٌ من الغزلان وقال من بين قهقهاته : _"وأنا كمان بحبك يا شمامة." نظرت له شيرين فجأة بذهول ووجهٍ خالٍ من الملامح ليتحدث هو مُفسرًا مقصده : _"مقصدش شمامة بالمعنى اللي وصل ليكِ يا فاسدة الدماغ والأفكار.. أقصد الشمام الفاكهة اللي من فصيلة البطيخ.. عشان إنتِ قلتِ علبة أناناس يعني وكدا.." استمعا لطرق حسن على غرفتهما مع قوله : _"بابا عمو مالك عايز يتكلم معاك وقاعد برة." خرج مصطفى من الغرفته هو وزوجته واتجه حيث يجلس مالك وجلس بجواره على الأريكة ليتحدث مالك قائلًا : _"دلوقتي يا مصطفى إنتَ لازم تتفق مع أبوك عشان تيجوا البيت معانا عشان ترتبوا حاجتكم ونرتاح كام يوم من الفرهدة دي كلها عشان نلحق نجهز نفسنا والمكان قبل ميعاد كتب كتاب نور عشان ناس كتير هتبقى موجودة." أردف مصطفى قائلًا : _"تمام مين اللي هييجوا بالظبط عشان نلحق نعمل حسابنا على التجهيزات ونظبط الأمور؟... " أجابه مالك قائلًا : _"قرايب إسراء وإخوات غنى وعيالهم.. مش عارف مين تاني هييجي بس لازم نعمل حسابنا عشان منتفاجئش..وكمان مرام أخت إسراء هتيجي تقعد معانا بكرة وهتمشي بعد كتب الكتاب.." أومأ له مصطفى بموافقة ثم قال بعدما صمت قليلًا وكأنه يتذكر شيئًا ما : _"هي مش مرام دي كانت حاطة عينيها على مروان؟؟؟ أنا مش مرتاح لوجودها الفترة دي بالذات." زفر مالك بقلة حيلة وقال : _"وأنا كمان مش مرتاح.. ومقدرش أقول كدا لإسراء عشان متزعلش خصوصًا إن أختها قالت لها قبل كدا إنها شالت مروان دا من دماغها.. بس أنا في حاجة جوايا مخلياني مش قادر أصدق الكلام دا، خصوصًا إنها واحدة فسخت خطوبتها مرتين قبل كدا.. لو هي شالته من دماغها فعلًا إيه اللي يقعدها لحد ما تبقى عندها 29 سنة كل ما تتخطب تفسخ؟ وإشمعنا جاية تقضي معانا قبل كتب الكتاب؟ إسراء كانت بتتحايل عليها في فرنسا تقضي أجازاتها معانا وأهلها مكانوش معارضين بس مكانتش بتيجي." زفر مصطفى بتعبٍ ثم قال : _"مش عارف يا مالك البت دي أنا عمري ما قبلتها ولا ارتحت ليها بصراحة.. بس متخافش أنا ومازن هنركز معاها وهنقول لمروان يخلي باله منها عشان متورطهوش في مشكلة.. خير إن شاء الله." أومأ له مالك ثم قال : _"تمام يا مصطفى.. بس أنا مش عايز مروان ولا نور يعرفوا بالموضوع دا وخلينا نشوف هترسى على إيه." إنتهى اليوم وعاد مالك لمنزله واجتمع مع أسرته وصديقيه مازن وخالد وأسرتيهما في الطابق الأول يجلسون جلستهم المعتادة كل بضعة أيامٍ والصغار يلهون ويمرحون في أرجاء الشقة يمرحون بمساحتها الكبيرة يختبئون هنا وهناك يلعبون الغميضة ليرتفع صوت وعد المتذمر تتجه صوب والدها تشتكيه بحنقٍ قائلةً : _"يا بابا بقى خلي فيان يبطّل يقولي يا دع دع أنا مبحبش الإسم دا!!! " ضحك الجميع من طريقتها المتذمرة تلك بينما قال مالك يحاول استرضائها : _"يا دودو بيهزر معاكِ مش قصده يضايقك." أتاه رد الفتاة قائلةً بشكوى : _"لأ يا عمو فيان قصده يضايقني عشان أنا بفضل أقول له متقوليش دع دع دي وبيفضل يقول كدا وبيفضل يضحكهم عليا." تحدث خالد قائلًا : _"أخوكِ وبيهزر معاكِ يا وعد ترضي يعني أبوه يعاقبه عشان كان بيهزر معاكِ؟؟؟ " _"لأ يا بابا طالما أنا مقبلتش الهزار وطلبت منه يبطل وهو مش بيبطل تبقى رخامة مش هزار.. وبعدين إنتَ على طول بتقول ليا ولمهاب الهزار إننا نضحك مع بعض مش نضحك على بعض." أشار لها مالك أن تقترب منه ثم همس لها في أذنها بشيءٍ ما لم يصل لمسامع الجالسين جاعلًا إياها تنظر له بأسارير منفرجة تحدثه بنبرةٍ سعيدة : _"بجد أعمل كدا؟!!! " أبتسم مالك وأومأ لها إيجابًا لتقفز وعد فرحًا وقد شعرت أنه أخذ بثأرها ثم غادرت بسعادة تستكمل لهوها مع الصغار. نظر الجميع لمالك الذي استند بظهره للخلف وضم ذراعيه لصدره بابتسامةٍ واثقة لتسأله السيدة هالة عما فعل قائلةً : _"يخرب عقلك يا مالك إنتَ قلت لها إيه خليتها فرحت أوي كدا؟؟؟ " نظر مالك لأظافره وبدأ يقلمها بإبهامه قائلًا بثقة : _"ولا حاجة..أنا بس قلت لها لو قال لك يا دع دع ورخم عليكِ قوليله يا بتاع الفينو ورخمي عليه." ___________________________ في صباح اليوم التالي انتقل مصطفى بأسرته للعيش في منزلهم الجديد وكذلك صعد مارتن وأروى لشقتهما الخاصة المجاورة لشقتي مازن ومصطفى بالطابق الثالث، ولم تكد الساعة تستقر عند الحادية عشر صباحًا إلا وكانت مرام تقرع جهاز الهاتف البيني أمام بوابة المبنى الحديدية ليجيبها مالك مُستعلمًا عن هوية المتصل فلما وجدها شقيقة زوجته رحب بها وفتح لها الباب وأيقظ زوجته لاستقبال شقيقتها.. _"إيه دا يا إسراء إنتِ لسة صاحية ولا إيه؟؟؟" احتضنتها إسراء وأجلستها في غرفة الإستقبال حتى ذهبت للحمام ترتب أمورها لتستعد لابتداء اليوم، وما هي إلا دقائق وعادت إسراء برفقة زوجها للجلوس برفقة مرام والترحيب بها لتتحدث مرام موجهةً حديثها لمالك : _"على فكرة يا أبيه ماجد أخويا زعل جدًا عشان إنتَ جيت لحد عندنا ومطلعتش." أجابها مالك بابتسامٍ ثم قال : _"معلش يا مرام تتعوض والجايات أكتر.. وهو إن شاء الله هيبقى يجي ونشوفه في كتب كتاب نور ومروان." عند كلمته الأخيرة التي تعمدها لرؤية رد فعلها تصلب جسدها بأكمله رغم الثبات الذي أبدته على ملامحها قبل أن تتحدث بشيءٍ طفيفٍ من التوتر : _"مروان؟.. مروان مين؟؟؟ " أجابها مالك بما كانت تخشاه قائلًا : _"مروان المحلاوي يا بت اللي كنا بنقضي الأجازة عنده في فرنسا إنتِ نسيتي؟؟؟ " إزدردت ريقها بثباتٍ ثم قالت : _"آه.. مروان رشدي الدكتور الصغير" تحدث لها مالك بابتسامةٍ تحمل قدرًا من الخبث لا يُستهان به قائلًا : _"الله ينور عليكِ.. ياه يا مرام لسة فاكرة إننا كنا بنقول عليه الدكتور الصغير؟ دا أنا قلت إنك نسيتي." تحدثت مرام بطبيعيةٍ أتقنت أدائها رغم نظراتها الخبيثة الموجهة نحو مالك قائلةً : _"أنسى إزاي بس دا تبع الغالي.. ما هو أصل أي حد تبع مالك الدالي ميتنسيش." وكل هذا يدور أمام ناظري إسراء التي تجلس بينهما وبداخلها شعورٌ قوي بعدم الإرتياح لما يدور في هذه الجلسة لا تستطيع تفسير سببه. ________________________ وعلى التوازي في الطابق الثالث تحديدًا في شقة مازن حيث جلسا يتناولان افطارهما قص مازن على زوجته ما حدث اليوم السابق بين مصطفى ووالدته من جدال لتتحدث فريدة بثقة : _"مش قلت لك مصطفى كان محتاج يخرج من تحت تأثير ماما عشان يفوق.. أديك بنفسك عرفت، شفت بقى الفرق بين دلوقتي وبين زمان لما كان بيسمع كلام قد كدا ويشوف تصرفات قد كدا ويعمل نفسه مش شايف ومش سامع؟؟؟ عشان ماما زمان كانت مأثرة عليه جدًا وكانت بتبتزه عاطفيًا.. لكن دلوقتي مش هتعرف لإن هو بنفسه عرف وقدَّر قيمة شيرين في حياته وعرف إنه ميقدرش يعيش من غيرها وعشان كدا مش هيسمح إن ماما تتعرض لها بدون وجه حق، متبقاش إنتَ تشكك في قدراتي بعد كدا. " ابتسم مازن وهو بيتلع طعامه ثم قال : _"يا ست الكل محدش شكك في قدراتك ولا حاجة.. مين دا اللي يقدر أصلًا يشكك في الدكتورة فراولة حبيبة قلب الدكتور مزوش يعني.. يلا بقى أبوس إيدك قومي اعمليلي العصير اللي بحبه أحسن مش قادر أعيش في الحر دا كتير وهفرفر منك. " طالعته فريدة بنظراتٍ غير مُريحةٍ بالمرة ليتحدث هو قائلًا : _"لأ بقولك إيه مش عشان جينا اسكندرية هتعمليلي فيها ريا وسكينة.. مش كوباية عصير هي اللي هتموتني ويبقى اسمي مازن شهيد الشاليموه قوليلي بيتعمل إزاي وأنا أقوم أعمل لنفسي ولا الحوجة لحد." نظرت له فريدة وقد لوت فمها بمكرٍ وخبث قبل ان تعقب القول : _"كان على عيني يا حبيبي بس للأسف المكونين اللي بعمل بيهم العصير مش موجودين." قام مازن من على الطاولة تاركًا فطوره يدعي الغضب تاركًا إياها تطالعه بانتشاءٍ وتحدث نفسها : _"أعمل إيه طيب... بحبه وبحب أعصبه، تقريبًا كدا أنا محتاجة أتعالج وأشوفلي دكتور نفساني..أخخ منك يا مازن أخخ." في هذه الأثناء كان مازن يتسلل لغرفة ابنته يحاول إيقاظها بهدوء ويحدثها بهمسٍ قائلًا : _"حنونتي.. يا نونة.. إصحي بقى يا حنة، بت يا حنين إصحي بقى!! " استيقظت حنين بعد أن فتحت عيناها بصعوبة ليسألها والدها بهمس : _"قوليلي يا حنين يا حبيبة قلب بابا.. ماما بتعمل العصير اللي بابا بيحبه إزاي، لو قولتِ إزاي العصير بيتعمل هاخدك أفسحك وهشتريلك القطة اللي نفسك فيها وماما مش راضية تجيبهالك... ها قولي بقى." تحدثت حنين بالفرنسية أثناء تقلبها على فراشها تود النوم : _"Préparez de la limonade avec du soda et de l'eau gazeuse, puis ajoutez-y de la glace à la fraise et laissez-la se dissoudre complètement. Maintenant, papa, laisse-moi tranquille, je veux dormir..." (_"اصنع عصير الليمون بالصودا والماء الفوار، ثم أضف إليه آيس كريم الفراولة واتركه حتى يذوب تماماً، الآن يا أبي دعني وشأني، أريد أن أنام...") قبّلها مازن بحماسٍ ثم قال وهو يغادر الغرفة : _"بنت حلال طمرت فيكِ فلوس شرايط الشعر الملونة وتِوَك الفراشات اللي خاربين بيتي." ____________________________ مرَت الأيام والليالي دون أحداثٍ تذكر يستقظ الرجال يذهبون لأعمالهم وفريدة كذلك بعد أن عادت للعمل في عيادتها الجديدة بالطابق الرابع وقامت بالإعلان عن افتتاح فرع جديد من عيادة الطبيبة والإستشارية النفسية فريدة علي الدمنهوري في محافظة الأسكندرية بحي مُحرم بك بنطاق واسع عى وسائل التواصل الإجتماعي،والرجال يعودون من أعمالهم ليودعوا الشمس حتى تغيب عنهم لتضيء للنصف الآخر من العالم وتسمح لهم باتخاذ وقتٍ للراحة مع زوجاتهم وعائلتهم على وعدٍ بلقاء الشمس من جديد في صباح اليوم التالي. وفي صباح السبت بعد مرور ثمانية أيامٍ على عودة أصدقائنا لوطنهم.. والحال كما هو لا شيء ملفت للإنتباه سوى تجمعاتهم المسائية التي تجمعهم جميعًا صغارًا وكبارًا كل ليلةٍ لينعمو بقسطٍ من السعادة في يومهم بجانب بعضهم البعض والحب يتفرع بغصونه بينهم حتى اكتملت ثمار صداقتهم القوية التي لا تفسد مهما طال عمرها بل تزداد سكّرًا وحلاوة استيقظ مالك على صوت الضجيج في غرفة نور ليطرق الباب قائلًا بصوتٍ نعس : _"افتحي يا نور عايز أكلمك شوية.. " ارتدت نور إسدال صلاتها وقامت باستقبال والدها في غرفتها التي بدت وكأن هناك حربًا نشبت على أرضها ليتحدث مالك بضجر : _"ما هو مش معقول بقى أصحى كل يوم على صوت التفجيرات اللي طالع من أوضتك دا.. إنتِ هتفضلي تعزلي كل يوم كدا لحد إمتى؟؟؟ " أخفضت نور رأسها بخجل ثم قالت بصوتٍ لا يكاد يسمع من شدة إنخفاضه : _"ماهو..أصل الأوضة بيبقى فيها نمل.. وأنا بقرف منه." تحدث مالك بصوتٍ أكثر لطفًا وقد جلس على فراشها ودعاها للجلوس أمامه فلبَّت : _"يا مفترية.. خلاص خلصتي إفترا على بني آدم كلهم هتفتري على النمل؟ الشقة كلها مفيهاش ولا نملاية توحد ربنا... مالك بس يا نور إنتِ مبتجيلكيش حمى النضافة المُبالغ فيها دي غير لما يكون فيكِ حاجة." تنهدت نور بخفوت ولازال بصرها منخفضًا بطريقةٍ أحزنت قلب الجالس أمامها ليتحدث قائلًا : _"إنتِ خايفة عشان كتب الكتاب قرّب صح؟؟؟ " نظرت له نور بتعجب بعد أن رفعت بصرها له بسرعةٌ ودهشة ليردف هو قائلًا : _"متبصيليش كدا.. محدش هيفهمك قدي، أصل لو أنا مفهمتكيش مين هيفهمك يعني؟؟؟ " ارتسمت ابتسامةٌ على محياها تضيف لحياته أملًا جديدًا ولقلبه شمسٌ صغيرة تضيء له عتمة دروبه ليتحدث قائلًا : _"أنا عارف خايفة من كتب الكتاب.. بس مفيش حاجة تدعو للقلق ولا الخوف دا مُجرد كتب كتاب ولسة الفرح مش دلوقتي خالص... بعدين إنتِ خايفة ليه إنتِ عندك ظن إن أنا ممكن أدخلك في موضوع أنا مش ضامنه؟ " أومأت له نور بالسلب ليتحدث قائلًا : _"طب أومال مالك؟؟؟ خايفة ليه وقلقانة ومتوترة ليه ؟؟؟ " تحدثت نور قائلةً بصوتٍ أعلى قليلًا وبؤبؤان استمرا بالتقلص والنظر في اتجاهاتٍ عديدة : _"أنا مش خايفة ومش قلقانة ولا متوترة... أنا مرعوبة، أنا خايفة لدرجة إني عايزة أسيب الدنيا كلها وأهرب.. الموضوع دا كبير أوي وأنا مش قده وخايفة أبوظ الدنيا أو أعمل حاجة غلط أو أزعلك أو أزعله مني وأنا مش ناقصة خوف أصلًا.. كل حاجة حواليا بقت متبهدلة.. كل حاجة مكركبة ومحتاجة تتنضف وتتروق وأنا مش ملاحقة.. كل حاجة خطر وبتعور وكمـ.. " قاطعها مالك بشيءٍ من الحدَّة قائلًا بعد أن ناداها باسمها ليستدعي تركيزها الكامل له ثم بدأ في تليين صوته شيئًا فشيئًا : _"نور!.. إسمعيني... إنتِ مرتاحة؟؟؟ سؤال واضح وصريح عايزك تجاوبي عليه جوا نفسك.. هل إنتِ مرتاحة بطريقتك مع نفسك دي؟؟؟ إنك عمّالة تتوقعي الأسوأ وتحملي نفسك الذنب في حاجات أصلًا أصلًا لسة محصلتش واحتمال وارد جدًا متحصلش؟؟؟ هل هتفضلي تشيلي نفسك كل الأعباء دي وتفضلي تجبريها تكون نموذجية بمستوى يتعبك إنتِ؟؟؟ أيًّا كانت إجابتك لازم تعرفي إن إحنا كلنا بنحبك وكلنا فاهمين مشاعرك وبنقدرها وبنحترمها.. أنا بحترم مشاعرك وعارف إن دي حاجة مش بإيدك.. بس لازم تواجهيها قبل ما تهزمك وتسيطر عليكِ يا نور.. لازم تتغلبي على وسوستك عشان متئذيكيش وعشان متخسركيش فرص لو ضيعتيها مش هتيجي تاني.. حاولي يا نور.. أنا عارف إنه صعب مش هضحك عليكِ وأقول لك سهل، لأ هو صعب وصعب أوي كمان ومحتاج مجاهدة ومعافرة عشان مش أي حد بيتغلب عليه بس أنا واثق إنك قدها وإنك تقدري تعملي كدا لو اتخلصتي من الأقفال اللي إنتِ مكتفة نفسك بيها.. حاولي لو مش عشان نفسك حاولي عشاني.. عشان أنا بموت لو شفتك زعلانة ولا قلقانة." أخفضت نور رأسها بخزيٍ منه وما كادت تبكي حتى تابع هو حديثه قائلًا : _"متعيطيش يا نور واسمعيني كويس... دلوقتي جه وقت ترديلي أي حاجة أنا عملتها عشانك." نظرت له نور بعدم فهم لما يقوله ليتحدث هو موضحًا : _"اسمعي يا حبيبة قلب أبوكِ ، أنا أول مرة هتكلم معاكِ بصراحة كدا من فترة ومش عايزك تزعلي من أي حاجة هقولها ولا تاخدي كلامي بحساسية.. أنا زمان كنت بعاني بسبب إني سبت نفسي للحزن وسلمت له نفسي لحد ما بلعني جواه ومعرفتش أطلع منه.. حتى بعد ما عرفت حقيقة الوضع اللي وصلت له متحركتش وغرقت أكتر واستسلمت وعشان كدا أي حد حاول يخرجني وينقذني من الزعل دا كنت بشده معايا لتحت.. وضيعت أهم سنين في عمر أي إنسان وأنا ساجن نفسي وعمّال بجلدها، الحاجة الوحيدة اللي حاربت كل الزعل دا عشانها كانت إنتِ.. إنتِ أجبرتيني إني أحبك بطريقة خلتني أرجع للسطح تاني عشانك.. عشان أخلي بالي منك وأحبك وأحميكِ وأوفر لك الفرص اللي أنا حرمت نفسي منها...و دلوقتي أنا جاي برضو أنقذك من الحاجة اللي أنا معرفتش أنقذ نفسي منها وهي الغرق.. أنا مكانش ينفع أعذب نفسي وأسيبها تغرق في بحر من الزعل زي ما إنتِ دلوقتي مينفعش أبدًا تعذبي نفسك وتسيبيها تغرق في بحر من الخوف... عارفة ليه؟؟؟ لإنك وانتِ بتستسلمي بتبقي فاكرة إنك كدا هتحمي نفسك لكن الحقيقة كدا إنك أكتر واحدة هتئذي نفسك... إسمعي كلامي يا نور، أنا جايلك من المستقبل أوفر عليكِ سنين كتير من حياتك هتضيعيها من غير ما تحسي.. " رغم أن حديثه آلمها وتلميحاته لها أنا تعاني من مرضٍ نفسي إلا أنها سعدت كثيرًا رغم ما بها من خوف وأرادت الإرتماء بين ذراعيه كما كانت تفعل في صغرها والبكاء على قدمه حتى تغفو.. بزيارة خاطرتها الأخيرة انفجرت دون وعيٍ منها وانخرطت في البكاء مُجهشةً ببكاء من تحمل الكثير دون الإفراج عن حرفٍ واحد وها هي الآن تعاني من أعراض إنسحاب الكتمان من داخلها وتشعر بجسدها بأكمله يرتجف وعيناها تشتعلان من كثرة ما تنتجانه من دموعٍ بغزارة.. وهو جالسٌ أمامها يطالعها بقلبٍ ملكومٍ على ما آل إليه حالها وهي التي بذل عمره لإسعادها الآن تعاني من تعاسةٍ وليس بوسعه كسرها وتحرير طفلته من قيودها فقط يراقب من بعيدٍ غير قادرٍ على التصرف.. حتى عناقها مُحرمٌ عليه.. كيف كانت حياته بتلك القسوة حينما حرمته من قرب هذه الصغيرة؟؟؟ كيف لا يقدر على ضمها له الآن؟.. أحقًا كبرت الطفلة الصغيرة ذات القدم المكسورة وأصبحت تحدثه من وراء حجاب؟؟؟ أحقًا طارت السنوات بهذه العجلة لتسلب منه فتاته الصغيرة وتترك له هذه الجميلة الحزينة؟؟؟ والآن.. إلى متى سيطول هذا العذاب؟؟؟ ألن تتوقف الفتاة عن البكاء؟؟؟ نظر لها مالك بآسى ثم وقف قبالتها مع الحفاظ على مسافةٍ بينهما وقال بصوتٍ رخيم : _"بطلي عياط يا نور وافهمي كلامي عشان مظنش إن هيبقى عندي طاقة أرجع أفتح الموضوع دا تاني.. " وفي الخارج على باب الغرفة اختبأت تلك التي كانت تسترق السمع عندما شعرت بخطواته تقترب من الباب، لتواري نفسها خلف إحدى الستائر بسرعة وبمجرد أن غادر خرجت من مخبئها وحدثت نفسها بابتسامةٍ ماكرة وصوتٍ خافت : _"ليه بس يا عروسة خايفة من إيه؟.. ههه، ويا ترى بقى عريسك هيحس بإيه لما يعرف بالكلام دا يا ترى؟؟؟ " _________________________________________ فصل أحداثه مميزة يستحق تفاعل عشان نختم الرواية بفصول جميلة.. ♡ تفاعلوا بنجوم وكومنتات واستنوني الفصل الجاي بأحداث قوية ولطيفة شبه قلوبكم يا عزيزاتي (وأعزائي لو في أعزائي) 🌸🤍... -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم. #كيف_تصنع_مريضًا #الـسَـمْــــرآء🖤🪄
-مَليكـة مجْـدي إبرا