O𝒑𝒆𝒏 𝒀𝒐𝒖𝒓 𝑴𝒂𝒔𝒔𝒂𝒈𝒆 🌿💌. جبر الله قلـوبڪم وقلبي وأقر أعيننا بمـا نحـب ونتمني🌿❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️))". صلوا على الحبيب قلوبكم تطيب🤍'. ________________________________ في العاشرة مساءً، في شقة مازن وفريدة الكائـنة بمدينة باريس، إلتفوا جميعًا جالسين ليكونوا دائرة، وضعت فريدة الزجاجة في المنتصف وقد اتفقوا مُسبقًا على عدم إنسحاب أي فرد من الجالسين مهما كان مستوى السؤال الموجه له. أدرات فريدة الزجاجة لتشير نحو مازن فتلقي فريدة سؤالها عليه : _"إمتى آخر مرة كذبت أو حورت عليا؟؟؟ " أجاب مازن وقد توقع بدايةً كهذه : _"النهار دا لما كنت بقولك إن نباطشيتي إتأجلت الصبح عشان كنت عايز أنام شوية كمان." _ "دوري بقى " هتفت بها إسراء وهي تلف الزجاجة التي توقفت باتجاه فريدة لتسألها : _"عمرك أفشيتي بسر مريض عندك؟؟؟ " لتجيبها فريدة بسرعة ولم تستغرق الإجابة لحظة تفكير : _"لا، إلا مرة واحدة كان عندي مريضة بدأت تخطط تقتل طليقها، وكان لازم أبلغ البوليس." _"دورك " قالها مروان مُشيرًا لنور، لفت نور الزجاجة لتتجه رأسها صوب مالك فتسأله : _" أممم.. بابا لو الفرصة جات لك هتنتقم من شخص سببلك آذى قبل كدا بس هو دلوقتي ضعيف هتعملها؟؟؟ " نظر مالك لفريدة نظرةً توحي بـ"هل أخبرها؟ " لكن مصطفى (الذي جاء بأسرته في إجازة) تدخل بين نقاش العيون هذا قائلًا : _"إتفقنا مفيش إنسحاب." أطلق مالك زفرةً حادة ثم قال وهو يشيح ببصره نحو ساعة الحائط : _"مش عارف، بس.. أعتقد إني أستحق أعيش وأنا مرتاح من أي ضغوطات أو كراهية. " عم الصمت لدقائق ليكسره مصطفى الذي قد حان دوره في لف الزجاجة للتوقف رأسها صوب مازن فيسأله : _"إيه أكبر تضحية ضحيتها في حياتك؟؟؟ " أجاب مازن مُبتسمًا بثبات بينما كانت أعين فريدة تحاوطه بحب شديد وهي تعرف مُسبقًا إجابته : _"لما اخترت طب عشان فريدة تقدر تدخله." إبتسم كل من مصطفى و شيرين بينما أردفت نور متسائلةً بتعجب وقد شعرت لوهلة بأنها الغبية الوحيدة التي لا تفهم قائلةً : _"إيه العلاقة؟؟؟ أنا مش فاهمة حاجة؟؟؟ " أجابتها فريدة والبسمة تعلو وجهها قائلةً : _"كان حلم حياتي إني أدخل كلية الطب وأتخصص في الطب النفسي بس أهلي وكل العيلة مكانوش موافقين وكانوا واقفين في طريق الحلم دا بسبب تفكير المجتمع الشرقي ونظرتهم للدكاترة النفسيين، وكمان عشان الكلية كانت في إسكندرية وإحنا كنا من القاهرة، مازن ومصطفى أخويا بس اللي كانوا مشجعينني بس مصطفى كان قرب يخلص دراسته في كلية الهندسة ومازن كان حلمه يدخل هندسة برضو بس ضحى ودخل طب عشاني، عشان يدعمني ويقف ضد أي حد يضايقني.. وكمان بما إن مصطفى ومازن كانوا في جامعة اسكندرية دا كان سبب في موافقة أهلي.." أنهت كلماتها تلك وهي لا تزال ترمقه بنظرات حب وحنان شديدين وقد توسعت ابتسامتها. قاطعت شيرين اللعبة بطلبها من إسراء أن تذهب معها لتحملا أروى وحسن اللذان غطا في النوم إلى السرير، أرشدتهم فريدة إلى الغرفة التي سيتشاركها كُلًا من أروى وحسن ووالديهما، بينما سيعود مالك وأسرته للإقامة في منزل مروان الذي ألح على ذلك أشد إلحاح. عادت شيرين برفقة إسراء وجلستا مُجددًا في أماكنهما ليستكمل الجميع لعبتهم، وتدور الزجاجة مُشيرةً برأسها صوب نور ليطرح مروان سؤاله عليها بعد أن طلب من الجميع أن يسألها بعيدًا عنهم، في البداية رفضوا لأن هذا يتعارض مع قوانين اللعبة لكن بعد تفكير وافق كلًا من فريدة وشيرين ومصطفى فاعرض البقية عن الرفض إن كان سؤال مروان يتعلق بشيء خاص فيما عدا مالك الذي لم يتغير موقفه، لكن وبموافقة الجميع -باستثناء مالك- مال مروان برأسه هامسًا في أذن نور وقد تشبعت نبرة الصوته المنخفضة بالألم : _"وإنتِ بتقولي كلمة بابا بتحسي بإيه؟؟؟ " أغلقت نور عينيها وقد اقشعر جسدها بأكمله، لم تجد إجابة لما قاله..، بل إنها لم تجد القدرة على إجابته. صمتت قليلًا وقد إحمر وجهها إثر تجمع العبرات في مُقلتيها الصافيتين، أخفت وجهها بين يديها قليلًا مُتفاديةً نظرات الجميع لها حتى استجمعت أنفاسها وعاد وجهها كما كان سابقًا وكأن شيئًا لم يحدث. تعجب الجميع من هذه المراهقة مُرهفة وباردة المشاعر في آنٍ معًا! ما زال الصمت مُستمرًا وفي داخل كل فرد منهم العديد والعديد من الأسئلة حول ما يجري.. قلق مالك وإسراء على نور التي بالفعل أصبحت ابنة مالك وصديقة إسراء وتوطدت العلاقة بينهم حتى أصبحوا عائلةً صغيرة بعد أن شعرا أن سؤال مروان قد سبب الكثير من الفوضى بداخل نور، دارت حيرة كبيرة في نفوس كُلًا من مصطفى وشيرين وقد انتبها إلى ملامح مروان المُرهقة، بينما انصب تركيز مازن وزوجته فريدة على كل الجالسين يقرأون لغة أجسادهم وردود أفعالهم ويستشفون ما يدور في دواخلهم من تصرفاتهم ونظراتهم الخفية. خيَّم الهدوء حتى بددت شيرين هذا البرود الذي اكتسح الهواء لتلف الزجاجة القابعة في منتصف الدائرة فتتوجه رأسها ناحية إسراء لتسألها : _"تاريخ مميز في حياتك متقدريش تنسيه؟؟؟ " لم تحتَج إسراء وقتًا للتفكير حتى تُجيب بـ : _"ذكريات كتير.. اليوم اللي اتولدت فيه مرام وبقى عندي أخت صغيرة، اليوم اللي اتقابلنا فيه أنا ومالك أول مرة..، اليوم اللي بابا وافق أخيرًا على خطوبتنا بعد رفض تام..، اليوم اللي اتجوزنا فيه.. " كانت تسرد كل ذكرى سعيدة لها مع تزايد سعة ابتسامتها ثم صمتت لبرهة وتابعت : _"واليوم اللي دخلت فيه نور حياتنا. " قالتها وهي تنظر لنور بنظراتٍ ملأها الحب والندم على ما حدث بينهما سابقًا، بدت السعادة والرضا على وجوه الجالسين من إجابة إسراء الجميلة.. لم ترد نور بل اكتفت بأن قامت من مجلسها مُتجهةً صوب إسراء وقامت بفتح ذراعيها لها قائلةً ببساطة وصوتٍ منخفض : _"هاتي حضن. " أخذتها إسراء بين أحضانها وهي تكاد تطير فرحًا لتسمع كلمات نور التي خرجت بتلقائية : _"مبعرفش أرد على الكلام الحلو عامتًا بس الحضن هو لغتي الوحيدة للتعامل مع البشر. " تشدد إسراء العناق عليها وهي تقول : _"أجمل لغة والله يا نور. " (منذ حوالي شهرين..) _"إسمع كلامي... كدا كدا النهاية واحدة ومش هتفرق لإن كلنا هنموت، كلهم هيموتوا وإنتَ كمان هتموت بس لو مُتت دلوقتي الناس اللي إنتَ بتحبهم هيرتاحوا.. إنتَ مش عايزهم يرتاحوا ويبقوا مبسوطين؟؟؟ إسمع كلامي وكل حاجة هتتحول للأحسن." صمت مالك وهو يكاد يدفن أصابعه في رأسه من شدة ضغط يده عليها، لاحظت إسراء التي جلست بجانبه عصبيته فقالت بنبرةٍ هادئة حنونة وقد ازداد قلقها : _"مالك يا حبيبي... في إيه مضايقك ومش عايز تحكيهولي؟؟؟ " _"مش قادر يا إسراء مش قادر!!.. دماغي وجعاني..بحس إن النفَس اللي بيدخل صدري بيرج في دماغي، مش عارف أنا بعمل إيه غلط يخليها تتعامل معايا بالشكل دا.. " أحاطت كتفيه جاذبةً رأسه على قدميها، فانحنا بجذعه يميل عليها. صمت وصمتت هي بدورها، ظلت تربت على كتفه بيدٍ بينما تغلغلت أصابعها في خصلاته البُنية الكثيفة والناعمة حتى هدأ. _"في إيه يا مالك؟؟؟ في حاجة حصلت منك أو من نور زعلتكم مع بعض؟؟؟" هكذا صدرت كلمات إسراء التي رمقت زوجها بحزنٍ دفين على حزنه وحالته تلك، فهي تعي كمّ المجهود الذي يبذله من أجل نور، فمالك الذي لم تعرفه يومًا من مُحبي التنزه والرحلات بات يخرج من قوقعته العازلة فقط من أجلها، حتى أساتذتها هو وحده من يتعامل معهم حتى أن إسراء اقترحت عليه أن يدعها تتولا أمر تدريسها بنفسها لكنه أصر على رأيه رغم علمه بأنه سيبصح مُلزمًا بمقابلتهم، ليجيب عليها بعد ثوانٍ من التردد قائلًا : _"أنا مش عارف في إيه.. أنا بحاول عشانها كتير بس مش قادر أفهمها ومش قادر أتعامل معاها.. دا أنا قرأت كتب عن المراهقات وحاولت أتكلم مع بنات المدرسة بتاعتها قبل كدا مرة عشان خاطرها ومش فاهم هي بتعمل معايا كدا ليه؟؟؟ ليه بحس إنها بتيجي عليها أوقات بتتجنبني بكل ما عندها من رغبة. " صمت قليلًا وهو يناظر للأسفل بتعبٍ ظهر في عينيه ونبرة استيائه، حتى تابع مُعقبًا : _"مش عارف المشكلة في أسلوبي ولا المشكلة فيها ولا المشكلة فين بالظبط بس أنا حاسس إنها كل مدى بتتعمد تعمل فواصل بيني وبينها، أنا عارف إننا قدامكم وقدام كل الناس الأب والبنت "الأكثر مثالية" بس لوحدنا بتبقى غريبة خالص، لدرجة إني ساعات مبعرفهاش وبحس إن مش دي نور اللي فضلت أهتم بيها وهي تعبانة وحسيت بالمسؤلية ناحيتها.. بحسها واحدة غريبة عني، وببقى عايز أكلمها وأعرف إيه اللي مزعلها بس..بس ببقى خايف أقرب.. خايف أقرب منها لحسن تبعد هي أكتر. " صمت يلتقط أنفاسه واعتدل في جلسته ثم عاد ببصره إلى زوجته وقد احمرَ وجهه، أطلق زفرةً ثم استكمل حديثه مُضيفًا : _" هو أنا زعلتها في حاجة؟؟؟ أو في حد زعلها وهي مش عايزة تقول ليا؟؟؟ مروان.. هي بتقعد طول الزقت معايا أو معاه تفتكري مروان قال لها حاجة زعلتها؟؟؟ " يخرج كلماته تلك وقد بدى كطفلٍ يشكو لأمه من طفلٍ آخر ضربه في الروضة، إحتضنت إسراء وجهه بكفّيها كأمٍ تراضي طفلها الذي عاقتبه في الصباح قائلةً له بنبرةٍ حنونة : _"يا حبيبي بالراحة.. إنتَ مهتم بيها ومكرَّس كل تركيزك وتفكيرك عليها.. ونور مش غبية، هي رغم سنها إلا إن عقلها كبير ومتنساش إنها نشأت واتربت في ملجأ يعني الإهتمام الزيادة طبيعي يقلقها ويخليها تبعد شوية. " _"مش فاهم.. يعني أنا بتصرف غلط؟؟؟ " ابتسمت إسراء ثم شرحت له مرةً أخرى بشكلٍ أكثر بساطة كما لو كان طفلًا صغيرًا موضحةً : _"بص يا حبيبي.. متحاولش تكلف نفسك أكتر من طاقتها يعني متتعاملش بجفا وبرود بس برضو متهتمش زيادة لإن دي طبيعتك وطبيعتها برضو.. إنتم الإتنين بتخافوا وبتنكمشوا في نفسكم، غير كدا كمان إنتَ ليه حاطط في بالك دايمًا إن مروان بيدايقها.. بالعكس أنا دايمًا شايفاه بيعاملها كويس، وأعتقد إن هي الوحيدة اللي بيتكلم معاها كدا. " أجابها بهدوء وقد بدأت تقنعه بتفسيرها : _"صح.. عندك حق." ثم أضاف مُعقبًا : _"ومروان مستحيل يدايقها أو يزعلها.. في النهاية هو ابني وهي بنتي." قالها وقد انقشع الطفل الباكي وعاد الرجل البالغ للسيطرة وقد اقتنع بحديث زوجته. فرك مالك وجهه وطلب من إسراء أن تتحدث مع نور لتتأكد ما إن كان هناك ما يزعجها، وافقته إسراء مضطرة كي ترضيه رغم معرفتها المسبقة بأنه من الصعب لنور أن تتحدث مع إسراء، لكن لا ضرر من المحاولة. ___________________________ وعلى التوازي كانت تجلس خلف الطاولة تدرس طفلاها الصغيران وتتابع واجباتهما المنزلية بينما والدهما مصطفى يأخذ حمامًا بعد أن عاد لتوه من موقع عمله. خرج مصطفى من الحمام بعدما ارتدا ثيابه وهو يجفف شعره ويتجه صوب الطاولة الجالسة عليها شيرين والأطفال قائلًا بصخب : _"إحكولي عملتو إيه النهار دا؟؟؟ " صاح حسن قائلًا بمرح : _"بابا أغوى (أروى) جابت الـ Full mark في امتحان الشهغ(الشهر) في الإنجلش والغياضة (الرياضة) " قالها بلثغته الطفولية البريئة، ليعقب مصطفى على ما سمع : _"ممتازة، أروى العبقرية عمرها ما خيبت أمل أبوها." قالها وهو يضمها إلى حضنه ويطبع قبلته بسرعة على رأسها قبل أن يعود بحديثه لحسن سائلًا إياه والابتسامة تغزو وجهه : _"وإنتَ يا حسن عملت إيه النهار دا؟؟؟ " _"عملت الساونديتشات بتاعت أغوى عشان تغكز وتعغف تجيب الـ Full mark " أسبل مصطفى جفنيه وهو ينظر لحسن ببلاهة ثم نقل نظره بينه وبين شيرين بتعجب وكأنما يقول لها "أهذه هي خلفة الأولاد التي كانوا يقتلون البنات من أجلهم؟؟؟" ضربت شيرين جبهتها من إجابة حسن الغير متوقعة متحسرةً على تعبها الذي راح هبائًا، لتردف : _"حبيبي بابا قصده حاجة مهمة عملتها." _"هي أغوى مش مهمة؟؟؟ " قالها وقد شهق واضعًا يده على ثغره لتنتبه له أروى التي كانت منهمكةً في تحصيل دروسها بعدم تصديق وتلتفت بعدها لمصطفى الذي كاد أن يمزق شرايينه من هذا الطفل الذي ينوي أن يُحدث فتنةً طائفية في البيت ليردف : _"يا ابني بقى! بطّل ياحبيبي جو يهود بني النضير دول، هي أي فتنة وخلاص؟، قول ليا معمتلش حاجة يا بابا وأنا مش هعاقبك بس متزعلش أختك منك." ثم التفت إلى شيرين التي ألقت برأسها على الطاولة مُعلنةً إستسلامها قائلًا : _"ماتسكتي ابنك اللي هيخربها على دماغنا دا" _"دلوقتي بقى إبني؟! لا يا قلبي ينسب للأب أنا مليش دعوة، وبعدين أنا تعبت كفاية مطلع عيني في المذاكرة، واللبس، والأكل، وسمعان الكلام كفاية عليا لحد كدا. " التقطت نفسًا عميقًا ثم استكملت حديثها : _"وبعدين تعالى دلوقتي بقى إبني أنا صح؟؟؟ لكن لما يعمل حاجة حلوة يبقى ابنك إنتَ؟؟؟ لا يا حبيبي إتعامل مع إبنك وأنا هتعامل مع بنتي، أقول لك..؟ " دارت ببصرها ناحية حسن الصغير قائلةً له بحنق شديد : _"حسن قوم لبابا خليه يذاكر ليك.. يلا وروني شطارتكم إنتم الإتنين." ألقت كلماتها تلك تزامنًا مع لملمتها لدفاتر حسن المتبعثرة وإعطائها لمصطفى الذي فتح ثغره ببلاهة ليسألها : _"يقوم لمين؟؟؟ " _"ليك يا حبيبي، حسن إنتَ بتحب بابا صح؟؟" _"أه بحبه أوي أوي قد البحغ (الحبر) وسمكاته" _"وبابا كمان بيحبك قد البحر وسمكاته وهيساعدك عشان تخلص الـ Home work " قالتها شيرين وهي تتلاعب بحاجبيها لتغيظ مصطفى الذي لن يستطيع الفرار من تدريس حسن الصغير بعد هذه الكلمات اللطيفة والبريئة منه. حمل مصطفى ابنه بيد وباليد الأخرى أمسك بحقيبة دفاتره وكتبه مُتجهًا لغرفة حسن وقد اتخذ رايات الاستسلام شعارًا له. ______________________________ مرَّ أسبوعان على حديث إسراء ومالك.. ومع كل يوم كان تجنب مالك لنور يزداد، وما كان تجنبه مُتعمَدًا بل لربما كان خوفًا.. كان خائفًا من حديثهما، توقع عشرات السيناريوهات التي ستدور بينهما وحربٌ باردة تقوم على الصمت وتنتهي بالفقدان. إنها الآن الحادية عشر مساءً، تنهمك نور في دراستها حتى تأتي إسراء جاذبةً الكتاب من بين يديها قائلةً بمرح : _"أنسة دودة الكتب..! لقد أعلنت الملكة إسراء عن انتهاء وقت الدراسة، وبدء وقت ممتع خاص بالفتيات." أنهت كلماتها الأخيرة وقد ارتفعت طبقات صوتها لما شابه الصياح فارتسمت فجأة ابتسامة عريضة، غير مُبررة بالمرة على خارطة وجه نور لتتوقف إسراء في صدمة وهدوء غريب على طبيعتها المهتاجة الصاخبة وكأنما أُفرغ عليها دلو ماءٍ بارد مُتأملةً ملامح نور التي انتبهت لها توًّا وكأنما تراها للوهلة الأولى.. _"... هو.. أنا عملت حاجة غلط؟؟؟ " قالتها نور بصوتٍ خفيض وقد انقشعت ابتسامتها في لمح البصر بتلقائية بمجرد ملاحظتها مراقبة إسراء لها. _"إيه..؟؟؟ " قالتها إسراء بشرودٍ ظاهِر عليها ثم تابعت بعد أن صمتت كلتاهما واعترتها مشاعر حنان تجاه نور غير مُبررة : _"قلتلك قبل كدا إنك جميلة أوي؟؟؟ " اندهشت نور بشدة من مديح إسراء، وبرغم تشبيه الجميع لها بمالك إلا أن أحدًا لم يذكر لها قبلًا أنها جميلة بهذا الصدق الذي استشعرته في حديث إسراء لها، لم تكد تنطق حتى وجدت إسراء تأخذها بين ذراعيها في عناقٍ لم تعرف سببه لكنها أحبته نوعًا ما.. لم يكن من المُباح لأحد أن يقترب من مساحة نور الشخصية فيما عدا مالك الذي وبعد مُدةٍ ليست بالقليلة صار المقرب الوحيد لها، بالطبع فقد أصبح والدها ! _"نور حبيبتي.. في أي حاجة مزعلاكِ؟؟؟ " هزت رأسها نافيةً وهي لا تزال محتجزةً في أحضان إسراء الدافئة لتشدد إسراء العناق عليها قائلةً : _"تيجي أحكيلك حدوتة؟؟؟ " _"زي الأطفال الصغيرين؟؟؟ " قالتها ردًا على سؤال إسراء وقد انفجرت أساريرها لتضيف إسراء وهي تداعب خصلات نور في طابع حنان لم يُر من قبل على إسراء : _"أيوة.. زي الأطفال الصغيرين" أمسكت بيدها واتجهتا إلى سرير نور التي استلقت عليه وجلست إسراء بجانب رأسها تداعب شعرها وهي تقص حكايتها : _"كان ياما كان، في سالف العصر والزمان كان في بنت جميلة جدًا جدًا جدًا، كان عندها أب بيحبها جدًا جدًا جدًا" قالتها بطريقةٍ طريفة تعمدتها لتضحك الأخرى ثم تابعت : _"المهم يا ستي بيقولك إيه بقى... أه افتكرت، أبو البنت دي كان متجوز واحدة والواحدة دي في الأول مكانتش بتحب بنته في البداية، لكن ومع الوقت حبتها أوي بس مبقتش عارفة تبين لها حبها إزاي خصوصًا إن البنت دي هادية وصعب إن مرات أبوها تتكلم معاها، الصراحة هي كانت بتتكسف تكلمها بسبب إنها زعلتها قبل كدا و اتهمتها بحاجة هي معملتهاش." صمتت إسراءوهي تنظر بعيدًا، خافت من رد فعل نور وكيف سيكون؟؟؟ هل ستهاجم حديثها؟؟؟ هل سترد معاملتها بنفس السوء؟؟؟ تفاجأت إسراء بنور التي طالبتها أن تكمل الحكاية قائلةً : _"وإيه اللي حصل بعد ما البنت دي سامحت مرات أبوها؟؟؟ " صمتت إسراء لثوانٍ لتضيف مُعقبةً : _"عاشوا مع بعض الأب وبنته ومراته، أبوها بقى يا ستي كان حنين جدًا جدًا جدًا.. وبيحب بنته جدًا جدًا جدًا.. وبيخاف عليها جدًا جدًا جدًا" ضحكتا الإثنتين واستُكملت القصة بقول إسراء : _"أبوها كان صحيح بيحبها وبيخاف عليها وكل الناس ملاحظة كدا، بس هو كان دايمًا بيشوف نفسه مقّصر معاها وشايف إنه مش قادر يتواصل معاها، يمكن دا بسبب طبيعته إن هو مبيعرفش يظهر مشاعره ومبيعرفش يختلط كتير بالناس ولسوء الحظ بنته كانت كدا برضو هادية دايمًا و كلامها قليل جدًا. " قاطعتها نور بمزاح لتضحكا بصخبٍ شديد بعد قول نور : _"هادية جدًا جدًا جدًا " ___________________________ ودون سابق إنذار سقط مروان بعُنفٍ نتيجة اختلال توازنه، يجاهد من أجل التقاط أنفاسه بصعوبة، احمر جسده كاملًا بشِّدة وأحاطته الحرارة من كل مكان حتى هُيئ له أن حريقًا نشب في المكان من حوله، يشعر وكأن الأرض تدور به ، ظل يحترق في لهيب جسده المُستعر يلتقط أنفاسه بصعوبة حتى أُسدِلت الستائر السوداء على عينيه وغاب عن الحياة ليكون آخر ما استقبلته حواسه الأطياف الحائمة حوله والأيادي التي تحيطه تزامُنًا مع بعض الأصوات المُتناثرة في الهواء : _ Docteur, ça va ? (دكتور هل أنت بخير؟) أغمض عينيه في غير حولٍ منه ولا قوة مُستسلمًا لألآم جسده المنتشرة في عظامه جميعها. ___________________________ تحدث ذلك المتصل ردًا على خالد الذي يصرخ بغضبٍ في مُحدثه قائلًا : _" إهدأ سيدي لا داعِ للغضب، نحن في مشفى*** والأوضاع تحت السيطرة. " قالها الرجل بلكنته الفرنسية ليرد عليه خالد بنفس اللكنة قائلًا بحنق : _"حسنًا نحن آتون في الحال " زفر خالد بضيق وهو يغلق هاتفه وينظر لغنى التي ترقرقت العبرات في عينيها من القلق ليخبرها أن ترتدي ملابسها بسرعة وتُعلِم فريدة التي ستكون في عيادتها الخاصة الآن وتأتي في الحال برفقتها هي ومازن للمشفى المنشود. _________________________ _"إسراء خدي نور واسبقوني على ما أستلم الشُنط." كان هذا مالك الذي، وفي غضون ساعات كان يتواجد مع أسرته في مطار باريس بعدما علم من مازن أن مروان أُصيب بتسممٌ جعل ما يفصل بينه وبين العالم الآخر ليس سوى شعرةٍ رفيعة ليكون بعدها في عِداد الموتى. و دون أدنى تفكير كان ثلاثتهم جمعوا فقط ما هو ضروري لهم من حاجيات واخذوا وجهتهم لباريس على متن أول طائرة، حيث كانت وجهتهم الأولى هي المشفى المُقيم به مروان. _______________ _ "إنتم إيه اللي جابكو؟؟؟" _"هو إيه اللي جابنا إنتَ عبيط ياض؟؟؟ " قالها مالك ردًا بغضب على سؤال مروان الجالس على الفراش مُستندًا إلى الوسائد خلفه، يطالع الجميع حالته التي تحسنت كثيرًا وعادت إليه بشاشة وجهه الذي شحب إثر فترة مرضه، يسراه مقيدةٌ بـ "كانولا" المحاليل الطبية واليمنى مقيدة بجبيرةٍ إثر وقوعه عليها والتوائها. قال مالك بسخطٍ شديد على برود مروان : _"إنتَ يا حيوان عايز تتنيل تقع من طولك ومش عايزني أجي اتطمن عليك؟؟؟ إنتَ أهبل يلا؟؟؟ " لم يكد مروان يجيبه حتى تابع مالك صراخه : _"وبعدين كل دا بسبب إيه؟؟؟ عشان بترمرم من برة يا حيوان وقلت لك أكتر من مليون مرة بطل تاكل من برة؟؟؟ المفروض إنك دكتور ومتزفت عارف أكل الشوارع بيبقى عامل إزاي عاجبك حالك دا؟؟؟ " إنطلقت ضحكات الجميع على طريقة مالك الذي يردد كلام الأمهات ويلقيه على مروان كما لو كان طفله الصغير، بالفعل كان مالك يضع مروان في خانة الإبن، وبرغم أن لا وجه شبه على الإطلاق من الناحية الشكلية إلا أن تصرفاتهما تجاه بعضهما البعض بالفعل كتصرفات أبٍ دائم القلق على طفله المتهور البالغ مراحل التمرد. تابع مروان دفاعه عن نفسه قائلًا : _"أكل إيه اللي من الشارع دا؟؟؟ أنا جالي تسمم عيش غراب!" إحتضنه مالك بعنف، ولايزال مستمرًا في توبيخه وتعنيفه. توجه مروان بعينيه لنور التي وكأنما لاحظها لتوه.. ظل يحملق فيها لثوانٍ وقد انفرجت أساريره وبعد صمتٍ دام لدقائق قال وكأنما تحرر لسانه الذي قد كان كُبِّل وجُرِّد من لغته وأبجديته : _"جمالك.. " شرد مُجددًا في حجابها الذي وجد ليكون لها خصيصًا ليبارك جمالها وأبرز جاذبية ملامحها أو كاكتمالٍ لمظهر عينيها الزمرديتين كما لو كان سباحًا ماهِرًا يريد أن يسبح للأبد داخل مُحيطها وكأنه وجِد ليفعل ذلك. قطع هذا الصمت تنحنح مازن الذي وضع يده أمام فمه ثم أشار لمروان جهة مالك بمعنى(إنه لايزال معنا) ليتنحنح مروان هو الآخر بعدما أفاق لحاله المُخجل ويسترق نظرةً بطرف عينه لمالك المتسمر بمكانه ثم يعود ليختلس بعض النظرات مطولًا لنور التي فورما لاحظت ذلك كتمت ضحكاتها حتى انفجرت تضحك وقد فقدت السيطرة على أساريرها المنفرجة وخديّها اللذان التمعا بحُمرة خجلٍ طفيفة ليبادلها مروان الضحك وتعلو ضحكاتهما في حين كان مالك يشكل يده في شكل قبضةٍ غاضبة يحاول التحكم في الشرار المتطاير منه، ليأخذه كُلًا من مازن وخالد اللذان سحباه سحبًا ليخرج من الغرفة قبل أن يعود خالد ويضرب مروان على رأسه مُمازحًا مع قوله : _" ما تحترم نفسك الراجل واقف وإنتَ بتعاكسها قدامه وبتسبل بعنيك ليها.. دا إنتَ بجح أوي يا أخي، طب استنا لما تخف طيب، يا جبروتك. " ثم أعاد ضربه على مؤخرة رأسه لكن بقوةٍ أكبر هذه المرة مُصاحبًا قوله : _" إنت عايزه يموتك؟؟؟ وبعدين يا بني آدم إنت مش كنت بتموت من كام ساعة؟؟؟ هو إنتَ لحقت؟؟؟ " قال جملته الأخيرة ثم هرول مُسرعًا للخارج بعد أن سمع صوت مازن القادم من الخارج : _"إلحق يا خالد.. إنت سبتني وجريت يا ندل!!! " يتلوه صياح مالك الغاضب : _"بقولك سيبني أنا هربيه الحيوان اللي عامل نفسه ميت دا.. سيبني يا مازن!!! " صاح خالد من الداخل بشهقةٍ مصطنعة لاطِمًا صدغيه، قائلًا : _"طور هايج في عنبر سبعة؟؟؟! " ثم هرول إلى الخارج يساعد مازن في كبح لجام هذا الثور قبل أن يقضي على أحد. انتشر الضحك في الغرفة على قول خالد وطريقته النسائية المصطنعة ثم استفاق كُلًا من إسراء وفريدة وغنى لما حدث توًا بين مروان ونور. _____________________________ _"بجد يا بابا؟؟؟ " _"أه بجد، في مشكلة؟؟؟ " كان ذلك رد مالك على نور التي تعجبت من قرار مالك بالإستقرار الدائم في فرنسا بعد أن إطمئنوا جميعًا على سلامة مروان الذي تعرض لتسممٍ منذ ما يقارب الثلاثة أسابيع وما لبثوا يومًا إلا وكانوا يتناوبون على رعايته بالتبادل وبما أن كُلًا من إسراء وغنى ونور تجلسن في البيت بلا أعمالٍ خارجية كُن يهتممن به أغلب النهار، قسمنَّ المهمات كالتالي، نور تجالس مروان وتهتم بكل ما يخصه من أدوية أو تمارين أو تسليه بعض الأوقات، إسراء تجلب اللوازم والإحتياجات اليومية من الخارج كذلك هي مسؤلة عن نظافة وترتيب المنزل، وأخيرًا غنى التي تولت منصب الطباخة كونها أبرعهنَّ في ذلك، كانت فريدة تعود من عملها وتشاركهن أحيانًا في أي أعمالٍ مُتأخرة، يقضون ما تبقى من يومهم معًا وفي المساء يرجع كُلًا من مازن وفريدة إلى شقتهما ويرجع خالد وغنى إلى شقتهما التي كانت عش زوجيتهما بعدما تم عقد قرانهما في باريس بعد زفاف مالك ومازن بعدَّة أيام، ويظل مالك وأسرته في منزل مروان الذي أصرَّ على ذلك، كذلك رآها مالك فكرةً حسنة كي يكون أحدهم قريبًا منه إذا حدث له شيء. _________________________ _"متخافيش.. كل حاجة هتكون كويسة وإسراء هتبقى بخير إن شاء الله" قالها مروان الذي يحتضن نور ويربت عليها، يحاول تهدئتها لتقول بأنفاسٍ مُتقطعة خرجت من بين بكائها : _"كانت بتنزف يا مروان كانت بتنزف.. أنا كنت بساعدها في المطبخ وبنتكلم وفجأة لقيتها بتصرخ وبتعيط من وجع بطنها وبمجرد ما ندهتلك كانت.. كانت غرقانة في دمها" قالت كلماتها الأخيرة وقد ازداد بكائها وارتفع صوتها أكثر ليضمها إلى صدره أكثر هامسًا لأذنيها بصوته الأجش : _"ششششش.. متخافيش يا نور هي بخير أنا متأكد." قالت بعد أن خفض بكائها وهي لا تزال تستند بوجهها ويديها على صدره : _" أنا مش هقدر أشوف بابا زعلان.." _"ششش... " ____________________________ أولًا عارفة إني إتأخرت في البارت بس حقًا مقدرتش أنزله ولا يوم الإتنين ولا الخميس بسبب مرضي. أتمنى بس يعجبڪم، قدروه بنجمة لطيفة شبه قلوبڪم تشجيعًا ليا🤎☁ وعايزة أبشركم إن الأحداث هتبدأ من الفصل القادم بإذن الله وهتنال رضاكم جدًا. -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم. - ڪ'.مليـڰة يـٰ زوق🤎⊁'.
-مَليكـة مجْـدي إبرا