كل ما تفتح القرآن هتلاقي سيدنا يوسف قال "لا تبتئس" وسيدنا شعيب قال "لا تخف" وسيدنا محمد قال "لا تحزن" خلي دا منهج حياتك ومتفقدش أملك في ربنا مهما حصل 💙. صلـوا علـىٰ الحبيـب قلوبكم تطيب 🦋💙⊁'. ----------------- كيف يُمكن لبضعة أحرف أن تحول قلب بشر لعُش فراشة؟، وكيف يمكن لكلمةٍ واحدة أن تصبح كمركب سيدنا نوح لروحٍ اعتادت التيه في أمواج المحيط العاتية؟، كيف لكلمةٍ واحدة أن ترمم روحًا أنهكتها الهزيمة في لحظاتٍ معدودة وأن تأتي لها بنسمات الربيع بعد خريفٍ طويل تساقطت فيه أوراق الحياة؟؟؟ كانت هذه هي حال مروان الذي أتاه اعتراف نور في اللحظات الأخيرة قُبيل أن يتراجع وينسحب من أرض هذه المعركة كاعتراف "بيل" الجميلة للوحش قبل سقوط أخر وريقات الوردة السحرية وقبل موت الوحش العاشق بلحظات، لتعيد له "بيل" حياته مرةً أخرى كما أعادت نور ترميم روح مروان بكلمتها الوحيدة تلك. نظر مروان أمامه بعد أن أغمض عينيه يحاول استرجاع ما سمعته أذناه مرةً أخرى.. تركيز.. تركيز.. لا شيء يحتويه رأسه سوى التركيز، يتمنى أن يَصدُر صدىً للصوت في رأسه الآن وفي هذه اللحظة.. لو أن العالم يتوقف عن الدوران وأن يتوقف الزمن عن المرور.. وأن تعلق الحياة به في هذه البُرهة الزمنية التي أخذت تُعيد نفسها على مسامعه. مرت دقيقة... دقيقةٌ كاملةٌ على هذا المنوال يود لو أنه أصيب بالصمم بعد كلمتها التي أطفأت حرائق حبه الشجن ولا يستمع لصوتٍ أخر بعد صوتها المُحبب لفؤاده.. هكذا كان يفكر بعدما وقف مُستندًا بمرفقيه على سور الشرفة وقد مدَّ بصره للأفق، ليس بمقدوره التنفس كالبشر الآن كما لو أنَّ رئتيه قد نسيتا كيفية التنفس، أغمض عينيه مجددًا وأخفض رأسه بعض الشيء لتنطلق منه تنهيدةٌ صغيرة أفضت بكل ما به ليستدير مُعطيًا وجهه لها، ليجدها على ذات الوضعية التي اتخذتها، تضم نفسها ولسببٍ ما كان جسدها بأكمله يرتجف ومقلتيها مغرورقتان بعبراتٍ مكبوتة، بينما هي تحاول تفادي عينيه ونظراته المُتشدقة بالحنان جثا هو على ركبتيه أمامها ليضيف قائلًا ببسمةٍ واسعة وعينان تعكسان الراحة الكامنة في لُبِّه بصوتٍ أجش حنون : _"ممكن أعرف الدموع دي ليه طيب؟؟؟ " أردفت نور بصوتٍ مرتجف مهزوز : _"أرجوك إفهم.. أنا مكركبة جامد، بشكل إنتَ متقدرش تتخيله ولا تصلحه، وكل ما أحس إني بدأت أصفى تحصل حاجة تعقدني أكتر... أنا بدأت أقتنع فعلًا إن المشكلة فيا أنا." عقب مروان حديثها بنفس هدوءه وحنانه : _"متقوليش كدا يا شمسي.. أنا كدا هزعل بجد.. إنتِ بس مضغوطة فَمش عارفة تركزي، وحاطة جواكِ طاقة سلبية.. متحطيش في بالك إن دي مشكلة، إنتِ أجمل حاجة شافتها عنيا وأنا بحبك." لم يشعر بعدها سوى بألم صدره الذي ارتمت عليه نور بعنف وهي تجهش بالبكاء على صدره وتزداد تشبثًا به. لم يستطع مروان فعل شيءٍ سوا محاوطتها بذراعيه اللذان انهمر منهما الحب كشلالاتٍ تصبُّ لأعماق نور التي أخفت وجهها في صدره لتستمع لصوته وهو يقول : _"متعيطيش بالله عليكِ بقى مالك كدا هيفتكرني بضايقك وهيعلقني قدام الناس برة." توقفت نور عن البكاء ثم خرجت من أحضانه وجلست أمامه على ركبتيها وهي تجفف وجهها ومروان ينظر لها بحب، يُملي عيونه برؤيتها. نظرت له نور وقالت بتوتر : _"بتبصلي كدا ليه؟؟؟ " تنهد مروان بسعادة ثم أردف سؤالها يجيبها بالغناء بصوته العذب : _"شوفي إزاي جميلة وإنتِ كدا رايقة♪.. وبتحلوي حتى لو مدايقة♪.. يا نجمة مسكت فيها وأنا مستقتل عليها سيبي ضحكتك عليكِ عليكِ لايقة♪.. " ابتسمت نور بتلذذ تستمع لغناءه المُطرِب بينما التهبت وجنتاها بالتدريج حتى اتخذتا هيئة حبات التوت الأحمر مثالًا لها.. ابتسم مروان ثم تابع بهدوء يحاول إدعاء الجدِّية : _"أبوكِ لو جه دلوقتي هيعلقني." ضحكت نور برقة ليردف مروان : _"خلاص أنا كدا عايز أتعلق خلينا قاعدين شوية كمان قدام القعدة هتبقى كدا.. " قالت نور وهي تقف، تحاول تفادي عينيه مجددًا : _"لأ أنا بقول يلا نقوم عشان بجد شكلنا هيبقى وحش أوي لو حد خد باله." ليردف مروان بتخيل : _"تخيلي لو مازن خد باله" ردت عليه نور قائلةً : _"يا لهوي دونًا عن باقي خلق الله عمو مازن!!! دا هيفضحني." قالت ثم انفجرت في الضحك ليضحك معها مروان مُتخيلاً ما قد يحدث حينها، ضحك الإثنان وخرجا من الشرفة، ولحسن حظهما لم ينتبه لهما أحد سوا مازن الذي ما إن لمحهما يخرجان سويًا حتى ألقا غمزةً خبيثة المعنى لمروان الذي حاول وأد ضحكاته ثم طالع نور بنظرةٍ معناها: "ها هو ما خفنا منه قد حدث" استمر الاحتفال حتى غادر الضيوف بالتتابع ولم يتبقى سوى الأصدقاء، جلسوا سويًا في غرفة استقبال الضيوف يأخذون قسطًا من الراحة بعد أن انتهوا جميعًا من التنظيف والترتيب في وقتٍ مُتأخرٍ من الليل.. كان الصمت هو سيد الجلسة بعد أن أخذ كل فردٍ منهم يتنفس بحريةٍ أخيرًا بعد يومٍ طويلٍ ومُتعِب، حتى تحدث مازن قائلًا لزوجته فريدة بلهجةٍ جادة : _"فريدة عايز أسألك سؤال.. " نظرت له فريدة بشكٍ ثم قالت : _"مش مرتاحة للدخلة دي بس إتفضل.. إسأل؟" انتبه له الجميع في فضول ليتوجه هو بالسؤال لزوجته قائلًا : _"هو مش التأمل في خلق الله عبادة وعليه ثواب كبير؟؟؟ " أجابته فريدة بشك : _"أه أكيد، بس ليه بتسأل يعني؟؟؟ " _"حلو أوي، يبقى ممكن تسمحيلي أتأمل في عيونك الحلوين دول وأخد الأجر والثواب." أنهى كلامه بغمزة لتبتسم فريدة وتضحك الفتيات، إنتهت الضحكات بواسطة خالد الذي أردف قائلًا بتحفز : _"غنى هو إنتِ مامتك كانت شجرة ؟؟؟ " تعجبت زوجته وأردفت وهي ترمقه بعدم فهم : _"نعم؟!.. لأ طبعًا، ليه يعني ؟؟؟ " إبتسم خالد بخبث وأجابها بابتسامةٍ بلهاء : _"أصل الشوكولاتة فيها منك حتة قلت أكيد أمك كانت شجرة كاكاو" أضاف غمزةً مُشاكسة لنهاية حديثه السابق بينما جحظت عيني غنى بدهشةٍ مما قاله توًا، إنطلق صفير مالك المُشجِّع وتصفيق مصطفى ومروان وانتشرت ضحكات الجميع تحت نظرات الحنق من مازن الذي أردف بحاجبين مرفوعين : _"يا خرابي على الغيرة.. وبعدين إيه الغزل الرخيص دا يا أصفر..باين الشغلانة لمت" قالت فريدة بخبث : _"بقى دا غزل رخيص.. إسكت إسكت، وبعدين إنتَ مالك يا مازن واحد بيدلع مراته إنتَ مالَـك يا أخي بتتدخل بينهم ليه؟؟؟" تدخل مالك قائلًا : _"منك لله جايب لنا الكلام من يومك." ليردف مصطفى موجهًا حديثه لشقيقته بنبرة تهكم : _"مش هو دا مازن اللي قعدت أعقلك وقعدتي تقولي موافقة عليه موافقة عليه.. إتفضلي يا أختي إشبعي بيه، بس يكون في علمك أنا مبربيش عيال حد" تدخل حسن في الكلام ردًا على والده بتلقائيةٍ بريئة : _"فعلًا يا عمتو بابا مش بيـ(غ)ـربي عيال حد عشان هو مش عا(غ)رف يـ(غ)ـربيني أنا وأختي." وقعت كلمات حسن الصغير كوقع القنابل المُسيلة للدموع من كثرة الضحكات المُتعالية في الأرجاء.. أردف مازن بشماتة خرجت من بين ضحكاته المُتناثر هنا وهناك وهو يحاول تمالك نفسه : _"إلا قولي يا حسن يا حبيبي.. هو إنتَ عُمرك ما سألت أبوك هو معرفش يربيكم ليه؟؟؟" وبنفس الإندفاع أجاب حسن : _"سألته مـ(غ)ـرة من زمان وهو موديني الحضانة قال لي علشان مكانش فاضي يـ(غ)ـربينا، قلت له هتبقى فاضي إمتى يا بابا؟، راح قال ليا لما أخلص تـ(غ)ـربية uncle مازن الأول." جحظت أعين مازن بحنقٍ وغضبٍ شديد وانفجرت ضحكات الجميع بينما قال مصطفى أثناء ضحكه : _"كدا برضو يا حسن، مش قلت لك متقولش كدا قدامه عشان ميزعلش" شهق مازن بعلو باسطًا ذارعيه بطريقة النساء الشعبية قائلًا : _"نعم يا أخويا؟! كتر خيرك يا عنيا والله ما عارف أودي جمايلك فين.. كمان بتراعي مشاعري؟؟؟ " تدخلت فريدة تحاول تهدئة زوجها أثناء ضحكها : _"خلاص يا مازن معلش، عيب كدا بقى. " توجه لها مازن ببصره قائلًا وهو يمط حروفه بنفس الطريقة : _"عيب! مفيش عيب غير اللي أخوكِ بيعلمه لعياله يا.. عمتـو" تحدث مصطفى والإنزعاج بادٍ على محياه : _"مازن إحترم نفسك وإتكلم عِدِل.." بدأ مازن في تقليد صوت إحدى الممثلات المصريات من التراث القديم قائلًا بطريقةٍ سوقية : _"وانتششي مالِك؟؟وإنتششي مالـك؟؟؟!!! " ضحك الجميع على طريقته بينما زاد انزعاج مصطفى ليردف قائلًا بحنق : _"ما تحترم نفسك يا بني آدم بقى وراعي إن في عيال صغيرة بيتفرجوا على تصرفاتك دي..وبعدين إنتَ بتتكلم كدا ليه؟! " لما يستطع مازن أن يتحكم بلسانه عندما قال بطريقة نسائية مُصطنعة : _"أنا كدا.. إنتِ بتتكلمي كدا ليه؟ " مُجددًا ضحك الجميع بينما نهض مصطفى بغضبٍ قائلًا بغيظٍ ساحق : _"طب وسعولي بقى كدا عشان وحياة أمي ما هسيبه! " صرخ مازن ثم جرى مُتجهًا لطابق الغُرف ومصطفى خلفه يتوعد له،في حين تحدثت أروى قائلًا لعمتها : _"عمو مازن شكله لسة طالع من التيك توك يا عمتو" ضحكوا جميعًا على تعليق أروى، حتى نور شاركتهم الضحك حتى احمر وجهها، ناولها مروان بعض الماء لتُهدء من روعها.. ترددت لبرهةٍ من الزمن ثم أخذت الماء من يده الممدودة والإبتسامة مُرتسمة على ثغرها بخجل. وفجأة أتى صوت مصطفى من الطابق العلوي مُخاطبًا مالك : _"يـا مـالـك !! إلحــق الزفت مازن عايز يصحي عيـــالك" هبَّ مالك وقفًا يصرخ بحنقٍ قائلًا : _"والله العظيم يا مازن لو هوبت ناحيتهم لهكون معلقك على برج إيڤل وأخلي اللي ما يشتري يتفرج يا إبن منال !! " قال هذا أثناء عَدوِّه للأعلى وإسراء تتبعه مُتأففةً بتعب فقد انتهت طاقتها تمامًا وهي تخلدهما للنوم والآن سيستيقظان بسبب هذا الضجيج. نظرت فريدة لنور التي لايزال وجهها مُحْمرًا ولازالت تسعُل بقوة أثر الضحك لتتحدث قائلةً : _"إشربي يا نور وشك أحمر على الأخر" أجابت نور وقد أماءت لها بتفهم : _"مروان شربني.. بس مش عارفة.. عمالة أكُح جامد." إنتقلت شيرين لتجلس جوار نور تُربت على ظهرها، بينما التفت حسن لنور مُتسائلًا : _"عمتو هو ليه نور لوحدها بتقول لعمو مروان بإسمه عادي ومش بتقوله عمو؟؟؟ " أجابته فريدة بمشاكسة : _"عشان إنتَ واختك أروى يا حبيب عمتو قصيرين وطالعين أوزعة زيي أنا ومامتك كدا.. وطبيعي عشان هو كبير نقوله يا عمو.. بس هو بيخليها تناديه بإسمه عادي علشان نور لو نادته بعمو هيحس إنه عجوز." هز حسن رأسه مُتفهمًا بينما أروى قالت بحنق وغيرةٍ ظاهرين : _"لأ أنا مليش دعوة إزاي هي تتكلم براحتها وتعمل اللي هي عاوزاه عشان هي شكلها كبير دا كدا إستهبال." خرج الكلام عن حدود المزاح فتجمعت الأعين حول أروى لتشعر هي بفظاعة حروفها السابقة، أغمضت شيرين عينيها بقوة تحاول كبح لجام غضبها بينما قالت فريدة بنبرةٍ جادةٍ بعض الشيء : _"أروى كلامك دا غلط وأسلوبك مش مقبول أبدًا.. إتفضلي إعتذري للكل على أسلوبك دا دلوقتي." إعتذرت أروى على مضدد ثم ذهبت لغرفتها وتبعها حسن بينما التفتت فريدة لترى شيرين الغاضبة من فظاظة إبنتها وتلاحظ علامات الغضب جليًا على جسدها بالكامل، حيث أغلق قبضيتها بعنف تحاول السيطرة على نفسها وعيناها لا تزالان مغمضتان.. قالت فريدة بصوتٍ هاديء : _"معلش يا شيرين هي لسة عيلة صغيرة.. " قاطعتها شيرين باندفاع : _"لا يا فريدة مش صغيرة، دلع مصطفى ليها خلاها مش عارفة توزن كلامها، هي قد نور ومع ذلك نور عُمرها ما اتكلمت كدا ولا اتعاملت بالأسلوب دا." _"خلاص يا شيرين نفهمها غلطها بالراحة ودا سلوك ممكن يتصلح ببساطة.. " هكذا تحدثت غنى لتواجه غضب شيرين التي لم تعي ما تقوله بحديثها : _"فهمتها كتير يا غنى أنا ومصطفى.. وحاولنا نصلح من أسلوبها بس مفيش منها أي إستجابة.. تعبنا معاها عشان تتعلم تراعي كلامها بس لا حياة لمن تُنادي.. أومال دي لو مكانش ليها أهل يربوها ولا أم وأب يعلموها الصح والغلط كانت هتبقى عاملة إزاي." ساد الصمت من الجميع وكلٌ ينظر لشيرين بصدمة مما تفوهت به توًا حتى أفاقت وكأنها لاتزال تستوعب ما قالته، نظرت شيرين حولها لتجد الأنظار مُترددةً بينها وبين مروان ونور.. طفلي العائلة اليتيمان.. لم تكن كلمات شيرين المتهورة سوى شظايا زجاجٍ مُلتهبة تنغرس في أعمق جراح اليتيمين، لتكشط الوجه الجاف لجرحهما وتفجر مكامنه. قالت شيرين بخجلٍ شديد موجهة حديثها لهما : _"والله العظيم مش قصدي، أنا.. أنا أسفة بجد أنا اتعصبت و... " قاطعتها نور قائلةً والبسمة على وجهها : _"عادي ولا يهمك." أنهت كلماتها السابقة باقتضاب ونهضت تاركةً إياهُم جالسين بتعجب.. لم يستغرق الأمر ثانيةً حتى قام مروان أيضًا وعلامات الوجع على محياه واضحةً بتجلي للجميع، حاولت شيرين أن توقفه وتعتذر له قائلًا : _"مروان حقك عليا والله مقصدت.. " قاطعها مروان بقوله الحازم دون حتى أن يلتفت لها : _"مش أروى بس اللي محتاجة تفكر في كلامها قبل ما تضايق اللي حواليها. " ذهب مروان خلف نور تاركًا خلفه فريدة وغنى اللتان نظرتا لشيرين بعتابٍ وغضب، صمت الجميع للحظات ثم تحدث خالد قائلًا لزوجته غنى وهو يتقدم نحوها بعد أن نظر لساعته ليرى أن الوقت قد تأخر بالفعل : _"طب يا غنى أنا همشي دلوقتي وهسيبك تقعدي مع إسراء إنهاردة مش عايزة حاجة مني قبل ما أمشي؟؟؟ " حركت غنى رأسها نفيًا وابتسمت مُتحدثةً بهدوء : _"لا يا روحي شكرًا، خلي بالك من نفسك بس." اقترب خالد منها وقبل رأسها بحنوٍ بالغ، ثم سلم عليها وأخبرها أن تبلغ سلامه لابنة خالته وزوجها ثم انصرف. _________________________________ في الأعلى، تحديدًا في غُرفة الصغيرين فيان وكيان بعدما تم طرد مازن ومصطفى منها من قِبَل مالك وإسراء دلف الزوجان غرفة طفليهما الباكيان مُغلقين الباب خلفهما، أخذ كُلٌ منهما يحمل طفلًا يُهدهده لينام، تثائب إسراء بتعب ليأتيها حديث مالك مُتسائلًا والبسمة تعلو وجهه : _"تعبتي؟؟؟ " أجابته هي بتهكمٍ واضح : _"قصدك إتقتلتي؟؟؟ " أردف هو بحنو : _"بعد الشر عليكِ! متقوليش كدا وبعدين إنتِ لسة يدوبك أول يوم." _"بحبهم أوي يا مالك.. بس خايفة أوي مكونش قد المسؤلية دي." قالت هذا وهي تطالع الصغير بين ذراعيها بحبٍ وقلق في نفس الوقت، ليتابع مالك أثناء وضعه للصبي الأخر في مهده برفق : _"متخافيش يا إسراء أنا واثق فيكِ إن شاء الله، وإنتِ قدها وقدود وقد المسئولية دي." _"مالك فاكر لما كنت في الجامعة وكنت بتحفظ الأشعار والقصايد عشان تيجي تقولها ليا؟؟؟ هو إنتَ ليه بطلت تقول ليا قصائد رومانسية زي زمان أول ما حبيتك؟؟؟ " قال مالك مُمازحًا : _"أه قولي بقا إنك محبتنيش عشان حاجة غير كدا؟؟؟ إظهري بقى على حقيقتك يا أم فيان وكيان." قالت هي بدهشةٍ وتعجب : _"الله! أنا قلت حاجة يا عم إنتَ؟؟؟" تناول منها الصغير وقام بوضعه في مهده هو الأخر، ثم قال وهو يمسك بيديها قائلًا : _"خليليَّ مِـن هلال عُليا ابن عامـرٍ بِصَنعَاء عوجـا اليومَ وانتظـراني ألا فاحمِلانـي بَاركَ اللّٰـهُ فيكُـما إلىٰ حاضِـرِ الرَوحـاءِ ثُمَّ دَعَانـي عَلىٰ كَبـدي مِـن حُبِّ عَفـراءَ قَرحَةٌ وعَيناي مِـن وَجـدٍ بِها تكِّفانِ يُكَلفُني عَمّـي ثَمَانيـنَ بَكـرةً ومـا ليَّ يا عَفراءُ غيرُ ثمانِ أُحِبُّ ابنةَ العُـذرِي حُبًّا وإنْ نَأَت ودانيتُ فيها غَيرَ مَا مُتَدَانِ أُصَلي فأبكـي فِي الصَّلاةِ لِذِكرِها ليَّ الويلُ مِما يكتبُ المَلَكانِ وإنّي لأهوىٰ الحَشـرَ إذ قِيلَ أنني وعَفـراءُ يَومَ الحَشرِ مُلتَقِيَانِ كأنَّ قَطَاةً عُلِّقَت بِجَنَاحِها عَلـىٰ كَبِدي مِـن شِدَّةِ الخفقـانِ" وما إن انتهى حتى ظل يطالع وجهها بتمعن وترقب، ينتظر ردة فعلها ولما طال صمتها، تسائل هو قائلًا : _"سكتتِ ليه إيه رئيك؟؟؟ " أجابت هي بوجهٍ خالٍ من التعابير : _"بس كدا خلاص؟ خلصت؟؟؟ " أجابها مالك وقد انمحت البسمة من على وجهه مُردفًا بقلق ظنًا منه أن كلماته لم تعجبها : _"أه خلصت.. " ألقت هي رأسها على صدره مع قولها بصوتٍ هامِس : _"أه ياااااااااااني" تنهد مالك براحة ثم تابع : _"يا شيخة خضيتيني أنا افتكرت الكلام معجبكيش." صمتت هي ولم تعقب فقط تنهدت بعمق وظلت على وضعها، هكذا، واضعةً رأسها موضع قلبه، هُناك حيث مكانها الطبيعي. ضمها هو داخل ذراعيه بحب يُمسد على شعرها بِحُبٍّ بالغ، تنهد بأريحية ثم قال : _"ربنا يباركلي فيكِ يا إسراء وميحرمنيش منك أبدًا ولا من حطة راسك على قلبي دي." أجابت هي بهدوء والدنوع تكاد تفر من عينيها : _"أنا اللي ربنا ميحرمنيش من قلبك اللي بنام عليه دا وفي أي وقت ببقى عارفة إن لو راسي سندت عليه عمره ما هيشتكي ولا هيتعب، ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا مالك إنتَ أحسن حاجة حصلتلي في حياتي بجد، أنا بحبك أوي" _"أحسن حاجة؟؟؟ " قالها مالك بدهشة وقد عجز عن تصديق هذا الأمر كيف لعقله الذي ظل يوهمه أنه سبب كل الأحزان أن يُدرك الآن، وبعد كل هذه المُعاناة أنه شيءٌ لا يمكن لعينٍ ما رؤية جميل غيره في هذه الدنيا؟.. كيف وهو الذي لم يشعر بالإنتماء أبدًا لمن حوله، لطالما كان غارقٌ في ظلامه لا يعي شيئًا عن العالم، الوحدة حوله واليأس رفيقه، قرر قلبه منذ فترة كبيرة ألا يثق مرةً أخرى، لم يعد يحب أو يتخذ رفيقًا، ترك نفسه ليغرق في بئر عميق مليئ بأحزانه وأفكاره السوداء، لم تناسبه كل الأماكن ولم يناسبه كل الأشخاص، هاربٌ من قلبه حتى لا يلين مُجددًا، هاربٌ من عقله الذي يجلده بذكريات مريرة بين الثانية والآخرى، هاربٌ حتى من نفسه، أتظنه آتٍ إلى أحد؟ رفعت إسراء رأسها قاطبةً جبينها بعدم فهم : _"يعني إيه بجد؟؟؟ إنتَ بجد مش عارف أنا بحبك قد إيه؟؟؟ " نظر لها بأعينٍ دامعة، ثم قال بنبرةٍ مُهتزة : _"أنا عُمري ما تخيلت إني أكون أحسن حاجة في حياة حد.. بالذات إنتِ يا إسراء.. أنا تعبتك معايا كتير وإنتِ كنتِ بتستحملي أكتر، كنتِ بتستحملي تقلباتي وقلة إهتمامي وبرودي، والجفاء والبُعد.. إحنا كان زماننا متجوزين من فترة طويلة بس كل دا كان بسببي.." أجهش في البكاء بين أحضانها كطفلٍ صغير يبكي بين ذراعي والدته يقول من بين شهقاته : _"بس صدقيني كل دا كان غصب عني.. مكنتش أنا المُتحكم، وكنت ببعد عشان كنت دايمًا خايف أزعلك أو أكون مصدر أذى وحزن ليكِ.. حتى في مرضي كُنت بحبك وكنت فاكر إني لو قربت منك هزعلك فغصب عني كنت ببعد وبتجاهل، لكن أنا والله بحبك..." ضمته إسراء لها أكثر وقالت بينما أصابعها تتغلغل في شعيراته البُنية الكستنائية بابتسامةٍ يعتريها بعض الحزن الخفي على حال زوجها : _"عارفة يا مالك.. عارفة يا حبيبي، عارفة ومقدرة اللي إنتَ كنت فيه ساعتها ومكنتش معترضة... عارف أنا كنت حاسة بيك من قبل حتى ما أقابل فريدة أول مرة وتكلمني عن مرضك، بس كنت حاسة.. عشان اللي بيحب حد بجد قلبه بيحس بيه، وإنتَ كنت عايز تتفاداني عشان متجرحنيش وأنا حسيت بكدا ومرضيتش أضغطك لحد ما أحس إنك عايز ترجع مالك حبيبي تاني، متقلقش أنا معاك على طول.. حتى لو بعدت عنك في يوم هكون شايفاك من بعيد، إتطمن يا مالك، إتطمن يا حبيبي." كاد يُجيبها لولا صوت طرقات خفيفة على الباب كان صاحب هذه الطرقات ذات الوقع المميز هو مروان، فرك مالك وجهه بعنف مُخفيًا أثار البكاء ثم توجه نحو باب الغرفة، فتح مالك ليجد مروان أمامه كما توقع تمامًا. نظر مروان لمالك بحرج ثم تنحنح وطلب منه أن يحدثه على انفراد، خرج مالك واصطحب مروان برفقته إلى المطبخ كي يتحدثا على راحتهما، دخلا للمطبخ وأول من تحدث كان مالك حينما قال : _"نعم يا مروان، إحنا لوحدنا أهو في إيه؟؟؟ " أجابه مروان ببعض الخجل : _"مالك هو أنا ينفع أطلب منك طلب؟؟؟ " همهم مالك دلالةً على موافقته، ليستمر مروان قائلًا : _"مالك هو إنتَ ينفع تخلي نور تذاكر في البيت؟ " نظر له مالك نظرة عميقة مما أربك مروان بعض الشيء، ثم أردف على قوله السابق مُتسائلًا : _"ليه يا مروان؟؟؟ " أجابه مروان بانفعالٍ وضيقٍ شديد : _"عشان المدرسة دي مش مُناسبة ليها يا مالك.. هي مش مستريحة هناك بس مش بتقول لحد، بس هي فعلًا متضايقة هناك، العيال هناك من سنها والمدرسين كمان بيضايقوها على طول ويعايروها بشكلها المختلف، وهي بتتأثر بالكلام دا، وبعدين لو على المذاكرة إحنا كلنا موجودين ممكن إنتَ أو غنى تساعدوها لو وقف معاها حاجة في الفرنساوي، مصطفى أصلًا بيذاكر لعياله فأكيد هيساعدها، معتقدش إن في أي ضرر مترتب على قعادها من المدرسة." تذكر مالك نظراتها للأطفال عندما يذهب لاصطحابها من وإلى المدرسة، أومأ له مالك ثم أردف بقوله : _"تمام يا مروان أنا هشوف الموضوع دا بنفسي، شكرًا علشان لفتت نظري للموضوع دا." صمت مروان لدقيقةٍ ثم تابع بصوتٍ أكثر هدوئًا : _"مالك.. " نظر له مالك بفضول وعيناها تتسائلان عن ما يدور بفكر مروان الذي تابع بنفس طريقته الأخيرة : _"أنا هسافر قريب.." تغيرت ملامح مالك الجامدة لأخرى مُتأثرة برحيل صغيره الذي تربى على يديه وشاركه أصعب سنوات حياته، عقب مالك بانفعال : _"هتسافر فين؟؟؟ " لم يستغرق مروان وقتًا حتى أردف : _" لندن.. واحتمال كبير أطول هناك." _"ليه يا مروان؟؟؟ لو دي رغبتك أنا أكيد مش هقف قصادك بس ممكن على الأقل تعرفني إيه السبب؟؟؟ " _"مالك أنا مش مُتدين ولا ملتزم، أنا بس قررت أجاهد نفسي، بحاول إني مسمعش أغاني، بحاول إني أغير من نفسي للأحسن، بحاول مقولش أي كلمة متنفعش تتقال، بحاول أبطل أي تفكير غريزي اللي مهما حاولنا برضو بنقع فيه، بحاول في حاجات كتير.. سمعت مرة فيديو على النت لشيخ بيقول فيه إن إحنا بشر وإن دي فطرتنا، وإن بيبقى في حاجة عارفين إنها حرام وغلط أو حتى مُضرة وبنبقى مياليين ليها ..بس إسمي في الأخر بحاول و بجاهد نفسي، مؤخرًا إكتشفت إن جهاد النفس قصاد حاجة أنا فعلًا عايزها دي أصعب حاجة في الدنيا. أنا إنسان مُقصر، مش شيخ ولا ملتزم، طول الوقت بلوم نفسي وبعاتبها وجوايا إحساس اني مُقصر وبحاول أكون صالح ونفسي دا يتحقق، بس أنا مُقتنع جدًا إن طالما بنحاول هيجي أكيد وقت بإذن الله نستقيم وربنا هيهدينا ويقربنا منه." ارتسمت بسمةٌ خفيفة على وجه مالك ليضم مروان إليه وهو يشعر بالفخر الشديد بطريقة تفكيره، ضمه مالك بقوةٍ يربت على كتفه ثم أردف : •﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾• أي حاجة إنتَ بتعملها ومقتنع بيها يا مروان أنا عمري ما همنعك تعملها بل هشجعك، وأنا فخور بيك إنك بقيت بتفكر بالطريقة دي، وأيًا كانت الحاجة اللي إنتَ بتجاهد عشانها أنا هساعدك توصل لها." خرج مروان من أحضان صديقه وأردف بخجل : _"طب بص يا مالك.. أنا هكلمك بصراحة وبما إنك قلت إنك هتساعدني في الحاجة اللي أنا عايز أحققها وأوصل لها أيًّا كانت إيه هي.. فأنا عايزك تشيل ليا نور، خليهالي عندك لحد ما أرجع.. أنا بحبها أوي يا مالك، معرفش إزاي أفهمك بس أنا بحبها أكتر من نفسي.. " كاد مالك يقاطع مروان لكن مروان لم يمُهله فرصةً وتابع يسترسل حديثه بسرعة : _"أنا عارف إنتَ هتقول إيه، وعارف كمان إن كلامك صح.. بس الفرق بيننا مش كبير ست سنين وكام شهر بس.. الفرق بينك وبين إسراء أكبر من كدا وكمان.. " صمت مروان وتحولت ملامحه للضيق فجأة ثم حرك رأسه يمينًا ويسارًا بعنف مُردفًا : _"والفرق بين أمي وأبويا الله يرحمهم كان أكبر برضو من مجرد ست سنين، ومع ذلك الحاجة الوحيدة اللي أنا فاكرها عنهم هي إنهم كانوا بيحبو بعض، أنا بحبها أوي يا مالك ومع ذلك مراعي إنها لسة مراهقة.. ودا من ضمن الأسباب اللي مخلياني عايز أسافر وأبعد، مش عايز أشغلها عن مستقبلها، عايزها تكبر وتفهم الدنيا وتتعامل مع بشر عشان لما أجي أخدها من حضنك تكون متأكدة إنها عايزة تكمل باقي حياتها في حضني أنا." ناوله مالك كأسًا بها بعض الماء ليهدأ من نفسه قليلًا، ارتشف مروان بعض قطرات المياه ثم تابع : _"عارف إنها صغيرة ومش عايز أظلمها معايا، عشان كدا هبعد عنها ومتأكد إن هي لو من نصيبي ربنا هيجيبهالي بكل السُبُل عشان أنا إتقيت ربنا وبعدت عن حاجة بتغضبه مع إني بحبها، أنا عمري ما كنت عاوز أبدأ مع اللي قلبي هيحبها بعلاقة حرام وتغضب ربنا، عشان كدا أنا بكلمك دلوقتي.. أنا مخبتش عليك حاجة ومش عايز أغضب ربنا ولا عايز أكون سبب في أذى مراهقة عشان كدا أرجوك تساعدني على موقفي.. أنا هبعد عنها عشان لما أجي أخدها أخدها وأنا وإنتَ وكل الناس متأكدين إني بستحقها وإني عمري ما هكون سبب في زعلها، وأتقي ربنا في البنت اللي بعدتني عن الكل سنين طويلة." نظر له مالك بعمق، استشف مالك الصدق في حديثه وصوته ونظرة عينيه، تنهد مالك بقوةٍ ثم عانق مروان بحب مُردفًا : _"تمام يا مروان، أنا عارف إنك راجل وإنك قد كلمتك، بس برضو زي ما قلت أهم حاجة هي نور وإنها تكون مدركة وفاهمة ودا محتاج وقت.. هي صحيح عاقلة وتفكيرها كبير بس في الأول وفي الأخر لسة صغيرة برضو، ومع ذلك أنا واثق فيك عشان كلامك عجبني وحسيتك بتتكلم بجد، اللي بيحب حد بحد قلبه بيحس بيه وأنا قلبي حاسس بيك دلوقتي ولو كان دا تفكيرك وكلامك بجد فأنا بشجعك وبقوة، وربنا يسعد قلبك ويوفقك يا حبيبي." بادله مروان العناق وقد غمرته فرحةٌ عارمة : _"بجد يا مالك دا رأيك؟؟؟ " _"أومال بهزر معاك ياض؟؟؟ " كانت هذه كلمات مالك ردًا على سؤال مروان وهو يصفعه على رقبته من الخلف مُمازِحًا له. ____________________________________ إنتهى اليوم الطويل أخيرًا بذهاب مروان وخالد ومازن وزوجته فريدة كُلٌ إلى منزله، ولم يتبقى سوا مالك وأسرته ومصطفى وأسرته في الڤيلا بالإضافة إلى غنى التي ظلت رفقة ابنة خالتها هذا اليوم. مرَّت الأيام بسلام دون أي أحداثٍ تُذكر، يستيقظ الرجال فيذهب كُلٌ منهم إلى مقر عمله، والأطفال إلى مدارسهم، لم يحدث أي شيءٍ غير طبيعي أو مألوف، وعلى عكس ما توقعه الجميع أن ينشغل مالك بالطفلين فيان وكيان عن نور، صارت نور أقرب له من ذي قبل، صار يقربها منه رغمًا عنه ودائمًا يشعر أنه لا يريد مُفارقتها، بدأ يعملها الكتابة والتعبير وكيف تصيغ خواطرها بخيالٍ بليغ.. لقد علَّمَ الكاتب ابنته الكتابة، ومع ذلك لم يُعارض شغفها بالرسم، بل كان دائمًا ما يُطاوع رغباتها في تنمية مهاراتها ودائمًا كان يشجعها على الاشتراك في كورسات ومجموعاتٍ تدريبية لتنمية وتطوير قدراتها في هذا المجال. مرَّت بضعة أسابيع على هذا الحال الهاديء ومران ولم يعد يظهر في الأرجاء كثيرًا وفي نهاية أحد الأيام مساءً عادت نور غرفتها مساءً بعد أن تناولت عشاءها برفقة الجميع، أدت فرض العشاء وانتهت من تضرعها لله، اتجهت لفراشها ورتلت أذكار النوم وأغمضت عينيها لكن النوم لم يعرف لها طريق، جافاها النوم وهجرها ليتركها تفكر بحزنٍ في ذلك الذي تركها بعد أن اعترفت له بمكنونات قلبها، شعرت بالخجل كثيرًا وكأنها تحترق.. فجأة داهمها شعورها بالغضب والحُرقة، شعرت بنارٍ تلتهب داخلها تنهش لُبَّها شيئًا فشيئًا. تأخر الوقت والصبية لم تغفو بعد، قامت من فراشها وأخذت ترتدي ثيابها التي كانت عبارةً عن فُستانٍ حريري من اللون الأحمر القاتم، مع حجابٍ أسود بسيط ثم أخذت دفترها الذي تدوِّن به كل ما يجول بخاطرها بالإضافة إلى قلمها المُفضل الذي أهداه مالك إياها وهاتفها. صعدت للسطح تستنشق بعض الهواء لعل برودة الرياح تُخمد النيران المُشتلعة بداخلها. جلست على كُرسي الأرجوحة الذي صممه مصطفى للأطفال، تنهدت بعُمقٍ تُحاول كبح لجام دموعها عن الإنهمار ثم فتحت دفترها وبدأت تُدوِّن..، أغلقت دفترها وختمت كتابتها بتنهيدةٍ أخرى، ظلت الأفكار تُراودها وظلت تلوم نفسها أنها صارحته بمشاعرها، بدأت عقدة نقصها تتفاقم وتتزايد في داخلها، شعرت بشيءٍ ما ينخر جوفها وما إن فقدت السيطرة على مدامعها وبدأت دموعها بالإنهمار حتى شعرت فجأة باهتزاز هاتفها في جيبها مما لفت انتباهها، أخرجت هاتفها وشرعت تتفحصه لتجد رسالةً من مروان على أحد تطبيقات التواصل الإجتماعي "واتساب" والذي لم تكن تستخدمه بكثرةٍ سوا من أجل مدرستها وتنويهات المُعلمين والمُعلمات في مجموعات الدراسة، فتحت الرسالة لتجد محتواها عن رمزًا تعبيريًا يدل على شكل عينين مُترقبتين وعلامة إستفهام، رأت نور الرسالة ولم تعقب عليها بشيء مما دفع مروان لإرسال رسالةٍ أخرى محتواها : _"طالما شوفتيها يبقى إنتِ صاحية، وطالما مرديتيش يبقى زعلانة مني صح؟؟؟ " وكما الحال في الرسالة السابقة قرأتها ولم تكلف نفسها عناء الرد، مُجددًا أرسل لها رسالةً ثالثة : _"طب أنا عملت إيه طيب؟؟؟ " أردف الرسالة برمزٍ تعبيريٍ أخر يدل على وجهٍ يبكي بشدة، وما إن رأت نور هذا الرمز التعبيري حتى ارتسمت بسمةٌ طفيفة على شفتيها، وجدته يستمر في الكتابة فردت عليه هي بسرعة برسالة محتواها : _"مفيش حاجة". ومن جهة مروان نظر مُتعجبًا للرسالة ثم قام بمسح ما كان يكتبه وكتب من جديد ثم تابع : _"عارفة؟ أنا قاعد دلوقتي على السطح.. مكاننا المُفضل." أرسل هذه الرسالة ثم أردفها بأخرى محتواها : _"مكاني أنا وإنتِ .. ♡" وما إن وقعت عيناها على رسالته الأخيرة حتى احمرَّ وجهها وابتسمت.. صمتت قليلاً قبل أن تردف برسالتها : _"على فكرة وأنا كمان قاعدة على السطح. " ثم تابعت برسالةٍ أخرى تسأله فيها : _"كنت فين الفترة دي؟؟؟" أجباها مروان بخبث : _"قولي بقى إني وحشتك.. عندي دور حُمى مبهدلني على الأخر يا شمس." تخيلت نور مدى لطافة صوته وتعبيرات وجهه إذا قال هذه الجملة أمامها وجهًا لوجه فازدادت ابتسامتها اتساعًا ثم عقبت : _"خد دوا وإنزل متقعدش عالسطح كتير عشان الجو ساقع." أردف هو مُعقبًا برسالته : _"مفيش دوا.. جربتهم كلهم ومش جايبين نتيجة." أردفت هي بتساؤلٍ جعله يجزم أنها لو كانت أمامه الأن لاستطاع رؤية دموع عينيها الخصراوتين : _"ليه كدا بس؟؟؟ " أجاب هو بحنو وهو يبتسم وفي مُخيلته صورتهما وهو يعانقها ويهون عليها في الشرفة يوم الحفلة : _"البرد مش عاتقني و إنتِ عينيكِ الدفا يا شمسي. " وما إن رأت نور هذه الرسالة حتى أغلقت الهاتف بسرعةٍ كبيرة وظلت تفرك وجهها بقوة ظنًا منها أنها بحُلمٍ سعيد، لكنها لم تستيقظ فأدركت أنها لا تحلم، وعلى الجهة الأخرى رأي مروان أخر ظهور لها منذ دقيقة فابتسم بحب وهو يعرف ما يدور داخلها على الجهة الأخرى، أغلق مروان هاتفه ثم دلف للأسفل ودخل غرفته تناول أدويته وغط في ثُباتٍ عميق والإبتسامة لا تفارق وجهه، تمامًا كالفتاة التي أصبحت مؤخرًا لا تغادر أحلامه. بينما هي ظلت تتنفس رويدًا رويدًا لعلها تهديء من توترها لتنسحب الدماء المُتدفقة على وجنتيها،بعد قليلٍ من الوقت أخذت أشيائها وهبطت للأسفل ودخلت غرفتها، قامت بتبديل ثيابها لأخرى مُريحة، استلقت أخيرًا على فراشها واستسلمت للنوم بعد هذه الليلة الغربية والمُرهِقة عليها. _________________________________ صدح جرس المدرسة الذي أعلن عن انتهاء الدوام المدرسي ليوم الأربعاء لتخرج الصفوف تباعًا بدءًا من رياض الأطفال حتى صفوف المتوسط بالتوالي.. خرجت نور من المدرسة تنتظر والدها لتفاجأ بمروان يقف أمامها بسيارته، قطبت جبينها بتعجبٍ تسأله : _"مروان؟! إنتَ بتعمل إيه هنا بابا جاي ياخدني؟؟؟ " أردف مروان بمشاكسة : _"بعمل إيه هنا؟ هو دا الترحيب بيا؟ محسساني إني واقف في أملاك أبوكِ يا بت إنتِ، لا يا حبيبتي أنا واقف على أملاك الحكومة." نظرت له نور بعدم فهم وقد ازداد تعجبها أكثر من طريقته ليضحك هو بعنفٍ على براءتها ثم عقب قائلًا : _"خلاص بقى.. عامةً أنا إستأذنت باباكِ إني أجي أنا أخدك إنهاردة وهو وافق بعد زن كتير من العبد لله." إبتسمت نور بسمةً لطيفة ثم تابعت بتساؤل : _"إشمعنا النهار دا يعني؟؟؟ ما أنا علطول بروَّح مع بابا عادي؟؟؟ " كانا يتحدثان أثناء مسيرهما بسيارة مروان ليردف مروان مُتجاهلًا سؤالها وقد أوقف السيارة فجأة : _"بُصي جبتلك إيه.. " أخرج مروان ظرفًا من درج السيارة أمامه ثم فتحه ليخرج منه عُلبةً صغيرة، فتح العُلبة بيده وقدمها نحوها بهدوء، نظرت نور للعلبة والتمعت عيناها بالدموع عندما رأت تلك القلادة الرقيقة التي تحمل في منتصفها ميداليةً بشكلٍ رمزيٍ لزهرة دوَّار الشمس مع مُلاحظةٍ صغيرة مُدوَّنٌ عليها. "نقيَّة ينبتُ الوَردُ فِي خُطواتِهـا" أمسكت نور القلادة بأناملها تتحسسها برِقة كأنها تخشى أن تؤذي وريقات الزهرة، إلتمعَت عيناها بالدموع وهي تتحدث بصوتٍ مُتأثر : _"دي عشاني؟ " إبتسم مروان بحب وأخذ القلادة من بين أناملها برِفق وألبسها إياها بحب وحنو بالغَين، ظل مروان ينظر لها بعينين حملتا من الصبابة ما لم تحمله أزهار دوَّار الشمس للشمس نفسها. نظرت نور بتأثرٍ للقلادة التي أحاطت عنقها بدفءٍ مميز خاصٍ له هو فقط.. بينما هو ظل على حاله ينظر لها بشغف كأنه يشبع عينيه منها، ظلا هكذا حتى كسرت نور الصمت بسؤالها : _"حلوة أوي يا مروان.. بس دي عشان إيه؟؟؟" ابتسم مروان ثم أردف بحزن والدموع تترقرق في مقلتيه : _"عشان تبقى ذكرى حلوة ليا عندك يا شمسي، دوَّار الشمس دا أنا.. وفين ما بيكون دوَّار الشمس بيفضل دايمًا معاها مهما كانت المسافة بينهم." تغيرت تعبيرات وجه نور للحزن وأردفت بتوترٍ وقلق : _"مروان هو إنتَ بتتكلم كدا ليه؟؟؟ " ابتسم أكثر يحاول تمالك نفسه، وفي النهاية فرت دموعه لتشق طريقها على صحراء وجهه، تنهد بعمقٍ ثم قال لها : _"عادي يا نور جبتهالك وخلاص، صحيح.. أنا أقنعت مالك يخليكي تذاكري في البيت." جحظت عيناها وقالت مُتناسيةً قلقها : _"بجد يا مروان؟! شكرًا أوي شكرًا شكرًا شكرًا." _"على إيه يا نور؟ اللي بيحب حد بيدور على مصلحته والحاجة اللي تريحه وبيسعى إنها تتحقق، كدا محدش هيدايقك وإنتِ نفسك هتقدري تتفوقي على اللي معاكِ كلهم وتخلصي دراستك أسرع." تسألت نور قاطبة الجبين بعدم فهم : _"أخلص دراستي أسرع إزاي يعني؟؟؟ " _"هو إنتِ مسألتيش نفسك إزاي أنا عندي 20 سنة ودكتور جراح؟ أنا كنت بتضايق في المدرسة ومالك خلص أوراقي وخلاني أذاكر في البيت، وطورت من نفسي مع الوقت، عشان كدا كنت بخلص السنة الدراسية في شهور قليلة وأقدر أطلع المرحلة اللي بعدها قبل اللي في سني لحد ما خلصت الجامعة وأنا عندي 19 وخدت شهادة أصغر دكتور جراح على مستوى جامعات فرنسا كلها." لمعت أعين نور بفخر وقالت له بحماس : _"أنا مبسوطة أوي بكلامك دا وحقيقي فخورة بيك." أردف مروان مُعقبًا : _"أنا فخور بيكِ على طول يا نور ومهما حصل هفضل فخور بيكِ، بس برضو دا ميمنعش إني عايزك تستغلي الفرص عشان تطوري من نفسك في كل المجالات عشان... " صمت قليلًا ثم تابع بعد إطلاق تنهيدةٍ طويلة : _"عشان لما أرجع أبقى فخور بيكِ أكتر." إنتبهت نور لأخر كلماته لتطالعه بخوفٍ وحزن قائلًا بعدم فهم : _"لما ترجع منين؟؟؟ مروان إنتَ هتسيبني؟ " فرك مروان وجهه بقوة ثم أردف وهو يُعيد تشغيل مُحرِك السيارة : _"أه يا نور.. هسافر واحتمال أغيب هناك كتير، بس صدقيني كل دا علشان مصلحتك، زي ما قلت لك إن اللي بيحب حد بجد بيسعى لمصلحته؟، أنا بدور على الحاجة الأفيد ليكِ، وعاوز تثقي فيا، وتثقي إني بحبك وهحبك على طول وإنك شمس دنيتي بجد ماشي؟؟؟ " أجهشت نور بالبكاء ولم تستطع تمالك نفسها فها هو مُعذبها يتركها للألم وحدها بعد أن كبَّلها بالأصفاد مُجددًا، قال مروان بصوته الرخيم وهو يطالع الطريق أثناء قيادته بمرحٍ مُصطنع : _"جرا إيه يا شمس؟؟ مش قلنا تباع الشمس بيفضل وراها ولو بينهم مسافات قد الدنيا؟؟؟ ولا الشمس مبقتش واثقة في الورد خلاص؟ " عقبت نور من بين أنفاسها المُتضاربة : _"أنا واثقة فيك يا مروان.. أنا بس بعيط عشان إنتَ هتوحشني أوي.. " مروان بحذر وهو يصف سيارته أمام بوابة الڤيلا : _"عارف إنك واثقة فيا وعارف إني مش هخيب ثقتك دي بس عشان كل حاجة صح لازم أراعي ربنا فيكِ وأنا مش عايز حُبي ليكِ يبقى حاجة غلط أو حرام، في نفس الوقت أنا ضمنت مستقبلي وإنتِ لسة قدامك حلم عايزة تحققيه مينفعش أكون أناني بيكِ على حساب حياتك إنتِ، وعلى فكرة أنا قلت لأبوكِ إني بحبك وإني هبعد عشان كدا وهو موافق ومشجعني.. مش عايزك تزعلي مني عشان خاطري ماشي يا روحي؟؟؟ " مسحت نور وجهها وهدأت من أنفاسها ثم قالت بعد صمتٍ دام لدقائق : _"ماشي يا مروان.. إنتَ كلامك صح، وأنا واثقة فيك وفي بابا". _"شاطرة يا حبيبتي، يلا إطلعي بقى إستريحي من المدرسة شوية وهبقى أكلمك مرة أخيرة كمان. " لم تعقب نور ببنت شفة بل أخذت حقيبتها وغادرت السيارة، إنطلق هو لمنزله وقد ملأت الراحة صدره بعد أن تفهمت هي قراره هذا، دخلت نور الڤيلا بوجهٍ مُتجهم، صادفتها إسراء الجالسة برفقة شيرين والطفلين ومالك، دخلت نور دون حتى أن تلقي عليهم التحية، تعجب الجميع من تصرفها غير المعهود كادت إسراء تلحق بها لغرفتها لكن مالك أشار لها بالجلوس وترك نور الآن فهو يعرف ما بها وسوف يُصالحها. __________________________________ مرت الأسابيع والشهور حتى أتى موعد ولادة كُلًا من غنى زوجة خالد وفريدة زوجة مازن.. كان الجميع يومئذٍ متوتر بالأخص خالد الذي بدأت زوجته بالصراخ على غفلة بعد مُنتصف الليل وهما وحدهما في شقتهما، لم يكن يعرف كيف يتصرف خصوصًا وهو لا يمتلك سيارة ولا يوجد وسائل نقل في هذا الوقت وسُبحان من ألهمه أن يتصل بالإسعاف لينجدوا زوجته التي وبحلول ظُهر اليوم التالي وضعت مولودتها الأولى ذات البشرة السمراء والشعر الغجري كوالدتها تمامًا، "وعد خالد" حصيلة زواج غنى وخالد، فتاتهما الأولى وقرة أعينهما. في ممر المستشفى أتى مالك وإسراء بالإضافة إلى مصطفى وشيرين ركضًا نحو خالد الواقف أمام غرفة العمليات بتوترٍ بادٍ على جسده بأكمله، قالت إسراء بمجرد أن اقتربت من خالد : _"إيه يا خالد غنى أخبارها إيه؟؟؟ وإزاي متكلمنيش ولا تعرف حد فينا؟؟؟" رد خالد بارتباك وهو يمسك بخصلات شعره القصير : _"في العمليات لسة مخلصتش.. الدكتورة اللي بتتابع معاها كانت قايلة إنها هتولد طبيعي بس الدكتور جوا قال في نزيف والأحسن تولد قيصري. " جلس مصطفى بجانبه يربت على كتفيه قائلًا : _"متقلقش يا خالد كل حاجة هتبقى تمام إن شاء الله. " أومأ له خالد بارتباك، إنتبه خالد توًا إلى وجود شيرين وإسراء ليتسائل هو : _"أومال إنتو سايبين العيال فين. " أجابته إسراء قائلةً : _"متقلقش، فيان وكيان نايمين وسايباهم مع فريدة ومازن هما ونور وحسن وأروى معاهم كمان." تنفس خالد ثم قال مُعقبًا بعد حديث ابنة خالته : _"طب خلاص روحوا إنتم عشان كدا كتير عليهم وفريدة تعبانة وعلى وش ولادة هي كمان وعشان مازن ميتضايقش." صاح به مصطفى وهو يصفعه على مؤخرة رأسه : _"مازن مين اللي يتضايق خليه يكشر بس في وش العيال وأنا أعلقه على برج إيڤل على رأي مالك." تابع مالك الحديث بقوله : _"وبعدين يا خالد مينفعش تقول كدا إحنا إخوات يعني ولادك هما ولادي زي ما ولادي هما ولادك و عيال ومصطفى ومازن كمان." أردف خالد وهو يهز قدمه بعنف : _"تمام يا مالك أنا بس مش عايز أتقل على حد فيكم." أردفت شيرين قائلةً بعتاب : _"إخص عليك يا خالد.. تتقل على مين إحنا إخوات وغنى أختنا، وبعدين إنتَ غلطان إنك معرفتناش من بليل." لاحقتها إسراء بصياحها على خالد : _"ولا تتقل مين ياض إنتَ بتستهبل؟ متنرفزنيش ومراتك جوا بتولد متلخينش أيتم لك بنتك اللي لسا مشرفتش على وش الدنيا ياض. " تأثر خالد بحديث الجميع فوقف وشكرهم جميعًا،لتفقد إسراء أعصابها عليه قائلًا بعصبية مصطنعة : _"برضو هيقولي شكرًا !! يابني آدم هو إنتَ إحتكرت البت ليك لوحدك؟؟؟ دي بنت خالتي ياض !!! " أمسكها مالك بصعوبة قبل أن تنقض على خالد وتأكله، بينما لم يتمالك مصطفى ضحكاته وشيرين تقف مشدوهة مما يحدث في ردهة المستشفى. إنقضت فترة الصباح، وبعدها فترة الظهيرة ليخرج الطبيب قُبيل العصر بِعدَّة دقائق متحدثًا أثناء خلعه قفازاته : _"من منكم زوج السيدة يا أفاضل ؟؟؟ " وقف خالد في مُقابلته بتحفز وهو متورتر، ليتابع الطبيب حديثه : _"تهاني الحارة لك رزقك الرب بفتاةٍ قوية صحيحة الجسد." وما إن أنهى الطبيب حديثه حتى تعالت صيحات الإحتفال في المشفى بأكمله، حيث صرخ الجميع فرحين عدا خالد الذي لم يشعر بنفسه وهو ينقض على الطبيب يعانقه بحرارة والطبيب يحاول الفكاك من بين ذراعي خالد القويين لكن دون جدوى. __________________________________ مرت الأيام بسعادة، فبعد أن عادت غنى من المستشفى بيومين حتى بدأت أعراض الولادة تبدأ بالتوالي، اصطحبتها شيرين وإسراء برفقة مالك للمشفى واتصلوا بمازن الذي كان في مقر عمله عندما بدأت ذفرات الحمل تراود فريدة وهي في الڤيلا برفقة الفتيات.. كانت فريدة الوحيدة هي التي مرت عملية ولادتها بكل سلاسةٍ وهدوء حتى أن مازن بمجرد أن وصل للمشفى تفاجأ بإسراء تناوله إبنته "حنين" التي ورثت عن ملامحها عن أبيها. عاد الجميع إلى ڤيلا مالك ليرحبوا باستقبال المولودة الجديدة ذات الشعيرات الكثيفة السوداء والعوينات الزجاجية. _"أدي الناس اللي بتولد في ساعتين ولا بلاش... مش ناس تانية قعدت من قبل الفجر لقبل العصر." كان هذا قول خالد الذي تعمد به إغاظة زوجته ليتدخل مازن مُنسجمًا في المزاح وهو يفرد كف يده أمام وجه خالد كحركةٍ شعبية لمنع الحسد : _"قول بس الله أكبر وصلِّ عالنبي في قلبك بس كدا... يا خرابي أعوذ بالله البت لسة قايمة من العمليات ودا مش مبطل حسد" ضحك الجميع على رد مازن ليردف خالد يدَّعي البراءة : _"اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد يا عم في إيه يا مازن عيب عليك.. إحنا مش بنحسد إحنا بنقُر بس." ضحكوا جميعًا مُجددًا،ل تضيف فريدة : _"لا بس بنتك طلعت حنينة عليا أوي يا مازن ومحستش بأي تعب في الولادة حتى الطلق كان خفيف خفيف كدا." أردف مالك بضحك : _"خلاص بقى كدا جم البنتين للولدين، وبناتكم إعتبروا عرسانهم عندي." ابتسم خالد ثم قال يُجاري مالك : _"طبعًا يا أستاذ مالك إحنا يشرفنا إننا نناسبكم، ومش هنتكلم في تفاصيل كتير عشان إحنا عارفين إننا بنشتري راجل برضو." وضع مالك كفه على صدره يحيي خالد أثناء قوله : _"حبيبي يا أبو النسب ربنا يكرم أصلك." ثم تابع وهو يتوجه ببصره لمازن مُعيدًا عليه السؤال : _"وحضرتك يا أستاذ مازن قلت إيه؟ طبعًا إحنا مش هنلاقي أحسن من الأنسة حنين لإبننا.... مش عارف بقى أي واحد فيهم." تعالى صوت مازن وهو يضرب كفيه ببعضهما بطريقةٍ شعبية : _"نعم يا أخويا؟! بقى على أخر الزمن أنا مازن بيه السلحدار بنتي حنين السلحدار تتجوز إبنك إنت يا ولد الدالي؟؟؟ " وقبل أن يجيب مالك دفعته إسراء وقامت بفرد ذراعيها بنفس طريقة مازن قائلًا بشهقةٍ قوية : _"ومالهم ولاد الدالي يا إبن منال؟؟؟ هو إنتم كنتم تحلمو أصلًا إن بنتكم يبصلها واحد من عيالي." إنضمت إليهما فريدة في مشاجرة السيدات تلك بعد أن دفعت هي الأخرى مازن جانبًا وبدأت تتحدث بنفس الطريقة : _"ما تلمي الدور يا بنت بوسي !" إسراء تواجهها : _"ومالها بوسي يا بنت دولت ! " قال مصطفى بيأسٍ من ما يحدث : _"مش هنخلص إنهاردة." عقب خالد قول مصطفى برده : _"سيبهم يا مصطفى سيبهم، أنا هقوم أعمل لينا فشار ونقعد نتفرج برواقة على خناقة فريدة وإسراء من حواري باريس." أردفت غنى على حديث زوجها السابق : _"لا يا خالد كدا وعد هتصحى وهتقرفنا طول الليل ومش هننام وإنتَ عندك شغل." من وسط هذا الضجيج صدح صوت حسن الذي صرخ بصوتٍ عالٍ نسبيًا : _"يالهوي، من ساعة ما عمو مـ(غ)ـروان مشي وإنتم كدا.. صحيح مشي العاقل وفضل المجانين.. مين ينجدك يا حسن يا مسكين." نظر له الجميع بتعجب لينقض عليه مالك بقوله : _"مين دول المجانين يا إبن المجنونة" أردفت شيرين بحنق : _"مالك!! الله بقى!!! " أشار لها مالك بيده مع قوله : _"معلش يا شيرين فلتت مني دي.. تعالالي يا إبن المجنون يا عديم الرباية... تعالالي أنا هربيك وهوريك الجنان على أصوله." ركض مالك خلف حسن وتبعهما مازن قائلًا : _"سيبه يا مالك أنا هتصرف معاه الحيوان دا." ركض هو الأخر خلفهما وانتشرت الضحكات بين الجميع في منظرٍ عائلي مُحببٍ للقلب. _________________________________ _"يا غنى إسمعيني أرجوكِ.. " _"غنى إهدي لو سمحتِ بالله عليكِ" تحدثت غنى بحدَّة وقد تغلفت كلماتها بالدموع قائلةً : _"مالك إنتَ من ساعة ما عرفتني ومن قبل حتى ما أعرفك على إسراء كنت بتقول ليا على طول إني أختك الصغيرة فـَ لو إنتَ مش هتيجي تاخدني دلوقتي يا مالك إنتَ ولا أخويا ولا أنا عايزة أعرفك بعد كدا." أجابها مالك من الجهة الأخرى من الهاتف قائلًا : _"طب خلاص يا غنى أنا جاي أخدك أهو.. ممكن بس تديني خالد أكلمه لو سمحتِ؟؟؟ " _"إمسك مالك عايز يكلمك.. " أعطت غنى الهاتف لزوجها بغضبٍ وضيقٍ شديدين وانصرفت من أمامه هاربةً إلى غرفتهما تلملم ثيابها وثياب إبنتهما "وعد" ذات الأيام المعدودة وبعض الأشياء الأخرى التي تخص الرضيعة، بينما كان خالد يتحدث بانفعال قائلًا : _"يا مالك والله العظيم الموضوع كله سوء تفاهم وهي حتى مش سايبة لنفسها فرصة تسمعن... " قاطعه مالك مُنهيًا الحديث بقوله : _"خلاص يا خالد مش مهم دلوقتي هي كدا كدا متعصبة ومش هتقدر تسمعك.. أنا هاجي أخدها دلوقتي ولحد ما أوصل إنتَ حاول تتجنبها ومتحتكش بيها." أطلق خالد زفرةً بضيق ثم أردف : _"طيب يا مالك إعمل اللي تعمله." أغلق خالد المكالمة ليُلقي بجسده على الأريكة من خلفه بضيق وهو يلعن نفسه وهذه المدعوة مارلين.. وفي غضون نصف ساعة كان مالك بسيارته أسفل البناية التي تقع بها شقة خالد وغنى، هاتف غنى ليعلمها عن وصوله، وبعد ما قارب الدقيقتين وجد خالد أمامه يدخل حقائب غنى للسيارة بينما هي خرجت من المصعد تحمل إبنتها على ذراعيها، والدموع خلفت أثارها على وجهها الذي لطالما كان بشوشًا، ركبت غنى السيارة وطوال الطريق ظلت شاردةً أمامها وعيناها ممتلئتان بالوجع. لم يكد مالك يفتح فمه بغيَّة التحدث حتى قاطعته هي بقولها القاطع : _"مالك بعد إذنك أنا مش عايزة أتكلم دلوقتي في أي حاجة، سيبني لما أهدى أرجوك." صمت مالك ولم يرد الضغط عليها أكثر من ذلك، ظلا صامتين حتى وصلا للڤيلا بسلام، أخرج هو الحقائب بينما كانت إسراء تحاول أن تستخرج منها أي كلمةٍ مفيدة من وسط بكائها وكلماتها المتقطعة، أتى مالك وأغلق الباب خلفه وبيده كوب ماء، ناوله لغنى وجلس بجانب زوجته التي تحمل في حضنها إبنهما فيان، ارتشفت غنى بضع قطراتٍ وقبل أن تتحدث بادر مالك بهدوء : _"بصي يا غنى.. إهدي كدا وبالراحة حصل إيه بالظبط.. إحكي يلا بهدوء ومن غير عياط، المايك معاكِ." _"المفروض إن خالد واخد أجازة إنهاردة من المكتب اللي شغال فيه، وأنا قاعدة بطبق الغسيل طلبت منه يقوم يعمل الشاي، وهو قام وساب تليفونه مفتوح، بالصدفة عيني وقعت على ماسدج جياله غاظتني..، مسكت تليفونه ولقيت نفس الرقم باعتله إسكرينات بينه وبين واحدة إسمها مارلين وكلام كله مقرف وزبالة." وما إن إنتهت أخيرًا من حديثها حتى أجهشت في البكاء، نهض مالك وغادر الغرفة ليجيب على اتصال خالد تاركًا زوجته خلفه تربت على ظهر غنى. _"أنا عارف يا خالد إن أكيد في حاجة غلط.. طب إستهدى بالله بس كدا وكل حاجة هتتحل بس بالهدوء عشان الأمور متتعقدش... طيب خلاص سيبها عندنا النهار دا وتعالى بكرة أخر النهار نتفاهم وتتصالحوا... ومتقلقش الموضوع بسيط وزي ما إنتَ قلت موضوع أصلًا ملهوش أساس هو بس سوء تفاهم." أنهى مالك مكالمته مع خالد ثم ذهب مودعًا إسراء لينطلق لإتمام شروط التعاقد مع إحدى دور النشر بعد أن أخبارها بما وصلت إليه الأمور بخصوص خالد. __________________________________ وفي اليوم التالي في الموعد المُتفق عليه أتى خالد برفقة سيدةٍ شابة، تبدو على وشك الدخول في عقدها الثالث، أنيقًة جدًا بالإضافة إلى أنها تتمتع بلياقةٍ شديدة كما أنها من الناحية الشكلية مُختلفة كل الإختلاف عن غنى زوجته. دخل خالد ورحبَّ بضيفته ثم عرَّف الجميع قائلًا بضيق : _"طبعًا بتعرفوا كلكم فرنساوي.. أحب أعرفكم.. مدام مارلين." رحب خالد بمارلين مُجددًا ثم بدأ بقص الأمر بأكمله عليها لتصاب هي بالدهشة تمامًا مما سمعته توًا،وضعت يدها على فمها بصدمةٌ ثم قالت موجهةً حديثها لغنى : _"عزيزتي !! حقًا ما هذا الذي تسمعه أذناي، لا أصدق يا إلهي.. " نظرت لها غنى بتعجب لتردف مارلين : _"حسنًا لا شك أن هذا أمرٌ مُشين.. أسفة ربما أشعر بالحرج قليلًا من غرابة الموقف لكن... أنا إمرأةٌ متزوجة بالفعل عزيزتي." ظل الجميع يتبادلون النظرات بينما نظرت غنى لمارلين بعدم فهم لتردف الثانية بقولها : _"لجئت مؤخرًا لأحد مكاتب المحاماة لأني اكتشفت خيانة زوجي لي.. لذلك طلبت من السيد خالد مساعدتي مقابل ما يريده من أتعاب كي تحكم المحكمة بالطلاق واسترداد كامل حقوقي.. لذلك أرسلت المحادثات الدائرة بين زوجي وصديقاته المقرفات لعله يستطيع استغلال هذا الأمر." __________________________________ إنتهت الجلسة بعد عِدَّة دقائق وبعد أن تم توضيح كل شيء، شكر خالد ومالك السيدة مارلين على وقتها الثمين، بينما اعتذرت هي لغنى ولخالد عن سوء الفهم الذي تسببت به دون قصد. رحلت مارلين ليردف مالك بطريقةٍ تعمد بها إغاظة إسراء : _"كدا وبيخونها.. دا إيه الجحود اللي هو فيه دا مش يقدر النِعمة اللي معاه." وكزته إسراء بعنف ثم أردفت تكز على أسنانها : _"نعمة لما ترفصك يا حبيبي." أردف مالك بابتسامةٍ خبيثة : _"زي ما إنتِ عملتِ كدا يا روحي؟؟؟ " وفي مكان أخر كانت غنى تنظر لزوجها بخجلٍ شديد ليردف هو بحنق : _"إنتِ حتى مش هاين عليكِ تعترفي بغلطك؟!" _"خالد حقك عليا... غصب عني إتعصبت ومقدرتش أسمع ولا أفهم أي حاجة." _"بس يا غنى بس.. أنا كل اللي مستغربه إزاي إنتِ ظنيتي فيا إني بالحقارة دي.. إزاي؟؟ هي دي صورتي قدامك؟؟؟ إني غدار وبمجرد ما ألاقي فرصة أطعن اللي معايا في ضهره؟؟؟ شكرًا يا غنى." _"خالد بالله عليك.. " _"خلاص بقى يا غنى.. أنا بجد تعبان و مش قادر أتكلم والله العظيم... أنا ماشي دلوقتي وإنتِ إقعدي مع إسراء النهار دا براحتك." --------------------- تعبت😭. بارت أحداثه لذيذة ومسلية، ڤوت لو البارت عجبكم يا سكاكِـر🦋💙 عارفة إن البارت إتأخر جامد بس حقيقي غصب عني، وكمان مش هقدر أنزل الفترة الجاية عشان زنقة امتحانات وحوارات بس أوعدكم هتتدلعوا جامد بعد كدا، تفاعلكم وكومنتاتكم بتشجعني بجد خصوصًا إني كنت همسح الرواية من كام يوم لولا التفاعل المُفاجيء اللي لقيته منكم يا حبايب عيوني🦋💙 وبس في رعاية الله🦋💙 -مَليكـة مجْـدي إبراهيم. #السَمـراء.
-مَليكـة مجْـدي إبرا