الثامن والعشـرون: وأخيرًا حل الربيع

الثامن والعشـرون: وأخيرًا حل الربيع

51 2

اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمد عبدك ورسولك إنك إن تكلني إلي نفسي تقربني إلى الشر اللهم لا تكلني من قال هذا الحديث يدخله الله الجنة يوم القيامة عن ابن مسعود رضي الله عنه. صلـوا على نبي الرحمـة🤍. _________________________________________ وأخيرًا حل الربيع في قلوب الأصدقاء ليذيب شظايا الجليد التي ألقتها برودة الشتاء في قلوبهم وتنبت بدلًا منها أزهارًا تنشر عبقها وأريجها في حياتهم وضحكاتهم.. وهكذا هي الحياة يومٌ لك ويومٌ عليك.. فأحمقٌ من ظن أنه خُلق ليتمتع بعيشه ويهنأ به وإذا مر بيومٍ عصيب اسودت الحياة في وجهه وكأنه خُلق ليستمتع بقضاء وقتٍ رائع وحياةٍ مُرفهة قبل أن يذهب سدىً.. فلا والله ما خلقنا عبثًا وما خلقنا لنذهب سُدى وإنما خلقنا الله لعبادته والإلتزام بتعاليمه وحدوده وعدم تعدّيها وتعمير أرضه ونشر الحب والتسامح والمودّة في أنحائها كافة، وها قد حل ربيعٌ أخر بعد أجواءٍ عاتية وعاصفة دموعٍ لم تتوقف عن الإنهمار على كثيرٍ من الوجوه ليعود الحب والسلام من جديد يبسط كفه لهم بسخاء ويمد يد المُساعدة لهم ليخرجهم من حفرة الحزن التي التهمتهم ليتاعونوا جميعهم مُتسلقين تلك الحفرة ليخرجوا للنور. _"عارف يا مالك؟ أنا عندي ليك فكرة حلوة أوي." قالها مازن بنبرةٍ مُتهكمة لينظر له مالك باهتمام في انتظار ما قد يقوله ليردف مازن : _"لو رجعنا مصر إبقى أجر الڤيلا دي قاعة مُناسبات.. على الأقل لو جينا هنا تاني وحبينا نحتفل مش هنفضل نزين ونعلق ونطلع وننزل." _"خفيف يا واد.. مين قال لك إني هعلن إفلاسي بقى عشان تفكر في المشروع الهايل دا؟؟؟ " هكذا أجابه مالك وهو يرفع الستائر ويقوم بتعليقها ليتحدث مازن قائلًا : _"مين دا اللي هيعلن إفلاسه؟ إنتَ؟؟؟ دا إحنا عايشين على قفاك.. إنتَ نجيب سويرس بتاعنا يا مالك." صدح صراخ مالك له بفزع بعد أن شرد مازن في حديثه وترك السلم الذي يقف مالك في أعلاه قائلًا : _"يا معتوه يا ابن المعاتيه هقع على وشي!!! إمسك السلم عِدل يا حيوان!!!!" تحدث مصطفى ساخرًا أثناء تحريكه للأريكة : _"مازن تلاقيه يا عيني فاكر إنك لو متت هيورث فيك عشان كدا تحسه عايز يموتك بأي طريقة لو مش بالحسد والقر يبقى يوقعك من على السلم." عقب خالد القول موجهًا حديثه لمازن : _"مع إنك عندك مستشفى خاصة محدش مشاركك فيها يعني ومحدش كلمك ولا قر عليك." تدخل حسن الجلس على الكرسي يقول بتهكم : _"جرا أيه يا عمو خالد مالَك إنتَ ومال جوز عمتي ما إنتَ كمان ربنا كرمك وفتحت مكتب مُحاماة ولا هي جت عليه هو يعني؟ " تحدثت إسراء وهي تنظر لهم بوجهٍ خالٍ من الملامح توجه سؤالها لفريدة : _"مالهم دول؟؟؟ " ردت عليها بنفس الملامح المتعجبة والصوت الهاديء : _"مش عارفة.. هما بيعايروا بعض بالنجاح ولا إيه؟؟؟ هو مش المفروض المعايرة زمان كانت بالفشل؟؟؟ " تدخلت شيرين تقول بهدوء : _"اسكتوا خلونا نسمع الأشكال اللي احنا اتجوزناهم دول بيقولوا إيه تاني." انتبهنَّ لما يُقال ليتضح صوت خالد موجهًا حديثه لمصطفى : _"هو انتَ يعني مشغلنا كلنا على قدمٍ وساق وسايب المحروس ابنك قاعد يتفرج." تدخل حسن غير تاركٍ فرصة لوالده بالتحدث : _"حسن تعبان يا حرام والدكتور قال له ميبذلش مجهود عشان رجله تخف بسرعة ويعرف يعلق الزينة في فرح وعد بنت عمه." تحدث خالد يقول بانزعاجٍ مُصطنع موجهًا الحديث لمصطفى : _"نعم يا أخويا؟!! هو ابنك هيفضل قاعد كدا لحد ما يجيلي الغضروف وأنا عمّال أرفع وأحرك العفش كدا؟" رمقه مصطفى بنظرةٍ مُرعبة وقال بصوتٍ هادئٍ يغلفه الغموض : _"عندك إعتراض؟؟؟ " في تلك الأثناء دلفت حنين بهاتف مالك تعطيه له مُتعمدةً إثارة حنق إسراء : _"اتفضل يا خطيبي تليفونك بيرن." توسعت أعين الجميع عدا مالك الذي هبطت عن درجات السلم وحمل حنين على ذراعه وبالأخر أمسك بالهاتف ليجد أن المتصلة هي نور ابنته، وقبل أن يقوم بالضغط على زر الإجابة طبع قبلةً رقيقة على وجه حنين التي استدارت برأسها لتخرج لسانها لإسراء تغيظها بينما مالك يتحرك بها لمكانٍ آخر أكثر هدوءًا ليتحدث في الهاتف تاركًا إسراء تحترق في أرضها وتصرخ : _"بقى أنا على أخر الزمن تيجي حتة بذرة تخليه يعمل كدا فيا.. والله لسودها عليك يا إبن عم سعيد " تحدثت شيرين لإسراء تهدئ من روعها : _"إهدي يا إسراء أعصابك يا حبيبتي.. ومتضايقة إنك مش عارفة تتخني؟ إهدي يا حبيبتي وروقي متفضليش تهري في نفسك كدا، دي عيّلة خطافة رجالة أصلًا." تحدث مصطفى ساخرًا يوجه حديثه لشقيقته : _"كدا عرفنا بنتك هتطلع إيه يا دكتورة فريدة." تحدث خالد لمازن الشارد بشيءٍ ما بمزاح يشوبه بعض اللوم الخفي : _"بنتك بتتشال وبتتباس يا دكتور." نظر له مازن ببلاهةٍ ثم قال بعدما استجمع شتات نفسه : _"بنتي دي أنا آمن عليها وهي مع مالك أكتر ما هآمن عليها وهي في حضني على فكرة." تدخلت شيرين توجه حديثها لمازن بنبرةٍ ودودة : _"أيوة يا مازن أكيد إحنا عارفين، وأكيد إحنا كلنا زيك برضو نقدر نآمن على عيالنا كلهم مع مالك.. بس خالد قصده إن حنين نفسها لازم تخلي بالها، هي برضو مبقتش صغيرة زي من كام سنة والدنيا مبقتش زي زمان.. يعني عشر سنين دي المفروض تبدأ تعرف إن مش كل الناس كويسة وإن مش أي حد نسلم عليه ولا نقرب منه فاهمني؟؟؟ وبعدين إحنا هنا عشان محاوطين عليهم وهما نفسهم عارفين إن جوا البيت مصريين واللي برة البيت دول فرنسيين بيعرفوا يفرقوا وياخدوا حذرهم برة البيت.. لكن لما نرجع مصر هيبقى الوضع مُختلف.. الناس كلها شبه بعض وهما هيحسوا بالألفة وهيفتكروا إن كل المصريين من أهل البيت وكدا غلط.. وبعدين دي بنت برضو فاهم وجهة نظري؟؟؟ " قطعت إسراء هذا الحديث وقد بدأت معالم وجهها بالتغير للضيق تسأل مصطفى بصوتٍ شارد : _"مصطفى هو احنا هنرجع مصر إمتى؟؟؟ " ابتلع مصطفى ما بفمه من الحلوى التي سرقها من عبدالله ثم قال : _"يوم الحد الجاي إن شاء الله أنا ومالك هنروح نشوف الدنيا هناك عاملة إيه وخالد هييجي معانا عشان يوثق العقود في المحكمة وشيرين برضو هتيجي عشان تحط اللمسات الأخيرة.. بعد كدا لو كل حاجة تمام ممكن نيجي نخلص الورق بتاعكم هنا والتأشيرات بعدين نسافر على طول." تنهدت إسراء بقلق ثم نهضت من مجلسها وتركتهم وانسحبت من بينهم تاركةً إياهم يطالعون أثرها بريبة. في المكتب الخاص بمالك حيث وقف هو أمام النافذة الكبيرة التي احتلت الحائط وقف هو يهاتف نور بينما حنين جالسةٌ على الأريكة الجلدية في الخلف دلفت إسراء لتستمع له يحدث نور : _"حاضر يا نور أنا هتصرف.. ماشي يا حبيبتي إعملي اللي إنتِ شايفاه صح.. تمام وأنا ساعة كدا وهعدي عليكم أخدكم." أغلق المكالمة ليستدير وما إن وقعت عيناه على إسراء حتى قال موجهًا حديثه للصغيرة قائلًا : _"حنين.. سيبيني أنا وخالتو إسراء شوية لو سمحتي." أومأت له حنين وخرجت وأغلقت الباب من خلفها ليجلس مالك على الأريكة وتجلس هي بجانبه قبل أن تتحدث بهدوء : _"في حاجة عند نور ولا إيه؟؟؟ " تنهد مالك ثم قال ببساطة : _"لا مفيش حاجة مهمة، بس إنتِ مالك؟؟؟" نظرت له إسراء وعلامات اضطرابها لا تخفى عليه ليتحدث بقلق : _"في إيه يا إسراء حصل إيه مالك يا حبيبتي؟؟؟" قالها وهو يحيط وجهها بكفيه لتتحدث هي بقلق ونبرتها مرتجفة : _"مالك أنا مش عايزة نرجع مصر. " جحظت عيناه بذهول.. مَـن هذه التي تقف أمامه وتخبره أنها لا تود العودة لهناك حيث عائلتها وأسرتها التي تنتظر إجازة العام بفارغ الصبر من عامٍ لعامٍ آخر حتى تذهب إليهم وتقضي معهم العديد من الأساببع؟؟؟ إسراء التي تعاني من إشتياقها لأمها وأبيها دائمًا؟؟؟ الآن لا تود العودة؟؟؟ سألها مالك بعد أن حرر وجهها بتعجب : _"ليه يا إسراء مش عايزة ترجعي، أنا قلت إنك أكتر واحدة هتفرحي؟!!! " أشاحت إسراء بعينيها الدامعتين بعيدًا عنه ليتملك الرعب قلبه.. كيف لا يفعل؟ وهي زوجته التي يستمد منها العون دون أن يطلب حتى.. تمد يد المُساعدة له قبل أن يُدرك هو أنه بحاجةٍ لمن يساعده، على الرغم من طباعها وميلوها المختلفة عنهم جميعًا إلا أن إسراء هي عامود الأمان في بيت الدالي.. فبِمَ سيشعر عندما يرى دموعها تتراكم هكذا في عينيها وهي لا تقدر على الإفصاح؟؟؟ _"إسراء في إيه بس؟؟؟ مالك بتعيطي ليه طيب؟؟؟" فركت إسراء عينيها قبل أن تبدأ عبراتها بالهطول ثم قالت بضيق أثناء نهوضها : _"مفيش حاجة يا مالك خلاص.. مفيش مشاكل." أمسك بمعصم زوجته ببعضٍ من القوة ثم أجلسها بجانبه مرةً أخرى قبل أن يقول : _"إسراء ممكن نتكلم زي الناس؟؟؟ دلوقتي إنتِ عايزة تروحي ولا لأ؟؟؟ ومن غير ملاوعة عايز كلام واضح وصريح." أجابته إسراء بـ"لا" قاطعة ليومأ هو لها ويخبرها سائلًا : _"أيوة مش عايزة تروحي ليه بقى؟" زفرت إسراء بقوة ثم قالت بضجر وبعض الحدّة : _"خلاص يا مالك قلت لك! مش إنتَ عايز تروح؟ خلاص يلا نروح.. وأنا أفضّل أحتفظ بأسبابي لنفسي." تحدث مالك يحاول التهدئة من روعه كي لا يحزنها : _"مفيش حاجة إسمها أنا عايز إيه وانتِ عايزة إيه، لازم لما نعمل حاجة نكون إحنا الإتنين اتتفقنا عليها وإلا مش هنعملها، وبعدين إيه أسبابك لنفسك دي؟ دا لما جوزك يموت إبقي خلي أسبابك لنفسك لكن طول ما إحنا الإتنين عايشين المفروض مفيش حاجة بيننا إسمها نفسي ونفسك والمفروض نكون بنشارك بعض أفكارنا، مش دا كلامك برضو؟؟؟ " تأثرت إسراء بحديثه الأخير وقد مرّت هذه الكلمات على أذنها للمرة الثانية وهو يذكرها بما قالته له أثناء سنوات زواجهما الأولى،لذلك تأثرت وألقت بنفسها بين ذراعيه بعنف تحاول كبح الغصة بقلبها..وعلى فعلها هذا تفاجأ مالك وقد شعر بمدى عمق المشاعر السلبية المُعتملة بجوف زوجته ليتحدث قائلًا بهمس : _"طب خلاص... لو مش عايزة مش هنروح، أنا بس كنت عايز أعرف لو في حاجة مُعينة مضايقاكِ لو كنت أقدر أحلها.. بس مش أكتر." تراجعت للخلف قليلًا ثم ألقت برأسها على قدمه بشرود ليربت هو على رأسها، تحدثت إسراء بهدوء : _"والله العظيم مش عشاني.. أنا بس خايفة أقول تزعل مني أو تفهمني غلط." تنهد مالك وأجابها باهتمام : _"لأ متخافيش.. مش هفهم قصدك غلط قولي بس إيه المشكلة ولو نقدر نصلحها نصلحها." ترددت إسراء كثيرًا هل تفصح له عمّا يدور بخاطرها أم لا وفي النهاية لم تجد مفرًا من عينيه اللتان أخدتا تحثانها على البوح فقالت : _"مالك... أنا خايفة عليك لو رجعنا مصر ترجع تتعب تاني أو نفسيتك تتعب... " نظر لها مالك بوجهٍ خلى من التعبيرات وملامح جامدة رغم الثبات البادي عليه لتتابع هي بتلعثم : _"إسمعني بس الأول.. أنا مش قصدي حاجة، أنا بس فاكرة كلام فريدة.. لو فكرت زيي هتلاقي إن إحنا جينا باريس أصلًا عشان إنتَ تغير المكان المرتبط بالأحداث اللي آذتك.. دا بس قصدي.. خايفة عليك إنك ممكن تفتكر حاجات بتضايقك فتدخل في دوامة اكتئاب تانية، وأنا مش عايزة دا يحصل." أمعن مالك النظر في عينيها ثم قال : _"يعني إنتِ مش عايزة تبقي قريبة من عيلتك؟؟؟ " تحدثت إسراء دون الحاجة للتفكير وكأنها كانت تنتظره أن يسألها هذا السؤال لتجيبه قائلةً : _"طالما جوزي وولادي كويسين مش عايزة حاجة غيرهم.. دول هما عيلتي اللي مينفعش أخاطر بسعادة حد فيهم." ابتسم لها مالك وقبّلَ جبينها ثم قال وهو يربت على يديها بحب : _"متخافيش يا إسراء.. إن شاء الله كل شيء هيكون بخير، بس إنتِ متأكدة إن مفيش سبب تاني غير دا؟" أومأت إسراء بقوة تنفي قوله لتتحدث وقد أمسكت بكف يده تعانق أصابعها أصابعه : _"طالما أنتَ مبسوط أنا مبسوطة معاك.. حتى لو في أي حتة في الدنيا.. غير كدا مفيش حاجة أصلًا." ابتسم مالك لا إراديًا ثم قبل يدها وقال بصوتٍ رخيمٍ شارد في وجهها الذي لم تسلبه السنون جاذبيته : _"ربنا ميحرمنيش منك يا إسراء." ابتسمت له قبل أن يخبرها هو : _"يلا ننزل ليهم عشان نلحق نخلص وأروح أجيب غنى ونور من المستشفى قبل أروى ومارتن ما يرجعوا" تحدثت هي تخبره بينما يخرجان : _"عارف كانت فكرة حلوة إننا نحتفل برجوع أروى ورجوع نور من المستشفى مع بعض." _"دي فكرة مازن... صحيح! أنا نسيت حاجة مُهمة أوي!!! " قال كلماته ثم ذهب راكضًا تاركًا إسراء خلفه تطالع أثره بشرود. في الصالون حيث يجلس الجميع بعد أن انتهوا من التزيين للإحتفال، تفاجأ خالد بهاتفه يعلن عن تلقيه اتصال من مالك، تقلصت المسافة بين حاجبيه ليجيب بهدوءٍ دون لفت الإنتباه ليفتح المكالمة وتدور كالآتي : _"ألو سلام عليكم... أه.. طيب تمام." أنهى المكالمة ونهض من مجلسه ثم توجه للشرفة حيث استدعاه مالك، دلف ليجلس على الكرسي هناك يجلس مُقابلًا لمالك مع قوله : _"خير قلقتني.. " _"هقولك بس إسمعني كويس... " ________________________ _"شاطرة يا نور.. أنا فخورة بيكِ يا روحي،بصراحة كنت عايزة أفتح معاكِ الموضوع دا بس خفت لتزعلي مني قلت أخليه لحد ما تبقي كويسة." ابتسمت نور لغنى ثم قالت لها : _"لأ طبعًا يا ماما أنا عُمري ما ازعل منك، بعدين لما تشوفيني بعمل حاجة غلط قوليلي لإن دي مهمتك مش كدا؟؟؟ " أومأت لها غنى برضا وفخر عن هذه الفتاة بينما استرسلت نور حديثها : _"بصراحة مبسوطة إني عملت كدا لإني طول الليل متضايقة بسبب الموضوع دا.. وبعدين مفيش رابط شرعي بيننا عشان يكملني ولا أي حاجة، دي بس مجرد رؤية شرعية مش معناها إنه يكلمني ولا حاجة، وأنا ساعة ما خدت منه الورد كان عشان حنين الله يسامحها أحرجته واتكسفت أحرجه مرة كمان فأخدته مُضطرة لكن لو مكانتش هي عملت كدا كنت هتأسف له وهقوله إني مقدرش أخد منه حاجة." _"شاطرة يا حبيبة ماما غنوة، يلا بقى قومي إلبسي عشان باباكِ هييجي ياخدنا كمان شوية.. هو سئل الدكتور وسمح بإنك تخرجي، عشان أروى بنت عمك جاية تزورنا هي وجوزها وعاملين حفلة صغيرة ليكِ إنتِ وهي." شردت نور قليلًا ثم قالت تتسائل : _"تفتكري مروان هيروح؟؟؟ " أجابتها غنى ببساطة : _"أكيد هيروح يعني.. بس اشمعنا؟ إيه ناوية ترجعي في كلامك ولا إيه؟؟؟ " أومأت نور بالسلب ثم قالت : _"أنا بسأل عشان هو لو هيروح هطلع أقعد في أوضتي." _"طب ما تخليكِ قاعدة عادي وسطنا وهي أكيد مش هيكلمك قدام أبوكِ.. بعدين دول عايزين يتجمعوا يتبسطوا عشان اتطمنوا عليكِ تقومي تسيبيهم وتطلعي أوضتك؟؟؟ " نظرت نور بتفكر ثم أردفت : _"مينفعش يا خالتو، مش إنتِ بنفسك اللي محفظاني سورة النور ومحفظاني قول الله سبحانه وتعالى : ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾، يبقى المفروض عليا أخذ حذري عشان مقعش في الفتنة والمعصية بحجة إن كل شيء علني.. حاسة إني مش عارفة أشرح بس إنتِ فاهمة قصدي مش كدا؟؟؟ " ابتسمت غنى وأومأت لنور وهي تفكر في مدى حظ مروان لتهديه الحياة فتاة بهذه المثالية.. ربما ستكون نور سببًا في صلاح حال مروان المتقلب يومًا ما. _______________________ دلف غرفتها بهدوءٍ من خلفها وأغلق الباب من خلفه وما إن جلس على سريرها حتى لاحظ تغير ملامحها والاضطراب الذي يعلوها ليدعوها للجلوس على مقربةٍ منه، وبالفعل فعلت ليحيط جيوم كتفيها قائلًا بصوته الحنون : _"ما بكِ أختي؟؟؟ لم هذا الإضطراب والقلق على وجهك هل هناك من يزعجك؟؟؟ ماثيو فعلها؟؟؟ " تنفست كوزيت تحاول التهدئة من روعها ثم قالت : _"جيـوم.. في الواقع أريد الذهاب لصديقتي لقد كانت بالمشفى منذ يومين واليوم ستعود لمنزلها وعائلتها أقامت احتفالًا صغيرًا لها وقد قاموا بدعوتي لذا... " قاطعها جيوم قائلًا : _"لذا ماذا؟!! ما المشكلة في الذهاب لصديقة؟؟؟ ولمَ كل هذا الخوف البادي عليكِ يا فتاة؟؟؟ " ابتلعت كوزيت ريقها بتوتر ثم قالت له بنبرةٍ حاولت ظهورها بشكلٍ سليم : _"أمم.. هل يمكنك اصطحابي لمنزلها؟؟؟" قطب جيوم جبينه ونظر لها بتمعن يتفحص عينيها ووجهها الخجول على عكس ما اعتادها لكنه حمحم بعدما ارتابت هي من نظراته لها ثم قال : _"حسنًا، لا بأس بالطبع.. أعني لما لا." أنهى كلماته وصمت يتابع صمتها وشرودها حتى قالت بهدوءٍ تام وملامحها لا تزال في عالمٍ آخر : _"جيوم... هل يوجد شيء قد يجعلك تتوقف عن حبي يومًا ما إن فعلته؟؟؟ " بدون تردد أو لحظة تفكيرٍ واحدة أجابها شقيقها قائلًا بكل جدية : _"نعم وهو أن تكوني جبانة." جحظت أعين كوزيت بصدمة مما قاله شقيقها بينما تابع هو : _"إن كنتِ تمتلكين رغبةً لفعل شيءٍ ما فلا تنتظري التشجيع مني أو من أي شخصٍ آخر أنتِ لستِ مُعاقةً أو تعانين من شللٍ نصفي أو بُطئٍ في الإستيعاب.. إذا كان هناك ما تريدين فعله فافعليه وانتهى الأمر." نظرت له كوزيت بوجهٍ يحمل قدرًا لا يُستهان به من الفزع ثم ابتلعت ريقها قائلةً بتوتر تحاول إخفائه بضحكاتٍ خافتة لم تفلح في تأدية مُهمتها : _"اهه... حسنًا، اممم إذا.. بما أنك لم تُمانع أن تذهب برفقتي.. ف.. هل تمانع، أقصد.. ألديك مُشكلة إن مررنا سريعًا لشراء بعض الملابس لي؟؟؟ " ضرب جيوم ناصية رأسها بطرف إصبعيه وقال بملل : _"أنتِ يا حمقاء هل أضعتي وقتي الثمين بهذه الكلمات الساذجة مثلك؟؟؟ هيا بنا إذن استعدي لنذهب." خرج جيوم من الغرفة تاركًا خلفه كوزيت بمشاعر مختلطة وتعبيرات وجهٍ مدهوشة. ارتدت بالفعل ثيابها وخرجت لتجد شقيقها ينتظرها بعد أن بدل ثيابه هو أيضًا فأخذها من يدها وخرجا من الشقة ليركبا المصعد ويهبطا به للأسفل، أخرج جيوم مفاتيح دراجته النارية وأخرجها من مدخل المنبى السكني الخاص بهم ثم صعد بعد ارتداء خوذة الرأس الخاصة به وأخذ شقيقته خلفه، من ثم انطلق جيوم يقطع الرياح بدراجته حتى وصلا للمحل التجاري الذي دلته كوزيت عليه. ________________________ _"أنا مش بقول لك كدا عشان تضايق نفسك أنا بقول ليك كدا عشان تصلح علاقتك بيه." هكذا قالها مالك بثبات لخالد الجالس أمامه بوجهٍ مسود وتعابير وجهٍ لا تنم على شيءٍ آخر سوى الألم. ربت مالك على فخذه ثم قام وقال أثناء خروجه : _"أنا هنده عليه وإنتَ إعمل اللي قلت لك عليه ماشي؟؟؟ " أومأ له خالد دون صدور صوتٍ منه بينما يفرك وجهه بعنفٍ وانزعاج.. دلف مُهاب للشرفة بعد دقائق قليلة ليقف أمام والده باحترامٍ قائلًا : _"نعم يا بابا." _"تعالى يا مُهاب اقعد " لم يحتج خالد نظاراتٍ ليلاحظ الخوف الذي أخذ يتجول في أوردة ابنه.. جلس مُهاب على الكرسي المقابل لخالد الذي وضع يده في جيبه وأخرج منه ساعةً غالية الثمن ثم أمسك بيد ابنه وألبسه إياها تحت نظرات الدهشة من الصغير تجاه والده.. بعد أن ألبسه خالد الساعة فعل المثل وأخرج ساعةً مماثلة للتي ألبسها لمُهاب منذ قليل وارتداها هو ثم قال وهو يبتسم لصغيره : _"كدا بقينا لابسين زي بعض.. إيه رأيك شكلنا حلو مش كدا؟؟؟ " طالع مُهاب والده بأعينٌ حائرة وشيئًا فشيئًا ظهرت الإبتسامة على وجهه تشرق كشروق الشمس وقد ضاقت عيناه بسعادة ليتحدث خالد بحب وبعضٍ من الأمل : _"مُهاب هو أنا ينفع أسئلك سؤال وتجاوب بصراحة؟ يعني متخافش وقول الحقيقة وأنا مش هزعل منك ومش هزعق لك ماشي؟؟؟ " صمت مُهاب بتخوفٍ ثم أومأ لوالده بحذر ليطرح خالد سؤاله عليه : _"تديني تقييم كام من عشرة كـ"بابا" يا مُهاب؟؟؟ متخافش قول عادي مش هتضايق.. " ابتلع ريقه ثم شرد قليلًا بالأرض وقال لوالده : _"1 من عشرة." .. شعر كما لو أنه تلقى ضربةً في منتصف معدته، وكأن دلوًا من الماء البارد قذف على رأسه ليجمد أطرافه وتفكيره.. _"طب أنا عايز دور تاني.. إزاي أخد 10؟؟؟ " أجابه مهاب بسرعةٍ دون تفكير كمن ينتظر السؤال ليبجيب قائلًا : _"مش عايز حد ياخد لعبي.. كل واحد يلعب باللعب بتاعته." _"تمام، إيه تاني؟؟؟ " هكذا أجابه خالد باهتمامٍ وتركيز ليتابع مهاب : _"مش عايز حد يشتمني.. عشان مبحبش الشتيمة، وكمان مش عايز حضرتك تسكت لو حد اتتريق عليا من العيال." أومأ له خالد وقال بإصرار : _"وإيه كمان يا مُهاب؟؟؟ " _"مش عايز أذاكر لما وعد وليلى يكونوا بيلعبوا.. وكمان عايزك تلعب معايا زي ما بتلعب معاهم." التمعت عيني خالد بالدموع ومشاهد تعرض أمام عينيه بسرعة.. لم يلاحظ من قبل أنه بالفعل ينحاز لفتياته طوال الوقت، دائمًا يلعب معهم دون شقيقهم ويذهب معهما للتمشية والتنزه واللعب في الملاهي من دونه.. يقوم بشراء الدمى والملابس لفتاتيه بينما تقوم غنى وحدها برعاية الصبي واللعب معه طوال اليوم.. لكن مع ذلك ومع كل جهودها المبذولة فهي لا ولن تستطيع تولي دور الأم والأب معًا والموازنة بينهما خصوصًا وأن خالد يتعامل بجمودٍ معه.. أشار لصغيره بالإقتراب منه وضمه إليه بحنانٍ أبويٍ غريب على كلاهما، وكلاهما يمنع نفسه عن البكاء بصعوبة. ___________________________ _"مروان متضايقهاش.. وبعدين هي مش غلطانة في حاجة هي عندها مبدأ وبتحاول تحافظ عليه، متضغطش إنتَ عليها.. وبعدين إنتَ لسة لحد دلوقتي ملكش صفة تكلمها بيها." تحدث مروان بعصبية ردًا على مالك في الهاتف : _"وأنا هيبقى ليا صفة إمتى؟؟؟ المفروض أعمل إيه تاني عشان يبقى ليا صفة؟؟؟ أنا عملت اللي يرضيك ويرضيها، وجيت اتقدمتلها بشكل رسمي وإنتَ موافق وهي موافقة ومع ذلك إنتَ مش مديني كلمة وسايبني متشعلق كدا في الهوا..ولا هو أنتَ مش موافق أصلًا؟" _"يا مروان افهمني.. في حاجة غلط وأنا مش عايز علاقة تتبني على حاجة غلط." _"أنا عارف.. نور مريضة وسواس قهري، أنا عارف دا كويس وعشان أنا بحبها وعارف إنها محتاجة المساعدة أنا عايز أساعدها وعايز أخليها تتخطى المشكلة دي.. " جمدت ملامح مالك بصدمة حتى أنه توقف عن الرمش ثم قال بصوتٍ منفعلٍ إلى حدٍ ما : _"إنتَ عرفت منين الكلام دا؟؟؟ " أجابه مروان بثقة : _"مالك.. إنتَ قلت ليا قبل كدا إللي بيحب حد بيحس بيه.. وأنا بحبها وحاسس بيها، مسئلتنيش يعني أنا عرفت إنها تعبانة إزاي؟؟؟ " صمت مالك وقد ضغط جفنيه بقوةٍ ثم قال : _"طب خلاص يا مروان هنتكلم أنا وهي وربنا يقدم اللي فيه الخير." __________________________ في الصالون حيث اجتمع شملهم مرةً أخرى كتجمع سرب الحمام بعد أن فرقتهم الهجرة من وطنٍ لآخر جلسوا جميعًا في مشهدٍ تقر بالنظر إليه العيون يتضاحكون ويتمازحون صغيرًا وكبيرًا بعدما لم يعد هناك مكانٌ لجلوس الحزن بينهم بعد أن احتلت أطياف البهجة والمرح كل المقاعد الشاغرة لينصرف الحزن من مجلسهم بعدما لم يجد مكانًا له بينهم تاركًا إياهم في حبورٍ وأنسٍ يتبادلون أطراف الحديث بودٍ وهدوء تعلو أصوات ضحكات الأطفال هنا وهناك تحيطهم نظرات أهلهم الحنونة الدافئة، وأصواتٌ ظهرت تُبارك وتُهنيء الزوجين الجديدين على زواجهما بعد أن عادا من إجازتهما بالفندق بعد قضاء يومين هناك وعودتهما سالمين معافين. وها هو الفرد الأخير قد وصل ليكتمل به العدد وما إن أطلَ عليهم بهيئته الوسيمة حتى صاح الأطفال الفتيان منهم والفتيات قائلين بصوتٍ عالٍ في آنٍ معًا : _"هييييييييييه!!! عمو مروان جه!!! " ومن علو صوتهم المُفاجيء فُزع الصغير عبد الله وبدأ في البكاء دون توقف وأمه تحاول طمئنته وتهدهده بين الحين والآخر بإرهاقٍ شديد. بينما نور نهضت بعد أن ظهر مروان في الصورة واستأذنتهم بحجة أنها تحتاج للراحة من الصداع الذي داهمها فجأة. نهضت من مجلسها واتجهت صوب الباب تريد الإنسحاب بينما هو يعاكسها في الإتجاه حيث دلف للداخل وأثناء اتخاذ كلٍ منهما خطواته تقابلت الأعين مُجددًا.. ذلك التقابل المُرجِف.. تقابلٌ أفشى بما يعتمل بجوف صدره من مكنوناتٍ لهاتين العينين الزمرديتين على لسان عينان سودادتين قالتا بأحرفٍ لم تسعها الأبجدية.. يا فتاة لما هذا البُعاد.. وقلبي لأجلك قد غادر وعاد.. لمَ غدرتِ بحبٍ مسكينٍ لم ينل فرصة ميلاد.. حبٌ لم تزعزه السنون ولا اتساع البلاد.. وها هو الآن لكِ قد عاد.. ألا تمني عليه أم فاته طلب الميعاد؟ ومن عينيها قذفته بسهامٍ جرحت فؤاده المسكين بكلماتٍ خيطت من خوفٍ وحيرة وقد استشعرها هو كما لو كانت ليس الآن.. لن أستطيع ولو بعد حين.. ورغم علمي بلوعة قلبكَ المسكين.. فإني أنتظر الفؤاد حتى يلين.. فهل تفعل أنتَ وتنتظر معي حتى نراه يلين فيستكين فينعم أخيرًا بحب قلبكَ المسكين؟ كانت لحظةً واحدة.. التقت فيها العيون لتكون لحظةً كفيلة بإيقاف الزمن وكبح عجلة مروره.. نظرةٌ أفضت بكل ما يمكن أن يُقال. _________________________ طرق الباب ثلاث مرات قبل أن يتحدث قائلًا : _"أبلة نور ينفع أدخل؟؟؟ " _" تعالى اتفضل." أدار مقبض الباب برفقٍ ثم دلف الغرفة بخطواتٍ حذرة حتى جلس لجوارها على السرير ليراها تتطلع له باهتمام بينما تشدد القبض على شيءٍ ما بين أصابعها.. لم يُبدي فضوله لها بينما سألته هي : _"إزيك يا فيان وحشتني أوي.." نظر لها فيان مطولًا ثم ابتسم لها ببساطةٍ وحب قبل أن يرتمي بجسده في حضنها.. من قال أنه سيخاصمها؟ من ظن أن بمقدوره مخاصمتها من الأساس؟؟؟ فقط أحمقٌ لا يعلم مدى حب الصبيين لأختهما الكبرى هو من يصدق.. ضمّته نور بحبٍ تشدد من عناقه وتربت على ظهره بحب بينما يتحدث هو بحنان : _"ألف سلامة عليكِ يا أبلة نور.. إنتِ وحشتيني أوي، خلي بالك من نفسك بعد كدا عشان أنا كنت قاعد مع الأطفال وهما بيغلبوني.." داعبت نور شعره ثم قالت قاصدةً أن تمازحه : _"يا واد يا جامد.. أطفال مين دول اللي غلبوك يا فيان؟ وبعدين دا إنتَ لوحدك تغلب بلد يا فيان يا حبيبي؟؟؟ " _"معلش بقى يا أبلة نور ما أنا بحبك برضو أكيد هبقى غلباوي طول ما انتِ موجودة.. إنما بصي لما تعبتي شوية؟؟؟ بقيت ساكت خالص ولا بعمل صوت ولا بيطلعلي حس عشان كدا هما بيتعبوني.." عقبت نور بأعينٍ متسعة وبسمةٍ خفية : _"يا سلام! يبقى أنا اللي معفرتاك يعني؟؟؟ خلاص.. أمشي أنا بقى وأرجع المستشفى عشان إنتَ تفضل هادي وتسمع الكلام." نظر لها فيان بهدوء ثم قال بأكثر طبقات صوته براءةً ولطفًا مُعقبًا : _"طب ما أنا ممكن أسمع الكلام لو كل يوم غنيتي ليا قبل ما أنام.. عشان صوتك حلو أوي يا أبلة نور." ضمته نور لها وقالت : _"يا حياة أبلة نور إنتَ.. طب تعالى نام على رجلي.." اعتدل الصغير في جلسته ثم ألقى برأسه على قدمها سامحًا لأصابعها بالتغلغل في شعره الأشقر الناعم أثناء غنائها له بصوتها العذب الشجـن : _"لو كنت نغمض عينيا.. وتاخدني الأحلام من يديّا.. ونعلى ونحلّق في سماء جديدة.. وننسى الوجايع.... لو كنت نسافر في خيالي.. نزرع ونبني قصور ليالي.. يكبر فيها الحب وآمالي ونمحـي الألآم" انتهت من غنائها ليقع على مسامعها صوته يباغتها من على باب غرفتها قائلًا والإبتسامة تعلو محياه : _"الله.. بقالي كتير أوي مسمعتكيش بتغني.." التفت نور باهتمام ثم قالت تدعوه للدخول : _"تعالى يا بابا اتفضل." دلف مالك للغرفة وقام بسحب كرسي المكتب ليجلس مُقابلًا لها ولصغيره.. نظر إلى حالهما بابتسام ورق لهما قلبه قبل أن يتحدث بنبرةٍ متأثرة : _"نفسي أنام بسرعة زيه كدا.. باله مرتاح، بس غلبان أوي والله.. إنتِ عارفة إنه كان ناوي يخاصمك؟؟؟ وأديكِ أهو أول ما سبتينا وطلعتي أوضتك طلع وراكِ، باين عليكِ وحشاه أوي يا نور.. والحقيقة إن البيت كان وحش من غيرك فعلًا.. " ابتسمت له نور بحب والتمعت عيناها تأثرًا وقد شعرت فجأة أنها توَّد لو أن الزمن يعود بها للخلف فتضحي فتاة ثلاثة عشر خريفًا من جديد لتقفز بين ذراعيه وتتخفى بين ضلوعه كما كانت تفعل في صغرها لكنها الآن لا تستطيع.. لكن لا بأس فعزائها أنه أبدًا لم يكن الحب مقياسه هو التلامس.. بل على العكس تمامًا فإن أطهر وأجمل أنواع الحب هو الحب العذري ذو المشاعر الراقية السامية.. مشاعر نبيلة، أرقُّ من أن تُلمـس بأيدٍ بشريـة. أخرج مالك شيئًا ما صغير الحجم من جيبه ليتضح أنه سوارٌ رقيقٌ من الذهب خالٍ من البهرجة والزخارف سوى من جناح فراشةٍ أخضر اللون على نهايته يزينه ليبدو في غاية الرقة تمامًا كتلك الفتاة التي لا ينازعها أحد في حبها المُتمكِّن منه ومن قلبه.. قرَّب إليها السوار بابتسامةٍ تتضح فيها معالم الترجي على وجهه أن ينال السوار إعجابها بينما هي على الطرف الأخر تتملكها الحيرة ولا تكاد تفقه شيئًا، تحدث مالك يسألها : _"إيه رأيك؟؟؟ حلـوة؟ " _"حلوة؟ دي حلوة؟؟؟ أنا مشوفتش حاجة أحلى من دي في حياتي... دي جميلة أوي يا بابا." ابتهج وجهه أخيرًا بعد نالت استحسانها ليمد أنامله لها مُحافظًا على المسافة بينهما مع قوله : _"طب خدي إلبسيها.. كان نفسي ألبسهالك بنفسي بس عارف إنه حرام وإنك هتتضايقي." وضعت نور يدها أمام فمها بدهشة ثم قالت بنبرة صوتٍ تائهة : _"دي عشاني أنا!.. بس دي أكيد غالية أوي يا بابا!!" تحدث مالك مُعقبًا قولها السابق : _"مفيش حاجة أغلى من كونك بخير وفي حياتي يا تفاحة قلب بابا.." ابتسمت نور بتأثر وعيناها تنذران بكريستالاتٍ على وشك الهطول، ولذا قرر هو انتهاز الفرصة وقال : _"البسيها وبطلي عياط عشان أنا حافظ كل ردود أفعالك لدرجة إني عارف إن الكلمتين الجايين هيخلوكِ تعيطي فإمسكِ نفسك شوية عشان مش كل شوية هنفضل نعيط.." أخرجتها كلماته من حالة التأثر التي كانت فيها قبل ثوانٍ لتطالعه بعدم فهمٍ قاطبةً الجبين تنظر له بعينان مستفهمتان ترجوان منه التوضيح قبل أن يتحدث هو يحاول التمهيد للأمر : _"بُصي يا نور إنتِ الحمد لله بقيتي بخير.. والحمد لله أروى بنت عمك رجعت لنا بالسلامة.. ودلوقتي مروان مستني إن إحنا نرد عليه.. في حاجة عايزة تقوليهالي؟؟؟ " لم يكذب قوله فعند نهاية حديثه تبدلت ملامح نور للشحوب والرهبة وكأن من يتحدث عنه وحشٌ كاسر أرغمت على الزواج منه وإكمال ما بقي من عمرها محبوسةً بين مخالبه.. لم تشعر بنفسها وقد بدأت يداها ترتجفان بشدة ومالكٌ جالس يلاحظ تصرفاتها الغريبة تلك وقد بدأ يتيقن مما بباله. تحدث قائلًا بينما  يغمرها بحنانه : _"إسمعي يا نور... مش أنا قلت عليكِ زمان إنك غير أي حد وإنك مختلفة والكل قال لا ودا عشان شبه بس وفترة وانتَ نفسك هتزهق و هتسيبها ووووو و كلام قد كدا و إنتِ عارفة إحنا عدينا بإيه وبرغم كل دا فضلت ماسك فيكِ و إنتِ مسكتِ فيا و مخسرناش بعض بسبب كلام الناس وأهو عدى عشر سنين وأكتر كمان... اتعرفنا فيهم على ناس كتير وناس كتير دخلوا حياتنا وطريقة تفكيرنا اتغيرت وبتتغير كل شوية وعمّالين نقابل ناس ونسيب ناس ونبعد عن ناس بس انتِ لسة ثابتة في حياتي وفي عيني إنك غيرهم كلهم وأنا لسة ثابت في حياتك إني غيرهم كلهم، مروان بقى غيرهم.. وخليكِ واثقة في كلامي.. أكيد أنا مش هعمل حاجة وأنا مش متأكد إنها في مصلحتك.. هو بيحبك أوي وأنا عارف إنه بيحبك وعارف إنك كمان بتحبيه بس مش عايزة تعترفي لنفسك بكدا.. أنا بكلمك أهو بصراحة ومن غير كسوف، بس مروان لو ضاع منك هتخسري حد حبك بجد لدرجة إنه ضحى بسنين كتير من حياته عشان يوصل ليكِ في النهاية، وبرضو القرار قرارك إحنا معملناش حاجة غير جلسة رؤية شرعية، لو مش عايزة أو مش متأكدة قولي اللي عاوزاه وأنا هنفذهولك بس أيًا كان اختيارك أنا مش هتدخل. " ودون إرادتها خرجت أنفاسها منها مُرتجفةً تنم عن تخبطٍ وخوفٍ يأكلانها بنهم.. صمتت لبرهةٍ مِـنَ الزمن قبل أن تحدث والدها بإجابتها : _"وأنا على كلمتي ليك يا بابا.. خلاص إعمل اللي يريحك في الموضوع دا أنا سايباه ليك بالكامل." لاحقها مالك قائلًا بتأكيد : _"يعني لو اتفقت معاه على حاجة مش هترجعي تقولي ليا إني إتسرعت؟؟؟ " أومأت نور بالسلب تؤكد له على قولها السابق ليبتسم مالك بهدوءٍ وسعادة قبل أن يستمعا لصوت الطرق على باب الغرفة فإذا بها أروى التي أذنت لنفسها بالدخول وقالت بمزاح : _"الله بقى!! هما العرايس بيجيلهم هدايا حلوة كدا؟؟؟ أنا شكلي اتضحك عليا بقى ولا إيه؟؟؟ أنا كدا هنزل أعمل احتجاج على مصطفى الغلبان." انطلقت ضحكاتهما وجلست أروى بجانب نور ليشتعل المزاح والمباركات والتهاني.. ________________________ _"فريدة أنا مش عايز أتكلم في الموضوع دا بعد إذنك." تحدثت فريدة بانفعالٍ مع محاولةٍ يائسة في التحكم بأعصابها حيث يقفان في المطبخ تاركين الجميع يجلسون في الصالون، اتجه مازن للمطبخ بغية إحضار الحلوى التي اشتراها للصغار ليفاجأبفريدة تلحقه بمفردها وتبدأ بالحديث الذي أزعجه للغاية ليدور الحوار بينهما كالآتي : _"وأنا عايزة أتكلم يا مازن!! " عقبت مازن بحنقٍ شديد : _"عايزة تتكلمي دلوقتي؟؟؟!!! لا دا الوقت المناسب ولا المكان المناسب عايزة تتكلمي ليه؟؟؟ " أجابته فريدة بصوتٍ أقل حدّة : _"عشان طول ما إحنا في البيت أو في المستشفى بتفضل تتهرب مني.. دلوقتي مش هتعرف وصدقني يا مازن لو متكلمتش دلوقتي مش هتعدي بالساهل." زفر مازن بقوة ثم فرك عينيه بحزنٍ وضيق ثم أردف : _"عايزة تعرفي إيه يا فريدة؟؟؟ " عقبت فريدة بنبرةٍ بدت جامدةً في البداية حتى وصلت للنصف الآخر من حديثها الذي غلب عليه الطابع الضعيف المنكسر لتتحدث قائلةً : _"مازن من غير لف ودوران... مفيش أمل نخلف تاني صح؟؟؟ " ابتلع مازن ما بفمه من ماءٍ مثلج ثم أضاف بكل هدوءٌ وحنان : _"لا يا فريدة مش هنـ.. " وقبل أن ينتهي من نطق كلماته الأخيرة يفاجأ بها تجلس على الأرض بعنفٍ وقد أجهشت في نحيبٍ مرير مزق أوصاله.. اتجه للباب وقام بإغلاقه قبل أن يتحدث قائلًا : _"فريدة كدا حرام عليكِ مينفعش تعملي كدا.." لم تُلقي له بالًا وظلت على حالها مُتخذةً جلسة القرفصاء وتبكي دون توقف حتى أجبرته على الجلوس أمامها وضمها لصدره والتربيت على ظهرها حتى بدأت دموعها تقل بعد أن شعرت بعيناها تشتعلان احتراقًا.. ليتحدث هو بهدوء منتهزًا فرصة هدوئها قائلًا : _"بـُصي يا فريدة.. كل حاجـة بتحصـل معانا مُقـدَّرة ومكتوبة وربنا سبحانه وتعالى كاتب لينا هيحصل معانا إيه وفين وإمتى وإزاي بـس الأهـم من كدا إن إحنا يكون عندنا ثقـة في ربنا ويقين إنه سبحانه وتعالى هيجبر قلوبنا ويعوضنا مهما كان السبب إيه، ربنا دايمًا معانا يا فريدة وقريب مننا ومهما إحنا بعدنا عنه إستغفري ربنا بس وإدعيه هتلاقيه قريب منك وعالم بيكِ وبحالك وأي حاجة في قلبك هو عالم بيها.. إنتِ نسيتِ يا فريدة اللي حصل في سورة الكهف مع سيدنا موسى عليه السلام وسيدنا الخضر.. تفتكري إن سيدنا موسى رغم إنه نبي وربنا كان بيكلمه لكنه مكانش عارف ولا عمره كان هيعرف إن الغلام المؤمن دا لما يكبر هيُرهق أهله وهيخليهم يكفروا بربنا ولما استنكر على سيدنا الخضر إنه يقتل غلام مؤمن نفسه زكية سيدنا الخضر فهمه إنه كان هيعُق أهله وهيتسبب في هلاكهم.. ودا شيء في علم الغيب يثبت لينا إحنا البشر الغلابة مدى جهلنا وإن ربنا وحده علّام الغيوب هو أدرى بمصلحة عبيده.. لإن الشيء اللي إنتِ عايزاه دا لو كان فيه خير ليكِ عُمر ربنا الكريم ما كان هيبخل عليكِ بيه.. لكن طول ما دعواتك مبتتحققش اعرفي إن ربنا بيحميكِ من شر رغباتك اللي إنتِ جاهلة بيها يا حبيبتي... زيدي يقينك بالله يا فريدة إنه هيحميكِ وهيحقق لك اللي نفسك فيه وبتدعي بيه دايمًا طول ما هو خير ليكِ ، وإحنا كل ما علينا بس نصبر شوية وندعي وننادي عليه ونقول يا رب." خرجت من حضنه وجففت دموعها ثم هدأت من أنفاسها قليلًا ورغمًا عنها عادت للبكاء وكلماتها المتبعثرة تتزاحم مع شهقاتها وعبراتها : _"ونعم بالله.. أنا عارفة يا مازن كل دا بس.... بس غصب عني والله العظيم.. بحاول مزعلش وأنسي نفسي وكل ما أحاول أنسى الأقي نفسي بفتكر أكتر... مش عارفة.. مش عارفة ومش قادرة يا مازن... مش قادرة مزعلش... " شهقت وجففت دموعها مُجددًا ثم استرسلت تتابع : _"أنا عارفة إنها إرادة ربنا وأنا مش مُعترضة.. الحمد لله، الحمد لله يا مازن." ابتسم مازن وربت على كتفها بفخر وقال : _"شاطرة يا حبيبتي.. الحمد لله في السرّاء والضرّاء، الحمد لله دائمًا وأبدًا... وبعدين يا فراولتي أنا مش محتاج أخلف منك عشر ولاد وعشر بنات عشان أبقى عارف إني بحبك، بصي لو خلفنا تاني فأنا بحبك ولو مخلفناش تاني وربنا مرزقناش بأخ او أخت لبنتنا حنين فأنا بحبك ولو مكناش خلفنا حنين دي أصلًا برضو بحبك.. مش كفاية دا ولا إيه؟؟؟ ولا هو أنا حبي ليكِ حاجة بسيطة لدرجة إنك محتاجة جنبها عفاريت صغيرين عشان يدوا ليها قيمة؟؟؟" ___________________________ خرجت هي بخجلٍ شديدٍ وخوفٍ يغمرها حتى النخاع لتريه زيها الجديد الذي كان عبارةً عن ثوبٍ واسعٍ لا يُظهر منها أي تفصيلةٍ خصوصًا أنه من دون ذاك الحزام الذي تضعه الفتيات على خصورهنَّ ليبرزنَّ مفاتنهنّ.. اعتلا الثوب خمارٌ طويل على الطراز الفرنسي الأنيق من نفس ذات اللون المصنوع منه الثوب ألا وهو اللون الجوزي. وقفت أمامه ليطالعها هو بعينان مُتسعتان عن أخرهما بغير تصديق.. أبهذه السرعة؟؟؟ صحيحٌ أنه توقع أن تندرج تحت الدين الإسلامي لكنه لم يفكر قط أو يخطر بباله أنها قد تفعلها بهذه السرعة.. وقفت ولما طال انتظارها استجمعت شجاعتها وقالت بصوتٌ مُضطرب : _"جيوم..؟ ما رأيك؟؟؟ " نظر لها جيوم بعمقٍ ثم قال وهو يتجه نحو مكتب الدفع : _"إن كنتِ تريدين هذا فلا تهتمي لرأي لأني لا أجده مُهمًا.. فقط افعلي ما تشائين لا يهمني على أي حال." رغم رد فعل البارد إلا أنها ابتسمت بسعادة.. فهي تعرف شقيقها الذي تولى رعايتها رغم أن الفارق السني بينهما لا يتخطى العام الواحد.. تعرف أنه سعيدٌ من داخله الآن، ليس لأنها انضمت للإسلام فهو حقًا غير آبهٍ بتلك الأمور ولم يفكر سابقًا في أمر الأديان ولم يشعر بفضولٍ نحوها يومًا، لكنه الآن فرحٌ بهذه الصغيرة التي اتخذت قرارها وقامت بتنفيذ ما ترغب به رغم معرفتها بما ستواجهه من مصاعب. ________________________ _"إنتَ بتهزر؟!!! " _"إنتَ عايزني بهزر؟؟؟ " صرخ به مروان بانفعالٍ والفرحة تضيء وجهه كما لم تفعل من قبل : _"لأ!! لأ إنتَ مبتهزرش بالله عليك.. حرام عليك تقول كدا بعدين ترجع تقول بتهزر دا إنتَ لو عايز تقتلني مش هتعمل كدا.. " كتم أنفاسه فجأة ثم قفز على مالك بتهورٍ يحتضنه بقوةٍ غير مُدركٍ لما يفعله من شدة إنتشائه. _"حيلك حيلك!!! إيه إه العبط دا؟! إهدى يا حبيبي مش كدا." هكذا قالها مالك بينما يبعد مروان عنه بصعوبة. __________________________ " بعـد مـرور ثـلاثـة أسابيــع " _"إني استخرت الله العظيم." فتابع المأذون قائلًا مُلقنًا الجالس ليمينه : _"وزوّجتك موكلتي وابنتي نور.." ردد مالك من خلفه بهدوء : _"وزوجتك موكلتي وابنتي نور... " استرسل المأذون قائلًا : _"البِكر الرشيد.. " صمت مالك قليلًا والغصة تأكل حلقه ثم قال أخيرًا : _" نور البِكر الرشيد، مُهجة فؤادي.. " تعالت الأصوات من حولهم تأثرًا بينما تألقت عيني نور بعبراتها اللامعة بينما مالك يسترسل قوله : _"مُهجة فؤادي، وحاميتي من كوابيسي... ملاذي الآمن وركني الصالح في الحياة... دواء روحي وخلاصة رزقي، ابنتي بالقلب والروح، شبيهتي وحبيبتي دون نزاع..فتاتي دون فِراق وصديقتي من دون عتابٍ أو خِصام." الجمع متأثرٌ بالمشهد حتى المأذون حاله كحالهم ومالكٌ قد أطلق سراح دموعه لتتحرر وتعبر عن حزنه الدفين وألمه البالغ على فراقها.. ونور تبكي بلا توقف وأناملها أمام شفتيها تكبلهما بتأثر ولازال مالك يتابع قائلًا بألمٍ فجٍ وبحةٍ لم تخفي حزنه وفرحه المختلطين بعضهما ببعض : _"مُرشدتي للصواب يوم أضل.. وشعلة النور الوحيدة في ظُلمة روحي، جمال حياتي وراحة بالي، اطمئناني وسكني وسكينتي.. ابنتي وقرة عيني نور مالك سعيد الدالي.. البِكر الرشيد على كتاب الله وسُنَّة رسول الله على الصداق المُسمى بيننا عاجله وآجله والحضور شهودٌ بيننا والله خير الشاهدين." فرك المأذون عينيه بقوة تأثرًا من ذلك المشهد الصعب.. والجميع مثله يكادون يبكون تأثرًا بتلك المشاعر الفيّاضة والحب الجَّم، ثم قال المأذون بعدما استعاد شتاته موجهًا بصره لمروان يلقنه : _"ردد خلفي.. إني استخرت الله العظيم." ردد مروان وعينيه في عيني مالك بصدقٍ يراه الضرير : _" إني استخرت الله العظيم.. " _"وقبلتُ زواج موكلتك نور على كتاب الله وسُنَّة رسول الله.. " ردد مروان بثبات : _"وقبلتُ زواج موكلتك نور.. على كتاب الله وسُنَّة رسول الله.." ومن ثم لقنه المأذون ليتابع مروان قوله : _"على الصداق المُسمى بيننا عاجله وآجله والحضور شهودٌ بيننا والله خير الشاهدين." رفع المأذون منديله الأبيض وقال داعيًا : _"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. قولوا آميـن." وما إن انتهى المأذون من الدعاء حتى ارتفعت الزغاريد والتهاليل والصياح فرحين بهذه المناسبة السعيدة وغنى واقفةٌ بجانب نور تبكي من فرحتها الشديدة بابنتها التي تعففت وحفظت فرجها ودينها حتى كافئها جل في عُلاه بأن وهبها أخيرًا ذلك الزوج الصالح الذي سيصب عليها من الحب صبًّا، ومالك يعانق مروان بتأثر ويهمس له في أذنه بتأثر : _"مُبارك يا مروان.. إنتَ راجل وتستاهل تبقى مع اللي بتحبها.. خلي بالك منها ومتزعلهاش.. أنا دلوقتي سلمتك حتى مني في إيديك." عقب مروان قائلًا : _"وأنا إن شاء الله ربنا هيقدرني إني أبذل أخر نفس ليا في سبيل فرحتها.. أوعدك إني مش هخليك قلقان أو زعلان بسببي." وبينما الجميع يلهوا ويمرح ويحتفل كبارًا وصغارًا صدح صوت حسن يقول بعلو : _"خلاص! خلاص يا حبيبي منك ليه ليه ليها.. يلا كل واحد يزق عجل ويروح يشوف مصالحه، يلا سيبوا العرايس مع بعض شوية.. " تحدث مُهاب بحنق يكاد يبكي : _"والله العظيم مش مسامحكم كلكم!! عشان أنا قلت ليكم أنا اللي هتجوز أبلة نور قبله وهو قال بعدي.. أنا مش مسامحكم! " طالعه حسن بانزعاج ثم قال بنفس الصوت : _"يلا من هنا كلكم واللي يعرف الإجابة الصحيحة يتصل على  زيرو تسعمية زيرو تسعمية(0900-0900) وإن شاء الله تكسبوا معانا كيس مناديل.. يلا يا حبايب نورتونا وشرفتونا تعالوا نكمل احتفال في الجنينة ونسيب العريس مع عروسته خمس دقايق بعد إذنكم.. خمس دقايق بس معلش خلوها عليكم المرادي." أنهى حديثه ثم اقترب لمروان هامسًا : _"عِد الجمايل.. إحنا في الخدمة يا بيه." ابتسم مروان وهو يراقبهم جميعًا ينسحبون من الغرفة تاركينه مع حبيبته الواقفة خلفه بفستانها ذو اللون الكشميري وأكمامه الطويلة الواصلة حتى الأرض.. التفت لها يطالعها بحب لا يصدق أن هذه الكلمات البسيطة التي رددها خلف المأذون جعلت من تمناها الفؤاد المُتيَّم ملكه أخيرًا. اقترب منها قاطعًا المسافة بينهما قائلًا : _"مُبارك يا شمسي.." ومن شدة توترها واضطرابها في هكذا موقف لا تحسد عليه لم تجد ردًا بل أومأت إيجابًا برأسها بعنفٍ شديد جعله يبتسم بهيامٍ قبل أن يحتجزها بين ضلوعه ورأسها مُلقىً موضع قلبه مما جعلها ترتجف خوفًا داخل أحضانه حتى شدد عليها العناق مع صوته الدافيء قائلًا : _"مُبارك عليا الفوز بيكِ.. أنا كدا فزت بنور الدنيا دي كلها ليا لوحدي." ___________________________________________ فصـل قصيـر بس بيهم كلهـم🤍 (لسة الرواية مخلصتش على فكـرة😂🙂) نجمة وكومنتات كتير عشان بتبسطني بقى عشان أعرف أبسطكم بحاجات أحلى♡. -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم. #السـمــــرآء🖤>>>>> 

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كيف تصنع مريضًا

المؤلف -مَليكـة مجْـدي إبرا
2024/08/18 مكتملة
قائمة الفصول (35)
الفصل 0: إهداء
2024/08/18
الفصل 19: الفصل الثامن عشر: ضيوفٌ جُـدد
2024/08/19
الفصل 20: الفصل التاسع عشر: فــراق
2024/08/19
الفصل 21: العشـرون: يدَّعـي أنه يحبهـا
2024/08/19
الفصل 22: الواحد والعشرون: عالمٌ موازي... هو مُسلمٌ فقط
2024/08/19
الفصل 23: الثاني والعشرون: ما بعـد فراقٍ طـويل
2024/08/19
الفصل 24: الثالث والعشـرون: دكتـورة خبايا
2024/08/19
الفصل 25: الرابع والعشـرون: التقاء الأعيُـن
2024/08/19
الفصل 26: الخامس والعشرون: ابتسامـةٌ خبيثة
2024/08/19
الفصل 27: السادس والعشـرون: صفعـةٌ مُـدوية
2024/08/19
الفصل 28: السابع والعشـرون: فهل ينال الرضى؟
2024/08/19
الفصل 29: الثامن والعشـرون: وأخيرًا حل الربيع
2024/08/19
الفصل 30: التاسع والعشـرون: طيـورٌ مُهاجـرة
2024/08/19
الفصل 31: الثلاثون: في النهاية نحـن مُجـرد قصـة
2024/08/19
الفصل 32: إذًا.. أهو الوداع؟؟؟
2024/08/19
الفصل 33: (إقتباس من الجـزء الثاني)
2024/08/19
الفصل 18: الفصل السابع عشر: الخطوة الأخيرة
2024/08/19
الفصل 17: الفصل السادس عشر: نقطة الإحتراق
2024/08/19
الفصل 16: الفصل الخامس عشر: فُصام مالك..
2024/08/18
الفصل 1: مقدمة
2024/08/18
الفصل 2: الفصل الأول: إصطـدام
2024/08/18
الفصل 3: الفصل الثاني: مكالمـة
2024/08/18
الفصل 4: الفصل الثالث: بيـتٌ عتيـق
2024/08/18
الفصل 5: الفصل الرابـع: دفاتِــر
2024/08/18
الفصل 6: الفصل الخامـس: قطــة
2024/08/18
الفصل 7: الفصل السادس: إعادة العلاقات
2024/08/18
الفصل 8: الفصل السابـع: الجاثــوم
2024/08/18
الفصل 9: الفصل الثامـن: بدايةٌ في مكانٍ بعيد
2024/08/18
الفصل 10: الفصل التاسـع: مُشاجـرةٌ بين المشاعـر
2024/08/18
الفصل 11: الفصـل العاشـر: كيف حالُ حُبِّک
2024/08/18
الفصل 12: الفصل الحادي عشـر: أجواء متوترة
2024/08/18
الفصل 13: الفصل الثاني عشر: الحُـب الضائـع
2024/08/18
الفصل 14: الفصل الثالث عشر: يُناديها صغيرتي
2024/08/18
الفصل 15: الفصل الرابع عشـر: كلنا عيلة واحدة
2024/08/18
الفصل 34: إقتباس 2 من الجزء الثاني
2024/08/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة