الرابع والعشـرون: التقاء الأعيُـن

الرابع والعشـرون: التقاء الأعيُـن

49 2

قل للذي ملأَ التشاؤم قلبهُ ‏ومضى يضيقُ حولنا الآفاقا ‏سرُّ السعادةِ حُسن ظنِّك بالذي ‏خلق الحياةَ وقسَّم الأرزاقا." ‏- الإمام الشافعي. ----------------- _"فريدة أنا مش عارفة أتصرف إزاي وخايفة أقول لأبوه يضربه أو يزعقله ويجيب نتيجة عكسية." كانت هذه كلمات إسراء التي ذهبت لفريدة في المشفى الخاص بها وبزوجها مازن في اليوم التالي لتستشيرها في أمر يتعلق بكيان، لتعقب فريدة عليها بعمليةٍ وهدوء : _"متقلقيش يا إسراء دي حاجة بسيطة تقدري تعالجيها بنفسك." نظرت لها إسراء باستفهام لتتابع فريدة استرسال حديثها : _"هوس السرقة يا إسراء عبارة عن اضطراب نفسي بيخلي المريض بيه عاجز عن مقاومة الرغبة الملحة في سرقة أي حاجة هو مش محتاجها عمومًا. وغالبًا الحاجات المسروقة دي بتكون ملهاش قيمة، لدرجة إن هي ممكن تكون حاجات عادية والمصاب يقدر يشتريها... عايزة أفهمك كمان إن هوس السرقة حالة نادرة أه بس ممكن تبقى خطيرة. لإنها هتسبب للمريض وللي بيحبوه ألم شعوري كبير، ده غير إنها ممكن تسبب له مشاكل قانونية لو اتسابت من غير علاج." تلعثمت إسـراء بالحديث وعيناها تدوران في كثيرٍ من الإتجاهات بحيرةٍ وخوف.. لا تدري ماذا تفعل أشارت لها فريدة بيديها أن تهدأ ثم أردفت : _"لو إنتِ فعلًا عندك شك إن كيان بيعاني من المشكلة دي إتناقشي معاه برفق وبهدوء، ومن غير أي انفعال ملهوش لازمة في الموضوع ده، وحطي في اعتبارك أن هوَس السرقة واحد من اضطرابات الصحة النفسية مش عيب في الشخصية ولا في التربية،عشان كدا لازم تتكلمي معاه من غير ما تصدري عليه أحكام أو تلوميه، ومن رأيي هيكون مفيد جدًا إنك تأكدي على النقط دي.. " صمتت لبرهةٍ من الزمن تسترجع أنفاسها وترتب كلماتها لتتابع قائلةً : _"أولًا إنك توضحيله قلقك عليه وإنك بتحبيه وبتهتمي بصحته وعافيته، ثانيًا تبينيله قلقك من إنه ممكن يتعرض لمخاطر سلوك السرقة القهرية، زي إنه ممكن يتقبض عليه أو يتفصل من المدرسة أو إنه يخسر علاقة مهمة بالنسباله زي علاقته بأصحابه ومدرسينه أو علاقته بأسرته واخواته وقرايبه،وأهم حاجة يا إسراء في السن ده أنك تزرعي فيهم إن علاقتهم بربنا هي أهم علاقة بين كل العلاقات، لازم كمان تبقي مُدركة إن في حالة هوَس السرقة، إحتمال شبه غالب تكون الرغبة الملحة في السرقة أقوى من أن تقاوَم بمجرد "العزم"، في علاجات يمكن تفيد في تقليل الرغبة الملحة في السرقة والعيش من غير إدمان أو خجل، ولو إنتِ محتاجة مساعدة في إنك تجهزي نفسك عشان تخوضي في النقاش معاه، اتكلمي مع دكتور نفسي..طبعًا مش شرط أنا،قدامك كل الإختيارات أنا بس بنصحك كصديقة قبل ما أكون دكتورة، لكن لو عايزة مشورتي كدكتورة نفسية فأنا أنصحك وأقولك عليكِ وعلى اختصاصي الصحة النفسية..لإن هو ده اللي يقدر يساعدك في التخطيط للطريقة اللي تعبري بيها عن مخاوفك لإبنك من غير ما تخليه ياخد موقف دفاعي منك أو يحس بالتهديد." جففت إسراء وجهها المتعرق وقالت بصعوبة : _"حاضر يا فريدة هحاول." التفت فريدة حول مكتبها لتجلس على الكرسي المقابل لمقعد إسراء مُمسكةً بيديها تردف : _"إسراء.. متخافيش، أنا هساعدك وإن شاء الله نحل المشكلة دي بسرعة وبهدوء، متقلقيش عليه هو ابني برضو زي ما هو إبنك." احتضنتها إسراء وهي بالكاد تمسك لجام دموعها القلقة لتبادلها فريدة العناق ثم تتبعه بالقول : _"لو مش وراكِ حاجة دلوقتي إستنيني عندي حالة أخيرة وبعدين نروّح سوا." استعادت إسراء توازنها ثم قالت مُجيبةً عرض فريدة : _"تمام مفيش مشاكل... هطلع أستناكِ برة في الـ reception." أومأت لها فريدة ثم استدعت مساعدتها لتخبرها : _"جوليا قومي باصطحاب المدام للإستقبال وأعدي لها فنجانًا من القهوة الفرنسية، ثم قومي بإدخال المريض التالي بعد عشر دقائق من الآن." أومأت الفتاة بابتسامةٍ رسمية مُشيرةً لإسراء بأن تتبعها، ذهبت إسراء خلف العاملة لتنفذ العاملة تعليمات فريدة في حين كانت فريدة ترتشف مشروبها العشبي الذي لا يفارقها بينما تنل قسطًا من الراحة وهي تقوم بتصفية ذهنها وإجراء تمارين التنفس واليوجا قبل أن يقاطعها دخول المريض الذي أومأت له مُشيرةً له بالجلوس. اتطلعت فريدة على هيئته وشكله دون أن تنطق ببنت شفة، بدءًا من نظافته الشخصية واهتمامه الشديد بمظهره، لجسده الرياضي الذي يتضح عليه الصحة الجيدة، لثبات عينيه وهدوئه البادي على جسده،وصولًا نظراته الحادة المصوّبة جهتها قبل أن تبادر بالحديث قائلةً : _"مستر جيـوم.. كيف حالك؟؟؟ " أجابها جيوم بهدوء وقد بدأت تعابير وجهه بالإرتخاء : _"أنا بخيرٍ دائمًا. " ابتسمت له فريدة ثم عقبت : _"إذًا.. هل تود أن تعرفني بنفسك؟؟؟ " هزَّ جيوم رأسه بإيماءةٍ بسيطةٍ للغاية ليجيبها بالسلب مما جعل فريدة تتعجب وتردف : _"عـفوًا؟؟؟ " تحدث جيـوم موضحًا : _"لم آتي إلى هنا لمشكلةٍ تخصني.. فقط أريد مشورةً من شخصٍ مُختص بشأن شخصٍ يهمني." عادت فريدة بظهرها للخلف وتابعت بعملية : _"حسنًا أتمنى أن أستيطع مساعدتك، بالبطع في الحدود التي تفرضها عليَّ مِهنتي كطبيبةٍ نفسية." ابتسم جيوم بلطف ثم هز رأسه وتابع : _"هل تدينين بدينٍ مُعيّن سيدتي؟؟؟ " نظرت له فريدة بعين الشك لتردف وقد ضيقت مُقلتيها : _"أفضل أن أحتفظ بالإجابة عن هذا السؤال لنفسي.. لما تسأل عن شيءٍ كهذا بالتحديد جيوم؟؟؟ " وقبل أن يجيبها لاحقت هي قولها السابق بـ : _"إن لم يكن رفع التكليف يزعجك بالطبع." أومأ لها جيوم بأن لا بأس ثم تابع : _"لا تقلقي لست متعصبًا للأديان كما الغالبية هنا في باريس.. ولدت في عائلةٍ مُلحدة على كل حال، فقط حدسي يخبرني أنكِ لستِ فرنسية.. ولا أوروبية حتى، حتى اسمكِ كأسماء العرب." _"Farida Ali Al-Damanhouri est psychiatre " (فريدة علي الدمنهوري طبيبة نفسية) قالها جيوم ببطيء وهو يتذوق الأحرف على شفتيه وكأنما سيمنحها تقييمًا مما أزعج فرسدة بشدّة لتعقب : _"عفوًا مستر جيوم.. انتهى وقت جلستك بإمكانك الإنصراف الآن." رفع جيوم كلا حاجبيه بدهشة، للحق لم يتوقع أن يكون رد فعلها بهذا الجمود.. أردك أنه أزعجها بأسلوبه ليردف بنبرةٍ مُعتذرة تتناقض مع وجهه الجامد الذي حمل نظرة تحدٍ لفريدة قائلًا : _"أعتذر إن كنتِ أسأتي فهمي.. أو أزعجكِ أسلوبي... هل يمكنك الاستماع إليَّ الآن؟؟؟ " عقبت فريدة بجمود وهي تراجع ما بيدها من ملفات غير آبهةٍ به : _"هذا هو عملي في الأساس مستر جيوم.. الإستماع للمرضى، فقط اللبقين منهم، لستُ مضطرةٍ للإستماع إلى المرضى قليلي الذوق في حديثهم.. أنا لست والدتك مستر جيوم ولا شيء يجبرني على تحمُلك وأنتَ تتحدث هكذا." جحظت عينا جيوم وتجهم وجهه، لم يكن متوعقًا منها هذه الصرامة.. ربما هي أول شخص يستطيع احراجه، بالفعل شعر جيوم بالإحراج وظهر ذلك على وجهه الذي أصابته حُمرةٌ طفيفة قبل أن يردف : _"أعتذر منكِ مُجددًا، اقبلي اعتذاري رجاءً." أغمضت عينيها وتنهدت بخفوت ثم تقدمت للأمام مُجددًا وتابعت بعد أن سمحت للابتسامة البلاستيكية أن تبدأ بتأدية عملها : _"حسنًا، لنبدأ من من جديد... ما المشكلة التي تواجهك." ابتسم ابتسامةً تخبر عن مقدار ثقته ليردف بعد أن غيرها لابتسامةٍ ودودة : _"الأمر لا يخصني كما أخبرتك، إنه بخصوص شقيقتي.. كما تعلمين، سبق وأخبرتكِ منذ قليل أنني ولدت لعائلةٍ ليس لها دين.. لا نؤمن بوجود إله ولست هنا لأتناقش معكِ في هذا، بل لأني قلقٌ على شقيقتي." حركت فريدة عينيها بمللٍ تستحثه على الاسترسال ليكمل هو قائلًا : _"أختي تعرفت مؤخرًا على فتاةٍ مسلمة.. الفتاة جذابة بشكلٍ لا يصدق لم أستطع لوم أختي على الإنجذاب نحوها.. لكن مؤخرًا أصبحت ألاحظ تغيراتٍ عديدة طرأت على شقيقتي." نظرت له فريدة باهتمام مع ارتفاع حاجبها الأيمن وكأنها تسأله أن يتابع ليفعل هو قائلًا : _"أصبحت ناضجة.. ناضجة بطريقةٍ تخيفني.. لطالما كانت شقيقتي الصغيرة مدللتي وحبيبتي، طفولية وتتصرف بفطرتها الطبيعية دون حسابات كثيرة، تغير نمط ثيابها، اتسمت بالهدوء واللباقة وحسن السلوك، توقفت عن الاستيقاظ متعكرة المزاج على العكس دائمًا بشوشة ومبتسمة.. " زفرت فريدة بهدوء ثم قالت : _"لا أظن أن هناك شيئًا غريبًا.. ليس للأمر علاقة بصديقتها الجديدة على وجه التحديد بل بكونها اكتسبت شخصًا جديدًا، الفتيات يا جيوم تتأثر مشاعرهن بأبسط وأقل شيء.. وقد تتغير تغيرًا جذري دون مبررات أو أسباب. " تابع جيوم الحديث بتلهف : _"أختي تظن أني لا أعرف ما تفعله.. تظن أنها نجحت في إخفاء أمر اطلاعها على كتب المسلمين وبرامجهم الدينية المترجمة.. أنا أعرف أنها تفعل، وأعرف أنها توشك على اعتناق الإسلام.." اقتربت فريدة برأسها أكثر وقالت بنبرةٍ خبيثة : _"وما المشكلة؟؟؟ لقد سبق وقلتَ قبل قليل أنكَ لست متعصب، هل ستردعها عن ذلك؟؟؟" أومأت جيوم سلبًا، وبشدة ثم قال نافيًا : _"بالطبع لا، لا يهمني هذا الأمـر.. كل ما يهمني هو سعادة أختي الصغيرة، إن كان هذا سيتسبب في سعادتها سأكون داعمًا لها.." _"إذًا ما المشكلة اللتي تواجهها أختك هنا؟؟؟ " شرد جيوم قليلًا قبل أن تعاود ملامحه للتجهم مرةً أخرى ليردف : _"أمي وجدتي.. أشعر بالخوف على شقيقتي منهما.. ستؤذيانها بشدة، وأيضًا... " تفهمت فريدة خوفه، فقد بدا لها من خلال حديثه عن أخته كم أنه يهيم بها حُبًّا.. ارتسمت على شفتي فريدة ابتسامةٌ غفل الآخر عنها لتتابع الكلمات من فمه قائلًا : _"وأيضًا... انتقالها من الإلحاد للإسلام أمرٌ صعب، لا أنكر أنني أجهل عن الأديان جميعها بشكلٍ عام.. لكن فكرة التدين نفسها والإلتزام بواجبات وقواعد طوال والوقت لأنني سأحاسب عليها فيما بعد أمرٌ مُرهق.. لا أريدها أن تشعر بالإحباط." ابتسمت فريدة وقد تأكدت مما يجول بخاطرها منذ عدَّة دقائق، وقد قررت مساعدة الشاب الجالس أمامها وأخته. -------- _"إيه يا فريدة 3 ساعات ونص مستنياكِ؟!!! كل ده مع واحد بس؟؟؟ طب كنتِ قوليلي إنك هتتأخري كدة كنت أروح وأستناكِ هناك في البيت." كانت تلك كلمات إسراء اللي ظلت تنتظر قرينتها في الإستقبال لتعقب فريدة والإبتسامة تزين ثغرها : _"أنا أسفة حقك عليا، مكنتش أعرف إني هاخد. معاه وقت طويل كدة لإنه أول مرة يجي." _"طب ما كنتِ تخلي الأسستنت بتاعتك تقولي بدل ما أنا ملطوعة كدا تلات ساعات ونص وكدا مش هلحق أجهز نفسي عشان الفرح اللي بكرة ده، متنسيش إن لسة في حاجات كتير ورانا عايزين نعملها قبل الفرح." _"فِكرك إني مفكرتش في كدة يعني؟ بس مكنش ينفع أقطع جلستنا لإنه كان بيتكلم بحرارة ولو قطعت تركيزه كان ممكن ميكملش، وبعدين يا إسراء حقك عليا قلنا، تعالي يلا معايا عايزة أشوف مازن قبل ما أمشي. " انهت حديثها السابق وهي تسحب الأخرى خلفها بينما الأخرى تصيح قائلةً : _"نعم يا أختي؟!! احنا لسة هنشوف مازن؟؟؟ " ضحكت فريدة بخفوت وقالت تحاول تفادي غضب إسراء : _"مين نشوف مازن؟ مين اللي هيشوفوا مازن دول؟ حد قالك إنك هتدخليله معايا؟؟؟ أنا داخلة أشوف جوزي.. جوووزي وأنا حُرة فيه.. جوووزي أغسله وأكويه" لتجاوبها إسراء بنزق : _"ومالِـك بتقوليها بكيد كدة ليه ياختي إن شاء الله؟؟؟ " تابعت فريدة بنفس أسلوبها الاستفزازي تمازح إسراء وهما تتمشيان في ردهة المشفى صوب المكتب الخاص بمازن قائلةً بتكلف : _"أنا؟ أنا بكيد فيكِ؟؟؟ إخص عليكِ يا إسراء يا وحشة، ده انتِ أختي يا إسراء، وبعدين أنا هكيد فيكِ ليه وأغيظك ليه وأحرق دمك ليه؟ على إيه أصلًا؟؟؟.. " كل هذا وإسراء تطالعها بدهشة وتعجب بينما فريدة تتابع : _"لأ بجد، تفتكري يعني إن عشان أنا وجوزي بنشتغل مع بعض في نفس المكان، فبنروح الشغل الصبح مع بعض وكل ما يوحشني أروح أبص عليه في مكتبه ولو وحشته يجيلي أوضتي ونفضل نقضي وقت مع بعض، وإنتِ يعني جوزك سايبك كدا ولا كإنه ناسيكِ وناسي إنه متجوز أصلًا؟؟؟ " أنهت فريدة كلماتها وانفلتت ضحكاتها في الأرجاء لتبتسم إسراء ابتسامةً سمجة مع قولها : _"عندك حق والله.. هي كانت جوازة مهببة من أولها أصلًا، يلا بقى النصيب نعمل إيه.. اللي مكتوبله قلم بيبات على قفاه." تعالت ضحكات فريدة لا إراديًّا عندما تلقت أذنها كلمات إسراء الحانقة ثم أخفضت من ضحكاتها لتطرق باب زوجها الذي سمح لها بالدخول، وما إن رآى مازن وجه زوجته حتى تحولت ملامحه وجهه في الحال لملامح طفلٍ فرِح برؤية أمه بعد يومٍ طويلٍ في المدرسة، في الحال نهض من كرسيه واتجه نحوها يضمها إليه بحنان غير منتبهٍ لوجود إسراء التي أغلقت باب المكتب بعد ما فعله مازن. شدد العناق على زوجته بحب والضحكات تفر من شفاههما بدون سببٍ وجيه، يمكن اعتبار هذه العادة عادةً مقدسة لهذا الثنائي.. فريدة ومازن الثنائي الذي كلما تبادلا العناق بدئا بالضحك سويًا.. إنهما محبين من الدرجة الأولى بحق، عاشقين منذ الصغر.. منذ ريعان طفولتهما وقد أصدر قلبيهما فرمانًا بتطبيع القلبين معًا وتملك كل قلبٍ منهما حب الآخر في شرايينه، وقد تم التوقيع على هذا الدستور بموافقة الطرفين! ها قد مرت الكثير والكثير من الأعوام.. فبربكم من قال أو ظن يومًا أن الحب يتلاشى بالتعود؟!!! ألم يروا نموذجًا واحدًا مُشابهًا لهذا الثنائي؟... حمحمت إسراء بخجل لينتبه لها مازن ولأول مرة فيضطر لفك العناق آسفًا.. أوقف زوجته إلى جانبه وحاوط كتفيها بذراعيه ثم التفتح لإسراء مُلوِّحًا لها بيده مع اعتذاره : _"أعمل إيه طيب؟؟؟ بحبها " ابتسمت له إسراء بتفهمٍ ثم قالت : _"طب هستأذن أنا بقى عشان أسيبكم على راحتكم.. فريدة متتأخريش." ودون تعليق خرجت و أغلقت الباب خلفها.. لتلتفت فريدة لزوجها قائلةً : _"إيه الشغل عندك كان عامل إيه النهار ده؟؟؟" _"والله مُتعِب وقسم الطورايء كان فاضل له مريض واحد وينفجر باللي فيه، بس الحمد لله عدت على خير.. " تنهد ثم تابع : _"بس تصدقي بالله؟.. دخلتك عليا ريحتني، كإني كنت مستنيكِ تيجي تاخديني من الوش ده كله." نظرت له فريدة بتأثـر ثم عادت تحتضنه مُجددًا تحاول مواراة دموعها عنه ليردف هو بصوته الأجش الهاديء بينما يُسكنها بصدره : _"مش ملاحظة حاجة غريبة؟؟؟ مش حاسة كدة إنك بقيتي حساسة ومشاعرك فياضة أوي الفترة دي؟؟؟ " وفي لمح البصر دفعته هي بعيدًا عنها وقالت بنبرةٍ حادة تطلق شرارًا من عينيها : _"إيه؟؟؟ إنتَ قصدك إن أنا دايمًا مبحسش ومشاعري جافة؟؟؟ تقصد إن أنا قلبي جاحد يا مازن ومبحسش؟؟؟ هي بقت كدا؟؟؟.. " أجبرت طريقتها مازنًا أن يضرب رأسه بكلتا كفيه قائلًا : _"يادي النيلة السودا عليا وعلى دماغ اللي خلفوني!!! جوازة إيه المهببة دي يا أما؟!!!" إلتفت نحو فريدة وأمسك رأسها وظل يرجرجها للأمام والخلف قائلًا بقوة : _"إنتِ عايزة تعملي فيا إيه يا بنت دولت عايزة تعملي فيا إيه؟؟؟؟ ليه كدا يا شيخة!!!، أولع في روحي طيب ولا أولع فيكِ يا أخرة صبري!!! " _"مازن يا حبيبي حقك عليا بس حاول تهدى" أمسك مازن بأقلام مكتبه يقذفها بهم واحدًا تلو الأخر : _"امشي.. امشي من هنا اطلعي برة مكتبي.. امشي يا مجنونة يا بنت المجانين!! " خرجت فريدة راكضةً من الغرفة ولم يكد مازن أن يعاود الجلوس على مكتبه مرةً أخرى كي يباشر عمله حتى وجدها تدلف للداخل من جديد قائلةً : _"بقولك يا مزوش أنا هبات أنا وحنين عند إسراء ومالك الليلة دي عشان هنتجمع مع شيرين وغنى وعايزين نعمل قعدة بنات عايز مني حاجة قبل ما أمشي؟؟؟،بحبك يا مزوش. " وفي لمح البصر تناول القلم الأخير المتبقي من على سطح المكتب ليقذفها به بينما جرت هي هرولة مُغلقةً الباب خلفها بقوة. جلس على مكتبه من جديد بعد أن جمع أقلامه المتناثرة في الأرجاء ثم جلس يحملق في أثرها ليطلق تنهيدةً مرتفعة أتبعها بقوله : _"أعمل إيه يا بنت دولت؟ ما أنا بحبك طيب.. " رفع رأسه للخلف ثانيًا رقبته ليقول بصوتٍ خافت : _"يارب أعمل فيها إيه يا رب، هي ناوية تجيب أجلي بدري بدري وأنا غصب عني قلبي ناوي يفضل على حبها. " --------- طرقت بابه بروية ليسمح لها بالدخول، دلفت لمكتبه ثم وقفت على بُعدٍ منه حتى قال لها مُشيرًا بيده إلى الكرسي أمام مكتبه : _"ما تيجي يا نور تقعدي إنتِ مستنياني أقولك إقعدي؟؟؟ " جلست نور أمام والدها وسألته : _"إزاي حضرتك يا بابا؟؟؟ " أجابها مالك بابتسامة : _"بخير يا تفاحة قلب أبوكِ، إنت عاملة إيه النهار ده؟؟؟ " أجابته بمد شفتيها ورفع كتفيها بقلة حيلة ليضحك هو على طريقتها الطفولية ليتابع بين ضحكاته المستمتعة برفقتها : _"ليه كدا يا حبيبتي؟.. مفيش حاجة تعمليها ولا إيه؟؟؟ " _"بصراحة أه، خلصت أوردارات اللوح من يومين ومفيش أوردارات تاني وخالتو إسراء هي وماما غنوة وطنط شيرين تحت مع أروى والعيال، وأنا... يعني.. " _"مبترتاحيش في القعدة دي أنا عارف" أومأت له نور براحةٍ بالغة بعدما فهم هو مقصدها دون أن تتكلف عناء توضيحه ثم قالت بحب : _"بحب أوي إنك أكتر حد بيفهمني... " _"لو أنا مفهمتكيش مين هيفهمك أكتر مني يعني؟؟؟ " ابتسمت نور له حتى ضاقت عويناتها.. ابتسامتها الصادقة لا المُجامِلة، عندما تخترق الكلمات شغاف قلبها تضيق عيناها الخضراوتان لتصبحان كمحارة بحر نصف مفتوحة تطل من داخلها لؤلؤتين لامعتين تختطفان الأنظار ببريقهما وجاذبيتهما. _"طب لو زهقانة أنا هبقى مبسوط أوي لو قعدتي معايا.. بقالي كتير مشوفتكيش ولا اتكلمت معاكِ على رواقة." ظهر الإحراج جليًّا على ملامح نور التي ابتسمت وأمائت بتوتر، ليعقب مالك على رد فعلها قائلًا : _"لأ أنا بقول كدا عشان إنتِ وحشتيني مش عشان أجبرك تفضلي معايا.. لو عايزة تعملي حاجة تانية قولي من غير ما تتكسفي أنا أكيد مش هزعل من إنك تبقي مبسوطة ولا هزعل لما تعملي اللي انتِ عايزاه." اومأت نور له ثم قالت : _"أناكنت عايزة أستأذن حضرتك يعني لو.. كنت عايزة أروح عند كوزيت لو معندكش مانع، وأعودك والله العظيم لما أرجع من عندها هفضل قاعدة معاك لحد ما تزهق مني. " _"لأ يا حبيبتي معنديش مانع، روحي واتبسطي أنا عارف إن البنت دي كويسة أوي من حكاويكي إنتِ وحسن عليها، ويا ستي أنا عمري ما هزهق ولا هشبع من القعدة معاكِ." لا تدري كيف قالت هذا،ربما لم تحسب كلماتها من فرط سعادتها بحبه لها حين قالت : _"عارف لو كنت بابايا بجد كنت حضنتك دلوقتي والله عشان أنا بحبك أوي." .. تبدلت ملامح مالك في لحظة وتلاشت ابتسامته ثم قال وأثر الصدمة جليٌ على صوته : _"بس أنا أبوكِ بجد يا نور!.. " صمتت نور وجحظت عيناها وكأنها استوعبت للتو ما قالته من كلمات تعلم كيف كان أثرها على والدها لتتحول ملامحها للحزن وقالت : _"أنا أسفة، أنا مكانش قصدي والله العظيم ومعرفش أنا قلت كدا إزاي.. " طالعها مالك بوجهٍ خالٍ من التعابير وعينان تصرحان بحزنهما الشديد لتخبره هي بصوتها المتحشرج : _"والله مكنش قصدي حاجة، أنا معرفش الكلام ده طلع مني إزاي بس أنا بجد مليش حد غيرك يا بابا.. ولو زعلت مني مقدرش أعيش والله، متزعلش مني بقى بالله عليك.." تنفس مالك قبل أن يردف قائلًا بوجهٍ بلاستيكي : _"محصلش حاجة يا نور.. أنا مش زعلان إنتِ قلتي اللي في قلبك خلاص وده ميزعلنيش... أنا هروح أجيب ماية، وانتِ روحي اجهزي يلا عشان تروحي عند صحبتك عشان ترجعي قبل الوقت ما يتأخر." نهض من على مقعده وسار مُتجهًا للخارج حتى استوقفته شقاتها الباكية التي لم تتكلف عناء إخفاتها، تنهد مالك وضغط على عينيه بقوة قبل أن يستدير ليقابلها ويجلس مُقابلًا لها ثم أخرج زفرةً أخرى وظل يطالعها وهي تبكي لأنها أحزنته، يطالعها ويتذكر كيف كانت في صغرها تبكي عندما تتسبب له في حزنٍ يمسه.. كانت تجلس هكذا وكتفاها منكمشان مضمومان لبعضهما بينما تفرك عيناها بقوة حتى تحمران من كثرة البكاء والمسح، لا يدري كيف ولما ابتسم بصفاء وهو يراها تبكي ويتذكر السنوات الراحلات وكل يومٍ مر على أذنه وهي تتلقى كلمة "بابا" من فم ابنته الوحيدة.. شرد قليلًا وهو ينظر لها ويتابع هيئتاها قبل أن يكسر بكائها الحزين بقوله الهاديء وصوتٍ يتشدق بالحنان : _"في إيه يا نور مالِك؟؟؟، فيكِ إيه.. " لم تجبه وظلت تفرك عينيها ليتابع هو بابتسامة : _"طب صلِّ على النبي طيب وبطلي عياط." _"صلى الله عليه وسلم. " _"بالله عليكِ متعيطيش بقى، خلاص والله أنا مش زعلان... أنا مقدرش أزعل منك أصلًا عشان مفيش حد بيزعل من نفسه." توقفت نور عن البكاء قليلًا وظلت تنظر له بأعينٍ دامعة ثم قالت : _"يعني إنتَ بجد مش زعلان مني.. أنا مقدرش أزعلك مني بجد.." _"أنا مقدرش أزعل منك قلنا خلاص بقى.. وبعدين متعيطيش عشان عايز أكلمك في موضوع قبل ما تروحي لصحبتك.. ولا تحبي نخليها بليل لما ترجعي؟؟؟ " جففت نور وجهها تمامًا ثم قالت وهي تبتلع ريقها : _"لأ لأ براحتك نتكلم عادي.. ممكن مروحش أصلًا خليني قاعدة هنا أحسن." تحدث مالك وهو يربت على كفيها : _" لا يا حبيبتي روحي عادي وتبسطي بيومك عادي واعملي اللي إنتِ عاوزاه كله، أنا بس كنت عايز أتكلم معاكِ كلمتين. " أومأت له نور بتركيز ليتابع هو بجد : _"بصي يا نور.. أنا هتكلم معاكِ بصراحة ومن غير إحراج، وعايزك إنتِ كمان تكلميني من غير كسوف اتفقنا؟؟؟ " أومأت له نور بارتباك ليتابع هو : _"بصي يا نور.. إنتِ أكيد عارفة إني بحبك، وبحبك جامد وعمري ما هجبرك على حاجة إنتِ مش عاوزاها صح؟؟؟ " _"طبعًا أنا متأكدة من حاجة زي دي، دي بديهيات." _"طيب طالما إنتِ عارفة إنها بديهيات ممكن متكذبيش عليا؟؟؟ إنتِ بجد عايزة تتجوزي مروان؟؟؟ وفكري كويس قبل ما تردي عليا.. متقوليش أه عشان مش عايزة علاقتي معاه تبوظ، علاقتي أنا ومروان ملهاش دخل بيكِ، ومتقوليش أه عشان محرجة تقولي لي لأ.. أنا سؤالي واضح.. مروان لما يجيب مصطفى ويجي يقعد معايا أقوله أه وأنا متأكد؟؟؟ " بدون تفكير أومأت نور إيجابًا باندفاع وقوة تصرح له بموافقتها ليتابع : _"أه؟ ليه أه؟؟؟ " صمتت نور وكأنها لم تتوقع منه هكذا سؤال، وبعد دقيقتين من الصمت المتواصل تحدث مالك قائلًا : _"إنتِ مترددة ليه مش عارفة تحددي إنتِ بتحبيه ولا لأ؟؟؟" جحظت عيناها بقوة وتوردت وجنتاها توردًا طفيفًا بينما يستمر هو قوله : _"قلت لك اتكلمي معايا عادي.. أنا سرك والوحيد اللي عمره وما هيفضح لك سر ولا هيحرجك قدام حد.. كلميني بصراحة إنتِ ليه قلتيلي إنك موافقة وليه أنا دايمًا حاسس إنك مجبورة توافقي وزي ما قلت لك بعيدًا عن علاقتي بيه.. " عضت نور على شفتيها ثم ابتلعت ريقها وقالت وهي تشيح ببصرها في اتجاهاتٍ عديدة : _"مش حكاية مجبورة.. أنا بس ببقى خايفة... زي ما حضرتك قلت أنا عارفة إني مليش غيرك، عشان كدا خايفة وأنا يعني... أنا قلت كدا لمروان.. هو.. هو كان بيحبني من بدري و.. وأنا قلت له إني مش هبقى مناسبة لحد وإني هزعله وأنا خايفة يكون زعلان مني بسبب كدة بس أنا فعلًا مش حاسة إني مناسبة لحاجة زي كدا.. أنا أصلًا بتعامل مع نفسي بصعوبة ومبعرفش أبقى مع ناس كتير غصب عني بخاف.. حتى حضرتك عارفة إني مليش غيرك وإنك بابايا بس بخاف دايمًا أزعلك مني لإني مبحبش قدك يا بابا.. حتى لو أنا فعلًا كنت ببقى مبسوطة مع مروان بس معتقدش إني هينفع أدخل في علاقة من النوع ده." كانت تتحدث بكلماتٍ متقطعة ومالك ينصت لها بتركيز ثم قال بوجهٍ بشوش : _"تمام يا نور، أنا مبسوط جدًا إني اتكلمت معاكِ النهار ده.. يلا روحي غيري هدومك عشان أوصلك عند صحبتك بالعربية. " تنفست نور بعد أن شعرت بأن توترها قد انزاح ثم غادرت الغرفة بصمت ومالك يطالع أثرها وبين شفتيه ارتسمت ابتسامةٌ جانبية تنم عن قدْرٍ لا يستهان به من الخبث. ---------- أسفل الشقة الخاصة بأسرة كوزيت كانت جالسة في سيارة والدها الذي قام بإيصالها، وقبل أن تهبط من المركبة التفت ليقول لها : _"نور مش محتاجة فلوس؟؟؟ " نظرت لوالدها توميء بسعادة وقالت : _"لا يا حبييي شكرًا.. أنا جمعت فلوس كتير من رسم اللوح." تنهد مالك ثم تابع : _"نور إنتِ مش مُضطرة تعملي كدا على فكرة إنتِ لو شاورتي على حاجة أنا هجيبهالك، أنا كل حاجة عندي ليكِ إنتِ واخواتك." _"أنا عارفة.. ومتأكدة من إني لو احتجت حاجة عمري ما هتكسف أطلب منك، بس أنا حابة أبدأ مشروع صغير زي ده يمكن يكبر عشان أحس إني عملت حاجة.. " _"أنا ممكن أعمل لك جاليري يتملي بلوحك ويكون بتاعك وبإسمك لو عايزة. " _"ربنا ميحرمنيش منك يا أغلى حد في الدنيا.. أنا زي ما قلت لك عايزة أعتمد على نفسي وأعمل حاجة من غير مساعدتك ليا.. وبعدين لو الظروف زنقت معايا والبيدج مبقتش ماشية هبيع اللوح ليك، ومتخفش هراضيك في الأسعار." ضحك كلاهما بسعادة وقال هو : _"وأنا يا ستي مستعد أدفع ثروتي كلها على لوحك ورسوماتك كفاية إنها حاجة تخصك." --------- _"ألو.. " _"إزيك يا مروان عامل إيه؟؟؟ " _"إزيك يا مُصطفى أنا بخير.. معلش والله أنا كان نفسي أكون بجهز لفرح أروى معاكم بس إنتَ عارف إني مينفعش أجي بقى... " تنهد مروان تنهيدةً ينهي بها حديثه ليتحدث مصطفى : _"يا عم أنا مش بتصل بيك عشان كدا أصلًا، وبعدين أنا عارف إنتَ إيه اللي مخليك مش هتقدر تيجي وبصراحة إنتَ عندك حق وأنا فخور بيك." ابتسم مروان بهدوء وتابع مُمازحًا مصطفى : _"إيه ده هو أنا باين عليا أوي كدا!! " عقب مصطفى مُستهزئًا : _"باين عليك؟!!! يابني إنتَ مفضوح..مفضوح وفضيحتك عمالة تتمشى في الشارع بألوان فسفور.. إنتَ بجد محتاج تشوف نفسك يوم العزال شكلك كان عامل إزاي. " _"للدرجادي!.. ده أنا باين حالي صعب أوي. " ارتفعت ضحكات مصطفى بشدة ليسأله مروان عن سبب الضحك غير المبرر هذا قبل أن يجيب مصطفى : _"أصلك فكرتني بيا لما كنت بشوف شيرين واحنا في الجامعة.. صحيح كانت هي قسم ديكور وأنا عمارة بس كنت ساعات بشوفها وكنت لما أشوفها أبقى عامل زيك كدا لما بتشوفها." أضاف مروان بتهرب وتهكم : _"لما بشوف مين يا مصطفى؟؟؟" أجابه مصطفى بنفس التهكم وبنفس النبرة الساخرة : _"اللي جت في بالك يا مروان. " صمت مروان ومن جهته يضغط على عينيه بقوة ويبتسم ابتسامةً كاد أن تأكل وجهه كاملًا من توسعها وجمالها، على الجهة الأخرى استرسل مصطفى ما كان يرويه قائلًا : _"ساعة ما كنت بشوف شيرين بقى كان مازن ومالك يفضلو يتتريقوا عليا.. ومرة مازن عمل نفسه شاعر بقى وحب يتروشن واستناها لما كانت بتسأل الدكتور عن حاجة في الإمتحان وهما واقفين جنبنا وقام مرة واحدة بعلو صوته قايل.. يُخفـي لواعِجه والشـوقُ يَفضَحُـهُ فَقَـد تسـاوىٰ لديهِ السِـرُ والعَـلُـنُ." انفلتت ضحكات مروان حتى دمعت عيناه، ومين بين قهقهاته تلك قال بصعوبة : _"يالهوي!!.. أه مش قادر.. يخرب بيت سنينك يا مازن!!!.. وانتَ عملت إيه يا فالح ولا مخدوش بالهم؟!!! " _"لأ مخدوش بالهم إزاي ده مازن كان بيجعر.. أنا لقيتهم بصولي بصة غريبة خصوصًا شيرين معرفش بصولي ليه واشمعنا أنا بس كل اللي أعرفه إن هما بصولي من هنا وأنا طلعت أجري زي القطر من الناحية التانية، وعينك ما تشوف إلا النور طلعت جري على بيتنا وقعدت أسبوع من الكلية ومازن طبعًا خد علقة موت محترمة" بينما يسرد مصطفى قصته المضحكة تلك كان مروان يحتضر ضحكًا ليردف مصطفى : _"اضحك يا أخويا اضحك.. بكرة نشوف انت هتعمل إيه ونضحك عليك وعلى فضيحتك اللي هتبقى بجلاجل... لا تكون فاكر إن مازن هيعتقك إنتَ التاني؟؟؟ " من بين ضحكات مروان حاول تصنع الجدّية قائلًا : _"خلاص يا رايق.. خلاص يا حبيبي معرفتش تاخد حقك منه جاي تاخده مني أنا.. طب ده يعني حتى متجوز أختك كنت طلع حقدك ده عليه طالما انتَ شايل منه أوي كدا." ليصله رد مصطفى بعد انتهى من الضحك قائلًا : _"والله يا مروان إنتَ واحشني. " _"وانت كمان يا مصطفى وحشتني إنتَ ومازن ومالك أوي وحسن كمان والعيال الصغيرة، كلكم وحشتوني وعايزة أجي أقعد معاكم شوية بس منها لله اللي كانت السبب بقى.. مجننة اللي خلفوني وأنا لو شفتها مضمنش إني أروح من عندكم تاني." ضحك مصطفى ثم قال بجدية منهيًا ذاك الحديث : _"طب بس كفاية بقى عشان كدا ميصحش وعيب... المهم أنا أصلًا كنت عايز أقعد معاك النهار ده بليل كدا لو مش وراك حاجة." _"طب ما احنا هنبقى بكرة مع بعض طول الفرح. " أجابه مصطفى بحنق : _"نعم يا ضنايا؟؟؟لا و إنتَ فاكرني هسيب الفرح وهسيب بنتي في فرحها وهسيب المعازيم عشان أجي أتساير مع خلقة اللي جابوك دي؟؟؟ " ضحك مروان ثم قال : _"بقيت بيئة أوي يا مصطفى شكل مازن وفريدة بهتوا عليك، حسيتك هتردحلي." عقب مصطفى حديث قرينه قائلًا : _"فريدة ومازن دول بقى جابوا حتة بت يا مروان.. فلقة قمر، ربنا يبارك فيها والله حاجة تتاكل يا واد يا مروان عايزك تشوفها." أجاب مروان مُمازحًا يدَّعي الجدية : _"معلش مرتبط والله.. وبتغير عليا من الهوا الطاير." أصدر مصطفى صوتًا ساخرًا مع لوي شفتيه وهو يقول : _"بتإيه يا أخويا؟؟؟ صدقني لو سألتها مش هتعرف إنك عايش معانا على الكوكب ده.. اتوكس بلا خيبة." _"يا عم سيبني في حالي بقى، سيبني أهرب من الواقع ده شوية يا عم." ضحك مصطفى ثم قال بنبرةٍ مبتهجة : _"لا لا الحالة بقت صعبة أوي.. عالعموم يا سيدي استحملنا شوية في الواقع ده عشان أنا عايزك بالليل في موضوع ضروري.. هتعدي عليا في البيت ولا أجيلك أنا؟؟؟ " أطلق مروان زفـرة ثم قال بهدوء : _"طيب مفيش مشاكل بس أنا مش قاعد في البيت أنا قاعد في فندق من ساعة ما جيت." عقب مصطفى بتعجب : _"انتَ قاعد في فندق ليه أصلًا مش قاعد في بيتك ليه؟؟؟ أومال لو كانت شقة عادية ده انتَ عندك دوبلكس أي حد في فرنسا يتمنى يقعد في نص مساحتها تقوم تسيبه وتقعد في فندق؟؟؟ " أجابه مروان موضحًا أسباب بقائه في فندق طوال الأربعة أيام السابقة : _"لسببين الأول إن الشقة دي مدخلتهاش دبانة من عشر سنين وزمانها دلوقتي مردومة تراب." همهم مصطفى ثم أردف : _"اهااا لا عندك حق برضو، طب والسبب التاني؟؟؟ " على الجهة الأخرى ابتسم مروان وصمت لبرهةٍ ثم تابع : _"لا السبب التاني ده أفضل أحتفظ بيه لنفسي، المهم هبقى أجيلك شقتك على الساعة 8 كدة ينفع؟؟؟ " _"تمام يا حبيب أخوك تنورني في أي وقت يا حبيبي وهبقى أبعتلك العنوان، ولا عامل ليا بلوك؟؟؟ " رسم مروان ابتسامةً جانبية على ثغره وأردف قائلًا : _"لا يا عم مش عامل لك بلوك ولا حاجة ابعت إنتَ بس العنوان وأنا هبقى أعمل لك بلوك على طول." -------- _"ها يا غنى عملتي إيه؟؟؟" تفوهت بها شيرين الجالسة بجانب إسراء وفريدة لتنطق غنى بسعادةٍ بلغت منتهاها : _"أنا من فرحتـي مخلتش حاجة مجبتهاش، بصوا كدا... " أنهت كلماتها وهي تعطي فريدة وشيرين حقائب عِدَّة يبدو عليها الفخافة،لتتحدث إسـراء بتردد : _"جماعة أنا مش مشجعة الفكرة دي بصراحة. " نظرن لها بحـزن ثم قالت فريدة : _"على فكرة أنا كنت ناوية أخد الخطوة دي من قبل ما أتجوز، يمكن وجودنا هنا في فرنسـا وقعدتنا اللي طولت أكتر من اللازم شتتوني عن اللي أنا عايزة أعمله فترة طويلة والبراندات والماركات فتنتي واتغريت بيها.. بس في الأول والأخر دي حاجة لازم نعملها." عقبت شيرين على قول فريدة السابق بقولها : _"صح يا إسـراء فريدة معاها حق، أي نعم أنا الموضوع ده مكانش في بالي ولا كنت حاطاه في حساباتي بصراحة.. بس لما فريدة قالتلي وقعدت مع نفسي وفكرت قلت إن هو ده الصح اللي مهما اتأخرنا لازم نعمله، والخمار عمره ما كان حاجة وحشة أو فيها ضرر... بالعكس ده ربنا سبحانه وتعالى أمرنا بيه وطالما هو أمر من ربنا يبقى عمره ما هيكون ضرر لإن ربنا مش هيأمرنا بحاجة إلا لو هتؤدي إلى مصلحة لينا إما الجنة في الدار الآخرة وإما منفعة في الدنيا." تحدثت غنى تكمل حديثهنَّ : _"ببلاش تستسهلي يا إسـراء.. إنتِ شايفة إن الخطوة دي صعبة عليكِ ولو قعدتي مع نفسك وفكرتي ليه ربنا فرض الخمار ده علينا هتقولي عشان نعرف مين اللي بجد يستحق الثواب ومين يستحق العقاب، كل العصور زمان كانت كل أمة ربنا بيختبرهم بحاجة مُعينة ولو جيتي بصيتي على زمننا هتلاقي إن احنا في الوقت ده إختبارنا الحقيقي هو السهولة.. وده مش كلامي ده كلام كتير من الشيوخ وأهل العلم، وكل ده عشان ربنا عز وجل خلقنا ليبتلينا، هل صعب عليكِ إنك تخرجي من بيتك متبرجة؟؟؟ بالعكس قمة في السهولة خصوصًا وانتِ في مجتمع هيشجعك على التبرج وبقوة، وربنا مخلقناش عشان يسيبنا لأ، ربنا هيسألنا مين صبر على المشقة اللي أمرنا بيها ومين تعففت وهي نازلة من بيتها. " وجهت إسراء بصرها نحو الأرض تطالعها بشرود وتفكر في الوقت الذي دلفت به أروى تحمل صينية بها كؤوس العصير المفضل لمازن بعدنا أعلمتها فريدة طريقة تحضيره وطلبت منها أن تصنعه لهنَّ، وضعت الصينية أمامهنَّ وجلست بهدوء ثم قالت : _"إيه الكلام؟؟؟ " صمتنَّ جميعًا لتجيب إسـراء : _"مامتك وعمتك وغنى اشتروا خمارات وفساتين، وبيقنعوني أعمل زيهم.. أنا بصراحة مترددة." أنهت حديثها لتعقب أروى قائلةً : _"اهاااا.. طيب بصي يا طنط إسـراء.. أنا هديكِ مثال وعلى فكرة أنا كمان مكنتش مُقبلة على الحجاب.. في مصر لما كنا بنشتري بطيخ كان الراجل صاحب العربية بياخد بطيخة ويفتحها عشان يفرج الناس على الحَمار والحلاوة فاكرة؟؟؟ " نظـرنَّ جميعهنَّ لأروى وهي تتحدث بينما أومأت لها إسراء لتتابع أروى : _"الناس كلها بتبص على البطيخة المفتوحة وتبقى مبهورة بيها وبحلاوتها وفي منهم كمان اللي بيدوق منها حتة عشان يجرب ويتأكد بس لما بيجي يشتري إستحالة يشتري البطيخة المفتوحة اللي هو داقها.. بيختار المقفولة السليمة اللي محدش شافها ولا داقها... ود اللي حصل لما أنا حبيت مارتن، لو كنت ارتبطت بيه وكلمته في الحرام كنا هنحب بعض ونفضل سوا مع بعض شوية بعدين هيدوّر على بطيخة مقفولة محدش داقها. " في أثناء تحدثها كانت غنى وشيرين تطالعنَّ ابنتهما بفخرٍ وحبٍ لا مُتناه بينما أروى تتابع : _"فَاحترمي نفسك يا بطيخة واستري نفسك.. وافتكري دايمًا كل ما تسمعي صوت بيقولك بس شكلي باللبس الضيق والقصير أحلى والميكب بيظهر ملامحي أكتر وبيبين جمالها وستايل شعري لايق على البلوزة العِنابي ولا الفُحلقي ولا إيه المُشكلة يعني لما أعيش حياتي وأعمل اللي أنا عايزاه قَـول ربنا سبحانه وتعالى : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ۝﴾" --------- في مكانٍ آخر، في المستشفى تحديدًا جلس مازن خلف طاولته ورأسه مُلقىً على سطحها تكاد تخلو منه تعابير الحياة.. وفجأة فُتح الباب بواسطة حسن الذي ما إن وقعت عيناه على مازن البادي عليه البؤس جليًا على وجهه وعلى استسلامه ليقول بتعجب مختلطٍ بالخوف : _"عمو مازن في إيه؟؟؟ حصل حاجة؟؟؟ إنتَ كويس؟؟؟ دايخ طيب أندهلك حد من الدكاترة؟؟؟" رفع مازن رأسه بقلة حيلة لينظر لحسن وسرعان ما قام من مجلسه ليحيط حسن بذراعيه يسنده حتى أقرب كرسيٍ له، أجلسه وتناول منه عكازاته وضعهما جانبًا وطلب من الممرضة إعداد مشروبٍ لابن نسيبه.. حاول جاهدًا إخفاء ما به من حزنٍ ثم قال بصوتٍ جاهد لإخراجه سليمًا : _"إزيك يا أبو علي؟؟؟ إيه كان عندك جلسة علاج طبيعي النهار ده ولا إيه؟؟؟ " أومأ له حسن بالإيجاب مع قوله : _"المفروض إن كان في جلسة امبارح وواحدة زيها بعد بكرة بس قلت أجي النهار ده كمان عشان بكرة هيبقى يوم متعب ومش عارف الدنيا هتبقى عاملة إزاي.. خلصت الجلسة تحت وطلعت أسلم عليك." أومأ له مازن بتفهمٍ مع قوله : _"بالشفا أن شاء الله يا حبيبي.. الله يسلمك." اصطنع حسن ابتسامة حتى تحدث مُتسائلًا : _"في إيه يا عم مازن؟؟؟ شكلك مش عاجبني.. لو في حاجة مش عايز تقول لحد عليها أنا ممكن أساعدك ومحدش هيعرف حاجة صدقني." ربت مازن على كتف المقابل له مُطلقًا زفرةً طويلة مع قوله : _"عمتك طلبت مني نعمل تحاليل عشان موضوع الخلفة.. أنا مكنتش موافق أصلًا بس قدام إصرارها اضطريت أوافق.." توقف مازن عن الحديث وشرد قليلًا ليقاطع شروده حسن حينما قال : _"طب والتحاليل دي طلعت؟؟؟ " _"أه طلعت ونتائجها بتقول إن نسبة الخلفة أقل من 10% مش محصلة حتى.. على حسب التحاليل حنين دي جت بالصدفة." ربت حسن على زوج عمته وعقب : _"مفيش حاجة إسمها صدفة يا عمو مازن وانتَ سيد العارفين.. إنتَ مشتغلتش في الطب والجراحة وبتفتح جسم بني آدم زيه زيك مرمي على سرير وبتشوف جسمه والدم والأعصاب وعارف قد إيه الموضوع ده دقيق وفي مُنتهى الحساسية عشان تقول صدفة،.. مفيش حاجة إسمها صدفة دي كلها أقدار متسببلها أسباب وربنا وحده اللي عالم واحنا الجهلة.. صدقني دي أكيد أحسن حاجة ليك إنتَ وعمتو فريدة." _"ونعم بالله يا حسن.. عارف يا حسن؟ أوقات كتير مببقاش عارف أحدد إنتَ شبه مين فينا.. حنين على إخواتك و ولاد عمامك حنية مالك عليا أنا ومصطفى وفي نفس الوقت مبتسكتش عن الغلط اللي بيحصل قدامك زيه بالظبط برضو.. وأحيانًا بحسك متدين وعارف عن ربنا زيك زي خالد.. مسؤول وعارف يعني إيه مسؤلية ونظام زي مصطفى أبوك.. أوقات بحس إنك مثالي يا حسن." ابتسم حسـن وقال وهو يضم مازن : _"طب ما كلهم بيقولولي إني دمي خفيف وبضحك طوب الأرض وإني طالعلك في دي.. وكمان إني بخبي زعلي زيك.. عم مازن إنتَ ونور أقرب اتنين ليا وسط كل اللمة دي بجد.. ومش عايز أشوفك زعلان عشان إنتَ اللي علمتني مبينش زعلي لحد." ضمه مازن وأخذه في كنفه قبل أن يعقب بتأثر : _"حاسس إني قاعد بحكي لابني والله العظيم." _"حاسس؟ مش متأكد؟؟؟ طب ما أنا ابنك فعلًا وانتَ مربيني وكنت بتلعب معايا أكتر من أبويا نفسه ولا انتَ نسيت ولا هتعمل نفسك ناسي؟؟؟ " ابتسم مازن وهو لا يزال متمسكًا بعناقه لصغيره الحبيب وأردف بهدوء حمل كل معاني الأبوة : _"لأ مش ناسي..." --------- في شقة أسرة كوزيت جلست نور على فراش صديقتها الجديدة وقد خلعت عنها خمارها لما أكدت لها كوزيت أن أخويها خارج المنزل ولن يعودا الآن.. جلستا تتحدثان عن الإسلام وتفاصيله، تسأل كوزيت العديد من الأسئلة التفصيلية وتجيبها نور بإجاباتٍ دقيقة ومفصلةٍ هي الأخرى، أحيانًا تجيب فضول قرينتها بطريقةٍ أكاديمية مع الأدلة والبراهين وأحيانًا تجيبها بإحدى القصص.. وبعد جلسةٍ دامت ما يقارب الثلاث ساعات قالت نور بينما تنهض من على الفراش الوثير : _"تعلمين كوزيت؟ اليوم صباحًا أثناء قرائة وردي الصباحي وقعت عيناي على آيةٍ ما وبمجرد نطقها جئتِ ببالي يا فتاة.. " نظرت لها بتمعن وحدقتاها متوسعتان تحثانها على الترتيل والتحدث لتبتسم نور وتتابع : _" " ﴿ولو علم اللَّهُ فيهِمْ خيْراً لأسمعَهُم﴾ سكنت كوزيت لبرهةٍ من الزمن وقبل أن تبدأ نور في الترجمة والشرح أشارت لها كوزيت بيدها طالبةً منها التوقف، ولما صمتت نور ولم تتابع اتجهت كوزيت لخزانتها وجلبت كرسيًا تقف عليه لتصبح في طول خزانة الملابس تقريبًا أو أقصر بقليل... ومن ثم مدت ذراعيها تلتقط كتبها التي كانت عبارةً عن مصحفٍ عربي ومصحفٍ آخر مترجم، وكتابٍ للتفسير.. تقلصت المسافة الفاصلة بين حاجبي نور في تعبيرٍ ينم عن التعجب، خصوصًا عندما جلست كوزيت على سريرها تمرر اصبعها عبر أسطر القرآن العربي وتترجم كلماته من الآخر الإنجليزي ولما توصلت لترجمة الآية المطلوبة أغلقت المصحفين وعادت تخفيهما أعلى الخزانة، وسرعان ما عادت للكتاب الأخير ألا وهو التفسير وزلت تقلب صفحاته حتى عثرت على تفسير الآية لتنطقه بصوتٍ مسموع.. : _"فهذا يدل على أن عدم الفهم في أكثر الناس اليوم عدل منه سبحانه ، لما يعلم في قلوبهم من عدم الحرص على تعلم الدين." كنَّتْ كوزيت في ثباتها بعض لحظات تدرك ما أمامها ثم قالت بتأثر وقد بدأت العبرات تلتمع في عينيها لتتجه لها نور وتجفف كريستالاتها ثم قالت لها بعد أن تأكدت من وصول المعنى لقرينتها قائلةً : _"حسنًا.. تأخر الوقت يجب عليَّ العودة كي يقلق عليَّ والدي." نهضت وتناولت أناملها شعرها الكستانئي المُتحرر لتلملمه وتربطه على هيئة كعكةٍ كستانئيةٍ صغيرة، لتتجه فيما بعد لخمارها الفرنسي الطراز وما كادت تضعه على رأسها حتى قاطعتها كوزيت بقولها : _"نور... أيمكنني تجربة حجابك؟؟؟ " ابتسمت نور ببساطة وأومأت للأخرى بالموافقة لترتديه، ولكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن.. فبمجرد أن لامست كوزيت أطراف الخمار حتى استشعرت قبضة الباب تتحرك لذا وبسرعةٍ وبدون تفكير قذفت خمار صديقتها لتدعه يستقر على السرير ويخفي كتاب التفسير. فُتح باب الغرفة بواسطة ماريا جدة كوزيت التي دلفت الغرفة ترحب بصديقة حفيدتها التي لأول مرةٍ تزورهم، دلفت بمرحٍ قائلةً : _"مرحبًا بجميلات باريس.. أيمكنني الإنضمام إليكما؟؟؟ " تحدثت كوزيت بنبرةٍ مُهتزة حاولت أن تبدو طبيعية : _"للأسف جدتي كانت نور على وشك المُغادرة الآن.. لايمكننا تأخيرها فمنزلها بعيدٌ عن هنا وسيقلق والدها كثيرًا إن تأخرت." لم تسمع ماريا أيًّا من حديث حفيدتها السابق، لا شيءٍ سوى أن شرودها بملامح نور سرق تركيزها كاملًا.. وبعد لحظاتٍ من الصمت مرَّت على نور كدهرٍ لا ينقضي حيث شعرت أنها مُراقبة مِن قِبَل زوجي الأعين الرمادية المُحاطة بتعابير تركها الزمن ليخفي ملامحها تاركًا أثر جمالٍ قديم.. تحدثت ماريا بشرود لنور : _"أشعر أني أعرفكِ.. هل تقابلنا من قبل؟؟؟ " همهمت نور بتركيز تحاول التذكر.. بالفعل تشعر أن هذه السيدة مئلوفة.. بينما وقعت أنظار الجدة العجوز من خلف نظاراتها الطبية على ذلك الشيء المفترش على سرير حفيدتها لتتحدث مُعلنةً عن شكوكها : _"هل تدينين بالمسيحية عزيزتي؟؟؟ هل تغطين رأسك بهذا القماش؟؟؟ " تصلبت الدماء في شرايين كوزيت بينما أومأت نور بجزعٍ وهدوء ثم أردفت بتماسك : _"نعم أغطي رأسي وجسدي بذلك القماش.. إنها تعاليم ديني." ابتسمت الجدة وقالت مُعقبةً : _"هل يمكنني رؤيتك وأنتِ ترتدينه؟؟؟ " ضيقت نور عيناها بعدم فهم بينما تتحرك نحو السرير وما إن لامست أناملها الخمار حتى سحبت باليد الأخرى إحدى الوسائد تخفي بها الكتاب خوفًا على صديقتها، بالفعل أمسكت نور بحجابها وارتده وما إن أظهرت وجهها للسيدة ماريا حتى توسعت عيني الأخيرة عندما رأت نور بهيئتها الجديدة وقد استقرت يديها على فمها بدون تصديق مع قولها : _"غير ممكـن!!! " -------- _"أيوة يا مصطفى أدينا قعدنا وسلمنا ودردشنا وشربنا وكلنا وعملنا كل الطقوس المقدسة.. ها؟؟؟ ينفع تقولي إيه الموضوع الضروري اللي مينفعش يتأجل اللي كنت عايز تكلمني فيه؟؟ " ابتسم مصطفى وهو يطالع مروان بابتسامةٍ جانبية.. نظر للإرض بضع ثوانٍ يرتب الكلمات ثم أعاد النظر له وقال بعد تنهيدةٍ خفية : _"جاهز إمتى نروح نطلب لك إيد نور؟؟؟ " -------- _"إيه يا حسن.. حرام عليك يا أخي الساعة ستة الصبح حد يتصل بحد دلوقتي؟؟؟ وبعدين النهار ده هنبقى وشنا في وش بعض طول اليوم قبل الفرح وفي الفرح." جائها رده من الطرف الأخر من الهاتف قائلًا بجدية : _"خلصتي صياح؟؟؟ خلصتي كلام فارغ وعياط عالصبح؟؟؟.. طب اسمعيني كويس بقى... قدامك دقيقتين ونص بالظبط لو منزلتيش تفتحيلي البوابة دلوقتي هعمل لك فضيحة، سمعاني يا بت؟؟؟ " -------- جلست نور على الأريكة في غرفة الصالون بڤيلا والدها تقول بانزعاجٍ وحنق على من أيقظها في تلك الساعة المبكرة من الصباح ولا تتوقف عن التذمر قائلةً : _"إنتَ مصحيني دلوقتي عشان كدا؟؟؟ " أردف حسن يدَّعي الحنق والجدية : _"إنتُ لسة هتتكلمي؟؟؟ خلاص أنا قلت اللي عندي، ويمين بالله يا نور لو ملبستيش الفستان ده النهار ده في فرح أروى هلبسك الكفن وخلي وقعتك طين سامعة ولا مش سامعة؟؟؟ " نظرت له نور بصمت تطالعه بأعينٍ يعرف هو مقصدها ليبتلع ريقه ويعقب قوله السابق : _"بصي.. ساعات بتفلت مني بس متاخديش في بالك.. خديني على قد عقلي، مش إنتِ دايمًا بتقولي ليا إني أخوكِ الصغير؟ يبقى استحمليني واصبري عليا.. " ظلت نور تطالعه بنفس النظرة الحانقة منه ومن تصرفاته وطريقته تلك.. أطلقت زفرةً حانقة في النهاية قبل أن تردف : _"وانتَ فاكر إني لو مش معتبراك أخويا كنت هصبر عليك وعلى أسلوبك اللي بتكلمني بيه ده لحد دلوقتي؟؟؟ " _"خلاص بقى حقك عليا.. زي متقولي كدا خدتني الجلالة لكن هااا قلتي إيه؟؟؟ هتلبسي الفستان ده؟؟؟ " نظرت نور للعلبة الفخمة الموضوعة أمامها على الطاولة وقالت مُعقبةً : _"بس أنا مش فاهمة.. ما أنا قلت لك إن أروى اختارت ليا فستان أصلًا ليه جبت واحد تاني؟ وبعدين إنتَ جبته منين شكل العلبة بيقول إنه من مكان غالي أوي؟؟؟ " _"بصي أنا شفت الفستان امبارح بالليل وأنا راجع من عند آدم صاحبي، وقلت لنفسي يا واد يا حسن الفستان ده محدش هيلبسه غير نور حبيبتك بنت عمك، روحت رادد على نفسي قلتلها والله عندك حق يا واد يا حسن محدش هينطق الفستان ده غير البت نور أم عيون خضرا، قمت مسقف لنفسي ودخلت بكل أدب واحترام اشتريته وكنت هجيلك بالليل أديهولك بس الوقت كان اتأخر قلت خلاص هرن عليها الصبح بدري عشان لو مقاسه محتاج يتظبط يبقى عندها طول النهار تلحق تعمله قبل الفرح ها قلتي إيه؟؟؟ " صمتت نور تفكر مليًّا بينما حسن استرسل في قوله مُستعطفًا : _"بالله عليكِ بقى متكسفنيش ده أنا جايبه عشانك؟ وبعدين والله البت أروى دي مابتفهم في اللبس متاخديش برأيها.. إسمعي بس كلامي وهتبقي شمس.. " دوى صدى الكلمة الأخيرة في أذن نور التي اقشعر بدنها عند خاطرتها التي داهمتها تحمل ذكرى مروان وهذا التدليل الذي اعتاد مُناداتها به، نظرت لحسن باستفهام وعلامات التعجب تغزو وجهها ليدرك هو فداحة ما قال ويردف : _"أصل انتِ لوحدك قمر يا نور ومفيش حاجة أحلى من القمر أكتر من الشمس فهمتي؟؟؟ " أومأت له نور بتيهٍ وقامت تحمل العلبة بيديها ليخبرها حسن أنه سينتظرها. وما هي سوى دقائق مرت حتى دلفت نور مُجددًا ترتدي الفستان الأخضر الفسدقي الواسع ذو الطبقات العديدة الذي تلائم بشدة مع ملامحها ولون عينيها يكلله حجابٌ أسود بسيط. بمجرد دلوفها الغرفة أطلق حسن صفيرًا خافتًا أردف بقوله : _"ده أنا كدا هغير رأيي في موضوع إننا إخوات ده يا نور... الفستان متفصل عشانك متعمليش فيه حاجة بقى سيبيه زي ما هو.. خدي طرحة بيج من عند أروى بقى وتبقي عملتي الصح. " نور بتردد وهي تفرك يديها بخجلٍ منه : _"مُتأكد؟؟؟ يعني هيبقى شكلي حلو بجد ولا بتجاملني عشان مزعلش؟؟؟ متخليش شكلي وحش يا حسن قدام حد، لو الفستان مش حلو عليا قول." نهض حسن واقترب منها يقول بحب : _"والله العظيم يا نور مفيش حاجة مضايقاني دلوقتي قد ما أنا متضايق عشان أنا وانتِ مش اخوات بجد." _"إيه ده؟؟؟ ليه يعني؟؟؟ " ابتسم حسن ابتسامةً جانبية ثم أمسك بكتفيها مع قوله : _"والله يا نور إنتِ أكتر واحدة أي واحد يتمناها أخت، يمكن الحاجة الوحيدة اللي بحسد عيال عمو مالك عيلها إنك اختهم وقاعدة معاهم ودايمًا عندهم حد زيك يساعدهم ويحبهم ويدعلهم ويخاف عليهم زيك.. وأنا صغير كنت بقول ياريت كنتِ انتِ اللي أختي وأروى هي اللي بنت عمو مالك تعرفي كدا؟؟؟ " ابتسمت نور وأخفضت رأسها بخجل وقالت والخجل يعتريها رغم ما احتل نبرة صوتها من جدّيةٍ شديدة : _"وانتَ ابن حلال يا حسن بس لو مشلتش إيدك دي من عليا أنا هطلع مصارينك ألفها حوالين مناخيرك تدلدل من عينيك." لم تمر ثانية واحدة وكان حسن بعيدًا عن نور تاركًا بينهما مسافة عشر أقدام بعد أن سرت القشعريرة في جسده سير الكهرباء. _"في إيه يا نور انتِ اتحولتي كدا إمتى؟؟؟ أنا.. إنتِ... إنتِ يا بت انتِ مش كنتِ بتضحكي ومكسوفة دلوقتي؟؟؟ يخرب بيت سنينك.. أنا هروح لأمي هي عايزاني جته داهية اللي عايز يفرحك ده إنتِ مصيبة." نظرت نور في أثره بانزعاج وقد ارتسمت على وجهها ملامح الشر بينما مازال يتمتم هو أثناء سيره للخارج : _"أفهم لحقت جابت الجملة دي امتى وازاي؟؟؟ بت ملبوسة بصحيح.. ربنا يكون في عونك والله يا مروان... هما الستات كلهم كدا صنف عايز كتالوج." وما وصل مسامعها صوت اغلاق الباب حتى بدأت بالتمتمة : _"عيل قليل الأدب مترباش.. ماشي يا حسن وربنا لأقول لأبويا أخليه ينجّدك." -------- في تمام السادسة مساءًا في ڤيلا الدالي حيث اجتمع الرجال والأطفال يستعدون ويرتدون حللهم للزفاف خرج مروان بعد أن ارتدي حلته السوداء الضيقة من أسفلها قميصه ذو اللون الأزرق الداكن وما إن خرج لهم حيث يضيفون اللمسات الأخيرة خرج ليجد مازن ينقض عليه قائلًا وهو يمسكه من تلابيب ثيابه قائلًا : _"بقولك إيه يلا إنتَ هتلبس زينا يعني هتلبس زينا.. ولا احترم نفسك ياض مش عشان طولت شبرين عيارك يفلت ده أنا كنت بجيبلك كيس الشيبسي اللي كنت بتحبه وانتَ صغير يلا." دفعه مروان بابتسامةٍ سمجة مع قوله : _"إوعى بس كدا عشان القميص مكوي.. ثانيًا كيس الشيبسي ده انتَ كنت بتجيبه عشان تغيظني بيه ومكنتش بترضى تديهولي في الأخر... يا أخي أطفحه لو كنت خدته منك مرة، ثالثًا بقى وده الأهم أنا مروحش الفرح ده بس ملبسش زيكم.. إنتوا اتهبلتوا والله على أخر الزمن، بقى أنا دكتور مروان رشدي المحلاوي ألبس بدلة بيضا وقميص بمبي؟؟؟ بمبي يا مصطفى؟؟؟ بمبي يا خالد؟؟؟ إخص عليكم.. " أردف خالد وهو يتنهد قائلًا : _"نعمل إيه بقى حكم القوي على الضعيف." مازن بطريقةٍ شعبية : _"ضعيف؟ ضعيف مين يا ضنايا ده انتَ القفا من إيدك مرزبة... قال ضعيف قال." عقب مصطفى يحاول إسكات مازن عن ضجته التي لا يتوقف عن إحداثها في كل مناسبة : _"طب لم نفسك بقى طالما إنتَ عارف إنها مرزبة عشان متنزلش على نفوخك." في تلك الأثناء دلف الأطفال لينظر أبآئهم لملابسهم وإذا بالتوأم فيان وكيان يرتديان حُلةً زرقاء فوق القميص الأبيض، بينما ارتدى الثلاثي وعد ومُهاب وليلى ملابس كما يرتدي والدهم من ألوانٍ بيضاء و وردية، لم يتبقى سوى عبد الله الذي ارتدا مثل أقرانه وحنين الوحيدة التي اختلفت ثيابها حيث انتقت لها والدتها فستانًا من اللون الأحمر القاتم مزين بالكثير والكثير من الأحجار البراقة التي أضافت له رونقًا لامعًا. استمر الشجار بين مازن ومروان حتى فضّه مصطفى يقول : _"ما تخلصونا بقى!.. يا عم مروان خده على قد عقله والبس بمبي معلش ده حتى حسن سمع الكلام ولبس زينا .. معلش جارينا عشان الفرح يعدي على خير بقى انجزوا !! " أردف مروان باندفاع دون حسابٍ لكلماته : _"ده على جثتي.. تقول عليا إيه هي لما تشوفنـ.. " وهنا أدرك مروان ما تفوه به حينما توجهت الأعين نحوه بدهشة، لم يكترث لهذا كل ما أثار قلقه نظرات مالك الغاضبة نحوه والذي قال بابتسامةٍ يتطاير منها الشرر : _"طب لم لسانك واحترم نفسك عشان منكدش عليك وأقولك مفيش جواز." تدخلت الصغيرة ليلى قائلةً بفضول : _"إيه ده هو عمو مروان هيتجوز أبلة أروى؟؟؟" وقبل أن يجيبها أحد تدخلت شقيقتها تخبرها : _"لا يا ليلى أبلة أروى هتتجوز عمو مارتن زي ما هي.. وعمو مروان هيتجوز أبلة نور.. " تدخل مهاب يصرخ في أختيه : _"بس يا بت منك ليها.. محدش هيتجوز أبلة نور غيري إنتو فاهمين؟؟؟ " ليصيح به مروان بغيظ : _"نعم يا سكر؟؟؟ روح يا حبيبي العب بعيد.. روح يا بابا خلي أبوك يشتريلك لعبة تلعب بيها بعيد عن اللي خلفوني.. قال هيتجوز أبلة نور قال... ده إيه الحزن اللي إحنا فيه ده." عقب مالك بنفس الإنزعاج قائلًا وهو يضغط على أسنانه بصوتٍ كاد يُسمَع : _"مروان أنا مش هقولك تاني إحترم نفسك.. راعي شعوري يا جدع واحترم وجودي حتى، دي بنتي يا بني آدم خلي عند أهلك دم." تدخلت الصغيرة حنين مُقابلةً لمالك تقول برزانة أمها المُعتادة ونفس نظراتها الواثقة لتدافع عن مروان قائلةً : _"على فكرة أنا معرفش عمو مروان أوي يعني بس أنا شايفة إنه محترم يا عمو مالك ومقالش حاجة حرام ولا حاجة عيب.. مينفعش كل شوية تزعله منك كدا." رفع مالك حاجبيه بتعجب فهذه الصغيرة التي لطالما كانت تتخذ صفه في كل الأوقات حتى ضد والدها مازن الآن تقف قبالته تدافع عن مروان الذي حملها بذراعٍ واحدة ليجعلها في نفس مستوى طوله قائلًا يدللها : _"تصدقي يا آنسة حنين أنا بحبك.. متتجوزيني يا حنين؟ ها إيه رأيك؟؟؟" _"طب وأبلة نور؟؟؟ " أجابها مروان بحبٍ امتزج بالسخرية : _"لأ أبلة نور إيه بقى؟! إنتِ مش شايفة إن أبلة نور أبوها واقفلي زي الشوكة في الزور.. يشيل ويحط عليه هو وبنته اللي مجنناني في ساعة واحدة قادر يا كريم." انتهى من دعائه هذا وعاد لها يدللها ويداعب خصلات شعرها قائلًا : _"المهم سيبك انتِ منهم يا قمر، إنتِ قلتي إيه موافقة تتجوزيني؟؟؟ " تدخل مالك يجاريهما في حديثهما : _"كدا يا حنين؟؟؟ مش اتفقنا إننا مخطوبين وهنتجوز لما تخلصي إبتدائي؟؟؟ هتسيبيني وتتجوزي مروان يا خطيبتي؟؟؟ " أجابت حنين وهي تتبسم لمروان بلطافة وقد ضاقت عويناتها وبرزت أسنانها : _"بس أنا صغيورة لسة يا عمو مروان.. بص إنتَ لو اتجوزت أبلة نور أنا مش هزعل وهفضل أحبك كمان... وبعدين أنا لازم أتجوز عمو مالك عشان مراته شريرة.. " فتح مروان عينيه بدهشةٍ يُجاريها لتتابع هي : _"أيوة والله العظيم شريرة، حتى إسئل كدا فيان وكيان هيقولو لك شريرة.. إنتَ عارف دي حتى شعرها أصفر... يعني عمو مالك متجوز واحدة صفرا " كتم مروان ضحكته ليتحدث مازن يوبخها : _"بت يا حنين عيب كدا، إيه قلة الأدب دي؟؟؟ وبعدين قلت لك كذا مرة متقوليش كلمة متعرفيش معناها. " أومأت حنين لوالدها واعتذرت منه قبل أن يتوجه فيان بالحديث لحسن قائلًا يغيظه : _"خلاص يا أبيه حسن.. بقى عندي جوز أخت زيي زيك ومبقاش في حد أحسن من التاني." أحكم حسن القبض على ملابسه كما يحكم الناس على اللص وقال موجهًا حديثه لعمه مالك: _"أنا عايز أفهم بقى ابنك ده حاطط نقره من نقري ليه؟؟؟ ليه كل ما يشوفني يغيظني ويكيد فيا ليه؟؟؟ حد قاله إننا مولودين فوق رؤوس بعض؟؟؟ " وهكذا استمرت الممازحات والمناوشات الضحكات تتبادل بينهم.. وكلما هدأ اثنان اشتعل المزاح على جبهةٍ أخرى في منظر يجلب السرور. ------- في القاعة المُخصصة لزفاف العروسين أروى ومارتن وسط الرقص والغناء انتشلت عيناه خيالها وهي تقف بعيدًا عن الأنظار هناك.. كما هي عادتها، تقف بعيدًا عن الزحام دون أن تتعمد لفت الإنتباه لها لكن ما يحدث دون إرادتها.. فها هو شابٌ أخر يتقدم محاولًا التقرب منها مرةً أخرى فتصده بلطفٍ وتهذيب لتجبره على الابتعاد عن طريقها حتى أتى ذلك المزعج اللحوح، والذي عاد لها للمرة الثالثة.. وفجأة وجدت نفسها تحتمي بذراعه مرةً أخرى تمامًا كما حدث منذ أكثر من عشر سنواتٍ مضت كانت طفلةً توشك أن تتم الرابعة عشر عندما تمسكت بذراعه فرارًا من مزعج،وها هي الآن ستتم الرابعة والعشرون بعد أيامٍ قليلة ولازالت تتمسك بذراعه تحتمي به من المزعجين. ما إن أدركت وضعها حتى ابتعدت عنه بخجل ولم تكد تنطق ببنت شفة حتى سمعت صوته الحنون يمازحها بحبٍ لم يتغير في صوته حتى وبعد مرور نصف عُمر على أخر مرةٍ استمعت بها لصوته الذي تخاجل رناته قلبها وتداعب نبضاته.. مازحها قائلًا : _"إنتِ مينفعش تحضري أفراح خالص." لم تفهم ما قاله فقط كانت تائهةً في شرودٍ سرمدي بينما انتهز هو هذه الفرصة ليمعن النظر لها وكأنه يعوض عينيه المتشوقة لرؤيتها منذ أمدٍ بعيد.. بربكم هل هناك شعورٌ كشعور عينٍ ارتوت برؤية من تحب بعد طول عطشٍ واشتياق؟؟؟ يود لو أنه يضمها إليه الآن ليتركها تستمع لندائات ذاك الأحمق المخبول الذي ينبض كالثورة الآن بين أضلعه.. اصبِر.. فقط قليلًا اصبر أيها المخبول ولا تتوقف عن النبض الآن، دعنا نُطيل النظر إليها هي من أرَّقت النوم ليالٍ طوال.. دعنا نرتشف القليل من نعناع عينيها لعله يضمد جراح حُبنا الشجن أو يطفيء القليل من لهيب أشواقنا.. اهدأ فقط.. إنها أمامنا الآن ولم يتبق سوى القليل.. اهدأ أيها القلب المُتيَّم. بينما تقف بجانبه تتحاشى النظر إليه وتحوم بعينيها في الأرجاء بارتباك مال هو على أذنيها هامسًا : _"جمالك يا شمسي.. " تنهد بحرارة ثم ابتعد عن أذنها وتابع : _"جمالك قاتلني.. مبسوط إن الفستان عجبك.. مكنتش متخيل إنك هتحليه بالطريقة دي، أنا كدا ممكن أفضل طول الفرح باصصلك ومشيلش عيني من عليكِ.. طول الفرح إيه.. طول العُمـر." لم يحتج من يخبره بالتوتر والخوف اللذان اعترياها يكفي تخبطها وارتجافاتها.. لكنه لن يرحمها.. كيف يرحمها الآن وهي التي لم تُذقه لحظة نومٍ دون أن تتدخل بأحلامه وأفكاره؟؟؟ هي التي تخلى عن سنوات عمره ليصل قُربها ألا تتخلى هي عن بضع ثوانٍ تتحمل بها حلو العذاب من أجله؟؟؟ لم يستطع مقاومة رغبته في أن ينخفض مُجددًا لمستوى أذنها ويهمس لها بكلمات العشق قائلًا بهدوءٍ يُحسد عليه : _"معلش استحمليني شوية صغيرين دلوقتي وأنا بقولك إني بحبك.. وبعدين هتبقي مُضطرة تستحمليني العُـمر كله وأنا بقولك إني بحبك لآخر عمرنا الجاي.." وأخيرًا تلاقت الأعيُـن الهاربة من زحام العالم.. لتجد هدوئها في فراغ عينيه الشغوفين ليكون التقاء العيون. _"عايز أوجه تحية كبيرة للدكتور مروان المحلاوي أصغر دكتور جراح في فرنسا كلها وأقول له نورت بلادك يا حبيبي،أه صحيح وحاجة كمان يا دكترة.. لَها قَلبي الغَداةَ وَ قَلبُها لِي.. فَنَحـنُ كَذاكَ فِي جَسَدينِ رُوحُ.. فَليتَ الوصلَ دامَ لنـا سَليمًا.. وَعِشنا مِثلَمـا قَد عَاشَ نوحُ.. فَنَحيا عُمـرنا كَلفَين حَتّىٰ.. إذا مِتنا تَضَمَّننا ضَرِيـحُ.." أنهىٰ مازن بهذا البيت والجميع من حوله يضحكون على الحالة التي تلبست مروان ونور فجأة من توترٍ وإحراج.. حتى صُعقا بالكاميرا تبث صورتهما على الشاشة الكبيرة بالقاعة والجمع يسقف ويحيي المحبوبان.. لم تدرِ نور ما يحدث حولها سوى أنها بدأت في محاولات السيطرة على دموعها التي لا تعلم مصدرها الآن.. دموعٌ اختلطت كلٌ بأختها.. دمعات فرحٍ وأخرى اشتياق وأخرى حملت معاني الغضب والتوبيخ وغيرهنَّ حملت الشعور الشديد بالإحراج. -------- استيقظت نور في صباح اليوم التالي بحلول الثامنة صباحًا.. أمسكت هاتفها تتصفحه فإذا بها تجد إشعارًا يعلمها بإشارة شخصٍ ما لها في منشورٍ خاص.. ضغطت الإشعار لتجد نفسها أمام الصور التي التقطتها كاميرا الفيديو لهما معًا ليلة أمسٍ على غفلة، ظلت تطالع الصور واحدةً تلو الأخرى حتى وصلت للكلمات المدونة أسفلهنَّ وكانت عبارة عن.. "يا ذاتَ العيونِ الخضراء، يا مَـن رهَنتُ لها أكمَلَ عُـمري فِداء، مُنّي عليَّ بالحُبِّ ولو قِطرًا.. تكُن لما بي من داءٍ دواء.. فأبرأُ وينالُ قلبي الشفاء.. كيف لا وقد زال عنه كل العناء. بحقِ السماء أينَ أنتم أيها الأطباء؟؟؟ أين أطباء الحُبّ؟ ليروا ما بي.. هل لعِلَتي مِـن دواء؟؟؟ هل يومًا ستستجيبُ هي لهذا النداء؟؟؟ كيف تستجيب؟، بل كيف تسمعه مِـن الأساس؟؟؟ إن كان قلبي المعلول في جسد رجلٍ بسيطٍ علىٰ الأرض، بينما تتألق هي في أعالي السماء. هي بعيدةٌ يا رب.. بعيدةٌ كل البُعد، لكنكَ يارب لديك الشفاء.. فاشفِ هذا المجنون في صدري، وأمُـر وقل لمُنايَّ كُـن فيتحقق كل ما قُدِّمَ مِـن الدُعاء.. ليغدو القلبُ المريضُ بها في سلامٍ ورخاء وتنل الروح العطشى بعد طولِ عطشٍ شربة ماء.. فتنعم بحلو الإرتواء من النظر لذات العيون الخضراء." -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم.  فستان نور في مُخيلتـي ---------------- ڤوت وكومنت لطيف يا قمـر 🤍🌷'.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كيف تصنع مريضًا

المؤلف -مَليكـة مجْـدي إبرا
2024/08/18 مكتملة
قائمة الفصول (35)
الفصل 0: إهداء
2024/08/18
الفصل 19: الفصل الثامن عشر: ضيوفٌ جُـدد
2024/08/19
الفصل 20: الفصل التاسع عشر: فــراق
2024/08/19
الفصل 21: العشـرون: يدَّعـي أنه يحبهـا
2024/08/19
الفصل 22: الواحد والعشرون: عالمٌ موازي... هو مُسلمٌ فقط
2024/08/19
الفصل 23: الثاني والعشرون: ما بعـد فراقٍ طـويل
2024/08/19
الفصل 24: الثالث والعشـرون: دكتـورة خبايا
2024/08/19
الفصل 25: الرابع والعشـرون: التقاء الأعيُـن
2024/08/19
الفصل 26: الخامس والعشرون: ابتسامـةٌ خبيثة
2024/08/19
الفصل 27: السادس والعشـرون: صفعـةٌ مُـدوية
2024/08/19
الفصل 28: السابع والعشـرون: فهل ينال الرضى؟
2024/08/19
الفصل 29: الثامن والعشـرون: وأخيرًا حل الربيع
2024/08/19
الفصل 30: التاسع والعشـرون: طيـورٌ مُهاجـرة
2024/08/19
الفصل 31: الثلاثون: في النهاية نحـن مُجـرد قصـة
2024/08/19
الفصل 32: إذًا.. أهو الوداع؟؟؟
2024/08/19
الفصل 33: (إقتباس من الجـزء الثاني)
2024/08/19
الفصل 18: الفصل السابع عشر: الخطوة الأخيرة
2024/08/19
الفصل 17: الفصل السادس عشر: نقطة الإحتراق
2024/08/19
الفصل 16: الفصل الخامس عشر: فُصام مالك..
2024/08/18
الفصل 1: مقدمة
2024/08/18
الفصل 2: الفصل الأول: إصطـدام
2024/08/18
الفصل 3: الفصل الثاني: مكالمـة
2024/08/18
الفصل 4: الفصل الثالث: بيـتٌ عتيـق
2024/08/18
الفصل 5: الفصل الرابـع: دفاتِــر
2024/08/18
الفصل 6: الفصل الخامـس: قطــة
2024/08/18
الفصل 7: الفصل السادس: إعادة العلاقات
2024/08/18
الفصل 8: الفصل السابـع: الجاثــوم
2024/08/18
الفصل 9: الفصل الثامـن: بدايةٌ في مكانٍ بعيد
2024/08/18
الفصل 10: الفصل التاسـع: مُشاجـرةٌ بين المشاعـر
2024/08/18
الفصل 11: الفصـل العاشـر: كيف حالُ حُبِّک
2024/08/18
الفصل 12: الفصل الحادي عشـر: أجواء متوترة
2024/08/18
الفصل 13: الفصل الثاني عشر: الحُـب الضائـع
2024/08/18
الفصل 14: الفصل الثالث عشر: يُناديها صغيرتي
2024/08/18
الفصل 15: الفصل الرابع عشـر: كلنا عيلة واحدة
2024/08/18
الفصل 34: إقتباس 2 من الجزء الثاني
2024/08/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة