أن يحفّنا أمانك من كل الجهات يا الله، أن لا يمسّ قلوبنا السوء، ولا تمسّ مشاعرنا الخيبة، ولا نغتال من حيث لا نحتسب. صلوا على الحبيب قلوبكم تطيب♡. _________________________________________ هل هناك أقسى من أن تنظر في المرآة كل يوم لتجد نفسك تشبه أڪثر شخص صرت تڪرهه؟!" _مُقتبـس. ___________________________ في الساعة السابعة صباحًا في الطابق السابع، تحديدًا في الشقة الثانية في البيت الكائن في "مُحـرم بِك" يقف أمام المرآة يُرتِب هندامه ويضع عطره المُفضل ثم يخرج من غرفته ليجلس في الشرفة، يحتسي قهوته الصباحية ذات الطابع الفرنسي.. ليست ساخنة ولا بأس إن كانت باردة فهو لن يتركها أبدًا بكل الأحوال. ينتهي من قراءة جريدته ليقف ويُطالع في المّارة من أعلى. نظر في ساعة يده ليجدها قد وصلت للسابعة و 20 دقيقة ليحما الفنجان الفارغ متوجهًا صوبَّ المطبخ ثم يعود لغرفته ويفتح الستائر ليأتيه صوتها الناعس من تحت الغطاء : _"إقفل الستارة يا مصطفى لسة بدري!" أردف مصطفى مُمازحًا شيرين زوجته الكسول وقد بدى على وجهه التفاؤل بهذا اليوم : _"ها قد استيقظت الأميرة." توجه صوبها وجلس على الوسادة مُجاورًا لها مُعقبًا بقوله : _"صباح الخير يا حبيبتي." قبِّل رأسها وعدِّل من وضع وسادتها حتى تنتقل لوضع الجلوس وفيما تلملم هي خصلات شعرها كان قد أتى لها بعصيرها الصباحي لتتناوله من يده قائلةً بنبرة شك وتعجب : _"إنما إنتَ إيه اللي مخليك راضي عني كدا يا هندسة؟؟؟ " أردف مصطفى حديث زوجته باستنكارٍ وعدم رضى : _"يا سلام! وأنا أفديكِ الساعة لما مراتي حبيبتي تشرب عصير الصبح من إيدي! " عقدت حاجبيها وقد تقلصت المسافة بينهما لتردف بتعجبٍ قد إزداد : _"في إيه يا مصطفى؟ حاجة من إتنين إنت يا إما تعبان.. أو عامل مصيبة.. أو.. مصطفى! إنتَ حاططلي سم في العصير؟!!!! " ضحك مصطفى وتعالت قهقهاته ثم أضاف مُعقبًا بقوله : _" طب يلا يلا قومي عشان منتأخرش، ستات ميعجبهاش العجب صحيح." نهضت شيرين متوجهةً للحمام لتأخذ حمامًا سريعًا في حين كان مُصطفى يوقظ أروى وحسن أطفالهما. وفي تمام الثامنة كانت شيرين أمام المرآة تصفف شعرها وكانت أروى ذات الثلاثة عشر عامًا تعزف البيانو لأبيها مصطفى وهو جالسٌ بجانبها يدندن لحن أغنيتها وبجوارهما حسن الصغير ذو التسعة أعوام يلعب بالقطارات والسيارت. انتهت شيرين وخرجت لهم لتعلمهم بوقت النزول، حمل مصطفى حسن على كتفيه ونزل السلم راكضًا بينما يصيح حسن من فوق كتفي والده قائلاً بحماس : _"إلى اللا نهائية وما بعدها." ضربت شيرين كفًا على كف مُتأففةً من هذا الـ"مصطفى" وألاعيبه الطفولية، فمُنذ أن أنجبا حسن وقد تحولت تصرفاته لتصرفاتٍ طفولية ومنذ ذلك الحين وهي تشعر أنها أمٌ لثلاثة أطفال. أما أروى فابتسمت من رد فعل أمها، نزلت أروى بعد أن استأذنت أمها أن تسبقها لشقة جدها وجدتها في الطابق الرابع لتلقي عليهما تحية الصباح، طرقت الباب واستقبلتها السيدة دولت بضمةٍ والعديد من القبلات المنهمرة على وجنتي أروى وأدخلتها ووضعت لها صحنًا مليئًا بالكعك وكأسًا من الحليب البارد قائلةً لها تلك الجملة التي تقولها كل الجدات لأحفادهن : _"كلي يا حبيبتي هي أمك بتنسى تأكلك ولا إيه؟؟؟شكلك تعبان وخاسة خالص!" أجابتها أروى وهي تمضغ طعامها ببراءة أطفال دون أن تعي لما تقوله : _"لا خالص! دا حتى بابا لسة مفطرني أنا وحسن من شوية." إنزعجت دولت من حديث أروى وعقبت باستنكار : _"بقى بابا هو اللي عمل لكم تفطروا!، ليه هي أمك فين؟؟؟ " وقبل أن تجيب أروى سمعتا رنين جرس الباب فذهبت أروى لتفتح فإذا به مصطفى وحسن قد صعدا مُجددًا ليلقيا بالتحية على دولت فاستقبلتهم دولت بنظرة استنكار وخزي لتوبخ ابنها مصطفى قائلةً : _"بقى دا إسمه كلام؟! إنتَ تصحى الصبح تفطر العيال والهانم نايمة؟؟؟ " أشار مصطفى لأمه أن انتظري قبل أن يتجه بحديثه لأروى قائلاً : _"يلا يا أروى خدي أخوكِ وانزلوا لماما تحت هي مستنيانا في العربية." بعد أن نزل الطفلين تحدث مصطفى مُتأففًا ردًّا على والدته : _"في إيه يا ماما؟؟؟، إنتِ حاطة شيرين في دماغك ليه مش دي بنت الأصول اللي كنتِ هتموتي غضبانة عليا لو أنا متجوزتهاش." أجابته أمه بتوتر : _"أيوة يا مصطفى بس مش معنى كدا إنك إنتَ اللي تعمل الفطار للعيال." _"لأ يا ماما هما عيالي زي ما هما عيالها ومش هتفرق مين هيفطرهم ثم إن أنا معملتش العجب يعني، عن إذنك أنا هنزل عشان هما مستنيني تحت." انسحب مصطفى وقد عُكِّرَ مزاجه من حديث والدته لكنه حاول إخفاء ذلك عندما صعد للسيارة كي لا تنزعج شيرين والأطفال . _________________________ هل شعرت في مرّة أنك نمت لسنين؟ أخذتك الموتة الصغرى لدرجة أنك نسيت ماذا ومن كنت بحياتك؟ لا تذكر إلا أنك كنت بخير قبل تلك الآلآم القاتلة في رأسك، لتنغّص عليك بداية يومك غير الظاهر، والذي عليك أن تكتشفه بنفسك والآن.. هذا ما شعرَت به حين نهضَت من ذلك الفراش الوثير والذي لم يمنع عنها كل ما يشعر به جسدها..،وكأنَّ شيئًا دهسه عدّة مرّات وترك لها فتات جسد.. فتحَت عيناها الجديدتين وأبعدت عنهما آثار النوم العميق، تنفّسَت بتثاقل وكأن قلبها خُلق للتوّ ليدقّ أولى دقاته، كما شهقت رئتاها أول أنفاسهما. " إســـــراء " فتحتُ عيناي بضعفٍ وتيه لأجد أنني في مكان خافت الأضواء، فخشيت أن أكون في نفس غرفة الصالون، وسريعًا مرَّ كل شيء أمامي لأدرك أنني فقدت الوعي من فظاعة المنظر، نهضت لوضع الجلوس لأجد نفس الفتاة بجانبي، التي كانت معي يومها.. صمتتُ للحظاتٍ مُحاولةً استذكار اسمها.. _"فريدة!" صِحتُ باسمها كالمجنونة لأشعر بألمٍ يخترق رأسي وكأنما كان عقابًا كهربائيًا لارتفاع صوتي، أمسكت مقدمة رأسي بأطراف أصابعي ولا أتحمل الألم لتقف فريدة أمامي مُناولةً إيايَّ كأسًا يبدو مابها كالماء الغازي، أنظر لها بانتظار توضيحٍ عن ماهية ما بهذا الكأس فتُبدي ملامح وجهها أنها تُطمئنني لأتناول الكأس من يدها وأرتشف منه بضع قطرات ثم ابتلعه على مرةٍ واحدة. جلست فريدة أمامي وقالت بنبرةٍ يعتريها الهدوء : "هيقلل من التوتو والإنفعالات وهيريحك. متقلقيش. " ____________________ أردفت إسراء مُعقبةً على قول فريدة : -"مش قلقانة منك.." تشرد لبرهة وتتابع : _" كفاية إنك كنتِ قادرة تتعاملي معاه طول الفترة دي." إبتسمت نصف إبتسامة وهي تُطالِع الأنابيب المُعلقة في يدها بشرودٍ مُلتمعة الأعين. ظلت هكذا دقائق ثم، وبنفس شرودها وجهت سؤالها لفريدة : _"إيه اللي حصل يا دكتورة؟؟؟" أجابتها فريدة بآليةٍ ونموذجية : _"جالك إنهيار عصبي ومقدرتيش تستحملي فأغمى عليكِ، لكن أكلينيكيًا عملياتك الحيوية ممتازة وجسمك مبيشتكيش من حاجة بس شوية توتر وإرهاق نفسي." كان هذا رد. فريدة مما جعل إسراء تردف بغضبٍ مكتوم وقد تحولت نبرة صوتها : _" إيه اللي حصل لمالك يا دكتورة؟؟؟! " استمر صمت فريدة وكانت تعترف بداخلها أن انقلاب نبرة صوت إسراء قد أخافها إلى حدٍ ما، أعادت ترتيب الكلمات بعقلها ثم اجابتها موضحةً : _"Sleep Paralysis" إرتفع أحد حاجبي إسراء وقد توسعت عيناها قائلةً بصدمة : _"الجاثوم؟؟؟ " أومأت فريدة بالإيجاب قبل أن تسترسل في الحديث قائلةً : _"شلل النوم ودا سببله تهيأت وهلاوس وخلاه يعمل اللي عمله في القطة.. " قالتها فريدة كما لو كانت روبوتًا وجهاز كمبيوتر ذكي لا يستشعر شيء بخلاف الأصفار والأحاد في حين ازدياد بريق عيني إسراء كلما خطر لها المنظر مُجددًا.. واصلت فريدة حديثها تسرد ما حدث : _"بعد ما فاق من آخر مراحل شلل النوم وعقله إستوعب المنظر قدامه دخل في حالة إنكار، ومنها لإنهيار عصبي خلاه يفقد الوعي ويستسلم على الأرض زي ما دخلنا ولقيناه كدا." _"طب وإيه الرغوة اللي كانت بتطلع من بوقه دي؟؟؟ " هكذا تسائلت إسراء بتيهٍ لتجيبها فريدة بثبات : _"د بسبب إن مالك مُدخِن والرئة مقدرتش تستحمل الإنهيار ده لحد ما اتعبت بالسوائل، خصوصًا إن مالك ضغطه بيرتفع جدًا في حالات الغضب الشديد." عقبت إسراء سائلةً فريدة بنبرة فتورٍ واستسلام : _"وهو عامل إيه دلوقتي؟؟؟ " _"كويس، مكنش في أي خطر عليه وقدرنا نتعامل معاه بسهولة بمجرد ما عرفنا هو ماله بالظبط، القلق كان عليكِ إنتِ لإن حالتك كانت صعبة." رمقتها إسراء بنبرة يعتريها البرود قبل أن تتسائل فريدة : _" إنتِ بخير؟؟؟ حاسة بأي حاجة؟؟؟ " لم يصلها رد من إسراء التي لم تنبث ببنت شفة بل إكتفت بإخفاء وجهها خلف يديها.. تحشرج صوتها..لا تفعل شيئًا ولا تقول شيئًا، فقط تنهمر دموعها لتشق طريقها على وجنتيها في هيئةٍ جعلت فريدةة لا تعرف ماذا يجب أن تفعل... فريدة التي لم تخف من التعامل مع عشرات الأشخاص المضطربين الذين يقومون بقذف وتكسير الأشياء أمامها خائفةٌ من التربيت على كتف فتاةٍ تبكي بصمت، ولأول مرة تشعر فريدة بالفشل.. شعرت بفشلها الذريع يزداد مع كل دقيقة ترى إسراء ومالك على هذه الحالة. أ مسكت بمعطفها وخرجت مُباشرةً دون أن تنطق ببنت شفة، أغلقت الباب من خلفها ثم انطلقت تشق طريقها عبر ممرات المشفى تحاول تمالك نفسها وعبَراتها، رؤية إسراء في هذه الحالة زادتها غمًا على غمًّها حتى تثاقلت أنفاسها وشحب وجهها في يأسٍ ازداد حتى أصبحت أمام سلم المستشفى لتلتقي به صاعدًا ليقول لها : _"كويس إني شفتك كنت لسة هدور عليكِ، إسراء عاملة إيه دلوقتي؟؟؟" رمقته فريدة بنظرة استياء وقد غلبها شعور الخيبة والخزي ولم تُجِب ليُدرك أن الأمور ليست بخير، أمسك بذقنها رافعًا وجهها نحوه فأشاحَت ببصرها جهة اليمين مُتفاديةً عيناه الداكنتين ليعمَّ الصمت بينهما لبضع ثوانٍ حتى كسرت صمتهما بقولها : _"ممكن توسعلي لو سمحت؟؟؟، عايزة أعدي." أردف مازن بصوته الحنون قائلًا في محاولةٍ منه لسرقة فرصة لفهم الوضع : _" لا مش ممكن.." غلفت الدموع حديثها أثناء رجوعها للخلف وهي تسترسل ببعضٍ من الغضب : _"مازن مش وقتك دلوقتي لو سمحت سيبني لإني مش حمل أي كلام دلوقتي." أطلق مازن زفرةً عبَّرَ فيها عن ضيقه المكتوم ليُردف مُعقبًا بنفاذ صبر : _" فريدة هو أنا لحد إمتى هفضل أفهمك؟، لحد إمتى أقولك إن أي حاجة صعبة وأي حِمل تقيل المفروض نشيله سوا؟، هفضل لحد إمتى أفهم فيكِ إني لو معرفتش أسندك في يوم من الأيام هقع معاكي؟؟؟ " تنفست الصعداء وحاولت أن تتمالك نفسها كي لا تبكي أمامه لكن نظراته لها كشفتها،.. أغلقت عيناها كي لا تفيضا وتُفصحا عن ما بداخلهما فأمطرتا رغمًا عنها.. لتدرك أنها لا تمتلك مدامعها، وفي نهاية المطاف فريدة فتاةٌ عاطفية رغم ذكائها وعبقريتها فقوتها الظاهرة مجرد سلاح بدون ذخيرة، تستخدمه لإخافة الأعداء دون إصابتهم، وقد تأقلم مازن على استخدام هذا السلاح وأدرك متى يجب عليه أن يحمل عنها هذا السلاح الثقيل عندما تتعب ومتى يشجعها على حمله وتصويبه نحو مرضاها لتستطيع التعامل مهم، وبرغم معرفته ما ستقوله فريدة إلا أنه ألح عليها لتتكلم وتفصح عما بداخلها، وبعد إلحاحٍ مستمر أجبرها على الذهاب بجولة بالسيارة بعد أن اشترطت عليه أن يقطع لها وعدًا بأنه لن يجبرها على التحدث مالم تُرد هي ذلك وقد كان أعطها وعده وهو يقسم بداخله أنه سوف يخلف بهذا الوعد فأميرته الكتومة لن تتحدث ولو مرَّ على الأمر شهور. بعد أن عقدا اتفاقهما أخذ منها معطفها وقال مُمازحًا إياها : _"حلو الجاكيت دا، لو كان على مقاسي كنت خدته منك ومكنتيش هتشوفيه تاني في حياتك بس للأسف." _"ممكن على فكرة نلاقي مقاسك بس للأسف مش هيليق عليك." قالتها بتهكُمٍ مع ابتسامة سخرية وما إن انتهت من جملتها أخرجت لسانها تغيظه فادعى هو الغضب وعقد يديه أمام صدره بقلة حيلة وقال بحنقٍ مُزيَّف : _"بقى كدا؟؟؟ طيب شوفي مين هيفسحك يا هانم." سبقها السلم نازلًا ثلاث درجات فضحكت هي وبدأت بمسح وجهها والتفتت إليه لتجده قد نزل راكضًا وتركها حقًا كطفلٍ صغير فصاحت به وهي تضحك وتركض على السلم.. _"استنى عندك إنتَ مابتصدق ولا إيه؟؟؟ " ____________________ أردفت السيدة هالة ردًا على من يُحاورها في الهاتف بصوتها البهيج كعادته قائلةً : _"أه يا حبيبي أنا كويسة طول ما إنتَ كويس وبخير، طمنني عليك. " _"أنا بخير لإني سمعت صوتك يا أمي والله." هكذا أجابها مصطفى عبر الهاتف لتعقب السيدة هالة قوله بحنانها الغامر : _"يا حبيبي ربنا ميحرمنيش منك معرفش هعمل إيه بكلامك الحلو دا كله." ضحكت وضحك هو أيضًا لتردف مُستكملةً أطراف الحوار : _"إزي شيرين مراتك عاملة إيه وعيالك عاملين إيه طمنني عليهم؟؟؟ " أجابها مصطفى أثناء نظره لهم عبر مرآة السيارة الأمامية : _"بخير يا ماما بيسلمو عليكِ كلـ.. " لم يكد مصطفى ينهي جملته حتى أتى صياح حسن الصغير من الخلف يقول صارخًا بحماس : _"إزيك يا نينا وحشتيني أويـي!! " تأوه مصطفى من صراخ حسن المقارب لأذنه ثم عاد بتركيزه لهالة التي تضحك على الطرف الآخر في الهاتف وتردف من بين ضحكاتها : _"وإنتَ كمان وحشتني يا قلب نينا." ثم تتابع موجهةً سؤالها لمصطفى : _ "إيه يا حبيبي قدامك قد إيه كدا؟؟؟ " _"لا قربنا خلاص، يعني 3 ساعات كدا ونكون عندك." _"طيب يا حبيبي بالسلامة إن شاء الله، أنا هستناكم في البيت عندي، سلملي على شيرين." _"حاضر يا حبيبتي." ___________________________ أخذ مازن وفريدة يتجولان بالسيارة ويسمعان الأغاني، ألقى مازن بعض نكاته السخيفة مُحاولًا رسم الضحكة على شفتيها وبعد العديد من المحاولات نجح في ذلك وابتسمت أميرته العابسة له ليشعر هو بالسعادة تتدفق في شرايينه، وفي النهاية قررا إختتام جولتهما بالذهاب لإحدى المقاهي، وعندما وصلا إلى وجهتهما "ستاربكس" جلسا في السيارة يتناولان مشروبهما المُثلج ليفتتح مازن الحوار مع ابتسامةٍ خفيفة وهو يطالع الطريق : _"أحسن دلوقتي؟؟؟ " تنفست الصعداء وصمتت ثوانٍ معدودات ثم أجابت وهي ترتشف من قهوتها : _"أحسن بكتير.. " إلتفت لها مازن ثم -وبنفس نبرته الحنون- سألها أن تتحدث إليه، أبَت في البداية لكنها استسلمت وقررت الإفصاح عمّا بداخلها، لا يمكن الجزم هل كانت حقًا تتحدث أم تبكي، كما لا يمكن الجزم علامَ البكاء تحديدًا؟ تبكي خيبتها أمام مريضها مالك أم الخزي تجاه إسراء التي لا ذنب لها بشيء أم تبكي فشلها أمام نفسها،.. ربما كلهم! على كل الأحوال لا يشكل هذا فارقًا طالما المُستمع مازن الذي يستطيع فهم ما تعنيه وتشعره فريدة حتى دون أن تتكلم، إنه يسعد بوجوده بجانبها في كل حالٍ من الأحوال، في بعض الأحيان كان يذرفُ دموعًا خفية عند سماع صوتها وقد أجهشت في البُكاء، ولم يتخاذل أبدًا في مسح كريستالاتها الساقطة، بل على النقيض كان يشعر بالسوء عندما تحاول هي إخفاءها عنه، ولذلك دائمًا ما كان مازن هو الداعم الأول لفريدة ومُشجّعها في كل قراراتها حتى عندما أصرّت على التخصص في دراسة الطب النفسي وقف بجانبها أمام جميع أقاربها الذين دائمًا ما أحبطوها في هذا التخصص بترديد أقوال المجتمع العقيم : "يعني فالآخر هترسى على دكتورة مجانين!" "دي شغلانة ملهاش مستقبل ومش مضمونة" "نفسية ! ربنا يكون فعونك ويصبرك" "خدنا إيه من الدكاترة النفسيين إحنا غير العقد والكلاكيع" "إنتي يا فريدة بتقدري تستحملي عياط عيل صغير عشان تقدري تتعاملي مع المجانين!". بعد ساعةٍ ونصف من حديث فريدة وبكائها الممتزجين في أنفاسٍ مُتقطعة، وإنصات مازن وامتصاصه لحزن حبيبته التي ستغدو زوجته بعد عِدَّة أسابيع، والنقاشات الدائرة بينهما بِعُلُو صوت فريدة وقد أجهشت بالبكاء وإنخفاض نبرات مازن الهادئة التي تبعث في روحها السلام مسحَ وجنتيها بيديه الخشنتين ليبتسم كلاهما بعد طول بكاء ويذهبا بالسيارة متجّهين إلى المشفى بعد أن قررت فريدة أن تقضي على هذه الفوضى العارمة،بدعم ملاكها الحارس بالطبع. ___________________________ دلف مالك مُداهمًا مكتب فريدة بدون استئذان صارخًا بها وقد نال منه الغضب : -" فريدة! ممكن أعرف إيه اللي بتعمليه دا وإزاي.. " قاطعته فريدة بنبرةٍ حازمة : _"دكتورة فريدة يا أستاذ. " صمت مالك لبرهة يحاول استيعاب ما قالته لتوها، فغضبه الجامح قد أعماه عن الفهم ثم تابع : _"إزاي يا دكتورة تمنعيني إني أخرج من هنا بعد ما الدكتور سمحلي بتصريح خروج؟؟؟!! " وقفت فريدة وصاحت بنفس ثبات صوتها مُجيبةً عليه : _"أستاذ مالك.. لما فتشت الأدوية بتاعتك إكتشفت إنك مبتلتزمش بيها وبُناءً على كدا أنا هحطك تحت المُلاحظة." _"بصفتك إيه بقى؟؟؟ إنتِ حتى مش الدكتور اللي أشرف عليا لما كنت تعبان." هكذا قالها مالك بنبرة استخفافٍ أثارت حنق فريدة لتردف بحدَّة : _"لمجرد إني أثبتت إنك مريض عندي من 3 سنين فَـ دا شيء كفيل يخليني أنا المسؤلة عنك حتى لو في أي مستشفى وقدام أي دكتور في البلد كلها.. أنا المسؤلة عنك وبحُكم مسؤليتي كدكتورة وبحكم عدم إلتزامك بالأدوية مش هكتبلك تصريح خروج وهحطك تحت الملاحظة هنا قدام عيني." أردف مالك وقد أخفض من نبراته ظنًا منه أنه سيفوز عليها : _"تمام..، أنا بقى مش عايز اتعالج عندك، وهشوف دكتور تاني أتعالج عنده، وكدا بقى أتخلص من سلطتك دي بعد ما تاخدي أجرك صح؟؟؟ " عقب مازن الذي وقف أمام الباب يتابع الحوار في صمت مُلاحقًا له : _"لا مش صح لإن الموضوع مبقاش بإيدك، بشهادة خطيبتك والبواب ومراته، وشهادة دكتورة فريدة طبعًا فحضرتك إنسان غير مُستقر نفسيًا وعقليتك غير مُتزنة، عشان كدا اختيار الطبيب النفسي مش من حقك." نظر له مالك بنظرات مزجت بين الدهشة والغضب الجامح ليوجه نظره لفريدة التي عقدت ذارعيها أمام صدرها ويصمت لثوانٍ، ثم يتابع : _"يعني إيه الكلام ده يا فريدة؟؟؟! " أجابته فريدة بتشفٍ بعد أن شعرت أنها تنتقم منه الآن على الصراخ بوجهها : _"يعني إنتَ بمزاجك أو غصب عنك بقيت مُجبر تكون تحت رعايتي لحد ما أنا بنفسي أكتب تقرير إنك إتعافيت تمامًا، وأنصحك يا مالك تلتزم باللي هقوله ومتهملش عشان متجبرنيش أتخذ معاك إجراء مش هيعجبك." شُلَّ مالك في مكانه وقد فهم ما تعنيه فريدة بتهديدها، لكنه إدعى عدم الفهم وأردف : _"إجراء زي إيه يعني؟؟؟ " _"أنا هنا حطاك تحت الملاحظة في مستشفى خاصة، لكن لو ملتزمتش بالتعليمات هتضطرني أحولك لمستشفى الأمراض النفسية والعقلية نقطة" ذُهل مالك ومرَّت أمام عينيه الفترة التي قضاها هناك في سنوات مراهقته وما رأه هناك، إلتزم الصمت وقد شرد عقله وحواسه كلها سفرًا إلى ذكريات ذلك الماضي المؤلم فاقدًا تركيزه ووعيه عن الواقع لدرجة لم يستمع كلمات فريدة التي خرجت في صوتٍ حنون وهاديءٍ بعد أن أجلسته على كرسيٍّ وجلست بجانبه تربت على كتفه وتخبره بما كاد يشابه الهمس المُطمئن : _"مالك إسمعني.. أنا عارفة إنك إتظلمت وعارفة إنهم ظلموك لما دخّلوك المصحة وإنت كنت شاب سليم..، بس إنتَ دلوقتي مش في أحسن حالاتك، أنا عارفة إن ممكن يكون عقلك بيوهمك إنك كويس وإنك مش محتاج العلاج دا أو إن مفيش أمل من العلاج بس صدقني في أمل." نظر لها مالك بعينين مُتوهجتين تلتمعان دموعًا محبوسة ولم ينطق ببنت شفة ثم أشاح بوجهه للطرف الآخر من الغرفة يخفي خضراوتيه اللتان بللتا وجهه بدموعه المالحة بعد أن فقد السيطرة على أهدابه لتتابع فريد بنفس هدوئها : _"مش هقولك عشان خاطر نفسك ولا عشان خاطر مدام هالة ولا الناس اللي بيحبوك.. " صمتت تستعيد أنفاسها ثم تابعت : _"عشان خاطر نور، البنت اللي إنتَ اديتها وعد ولازم تكون قد وعدك." إلتفت لها مالك بانتباهٍ حينما ذكر إسم تلك الصغيرة على مسامعه وقال كاسرًا دقائق من الصمت : _"هنبداء إزاي؟؟؟ " قال كلماته القليلة وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ جانبية لتبادله فريدة نفس الابتسامة قبل أن تردف : _"هنبدأ، بس بعد ما تخلص الزيارة بتاعتك." قطب جبينه بعدم فهم وقال بتخبط : _"زيارة إيه مش فاهم؟؟؟ " _"مصطفى وشيرين ومدام هالة ونور جايين يتطمنوا عليك ويقعدو معاك شوية." _"مصطفى وشيرين؟ معقولة؟؟؟ " أومأت له فريدة وقالت : _"أول ما سمعوا إنك إتنقلت للمستشفى جُم من إسكندرية على هنا علطول عشان يشوفوك ويتطمنوا عليك.. " _"فيهم الخير حقيقي." ابتسمت فريدة موافقةً إياه ثم قالت : _"في ناس كتير بتحبك يا مالك بس إنت مش واخد بالك، ودا مثال بسيط أهو.. متستسلمش للوهم اللي في دماغك يا مالك ." ________________________ بمُجرد أن خطى بقدميه للغرفة حتى قامت من مجلسها راكضةً نحوه، صائحةً : _"عمو مااالك، وحشتني أوي." إنخفض مالك ليتساوى طوله بطول أروى القصيرة وقبل أن يسلم عليها قفز حسن على ظهره من الخلف ليضحك حسن ويضحك معه مالك ثم يقبل جبين أروى التي تقف أمامه مبتسمة حتى نادتهما شيرين بِحدّة : _"خلاص سيبوه يستريح إنتم مالكم هجمتوا عليه مرة واحدة كدا ليه؟!! " لاحقها مالك بالقول : _"سيبيهم يا شيرين العيال وحشوني." _"ميوحشكش غالي يارب، عامل إيه يا مالك طمننا عليك؟؟؟ " أجابها مالك بابتسامةٍ صادقة، فبعد معرفته بقدومهم لرؤيته بدأت السعادة تداعب روحه وتدغدغ قلبه : _"بخير يا شيرين الحمد لله ربنا يخليكِ، ليكِ وحشة والله، إيه يا بنتي غايبين ليه كدا فين أخباركم؟؟؟" أجابته شيرين بضيقٍ وتأفف حينما تذكرت حماتها فقالت : _"ما إنتَ عارف إللي فيها يا مالك بقى، وإنتَ كمان والله وحشت مصطفى والعيال خالص." عقب مالك بتساؤل وقد تذكر أمر مصطفى الذي لم يره بينهم : _"أه صحيح أومال فين مصطفى مشفتهوش؟؟؟" _"مصطفى نزل الكافيتريا مع ماما هالة يجيبوا حاجة دافية ليهم وللعيال عشان الجو سقعة الأيام دي." وفي وسط الحديث إنتبه لنور التي تجلس هادئةً على كُرسيٍ في زاوية الغرفة وكأنه لم يلحظها منذ دخوله، ليتوجه صوبها ويُقبل جبينها قائلًا : _"تفاحة قلبي اللي وحشاني قاعدة بعيد عني ليه؟؟؟" لم تجبه نور فقط إكتفت بأن طالعته بعينيها للحظاتٍ معدودة ثم جلست القرفصاء تضم ساقيها إلى صدرها وتحاوطهما بيديها تطالع الجدار بعينين خاويتين، ليجلس مالك بجانبها في تعجبٍ بعد أن كان يظن أنها أول من ستركض عليه لتحتضنه. جلس بجانبها مُحيطًا كتفيها بذراعه، ثم قال لها مُداعبًا في صيغة عتابٍ لطيف : _"بقى كدا، دا أنا كنت فاكر إني وحشتك وإنك هتقلقي عليا لما تعرفي إني في المستشفى عشان تعبان. " لم يصله منها رد فقط أخفت وجهها في ساقيها واستمرت في صمتها.. يحدث هذا أمام ناظريّ شيرين والأطفال الذين تعجبوا من تصرف نور وتجنبها لمالك وقد حدثتهم السيدة هالة عن علاقتهما المميزة، في حين رفع مالك حاجبيه تعجُبًا من أمر هذه الفتاة ثم تابع هامسًا بالقرب من أذنها : _"نور حبيبة بابا.. مالك زعلانة ليه؟؟؟ " اختلج قلبها الصغير في صدرها وأجهشت في البكاء محيطةً رقبته بذراعيها متشبثةً به بكل قواها، لا تريد تركه، ولا تكف عن النحيب، ضمّها مالك إليه بيمناه وبيسراه يمسح على شعرها، لاحظ نظرات أروى وحسن إليها فأشار لشيرين أن تخرجهم، ذهبت شيرين بالأطفال إلى "الكافيتيريا" ليجلسوا مع مصطفى والسيدة هالة. _"ياااه كل العياط ده عشاني؟؟؟ " هكذا قالها مالك مُداعبًا هذه الصغيرة، صمتت نور بعد أن توقفت عن البكاء قليلًا، كرر مالك سؤاله لها بنبرةٍ قد ملأها القلق : _"في إيه يا نور؟؟؟ أنا كنت بقول عليكِ جدعة، متوقعتش إنك تعيطي كدا؟؟؟ " أجابته نور بعد أن مسحت وجنتيها : _"مس ندى ماتت وهي نايمة برضو. " صُدم مالك من طريقة تفكير نور وربطها للأحداث، لم يتوقع تذكرها لتلك الحادثة بسبب حداثة سنها وقتها. تذكر قول مديرة دار الأيتام، فبعد أن تركها مالك في المستشفى وهي مكسورة القدم غاضبًا ذهب باحثًا عن دور الأيتام التي أعلنت عن فقدان طفلة في مثل سنها، وبعد بحثٍ لعدَّة ساعات وجد الدار التي تطالب فيها بإعادة الفتاة التائهة التي انطبقت عليها مواصفات نور، ذهب للملجأ طالبًا البدء في إجراءات تبني الفتاة وعندها حدثته المديرة عن إحدى المُربيات اليافعات صغيرات السن دُعيت "ندى"، كانت ندى هي الشخص الوحيد الذي يمكنه التواصل مع النور لأنها طفلة شديدة الانعزال لكن ندى استطاعت كسب وِدّها مع مرور الوقت، وتدريجيًا أصبحت ندى الشخص الوحيد المقرب من نور حتى إستيقظت يومًا ما على خبر وفاة ندى الذي أثر كثيرًا عليها وعلى طباعها بشكلٍ ملحوظ. توفيت ندى إثر توقف قلبها وهي نائمة؛ لذلك عندما سمعت نور أن مالك نقل للمشفى بسبب تعبٍ مُفاجيء أصابه أثناء نومه ربط عقلها بين الحادثين. ________________________ صوبَّ طاولة الكافتيريا يسير مازن ليجلس مع الجمع الذي قلَّما اجتمع شملهم، والذي تكوّن من السيدة هالة، ومصطفى برفقة شيرين زوجته، وإسراء وشقيقتها مرام، وخالد وغنى أولاد خالاتهما، بالإضافة إلى الطفلين أروى و حسن ليقف أمامهم مازن قائلًا بمرحه المعهود : _"دا العصابة إتجمعت بقى.. " لترد السيدة هالة بعفويةٍ وانفعال : _"عصابة إيه يا واد!! " ليتدارك مازن قوله مُلاحقًا لها بغمزةٍ مُشاكسة : _"أكيد مقصدش عليكِ يا ماما هالة يا ملكة النحل يا منبع العسل." _"سجدني يا ولا سجدني. " قالتها السيدة هالة بنبرة سخرية ليلاحقها خالد بالرد على مازن : _"رئيس مدرسة القرع المباشر." ليردف حسن الصغير قائلًا : _"هو كدا عمو مازن بكاش طول عمره." أجابه خالد بعد إنهيارٍ من الضحك الجماعي : _"عندك حق يا ابني والله.. " ليتحدث مازن بحنقٍ مزيف : _"إيه بقى إنتم مش وراكم حد غيري في القعدة؟؟؟ كل واحد يرميله كلمتين ولا إيه هو أنا بقيت التسلية بتاعتكم؟؟؟ " ليردف مصطفى مُعقبًا على قول مازن : _"طب اقعد يا أخويا اقعد، مكملتش خمس دقايق وهتعمل فتنة طائفية." إنفجرت الضحكات من كل الجالسين لتلتفت الأنظار حول طاولتهم، جلسو يتبادلون الأحاديث حول أوضاعهم وما حدث أثناء فترة تفرقهم حتى جائت فريدة تشاركهم مجلسهم، عرّفتها إسراء على أختها مرام وأبناء خالاتها غنى وخالد، ألقت عليهم السلام فردًا فردًا متبادلةً العناق مع السيدة هالة وإسراء وشيرين ومصطفى الذي عانقها بشدة فقد اشتاق لأخته الصغيرة التي لم يرها منذ شهور ليتحدث مازن مقاطعًا المشهد ألأخوي اللطيف : _"أسف عشان بقاطع اللحظة الجميلة دي بس فين السبب الرئيسي لتجمعنا الجميل دا؟؟؟ " لاحقه مصطفى متسائلًا : _"فعلًا يا جماعة فين مالك؟؟؟ أنا من ساعة ما جيت مشفتهوش لحد دلوقتي؟؟؟ " رد كلًا من حسن و أروى بعفوية أطفال : _"مع البنت أم شعـر بني." إلتفت الجميع نحوهم بتعجبٍ شديد، من هذه الفتاة التي يجلس معها مالك تاركًا الجميع هنا؟؟؟، وفيمَ يتحدثان؟؟؟، نظرت إسراء لأروى وحسن تنتظر توضيحًا بينما كانت نظرات الباقين متنقلةً بين إسراء التي نال منها الغيظ والطفلين اللذان قد شعرا بالقلق مما قالاه للتو لتقطع شيرين هذا الصمت المُشبّع بالتوتر الطائف في الجو في بقولها : _"قصدهم على البنت اللي إسمها نور. " توجهت أنظار الجميع لشيرين بعد تنفس الصعداء لتتابع توضيحها : _"هي كانت قاعدة بعيد لما هو دخل ومسلمتش عليه مع العيال ولما لاحظ إنها متضايقة من حاجة وجه يكلمها قعدت تعيط فقال لي أخد العيال شوية." إلتفتت غنى إلى السيدة هالة سائلةً لها : _"أه صحيح هي إيه حكاية نور دي يا مدام هالة؟؟؟ " لاحقها مازن بكلام مُوجه للسيدة هالة أيضًا مُحاولًا استفزاز خالد الذي سمع من إسراء قبل سنوات أنه معجب بإبنة خالته غنى : "أيوة صح يا ماما، غنوة عندها حق مين البنت دي؟؟؟" رمقه خالد بنظرةٍ مُرعبةٍ بحق، قائلًا له باستنكار : _"مين دي اللي عندها حق؟؟؟ " لتهدئه فريدة بقولها : _"معلش يا خالد مازن ساعات بيتقل هزاره حقك عليا" ثم رمقت مازن بنظرتها التي لا تبشر بالخير ليزدرد ريقه في قلق، ليضحك الجميع وتوجه مرام غمزةً خفية لغنى فُهِم مغزاها الخبيث، غيرة خالد على غنى عندما ناداها مازن بغنوة دلالًا لإسمها كانت مثيرة لانتباه الجميع مما جعل وجنتيها تتوردان خجلًا، لتردف مرام مُستكملةً أطراف الحديث التائه وسط ضحكاتهم : _"محدش قال يعني مين نور دي؟؟؟" تجاوبهم السيدة هالة تقصُّ عليهم قصة مالك والطفلة نور التي صدمها بسيارته والأيام التي قضاها برفقتها في المشفى وحتى جاء بها لبيت السيدة هالة وقصة تبنيه لها، أدركت إسراء السبب وراء عدم حضور عيد ميلادها وإهماله لها لعدة أيام، لقد كان يعتني بالطفلة المريضة!..، تسائلت مرام بفضول : _"أيوة بس أنا مش فاهمة حاجة.. إزاي بالسرعة دي مالك يتعلق بالبنت دي للدرجة دي؟؟؟ المفروض أقتنع إن الشخص عايش لوحده و اللي بيتحجج عشان ميجيش العزومات عند خطيبته وأهله ودايمًا مبيكلمش حد وفي حاله وملهوش دعوة بحد لمجرد إنه قضى يومين ولا تلاتة مع بنت صغيرة في المستشفى يخيله يتبناها ويتعلق بيها بالشكل دا؟؟؟! " تجاوب معها مصطفى قائلًا بتأييد : _"مرام معاها حق..دا حتى فريدة مش قادرة تسلك معاه، ودايمًا بتشتكيلي أسلوبه صعب جدًا وبينقطها على ما يتجاوب معاها.. بس من حكاويكم بحس إن مالك في ثانية لما يسمع إسم نور بيرِّق أوي." تنهدت هالة وعقبت بنبرة يعتريها الحزن بعد أن استشعرت أيديهم تمتد لأعماقها لتكشط الوجه الجاف عن جرحها وتفجّر مكامنه : _"عشان كل ما بيبصلها بيشوف نفسه فيها، أنا نفسي من ساعة ما جت تعيش معايا وأنا حاسة إنها نسخة مالك وهو صغير، تصرفاته وطريقة كلامه ونظراته وزوقه في الأكل واللبس وكل حاجة وقلة كلامه وخوفه من الناس وعزلته، هي مالك بالظبط بكل تفاصيله عشان كدا هو إتعلق بيها بسرعة وبقى بيخاف عليها جدًا لإنه شايف نفسه فيها.." قالت كلماتها الأخيرة وقد فرّت الدمعة من عينيها ليذهب مصطفى وشيرين بجانبها، يربتان على كتفيها ويواسيانها بينما عم الصمت وسكت الجميع متفهمين ما قالته مدام هالة، باستثناء خالد الذي شارك في هذا الحديث بمنطقية : _"هو إزاي إتبناها أصلًا.. هو مش المفروض بيكون فيه إجراءات وشروط من ضمنها وجود أسرة؟؟؟ هو مالك عنده أسرة؟؟؟ يعني لازم على الأقل يكون متجوز عشان يتبناها.. " تحدث مازن بسخرية والبسمة تحتل نصف وجهه قائلًا : _"إحنا مش في السعودية ولا في أمريكا يا خالد إحنا في مصر، والشعار الأكثر تداولًا هنا في بلدنا دي (الفلوس بتعمل أي حاجة) " وبينما همهم خالد بانزعاج من تلك الحقيقة تحدثت إسراء التي زادها الأمر إنزعاجًا لتقول بلهجة تكبر وغرور : "أيوة بس أنا شايفة إن الموضوع واخد أكبر من حجمه، وبعدين إحنا نضمن منين البنت دي إنها كويسة حتى لو مالك نيته سليمة وبيحبها زي بنته فعلًا تفضل في الأول وفي الأخر تربية ملاجيء ومنعرفش عنها حاجة، دا غير شكلها، دا مش شكل طفلة عندها 13 سنة دا شكل أنسة 16/17 سنة! هي مش المفروض إنها في سن أروى؟؟؟ " ردت غنى برزانة على إتهامات إسراء للفتاة : _"حرام عليكِ تعيبيها في أخلاقها وإنتِ حتى متعاملتيش معها مرة واحدة، وبعدين في بنات كتير بيبقى شكلهم كبير أو ملامح الأنوثة عندهم مبكرة بالإضافة إنك بتقارنيها بأروى وكلنا عارفين إن أروى واخدة قُصر الطول من مامتها، كمان أروى ضعيفة فَـ انتي بتعملي مقارنة وبتوجهي اتهامات بدون وجه أساسًا." _"ولو يا غني..، أنا بفترض الأسوأ من مراهقة متربية في ملجأ، وبصراحة قربها من مالك دا مدايقني، ياريت نشوف حل للموضوع دا. " تدخلت شيرين ردًا على إسراء بضيق وقد انزعج الجميع من أسلوب إسراء في الكلام : _"إسراء مالك واعي كفاية لدرجة إنه يتصرف في أموره بنفسه وياريت متدخليش في أمور متخصكيش عشان ميحصلش رد فعل عكسي من مالك . " أطلقت إسراء شهقة غضب قُبيل أن تردف مُعقبةً باستنكار : _"أمور متخصنيش؟؟!!!" تنطلق أختها مرام وقد فقدت تمالك أعصابها : _"أيوة متخصكيش يا إسراء، هو مألزمكيش تتبنيها وتعامليها كإنها بنتك يبقى مينفعش تلزميه يبعد عنها خصوصًا وإنتِ عارفة إنه بيبحبها وإنها بقت شيء مهم في حياته." _"وإنتِ كمان يا مرام؟! " _"أنا بتكلم بالحق واللي عقلي مقتنع بيه مش عشان إنتِ أختي لازم أوافقك حتى لو كنتِ غلطانة." تضيف فريدة صوتها بعد أن صمتت تتابع هذا الحوار الدائر بينهنَّ بهدوء : _"بعيدًا عن أي أراء ومين بيتفق مع مين، أحب أعرفكم إن مالك كان رافض يكمل علاجه تمامًا غير لما أقنعته إنه يعمل كدا عشان نور، بالإضافة إن نسبة تحسن حالته بعد ما عرف البنت دي زادت 2% صحيح النسبة مش كبيرة بس في خلال الوقت القليل اللي قضاه معاها ف يعتبر إنجاز كويس جدًا، ولو هو فعلًا شايف نفسه مكان الطفلة دي دا معناه إنه هيحاول يبذل كل مجهوده عشان يتعافى عشان يتأكد إنها هتكون بخير." بينما تُلقي فريدة ملاحظاتها تجمعت العبرات في عيني إسراء فقد شعرت أن هناك من أخذ مكانها وأنها حتى ليس لها الحق حتى في الغضب أو الشعور بالغيرة، هي تعلم أن حب مالك لنور حب بريء لكنها لا تغفل عن كون نور إمرأة أيضًا هي الأخرى مهما كان سنها صغيرًا وبدت تصرفاتها طفولية. إنطلق صوت خالد من العدم منخفضًا لما قارب الهمس قائلًا : _"طب خلاص يا جماعة اقفلو الموضوع عشان مالك جاي." _"هي اللي معاه دي نور اللي بنتكلم عليها؟؟؟!" قالتاها مرام وغنى في نفس الوقت، أومأت إسراء إيجابًا لتلقيها أختها مرام بعلبة المناديل الموضوعة على الطاولة وهي تقول بضجر وغيظ متزامنان مع القذفة : _"امشي يا بنت الأوڤر.. " لاحقتها غنى بقولها الحانق الموجه لإسراء : _"حرام عليكِ يا إسراء هي دي اللي عمّالة تفتري عليها؟؟؟ شكلها مش زي ما إنتِ بتقولي.. أه شكلها كبير بس مش للدرجة دي، أنا قلت الراجل هيدخل علينا بهيفاء وهبي ولا حاجة، ما هي بنوتة صغنونة أهي! " ضحك الجميع على قول غنى فيما عدا إسراء، إقترب مالك ونور على صوت الضحكات، ليلقي مالك التحية على الجميع ليقف كلًا منهم فردًا فردًا يبادلونه السلام بحرارة، ولم يحتج أحدهم التعريف عن نفسه فمالك يعرفهم جميعًا و يعرفونه، بعد تبادل السلامات قالت شيرين موجهةً أوامرها للطفلين أروى وحسن بأن يفسحا المكان وتجلس أروى على قدميّ مصطفى ويجلس حسن على قدميّ شيرين ليستطيع مالك ونور أن يجدا كريسيين يجلسا عليهما. جلست نور وألقى الجميع تمنياتهم بالشفاء العاجل لمالك وإسراء، كان كعادته التي فرضتها عليه سنون حياته القاسية.. هادئ، لا يكثر الكلام، بل إنه نادرًا ما يتكلم، وإذا كلمه أحدهم لا يجد داعٍ للرد بل يكتفي بابتسامةٍ بلاستيكية مع إيماءة رأسٍ خفيفة، كذلك كانت إنفعالات نور وردودها، قليلة الكلام تكتفي في الأغلب بابتسامةٍ أو نظرةٍ تفي بالغرض. لاحظ الجميع هذا على طريقتهما حتى عند طلب المشروبات كان ذوقهما متقاربًا حد الدهشة، فبرغم فارق السن بينهما إلا أن ذوقهما وأرآئهما واحدة. بعدما يقارب الأربعين دقيقة إعتذر مالك منهم بعد أن شعر بالضيق وقرر الإنصراف مُتعذِرًا بحجة التمشية، سأل نور إن كانت تريد التمشي معه لكنها فضلت البقاء والجلوس بعد أن أحبت حديثها مع وغني وشيرين والفكاهات التي يلقيها مازن وخالد ومصطفى، ألح عليها مالك لتتمشى معه بعد أن لاحظ نظرات إسراء لها وعدم تقبلها معهم في الجلسة لكن نور فهمت مراده فأومئت له أن الأمور ستكون بخير فانصرف مطمئنًا بعد أن طمئنته السيدة هالة أنهما ستأتيان معًا بعد قليل. وما إن إنصرف مالك حتى وجهت إسراء نظراتها لفريدة وشيرين، لاحظ خالد الأمر ليرمق مصطفى بنظرةٍ أبدت على ملامحه الإختناق والإنزعاج من تصرفات ابنة خالته. إستشعر مازن ما يدور في الجو من توتر فاقترح أن يأخذ كُلًا من نور و أروى وحسن قائلًا بمرحه المعهود : _"يلا يا عيال نروح نجيب كاكاو دافي عشان الجو سقعة." ثم هتف بعد أن وقف الأطفال بصوته العالي : _"مستعدون يا أطفااال؟! " ليردف حسن وأروى بنفس الصوت العالي : _"هاي هاي كاابتن!" _________________________ كان مالك يتمشى في الحديقة الخاصة بالمشفى ويجري المكالمة فيديو مع الشخص القابع على الطرف الآخر من العالم، تحديدًا من مدينة باريس، "مروان" ذو التسعة عشر خريفًا، وهو أصغر أفراد الـ"العصابة" كما اعتاد مازن أن يدعوهم. وبرغم السبعة عشر عامًا الذين يمثلون الفارق الكبير بينهما إلا أن مروان هو أقربهم لمالك وكذلك العكس فمالك رغم كِبَر تفكيره وطريقته المتفردة فإن أكثر من يهتم به هو مروان، فقد تشاركا مرحلةً قد غيّرت مجرى حياتهما ، حتى لو كان مصطفى ومازن هما صديقا طفولته اللذان نشئا معه منذ صغره وترعرع ثلاثتهم مع بعضهم بعضًا فإن مروان يعني شيئًا أكثر تميزًا بداخل مالك. كانت الظروف التي تعرفا فيها قاسية على كليهما، شابٌ في السادسة والعشرين من عُمره يتعرف لطفل في التاسعة من عُمره وتنشأ بينهما صداقة وطيدة في إحدى المصحّات العقلية! تُوفي والدي مروان وهو طفلُ ستة أعوام إثر حادث سيرٍ ضخم أدى لإشعال حريقٍ كبير على الطريق السريع.. تحدثت وسائل الإعلام عن الطفل الناجي بمعجزة من حادثٍ على الطريق السريع ألقى ب14 شخصًا للهلاك ليلقوا مصرعهم. بعد أن فشلت الشرطة في التعرف على جثتا والديه المشوهتان، أصيب مروان بعدة إضطرابات نفسية أفقدته القدرة على الكلام، دفاعٌ ألقاه العقل كبطاقةٍ أخيرة للدفاع عن الطفل. ومع حالته تلك لم تستطع الشرطة أن تتوصل لأحدٍ من أقاربه، لذلك تم ترحيله لإحدى دور الأيتام. كان مروان حالة استثنائية في الملجأ مما جعل الأطفال في مثل سنه بل أكبر منه أيضًا يتنمرون عليه، لم يكن لديه حق الشكوى فهو طفلٌ "أخرس" كما دعاه المشرفون على الدار، بل و "مُختل و متخلف" كما أطلق عليه المعلمون والأطفال. وبعد التغيرات التي حدثت عليه نفسيًا وجسديًا في مثل هذه الظروف التي نشأ فيها لمدة عام ونصف، لم يستطع أي دار أيتام تولي مسؤليته، بعد أن قام طبيب أحد الدور التي ارتحل إليها مروان بتزييف تقرير طبي بأن عقليته غير سليمة ومضطربة ليتم ترحيله لمستشفى الأمراض النفسية والعقلية. ————————————————- قولو حبيتو مين أكتر من الشخصيات الجديدة؟؟؟ شايفين إسراء على حق ولا لأ؟؟؟ نجمة وكومنتات كتير بقى♡. -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم.
-مَليكـة مجْـدي إبرا