السلام عليكـم ورحمـة اللّٰـه وبركـاتـه، في كـلام مُهـم جـدًا في النـهايـة من الضـروري تشوفـوه. عيــدكم مُبارك🕊💚'. ———————————————— استيقظت نور في صباح اليوم التالي بحلول الثامنة صباحًا.. أمسكت هاتفها تتصفحه فإذا بها تجد إشعارًا يعلمها بإشارة شخصٍ ما لها في منشورٍ خاص.. ضغطت الإشعار لتجد نفسها أمام الصور التي التقطتها كاميرا الفيديو لهما معًا ليلة أمسٍ على غفلة، ظلت تطالع الصور واحدةً تلو الأخرى حتى وصلت للكلمات المدونة أسفلهنَّ وكانت عبارة عن.. "أيا ذاتَ العيونِ الخضراء، يا مَـن رهَنتُ لها أكمَلَ عُـمري فِداء، مُنّي عليَّ بالحُبِّ ولو قِطرًا.. تكُن لما بي من داءٍ دواء.. فأبرأُ وينالُ قلبي الشفاء.. كيف لا وقد زال عنه كل العناء. بحقِ السماء أينَ أنتم أيها الأطباء؟؟؟ أين أطباء الحُبّ؟ ليروا ما بي.. هل لعِلَتي مِـن دواء؟؟؟ هل يومًا ستستجيبُ هي لهذا النداء؟؟؟ كيف تستجيب؟، بل كيف تسمعه مِـن الأساس؟؟؟ إن كان قلبي المعلول في جسد رجلٍ بسيطٍ علىٰ الأرض، بينما تتألق هي في أعالي السماء. هي بعيدةٌ يا رب.. بعيدةٌ كل البُعد، لكنكَ يارب لديك الشفاء.. فاشفِ هذا المجنون في صدري، وأمُـر وقل لمُنايَّ كُـن فيتحقق كل ما قُدِّمَ مِـن الدُعاء.. ليغدو القلبُ المريضُ بها في سلامٍ ورخاء وتنل الروح العطشى بعد طولِ عطشٍ شربة ماء.. فتنعم بحلو الإرتواء من النظر لذات العيون الخضراء" ظلت الفتاة تطالع الصور والكلمات المدوّنة أسفلها بوجهٍ خالٍ من أي تعابير وعينان فارغتين على عكس قلبها الذي توترت نبضاته وعقلها الذي حامت أفكاره المختلطة أركان رأسها تُعِدُ جيشها لتستعد لمحاربة جيش المشاعر وتنشب حربٌ شرسة على أراضي الفتاة الضائعة بين أفكارها المشوشة ومشاعرها المُبهمة.. حربٌ لا إيضاح لها ولا تِبيان.. الضباب يغزو الجبهتين ولا رحمة ولا تهاون في الدفاع والهجوم.. اعتمدت الجبهتان أسلوب الكرِّ والفر.. العقل يلقي بخاطرةٍ سوداء كفيلةً بإحداث إبادة ويبدأ بالفر.. يتقلى القلب الإصابة بشجاعة ثم يقف من جديدٍ بشموخٍ وبسالة ليستعد لإمطارٍ سيلٍ من المشاعر المتوهجة المُسيلة للدموع، وبين الجبهتين تترنح الفتاة بتيه.. تتأرجح كفلسطينٍ يسعى للخلاص يومًا وأن ينال الراحة والإطمئنان..، وبين الجبهتين ازداد الضباب وازدادت الهجمات والانفعالات، وبين هذا وذاك لا يوجد اختلاف ولا تهاون. ففي الحب والحرب كل شيءٍ مُباح. ———————————————— وعلى التوازي في المكتب الخاص بمازن جلس وأمامه أخويه يدور بينهما الحوار على عجل ليلحق كُلٌ منهما يومه وأشغاله الخاصة.. أجاب مالك مازنًا يقول : _"تمام مفيش مشاكل، وأنا هكلم خالد أخليه يجي معايا عشان نظبط العقود والأوراق كلها في أسرع وقت، عن إذنكم أنا بقى عشان عندي مشوار دلوقتي ولازم أروح المطبعة أشوف أخبار الدعاية. " أومأ له الإثنان قبل أن ينصرف ويتركهما ليتحدث مصطفى مُقلدًا الذي رحل : _"طب يا مازن وزي ما اتفقنا تخلص بالليل بدري عشان الموضوع اللي قلت لك عليه ده." ليعقب مازن قائلًا بهدوء : _"استنى يا مصطفى بعد إذنك.. استنى عشان أنا ليا كلام مهم مع مروان قبل ما نبدأ ناخد خطوة رسمي في الموضع ده.. لازم نحاول نتجنب حدوث أي مشاكل إحنا في غنى عنها." صمت مصطفى يطالع ملامح مازن يحاول استبيان ما يعنيه قبل أن يتحدث الأخر بغباءٍ مُفعمٍ بالثقة : _"طبعًا متتغاباش عشان أنا أكيد مش قصدي غنى مرات خالد." غبائه الصافي أخرج مصطفى من حالة التركيز التي كان بها ليقذفه بدباسة الأوراق مع قوله الحانق وهو يكز على أسنانه بقوة : _"يا ابن منال انتَ اللي دخلك كلية الطب ظلمك وعهد الله... طب يمين بالله لو ما احترمت نفسك وبطلت الغباء اللي يكفر الواحد ده عالصبح لكون مدبس لك بوقك اللي كل ما يتفتح ينقط غباوة ده! " صمت لبرهةٍ يحاول تمالك أعصابه قبل أن يتابع : _"أقولك؟.. أنا ماشي أصلًا.. كدا كدا مفيش وقت ولازم أمشي دلوقتي عشان ألحق أطلع على الشركة قبل الساعة ما تيجي تسعة، مش عايز حاجة مني؟؟؟ " صدح تساؤله الأخير بينما يتجه صوب الباب خروجًا وهو يلوح بيده للجالس على مكتبه قبل أن يأتيه الرد : _"أيوة عايزك تبعتلي رقم مروان الجديد." _"طيب أول بس ما أوصل الشركة هبعتهولك." ———————————————— في تمام العاشرة صباحًا دلف الصغير كيان ليوقظ أخته الكبرى لتنضم إليهم على مائدة الإفطار.. اقترب من سريرها وقبل أن تمسها كفه توقفت مكانها وعيناه على الجهة الأخرى تصوبان نحو مكتب نور، تحديدًا علبة فرش التلوين القديمة.. كانت العلبة تحوي ما يزيد عن الثلاثين فرشة ذات أحجامٍ مُختلفة.. ونور لا تستخدم هذه الفراشي القديمة بعد الآن.. لن يتضرر أحدٌ إذا فقدت العلبة إحدى فراشيها. تناولت أنامل الفتى الفرشاة وقامت بتخبئتها في ملابسه ثم عاد يوقظ نور قائلًا : _"نور إصحي يلا.. ماما عملت الفطار ومستنيينك تحت." استيقظت نور للمرة الثالثة في هذا الصباح، فما كان لها إلا أن تستسلم للنوم مرةً أخرى بعد تلك الحرب الطاحنة.. نهضت من فراشها رأسها يضج بالأفكار التي سببت لها الصداع العنيف واتجهت صوب حمام غرفتها لتغرق رأسها أسفل المياه الباردة علها تهديء من سخونة عقلها المشتعل، خرجت مرةً أخرى لتجد الصبي يجلس على فراشها وأصابعه تداعب أطراف الوسادة بخفةٍ وشرود.. ابتلعت ريقها وقالت بصوتٍ تكلفت خروجه بشكلٍ طبيعي : _"كيان اطلع عشان أغير هدومي وقول لطنط إسراء إني مش هفطر دلوقتي.. ومتمسكش المخدة كدة لو سمحت عشان لونها فاتح وهتتوسخ بسرعة." طالعها كيان بنظرةٍ مُستنكرة قبل أن ينصرف مُغلقًا الباب من خلفه ليتركها تبدل ثيابها وترتب شعرها الطويل.. ظلت دقائق أمام مرآتها ذات الإطار النحاسي المزخرف تقرر كيف تربط شعرها لتقرر في النهاية تركه مُتحررًا لبعض الوقت إلا من بعض الخصيلات الرفيعة التي ستجدلها.. ارتدت إحدى ملابسها البيتية القصيرة، تشعر بالراحة كلما خلا المنزل من والدها لتنل قسطًا من الدلال والحرية وتُتِح لها الفرصة أن تتمتع بأشيائها الخاصة لبعضٍ من الوقت، خصوصًا وأنا الصبيان لا زالا صغيرين. نظرت لنفسها تطالعها بدلالٍ في المرآة وشردت في الصور التي رأتها عيناها صباحًا.. التقطت هاتفها وبدأت تطالع الصور مُجددًا.. تنظر لها بحيرةٍ من أمرها؟؟؟ وتفكر فيما ستفعله معها الأيام القادمة.. تأرجح أمامها شريط حياتها من فتاةٍ بملجأ لا تدري لها وجودًا لابنةٍ وقرة عين لرجلٍ مُضطرب بذل أكثر مما بوسعه لينل ثقتها وحبها.. وقد نال بالفعل.. ظلت تتذكر كم عانى هو وواجه مخاوفه ليستطع توفير حياةٍ مُسالمة لقلبها الصغير دون استسلامٍ ولا تراجع.. مراحل حياتها معه والحب والحنان الذي سقاها إياه سقيًا بالملعقة والكأس.. تتذكر كيف داوى جروحها وندباتها بدفء عناقه لها وكيف مضت سنون عمرها في كنفه.. لفتاة أحلام رجلٍ أخر.. رجلٍ تمناها بجواره منذ سنواتٍ طويلة، ليس بوسع عقلها التصديق لكن قلبها موقنٌ وبشدة أنه يحبها.. تشعر به يخفق بين ضلوها وتعجز عن تهدئته كلما خطرت صورة الحبيب على بالها..، حبيب؟؟؟ أي حبيب؟؟؟ هل حقًا تحبه؟؟؟ لا يمكنها الجزم بعد، كل ما تعرفه أنها أعطت والدها الموافقة.. وسواء أكانت تحبه حقًا أم لا فهي تعلم أنها ستطمئن بجواره.. يكفي أنه صدق وعده لها وعاد بعد طول غياب.. عاد بعد تخرجها ليطلب مصحابتها وجوارها من والدها الحبيب، هذا يكفيها ولا شيء آخر.. فتحت أحد أدراجها وأخرجت قلادته ذات دوّار الشمس سامحةً لها باحتضان رقبتها مُعلنةً حسم الأمر. ————————————————— _"نعم يا مازن كنت عاوز تتكلم معايا في إيه؟؟؟ " هكذا خرجت جملة استفهامية من فم مروان بهدوء ليجيبه الجالس أمامه بهدوءٍ مُثيرٍ للريبة : _"مروان كنت عايز أقولك متستعجلش وخلينا نأجل موضوعك إنتَ ونور ده شوية." جحظت عيني مروان وتغريت ملامح وجهه قبل أن يردف : _"ده كلام مالك وانتَ بتوصله ليا يعني ولا إيه؟؟؟ " طرق مازن بأطراف البنان على سطح مكتبه ليردف بعدها بجديةٍ متشدقة في صوته : _" مالك ميعرفش حاجة عن قعدتنا مع بعض دي.. الكلام ده مني أنا، أنا اللي بقول كدا." عقب مروان بنبرةٍ بدأت تحتد نوعًا : _"أومال بتقول كدا ليه؟؟؟ " لم يحتج مازن وقتًا للتفكير حيث لاحق مروان بالإجابة : _"عشان أنا شايف إنك مستعجل شوية زيادة عن اللزوم؟؟؟ مش شايف إنكم محتاجين وقت شوية قبل ما تاخد خطوة؟؟؟ " أجابه مروان بانفعال ظهر جليًا : _"وقت أكتر من كدا إيه؟؟؟ دول عشر سنين ومتعملش نفسك مش عارف عشان انتَ الوحيد اللي كنت عارف اننا بنحب بعض من زمان... انتَ بالذات يا مازن مينفعش تيجي تقولي إني مستعجل، بالعكس إنتَ بحكم حبك لفريدة المفروض تكون انتَ أكتر واحد حاسس ومصدق اني بحب نور بجد وانه فات وقت كفاية ومفيش داعي للتأجيل اللي انتَ جاي تطالبني بيه دلوقتي. " أسند مازن ظهره للخلف وقال بجديةٍ يتعمد اثارة حنق الآخر : _"لو سمحت متعملش مقارنة بيني أنا وفريدة وبينك انتَ ونور.. أنا مكنتش بحب مراهقة صغيرة.. ومسبتهاش ومشيت." صدم مروان بشدة من اتهامات مازن الموجهة نحوه، ورغم صدمته أجاب بغضبٍ غير مكبوح : _"إنتَ ليه بتتكلم كدا؟؟؟ ليه بتحاول تحسسني إني شخص وضيع استغل عيلة صغيرة؟؟؟ أنا بجد مش فاهمك!! أنا الفرق بيني وبينها ست سنين مش أكتر... وبعدين أنا وانتَ ونور ومالك وكل الناس عارفين إني لما مشيت مشيت عشان مكنتش عايز أبدأ مع اللي بحبها بطريقة تغضب ربنا، ومكنتش عايز أعطلها عن إنها تشوف مستقبلها وتكمل دراستها.. أنا كنت بحافظ عليها." ضيّق مازن عينيه بخبث أخفاه بين طيّات وجهه ثم قال بنبرةٍ مستفزة : _"يا سلام؟؟؟ ولما انتَ دنجوان وملك العشق والغرام أوي كدا.. على كدا مش هتتردد إنك تأجل الموضوع ده لو تأجيله في مصلحة نور." تنهد مروان بضيقٍ ثم أضاف : _"مازن أنا مش غبي، ومش معقولة أكون مش واخد بالي إنك من بداية القعدة المهببة دي وانتَ عمّال تلف وتدور بالكلام وعمّال تحاول تستفز فيا عشان تشوف رد فعلي.. ممكن نتكلم بوضوح ومن غير لف ودوران عشان أنا زهقت وعايز أمشي؟؟؟! " ابتسم مازن ثم قال بوضوح ونبرةٍ جادة : _"لأ شاطر يواد،الذكاء مطلوب برضو.. أومال انتَ اتعصبت ليه؟؟؟ " تحدث مروان بحنـقٍ شديدٍ وانزعاج فائض : _"عشان انتَ مستفز يا مازن.. وطريقتك مستفزة وخرجتني عن شعوري.. للحظة حسيت إني عايز أدافع عن نفسي ومش عارف.. اختصاره انجز عشان أنا على أخري منك عشان فاضل لحظة وأمشي من هنا." _"حلمك عليا يا دكتور مش كدا.. وبعدين براحة عشان صحتك انتَ لسة شباب... بما انك عايز الإنجاز أنا هقولك، نور نفسيتها مش متزنة ومش أحسن حاجة.. عايز تأجل موضوع الجواز ده لحد ما حالتها تتحسن تمام، عايز تعمل اللي في دماغك برضو تمام أنا عملت اللي عليا وقلت لك.. بس واللي نفسي بإيده يا مروان نور لو نفسيتها اتأذت أكتر وهي معاك أنا هتصرف بمعرفتي.. ودي معتقدش انها هتبسطك، نور بنت أخويا وأنا مش مستعد أشوف أخويا زعلان وشايل هم بنته في يوم... لو قررت إن الموضوع ده يتأجل لحد ما حالتها تتحسن هساعدك.. قررت تتصرف بمعرفتك انتَ اللي هتشيل النتيجة، بس قبل كل ده مش عايزك تخاطر وتجازف عشان حاجة مش مضمونة، انتَ برضو أخويا الصغير." مروان بغيظٍ بالغ يحاول كتمانه أثناء ضغطه على أسنانه بقوة : _"يارب.. طب أنا همشي من قدامك دلوقتي عشان بحاول أكون محترم بس طريقتك دي مش مساعداني." نهض مروان وقبل أن يغادر أتاه صوت مازن الذي عاد لنبرته الحنونة الطبيعية قائلًا : _"مروان.. أنا أسف، أنا عارف إني استفزيتك بالطريقة دي بس فريدة قالت لي إني لازم أعمل كدا.. دلوقتي لو سمحت عايزك تعدي عليها في أوضتها وهي هتكلمك عن حالة نور.. حقك عليا متزعلش." انصرف مروان دون عقيبٍ بأي كلمة، خرج وأغلق الباب من خلفه بغضبٍ مكبوت.. أخذ يسير متجهًا نحو قسم الاستقبال ليسأل الموظف العامل هناك قائلًا بعدم التفات : _"إذا سمحت أين يمكنني أن أجد الطبيبة فريدة؟؟؟ " رفع العامل عينيه من على شاشة الكمبيوتر لينظر تجاه من يحدثه وما هي إلا ثوانٍ حتى بدت الدهشة على ملامحه ونبرة صوته حينما قال : _"مش معقول دكتور مروان؟؟؟ " تعجب مروان وارتفع حاجبيه بدهشة مما سمعه لتوه، انتبه للعمال وقال بذهول : _"إيه ده؟؟؟حضرتك مصري؟؟؟" أجاب الشاب ذو الأربعة والعشرون خريفًا : _"خدامك جمال يا دكتور.. جمال محمود السويفي، أي حاجة حضرتك تعوزها أنا في الخدمة." ابتسم مروان بعد أن ارتخت ملامحه ونبرة صوته وقال مُرحبًا بالفتى : _"نورت فرنسا يا جمال.. مبسوط إني شوفتك بقالي كتير مشفتش وجوه جديدة، ممكن تدلني على الدكتورة فريدة؟؟؟ " أجابه الفتى باحترام وأدب : _"الدكتورة فريدة عندها مريض دلوقتي.. تقدر حضرتك تستريح هنا وأنا هطلب بحاجة لحضرتك تشربها وأول ما الدكتورة تخلص مش هخلي الأسستنت بتاعهتا تدخل ليها أي حالة تاني قبل ما أديها خبر إن حضرتك عايز تقابلها." ابتسم مروان من لباقة الفتى وتهذبيه ثم أردف : _"جمال هو انتَ بتتعامل مع الكل كدا؟؟؟ " نظر له الفتى بعدم فهم وعلامات الإستفهام تغزو وجهه ليضيف مروان مُبيّنًا ما يرمي إليه : _"قصدي إن أي حد بتقعده وبتجيب له حاجة يشربها ولا ده عشان شايفني طالع من مكتب دكتور مازن؟؟؟ " ابتسم الفتى بعدما وصله مقصد مروان ليردف مُجيبًا : _"طبعًا هو الأدب مطلوب دايمًا مع أي حد بس مش أي حد دكتور مروان المحلاوي أصغر جراح في باريس وفرنسا كلها.. حضرتك مقولتليش تحب تشرب إيه؟؟؟ " بادله مروان الإبتسامة وقال ببساطة : _"تسلم يا جمال، بس الشبكة هنا مش أحسن حاجة ليه؟؟؟ " _"حضرتك لو عايز تعمل مكالمة ممكن تنزل الجنينة تحت." ابتسم له مروان وشكره قائلًا : _"شكرًا يا جمال.. أنا هنزل أعمل مكالمة ومش هتأخر." أومأ له جمال باحترامٍ وتبسم يليق بهيئته البشوشة، هبط مروان للأسفل واخذ يتنفس في الحديقة يحاول التنفيس عن حالة الضيق التي تلبسته أثناء تواجده في مكتب مازن.. فتح أزار ياقته الأولى، جلس على أحد المقاعد الخشبية وألقى بجسده للأمام مُتحاملًا على ذراعيه اللذان استندا على ركبتيه. جلس بيأسٍ وعقله يقذفه بخواطر تؤرقه وتزعجه ليقرر حسم الأمر ويتناول هاتفه ليجري اتصالًا بالجالس على أريكة منزله يشاهد التلفاز... على الجهة الأخرى صدح رنين هاتف حسن الذي ما إن رأى اسم مروان حتى شعر بالقليل من الريبة، أجاب حسن نداء الهاتف بمرحه المعهود قائلًا : _"يا صباح الفُل على الناس اللي اتصورت امبارح واتذاعت على الشاشة. " همهم مروان بابتسامةٍ يائسة ترتسم على ثغره كُلما تذكر الموقف ليلة أمس ونظرات الحضور لهما ونظراته المطولة لمن يهواها قلبه المسكين، يتذكر احتمائها به وتمسكها بذراعه للمرة الثانية.. هذا يعني أنها لازالت تطمئن بوجوده.. لم يكن الأمر وهم مراهقة.. حتى شرودها أمامه يمكنه تميزه بسهولة.. لازالت تحبه، يكاد يجزم بهذه الحقيقة لكنها تائهة، لا بأس إن كان الأمر هكذا.. فسيعرف كيف يدبر أموره معاها سيعاود العزف على أوتارها لتبدأ الرقص معه على سلم الصبابة. ابتسم وأطلق تنهيدةً طويلة ليفيق على رنين هاتفه ليجد المتصل حسن، ارتفع حاجبه الأيسر بذهول قبل أن يجيب الإتصال فيلاقي حسن قائلًا : _"يا عم مروان.. انتَ روحت فين؟؟؟ " _"أيوة يا حسن مش قلت لك بطّل كلمة عمو دي؟؟؟ أبوك وأمك هما اللي كانوا بيخلوك إنتَ وأروى تقولولي كدا.. يا حبيبي أنا أكبر منك بعشر سنين أه بس مش لدرجة عمو يعني..." صمت لوهلةٍ ثم قال وقد تذكر شيئًا ما : _"خد هنا ياض.. هو مش أنا اللي اتصلت بيك؟؟؟ " _"يا سلام يا أخويا؟؟؟ مروان فوق عشان انت لو حد عايز يخطفك بسرحانك ده كدا محدش هيغلب فيك." _"مش فاهم قصدك.. تقصد إيه يعني يا حسن؟؟؟ " أجابه حسن بسخريةٍ وتهكم : _"خلاص ما علينا.. كنت هتقول حاجة؟؟؟ عشان بس بتفرج على مسرحية وانتَ معطلني بسرحانك ده.. " ابتسم مروان مُتهكمًا على ما آل إليه حاله ثم قال لقرينه : _"طب معلش يا حسن كنت عايز أطلب منك طلب سخيف شوية. " تحدث حسن أثناء قضمه لثمرة فاكهة من الطبق الذي وضعته أمامه شيرين منذ دقائق عديدة قائلًا : _"مفيش حاجة أسخف من الموقف ده بصراحة.. يعني أنا عمّال أقولك أنا قاعد جنب أمي ولسة مخلص امتحانات امبارح وعايز أتفرج على التليفيزيون" تنحنح مروان بحرج قبل أن يعقب بتلجلج : _"احم.. طب حيث كدا بقى.. عايز رقم نور. " صمت حسن لبضع لحظات ثم قال بعد تفكير : _"مع إني هتهزق على حركة زي دي، ومع إني عارف إني مينفعش أعمل كدا بس أنا عارف اللي فيها وواثق فيك فـ... طيب، ماشي هبعتهولك..سلام دلوقتي." بالفعل ما إن أُغلقت المكالمة حتى أُرسل رقم نور الهاتفي لمروان من قِبَل حسن.. ودون أدنى تفكير أو لحظة تروٍ واحدة قبل أن ينسخ الرقم ويقُم بمهاتفته. ————————————————— في بُقعةٍ أخرى من بقاع مدينة الحب كانت تقلب غرفتها رأسًا على عقب بحثًا عن تلك الفرشاة القديمة الضائعة، إنها على يقينٍ أنها وضعتها في مكانها المُخصص.. إذًا أين تُراها ذهبت؟؟؟ وكيف ومتى؟؟؟ يستحيل أن تهمل أشيائها حتى القديمة منها.. كيف لها أن تختفي بهذا الشكل وقد تممت عليهم بالأمس؟؟؟ وبين هذه الفوضى العارمة والإرتباك الذي حل بنور صدح هاتفها ليعلن اتصال رقمٍ غريب.. طالعت نفسها في المرآة.. من هذا المتصل؟؟؟ ألا يوجد وقت آخر سوى الآن وهي مشغولة؟ لابُد أنه اتصالٌ خاطيء فلا هي تعرف أحدًا ولا أحد يعرفها.. حسنًا ستجيب بسرعة.. الرقم خاطيء سيدي وستنهي المحادثة بلباقة وسرعة وتعود للبحث عن الفرشاة الضائعة. أمسكت الهاتف وقامت بالإستجابة لنداء المُتصل مُبهم الهوية قبل أن ترفعه لأذنها مع قولها المُهذب : _"مساء الخير، هل يمكنني مساعدتك؟؟؟ " تلقت الصمت جوابًا لسؤالها لما قارب الدقيقة حتى قالت تكسر هذا الصمت : _"مساء الخير؟.. حسنًا سأغلق الخط الآن، وداعًا. " _"لأ استني استني!! " جحظت عيناها لما ميّزت صاحب الصوت، جلست على الكرسي بذهول دون أن تعقب ببنت شفة.. أتاها صوت تنهيدةٍ مُرتجفة قبل أن تسمعه يتحدث قائلًا : _"بصي.. أنا عارف إني غلطان وإني مش من حقي أكلمك دلوقتي وإحنا مفيش بيننا أي حاجة رسمية بس.. أنا كنت عايز أتطمن عليكِ.. عاملة إيه يا شمس؟؟؟ " ترددت قليلًا قبل أن يأتيها صوت إسراء من الخارج تناديها لتجيب ندائها بكلماتٍ مقتضبة وصل المغزى المراد منها لإسراء : _"دقيقة يا ماما هخلص اللي في إيدي وأجيلك." على الجهة الأخرى تعجب مروان من مخاطبة نور لإسراء بصيغة الأم، هو يعلم أنها لا تفعل ذلك فمتى أصبحت تعد إسراء في منزلة الأم؟؟؟ قطعت أفكاره كلمات نور التي قالت بصوتٍ مُهتز : _"نعم يا مروان.. اتفضل، عايز حاجة؟؟؟ " فهم مروان مقصدها ليتابع : _"خلاص فهمتك.. عايز بس أعرف إنتِ فاكرة أخر حاجة قلتها ليكِ كانت إيه ولا نسيتي؟؟؟ " _"أه يا نور.. هسافر واحتمال أغيب هناك كتير، بس صدقيني كل ده علشان مصلحتك، زي ما قلتلك إن اللي بيحب حد بجد بيسعى لمصلحته، وأنا بدور على الحاجة الأفيد ليكِ، وعاوز تثقي فيا،وتثقي إني بحبك وهحبك على طول وإنك شمس دنيتي بجد، ماشي؟" عقبت بكلماته التي قالها يوم وداعه لها دون تردد وكأنها تحفظها عن ظهر قلب مما جعله يفتح عينيه باندهاش، يبدو أن هناك الكثير والكثير من الأمور التي يجب التحدث فيها.. ابتسم مروان ووصلها صوت ضحكته الخافتة لتعقب : _"أنا هقفل دلوقتي وهقول لبابا.. ولو سمحت متتصلش بيا تاني." ابتسم مروان ثم ودعها مُرغمًا.. يعلم أنه لا يجب عليه محادثتها فليس بينهما رابطٌ شرعي يسمح له بالتقرب منها، في الحقيقة هو سعيد من رد فعلها السابق،فرغم أنها صدته ورفضت التحدث معه إلا أن يقينه قد ازداد فيما يخص موضوع سفره وابتعاده عنها..من يدري ربما لو لم يفترقا لما كانت نور على الحال التي هي عليه الآن..ربما كانت لتنساق وراء المجتمع الفرنسي ولكانت مثل الفتيات اللاتي يراهن هناك،ربما لو ظلا سويًا لتشاجرا كأي شخصين وربما زادت المشاجرات بينمها لتدمر حبهما وتستنزف مشاعرهما في بداية حياتهما..ماذا كانا سيفعلان حينها؟؟؟. ابتسم وقد عاد بجسده للخلف يسنده على ظهر المقعد الخشبي وهمس لنفسه قائلًا : _"بطل هبل يا مروان.. إيه معملتهاش وانتَ صغير هتعملها وانتَ كبير.. بطل هبل وامسك نفسك خلاص هانت." ————————————————— _"فيان.. روح يا حبيبي هات ليا تليفوني من السفرة عشان أكلم مرات عمك شيرين." أجابها صغيرها بلثغته البريئة قائلًا : _"حاضـ(ر)ـغ يا ماما." قالها الصغير وغادر الغرفة ليترك إسراء تقف بمفردها في غرفة الصبيين، أغلقت إسراء الباب من خلف ابنها وجلست تدور وتبحث في أرجاء الغرفة حتى لفت انتباهها صندوق حُليِّها المفقود بخزانة الملابس الخاصة بالصبي كيان!، لم تتفاجأ فقد كانت تعرف بوجوده عند ابنها.. فتحت الصندوق وليس يحمل جوفها مقدار ذرةٍ من سكون.. اضطرابها وتوترها يكاد يظهر في ذرات الهواء من حولها، فتحت الصندوق لترى ما توقعته بالفعل، فالضجة بغرفة نور لم تهدأ منذ استيقاظها مما يدل على شيء مفقود.. وكيان من صعد لإيقاظ الفتاة بالصباح قبل أن تبدأ الضجة... تناولت أناملها فرشاة الرسم القديمة وأخفتها في ملابسها باحترافية ثم أعادت الصندوق حيث كان وخرجت من الغرفة لتلاقي فيان أمامها أتيًا لها بهاتفها المحمول أخذته منه وشكرته قائلةً : _"شكرًا يا فيان.. بقولك إيه أختك لسة في أوضتها؟؟؟ " أومأ لها الفتى بنعم لتتركه هي وتتجه لغرفة الفتاة، طرقت باب الغرفة بهدوء لتفتح لها نور بعد أن استعلمت عن هيئة الطارق كي ترتدي اسدالها في حالة كان والدها عاد للمنزل، في النهاية بعد التأكد أنها إسراء فتحت لها نور وأدخلتها الغرفة لتبدأ إسراء الحديث قائلةً بعد ابتلاع ريقها : _"قالبة الدنيا على إيه يا نور؟؟؟ ممكن أكون عارفة الحاجة اللي بتدوري عليها." أجابتها نور بتوتر ونبرةٍ شبه باكية وهي تفرك مقدمة رأسها : _"علبة الفرش القديمة.. العلبة دي فيها 34 فُرشة.. دلوقتي 33 بس، معرفش الأخيرة راحت فين؟؟؟ " لم تنتبه إسراء لما قالته نور بدقة لتردف القول بأخر : _"ممكن تكوني عديتيهم غلط يا نور عادي بتحصل." _"عديتهم غلط إزاي بس؟؟؟ يعني أنا كل يوم بعدهم غلط؟؟؟ " تفاجأت إسراء من إجابة نور لتعيد ما قالته تتأكد : _"يعني إيه كل يوم بتعديهم غلط؟،لحظة.. إنتِ كل يوم بتعدي الفرش القديمة بتاعتك؟؟؟ " أجابتها نور وكأنه شيءٌ طبيعي : _"أيوة بتأكد من عددهم كل يوم.. مش الفرش القديمة بس.. الفرش اللي بستعملها كمان، وأقلام الفحم والأقلام الرصاص ومجموعات الألوان كلها والشمع.. لازم أتأكد إن الحاجات دي كاملة كلها عشان لو احتجت حاجة منهم وملقيتهاش هتسوح." ادَّعت إسراء البحث مع نور حتى اقتربت خلسةً من مكتب الرسم وألقت الفرشاة أسفل المكتب بخفة دون أن تشعر نور ثم انحنت وادّعت أنها تنظر أسفل المكتب قبل أن يصدح صوتها بحماسٍ مزيف : _"أهيه يا نور لقيتها.. مش هي دي برضو الفرشة اللي ضايعة منك ولا واحدة تانية؟؟؟" نظرت نور للفرشاة بلهفة ثم أخذت تتحسس طرفها الخشبي والذي كانت حفرت عليه رقم الفرشاة سابقًا. ابتسمت نور بسعادةٍ بالغة وفي لمح البصر تلاشى توترها من على وجهها واتجهت لإسراء تحتضنها بعفوية مع قولها : _"شكرًا يا إسراء!!! " ابتسمت إسراء بحب واحتضنتها هي الأخرى ثم قالت بمزاح : _"أيوة كدا يا شيخة فكيها بقى... إيه طنط إسراء اللي خنقاني بيها دي؟؟؟ " ضحكت نور حتى قطعت إسراء هذا الضحك وقالت وهي تجلس على الفراش : _"هتلبسي إيه بقى الليلة دي يا عروسة؟؟؟ " _"مقررتش لسة.. بقولك إيه يا إسراء هو أنا لازم أطلع؟؟؟ " طالعتها إسراء بعينين مدهوشتين وعقبت : _"لازم تطلعي فين يا نور؟؟؟ رؤيتك؟؟؟ لا يا حبيبتي مش لازم.. يا سلام؟! " أشاحت ببصرها للجهة الأخرى بشرود لتردف الأخيرة : _"لا يا حلوة مفيش وقت للسرحان.. الليلة دي بالذات مينفعش تبقي قاعدة مسهمة وشك كدا يا عسلية.. قومي كدا اتلحلحي و وريني هتلبسي إيه، يلا بسرعة عشان لسة في حاجات هتتعمل." بينما كانت تتحدث تعالا صوت الرنين الصادر من هاتفها ليعلن عن اتصال شيرين، قالت إسراء وهي تطالع الهاتف : _"أهي شيرين بتتصل، أنا هكلمها على ما تقفي قدام دولابك زي الشاطرة كدا وتشوفي هتلبسي إيه." قالتها وهي تحُث نور الجالسة قبالتها على النهوض بينما تضغط زر الإجابة على شاشة هاتفها وتوسد أذنها به ثم أتبعت قولها السابق : _"أيوة يا شيرين.. " أجابتها الأخرى بتذمر : _"سلامٌ قولًا مِن ربٍ رحيم يا بني آدمة.. إنتِ جنس مِلّـتك إيه؟؟؟ " —————————————————- بعد مرور عشر دقائق على بدء تلك المكالمة انتهت أخيرًا لتعيد إسراء تركيزها نحو نور وقالت : _"ها يا نور؟؟؟ عملتي إيه؟؟؟ " _"إيه رأيك ألبس ده وخلاص؟؟؟ " قالتها وهي تخرج الفستان الأخضر الذي ارتدته ليلة أمس ووجنتاها تحملان توردًا لا بأس به..ظلت إسراء تفرك رأسها ثم قالت بتفكير : _"بصي يا نور هو حلو ولايق عليكِ أوي وكل حاجة.. بس إيه رأيك تجربي فستان تاني؟؟؟ إنتِ عندك فساتين كتير حلوة ملبستيهاش ولا مرة وهيكونوا أليق باليوم دا.. يعني... دي رؤية شرعية مش فرح فهماني؟؟؟ " وعند الكلمات الأخيرة اقشعر بدن نور كاملًا كما لو أن أمواج البحر الباردة امتدت فوقه.. "رؤية شرعية"؟؟ يا الله كم للكلمة مِن وقعٍ مُهيب وذا سُلطةٍ على النفس!! طرقعت أصابعها أمام وجه الشاردة أمامها وقالت : _" إيه يا نور روحتي فين؟؟؟ ووشك إصفَر مرة واحدة كدا ليه يخرب بيتك؟؟؟ " ابتلعت نور ريقها وقالت بتوتر وأحرفها متقطعة : _"إسراء.. هو.. هو أنا لازم يعني أكون موجودة في الرؤية الشرعية دي.. مش كفاية بابا هيقعد مع عمي مصطفى ومروان ويشوفوا إيه الدنيا وخلاص؟؟؟ " نظرت لها اسراء بوجهٍ خالٍ سوى من عينين مندهشتين ثم أمسكت بكلا كتفي نور وقالت بنفس تعبيرات الوجه تلك وبهدوء ما يسبق العاصفة : _"صح يا نور عندك حق.. " ابتسمت نور براحة وابتسمت إسراء هي الأخرى قبل أن تصرخ في وجه نور بغيظ على حين غرة : _"ده في حــالــــة لـو هُمـا جاييـــــــن يطلبـــــــوا إيـــــــد مالـك أبــــــوكـــــــي!!!! " ————————————————— _"شربات إيه يا طنط إسراء اللي عايزاني أدخله؟؟؟ إنتِ بتهزري والله العظيم! " أجابتها إسراء وهي تكز على أسنانها بغيظٍ شديد : _"وعهد الله واحدة طنط كمان وأقوم حادفة الصينية دي في وشك ومطفحهالك باللي فيها قدام مروان برة!! " تدخلت غنى تقول بهدوء وهي تتناول من إسراء صينية الشربات : _"خلاص يا إسراء أنا هدخلها أنا.. بصي شكلها عامل إزاي؟؟؟ إنتِ كنتِ عمّالة تخوفيها طول النهار ولا إيه مالها بتترعش كدا؟؟؟ " تحدثت إسراء بتهكمٍ وسخرية وهي تناول الأخرى الصينية : _"أه أه مخوفاها.. والله هي ما في حاجة خوفتها من الدنيا غير دلعك انتِ ومالك ليها. " خرجت شيرين من غرفة الصالون تتعجلهم قائلةً : _"إيه يا جماعة اتأخرتوا كدا ليه؟؟؟" اتجهت ببصرها لنور لتفاجأ من مظهرها فتتحدث قائلةً : _"إيه ده!!! نور مال وشك أصفر كدا وعمّالة تترعشي.. إنتِ تعبانة ولا إيه؟؟؟ " _"ولا تعبانة ولا حاجة هي بس عندها فوبيا من الآدميين والمناسبات الرسمية.. يلا يا ضنايا انجزي الواد قاعد برة مستنيكِ وعمّال يوافق على أي حاجة أبوكِ بيقولها زي الأهبل." كانت تلك الكلمات الساخرة المتهكمة لحسن الذي خرج خلف والدته لاحقًا بها.. طالعته نور بأعينٍ يتطاير منها الشرر والغضب ثم قالت : _"إنتَ تسكت خالص دلوقتي،أنا مش عايزة أسمع صوتك ولا أشوف وشك قدامي يا حسن!" التفت الأعين حولها تطالعها بتعجب، فلطالما كان حسن المدلل لدى نور منذ متى تتعامل معه بهذه الفظاظة والقسوة، تحدثت شيرين لنورٍ تسألها : _"في إيه يا نور حسن عمل لك إيه بس؟؟؟ " أشار حسن لوالدته بيده أي تريثي واصبري ثم طالع نور وقال يدافع عن نفسه : _"نور أنا معملتش حاجة غلط.. مش هتفرق يعني لو كنت قلت لك مين اللي جايب الفستان المهم إنه كان عاجبك." عقبت نور بانفعال : _"لأ كانت هتفرق يا حسن.. إزاي تقولي إنك جايبلي هدية ولما أقبلها أكتشف إن حد تاني هو اللي جايبها.. إنتَ لو كنت قلت لي إن هو اللي جايب الفستان ده أنا مكنتش خدته على فكرة لإن هو ملهوش صفة بالنسبالي عشان أقبل منه أي حاجة! " انزعج حسن من الطريقة التي تحدثه بها.. نظر لها بحنقٍ وغضبٍ شديدين ثم قال وهو يحاول تمالك غضبه : _"طب مش وقته يا نور دلوقتي الناس مستنين جوا.. يلا لو سمحتي تعالي." أنهى كلماته السابقة وتوجه لأمه بالحديث : _"وانتِ يا ماما يلا ندخل جوا عشان بابا ميفتكرناش سبناه وخرجنا." نظر ليد زوجة عمه غنى التي تحمل الصينية وقال بتأفف : _"هي دي اللي مأخراكم؟؟؟ هاتوها أنا هدخلها أنا." انتشل حسن الصينية بعنفٍ من يد غنى ثم قال بضيق : _"ها؟؟؟ حاجة تانية معطلة الهانم الصغيرة؟؟؟ ياريت تتفضلي وتمنّي علينا بوجودك جوا عشان الواد الغلبان اللي قاعد مستنيكِ.. ده بعد إذن جناب حضرتك يعني." تنفست نور الصعداء وضغطت على عينيها بقوة بينما انصرف حسن من أمامها.. ربتت غنى على كتفها ثم قالت بحنو : _"معلش يا نور.. إنتِ كلامك صح إنك مينفعش تقبلي هدية من حد غريب عنك بس برضو طريقتك كانت ناشفة شويتين وأكيد انتِ ضايقتيه.. هو لو عارف إنك هتضايقي كدا مكانش هيزعلك، ده ربنا سبحانه وتعالى قال للرسول ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا مِن حولك. " طالعتها نور بتيهٍ ثم قالت بخفوت : _"حاضر يا ماما.. أنا هبقى أصالحه، يلا طيب ندخل عشان مش ناقصة حد تاني يجي يستعجلنا." ابتسمت إسراء بتهكمٍ وقالت : _"لا هما مش هيبعتوا حد تاني يستعجلك هما لو جم يقعدوا معانا هنا يكون أسهل والله." —————————————————— كان المشهد غريبًا بالفعل والمشاعر متطايرةٌ في الأجواء.. هناك من يشعر بالسعادة، وآخر يشعر بالحزن يخيم على قلبه، آخرٌ يتناسى ما يزعجه وهناك من ينخر الخوف لبَّه... لكن أكثرهم وضوحًا في مشاعره هو مروان الذي التزم الصمت منذ دلوفها حيث يجلسون.. ضاع في شروده وعيناه تطالعان الأرض وثغره يكاد يتمزق من سعادته التي لا يقوى على كبحها.. تمامًا كسعادة عصفورٍ بشفاء جناحه المصاب، أو كبلبلٍ عاد له صوته الجميل مُجددًا ليملأ الكون بغنائه وغنجه.. ربما كرجلٍ عاد لأسرته وأبنائه بعد يومٍ طويلٍ مُرهقٍ من العمل ليجد ابنائه يرتمون في أحضانه، أو كطفلٍ صغير عاد ليجد أمه المريضة قد تعافت وأعدت له طعامه المُفضل.. كل هذه السعادات لا تُضاهي شيئًا مُقابل فرحته التي احتلت شرايينه وأرودته الآن لتجري مجرى الدماء بجسده حتى تتدفق لقلبه بشجنٍ وانتشاء. كان مُنفصلًا عن الواقع.. لم يوقظه سوى صوت مصطفى القائل : _"إيه رأيك يا مروان في الكلام ده؟؟؟ " نظر له مروان ببلاهة استدلوا بها على شروده وعدم تركيزه فيما يقال.. ليتحدث حسن قائلًا : _"طب يا جماعة بعد إذنكم نسيبهم يقعدوا لوحدهم شوية." وافقه مصطفى وأومأ مالك على مضضٍ خرجوا جميعًا عدا خالد الذي تأخر في خطاه ليميل على أذن مروان ويخبره قائلًا : _" أومأ له مروان بثبات ليخرج الآخر تاركًا الباب مفتوحًا من خلفه.. تنحنح مروان ينقي صوته وحنجرته قبل أن يبدأ الحديث قائلًا بلين : _"إزيك يا شمس.. عاملة إيه؟؟؟ " وأمامه كانت نور تجلس تضم كفيها وتشبكهما بعضمها ببعضٍ أمامها وعيناها عليهما.. ما إن وصل أذنيها سؤاله السابق حتى ابتسمت بخجلٍ ظهر جليًّا عليها ولم تستطع التحكم فيه، ليضيف هو بتبسم مُمازحًا : _"طب ردي عليا طيب.. ده احنا لسة بنقول يا هادي ابتدينا تُقل؟؟؟ " حاولت نور كتم ضحكاتها التي لا يمكنها تفسير سببها الآن.. ليضحك مروان على مظهرها الخجِل، وما إن ضحك هو حتى بدأت هي بالضحك أيضًا... وبعد ثوانٍ توقف الضحك ليحمحم هو مُجددًا قبل أن يردف : _"طب هي شكلها بداية مُبشرة، أنا مُتفائل... لا بجد.. أنا متفائل." تنهدت نور بعمق وأخيرًا أتتها الجرأة لنظر له للمرة الأولى منذ بداية تلك الجلسة. نظرت له كما فعل هو.. شابة بالرابعة والعشرين من عمرها أمام رجلٍ يوشك أن يتخطى عامه التاسع بعد العشرين.. أنزلت عينيها من عليه بشرود قبل أن تسأله : _"أنا بخير الحمد لله.. وانتَ عامل إيه؟؟؟ " أتاها رده سريعًا : _"أنا في أحسن حالاتي كفاية إني معاكِ دي لوحدها قادرة تحييني من جديد." نظرت له بذهول وعيناها متسعتان عن أخرهما بغير تصديق ليسترسل هو قائلًا : _"بتبصيلي كدا ليه؟؟؟.. أنا صحيح مكانش عندي أم وأب يحبوني بس ربنا رزقني بمالك ومصطفى ومازن يحبوني حب معتقدش أهلي كانوا ممكن يحبوني كدا.. أنا ممكن أعتبر ده لوحده انتصار.. حظي انتصر بيا و..." وقبل أن يكمل حديثه قاطعته هي تسأله بتلهف : _"للدرجة دي بتحبهم؟؟؟ " أومأ لها هو باهتمامٍ وقال : _"أكتر كمان.. بالتحديد مالك.. أنا لو نسيت اسمي في يوم من الأيام ونسيت حياتي كلها مستحيل أنسى مالك الدالي واللي عمله معايا.. واحد في عز الأوقات اللي اتظلم فيها واتخذل من كل اللي حواليه واللي بيحبهم لما سابوه في مستشفى للمجانين وهو سليم وعارفين المستشفى دي بالتحديد سمعتها عاملة إزاي وبيتعاملوا مع المرضى اللي فيها إزاي مسابنيش ليهم هناك.. كان بيعمل كل حاجة عشان يحمي عيّل صغير مبيتكلمش وميعرفش هو مين أصلًا، مكتفاش بكدا هو كمان قعد شهور يدور على أي أهل أو قرايب ليا ولما فشل وملقاش بقى هو كل أهلي وقرايبي ومبقاش ليا غيره.. مبخلش عليا بحاجة، مبخلش عليا بوقته ولا اهتمامه ولا فلوس ولا أي حاجة، مكتفاش إنه يعملني تعليم عادي زي أي واحد مكانه كان هيعمل وكان هيبقى عدّاه العيب.. لأ ده طور من دماغي ولما لقاني كويس ودماغي حلوة بس بلدنا مقدرتش ده سفرني بلد تانية وصرف عليا كإنه بيستثمر فيا وعلمني تعليم مُكلف جدًا وخلاني أصغر جراح في فرنسا.. أنا مكنتش هبقى أي حاجة من غير مالك.. ودلوقتي هو ربا البنت الوحيدة اللي قلبي حبها واختارها قبل عيني وحافظلي عليها زي ما طلبت منه." ابتسمت نور وهي تستمع لحديثه عن والدها حبيبها الأوحد ثم قالت تضيف لحديثه : _"والله انتَ عندك حق.. أنا معتقدش إني بحب ولا هحب حد قد بابا.. لإني ببساطة معرفش يعني إيه حب غير من خلاله هو.. لما بشوفه كل معاني الحب والإمتنان بتظهرلي، مالك الدالي.. اللي هو أبويا واللي أنا على إسمه ده.. هو اللي شربني الحنيّة بالمعلقة وفضل يسقيني لحد ما بقيت من جوايا كلي مليانة حب تجاهه.. بابا ده هدية القدر ليا وأكتر حاجة أنا بشكر ربنا عليها، على رأيك واحد غيره مكانش عمل معايا نص اللي بابا عمله.. كفاية إنه استثمر فيك زي ما بتقول وخلاك كدا." ذهل مروان من كلماتها الأخيرة وقال بلهفةٍ مُغلفةٍ بالغموض : _"خلاني كدا إزاي يعني؟؟؟ " ابتسمت نور بخجل وقالت : _"خلاك كدا وخلاص، متدققش معايا أوي عشان أنا ساعات لما بتوتر بقول أي حاجة وخلاص." ارتسمت بسمة على ثغر مروان وأضاف : _"وأنا كُل كلامي عشوائي أصلًا." ابتسم كليهما للآخر قبل أن يتابع مروان بعد أن رفعت هي وجهها له بطبيعية : _"إنتِ عارفة؟.. بصي أنا عارف إني مينفعش أقول كدا دلوقتي بس أنا بحبك أوي.. " ذهلت نور وأصيبت بجحوظٍ في العينين قبل أن يتابع مروان قائلًا : _"كل يوم كان بيعدي من غيرك كان بيعدي بطلوع الروح.. معرفش أبوكِ قالك كدا ولا لأ بس أنا كنت كل فترة لما الاقي الزمن مش بيعدي أكلمه وهو يفضل يقولي استنا شوية يا مروان... استنا لما تخلص دراستها يا مروان.. نور لسة صغيرة يا مروان.. لما نخلص من فرح أروى الأول يا مروان.. بس بالله بُعدي عنك كان صعب أوي يا نور.. كان أصعب من مراهق بيدرس في كلية الطب.. في حاجات كتير مستنياكِ عشان تقرأيها وتمسكيها.. كنت كل ما بفقد السيطرة وتبقي وحشاني أوي والكلام مع مالك مش قادر يصبرني أمسك دفتر واقعد أتخيلك معايا.. وأكتب كل اللي نفسي أقوله ليكِ في الدفتر ده.. ساعات كنت بنزل أشوف إيه الحاجات اللي ممكن تعجبك واجيبها واحتفظ بيها معايا... أنا كنت مريض بيكِ، كنت بصحى من النوم عشانك وبتنفس عشانك وبشرب ماية عشانك وببلع ريقي عشانك مع إني مكنتش أعرف عنك أي حاجة... أي حاجة هتوصلني ليكِ كنت بعملها... إنتِ كنتِ الحلم اللي أنا عايش عشانه رغم كل حاجة، مش ببالغ لما أقولك إني كنت مريض بيكِ.. كنت مريض بيكِ ومفيش لعلتي غيرك يشفيها، عشان كدا أنا دلوقتي قعدتي معاكِ دي في رؤية شرعية انتصار من أعظم انتصاراتي.. إني دلوقتي قاعد بتكلم معاكِ دي حاجة عمري ما تخيلتها... أو بالأصح متخيلتهاش بالشكل دا، لما كنت سرحان من شوية وكانوا هما بيتكلموا في التفاصيل أنا كنت بفكر هل ده كله بجد ولا أنا عقلي الغلبان من غُلبه بقى بيهيألي الموقف وأنا قاعد أكتب لك على الورق... عُمرك ما هتتخيلي أنا بحبك قد إيه.. إنتِ عاملة زي الست اللي جت رمت بذرة في أرض بور وسابتها ومشيت وبعد سنين جت نفس المكان واتفاجئت بالبذرة بتاعتها بقت شجرة عملاقة متفرعة فروع كتير واصلة للسما، الست دي مشافتش البذرة وهي بتكبر كل يوم عن اللي قبله زيك بالظبط وانتِ متعرفيش أي حاجة عن حب عمّال يكبر جوايا يوم عن يوم وانتِ بعيدة عن عيني." كانت نور تستمع له ولا تجد حلًا في مياه عينيها الجارية على وجهها بسخاء بينما وجنتاها تلتهبان من أثر حديثه.. أيمكن لشخصٍ أن يُحب هكذا؟؟؟ ليس حبًّا.. إنه عذاب!!! عذابٌ تستلذه الضحية المُعذّبة!!! يا الله ما هذا الجَوَى العظيم!! ظل يطالع هيئتها الباكية وفجأة تعالت ضحكاته ليثير تعجبها فتتسائل : _"بتضحك على إيه؟؟؟ " أجابها هو بكلماتٍ مُبعثرة إثر قهقهاته العالية قائلًا : _"أصل... أصلي كنت هقولك لو أبوكِ دخل وشافك معيطة كدا هيفتكرني أنا اللي مزعلك وهيعلقني على برج إيڤل! " صمتت نور لحظة وهي تستوعب قبل أن تنطلق ضحكاتها هي الأخرى وقد تذكرت وقوفهما بالشرفة منذ أمدٍ بعيدٍ وبكائها وغنائه لها حتى تكف عن البكاء. تذكرت أمر غنائه فسألته : _"أه صحيح إنتَ لسة بتغني؟؟؟ أنا فاكرة زمان صوتك كان حلو وكنت بتغني." نظر لها مروان مطولًا وإلى ما ترتديه، والذي بالمناسبة كان فستانًا من الستان يخطف الأنظار من اللون الأسود وخمارٌ من ذات اللون فوقه يستر مفاتنها ويخفي معالم أنوثتها ليزيد جمال ملامحها جمالًا فوق جمالٍ ثم قال بصوتٍ أجش رخيم : _"إنّي ومَـا يَعتَادُنـي مِـن حُـبِّ لابِسَـةِ السـوَادِ.. فِي فِتنَـةٍ وَبَليّةٍ مَـا إنْ يُطِيقُهُمَـا فُـؤادِ.. فَبَقيـتُ لا دُنيا أَصَبـت وَفاتَنـي طلَبُ المعادِ.." اقشعر بدن نور بشِدّة ليبتسم هو لها ويسكنا في حبٍ وهدوء كحرفين ساكنين التقيا بعد أن فرقتهما قواعد النحو. ————————————————— "قبـل عِـدة سـاعـات" عاد مروان للاستقبال، وبمجرد عودته حدثه الموظف جمال بالفرنسية : _"دكتور مروان.. دكتورة فريدة في انتظارك." أومأ له مروان بهدوء ثم توجه حيث يشير جمال بيده نحو مكتب فريدة. _"ازيك يا مروان؟؟؟ " هكذا قالتها فريدة ببساطة لينظر لها مروان بتمعن قبل أن يجيب باقتضابٍ وإيجاز : _"كويس." أضافت فريدة بعملية تحاول تفادي انزعاجه : _"مالَك يا مروان؟شكلك متضايق.. ده من كلام مازن؟؟؟ " أجابها هو بسخرية بنبرةٍ تحمل شيئًا من التهديد الخفي : _"بسبب مازن؟!! ودي تيجي برضو؟؟؟.. إنتِ احمدي ربنا يا دكتورة إن جوزك دلوقتي مناخيره مش مكسورة... ده إيه ده إنسان وظيفته إستفزاز الآخرين تخريجهم عن شعورهم." مهما كانت طيبة فريدة فشخصيتها القوية دائمًا لطالما كانت تقف بينها وبين أي شخصٍ يحاورها، وسواء كانت علاقتهما طبيبة ومريضها أو علاقة شخصية فالإثنان سواسية لأن فريدة لا تسمح لأحد بتجاوز حدوده معها والتقليل من الإحترام في لهجته لها. حمحم مروان بإحراجٍ طفيف برع في إخفائه إثر نظرات فريدة الحادة ثم أردف : _"أنا مش غبي على فكرة.. وقلت كدا لمازن مش معقول مكونش عارف إنه عمّال يدور بيا عشان يحاول يوقعني ويعرف إذا كان عندي استعداد أساعد نور لو عندها مشكلة نفسية ولا لأ... بس مكانش ينفع بالطريقة دي.. مينفعش يقولي إني شخص أناني بتسلى بمشاعر اللي حواليا حتى لو مجبهاليش بشكل مباشر." تنهدت فريدة الجالسة أمامه بعمقٍ ثم أجابته : _"بص يا مروان..إحساسك بالقلق من كلام مازن وكونك بتحاول تاخد موقف دفاعي ده إلى حدٍ ما،وركّز على كلمة "إلى حدٍ ما"..ده يشبه الحالة اللي نور حاطة نفسها فيها." قطب مروان جبينه بعد استيعاب ليتكئ على مرفقه إثناء إردافه قائلًا : _"أي حالة بالظبط مش فاهم؟؟؟،وضحي كلامك أكتر." عقبت فريدة بعمليةٍ احترافية : _"ocd" رفع مروان حاجبه باستفهام وأضاف : _"وده اختصار لإيه؟؟؟" أتاه رد فريدة تتحدث بهدوء وصوتٍ مُنخفض نوعًا ما : _"Obsessive-compulsive disorder" صمت مروان لبرهةٍ ثم قال مستفهمًا : _"وسواس قهري؟؟؟" أومأت له فريدة بهدوء ثم ارتشفت قليلً من مشروبها العُشبي قبل أن تبدأ في الحديث : _"الإضطراب السلوكي القهري..تعرف عنه حاجة؟؟؟" رتب مروان كلماته قبل أن يجيب سؤالها بقوله : _"كل اللي أعرفه إن بيخلي الشخص موسوس بحاجة مُعينة زي النظافة والتنظيم مثلًا." بدأت فريدة الحديث في مجال عملها توضح لمروان أبعاد هذا المرض بدقة قائلةً : _"الإضطراب السلوكي/الوسواسي القهري ده إضطراب نفسي ممكن يتضمن الوسوسة أو السلوكيات القهرية، أو الإتنين مع بعض وده وارد جدًا." أومأ لها مروان بتفهم ليستحثها المتابعة في السرد لتسترسل هي الحديث : _"من المهم إني أفهمك إن الوسواس القهري مش بيبقى وسواس متعلق بس بالنظافة والنظام زي ما بتقول.. لإن في الأساس معظم الوساوس والسلوكيات القهرية بتكون مرتبطة بمخاوف..مخاوف تتمثل في حدوث أضرار أيًّا كان نوع الأضرار دي، أو التعرض لمخاطر..الأوساخ والأمراض على سبيل المثال أو حتى أخطار زي الحرايق أو التعرض للسرقة." حينها تسائل مروان : _"طب ولو شخص بيخاف كدا إزاي مش بيلاحظ خوفه ده؟؟..يعني..قصدي هل خوف الشخص ده بيكون بالنسباله شيء عادي؟؟؟" سعدت فريدة من هذا السؤال وأجابته قائلةً : _"بص..أولًا كدا عايزة أوصل لك معلومة..وهي إن المريض بالإضطراب الوسواسي القهري ده ممكن يقضي ساعات طويلة كل يوم بيعمل نفس الحاجة وهي إنه بيفكر في الوساوس بتاعته،وده بيخليه يتصرَّف بُناءً على سلوكياته القهرية وده بنسبة كبيرة جدًّا بيؤدي لحدوث مشاكل في حياته اليومية... سؤالك عجبني وعايزة أقولك إنك فعلًا عندك حق.. في بعض الحالات بتبقى عارفة إن قلقها ده مش طبيعي وإن مخاوفهم دي مش طبيعية وده بيبدأ بالملاحظة القوية.. ومع ذلك فإن الغالبية العظمى شايفين إن قلقهم ده مُبرر ومنطقي. " صمت مروان يستمع لفريدة بتمهلٍ وتركيز بينما هي تتابع : _"المريض بالإضطراب الوسواسي القهري وارد جدًا يكون عنده اضطرابات نفسية تانية زي اضطراب القلق أو الإضطراب الإكتئابي أو الإكتئاب أو الإضطراب ثنائي القطب...وده على سبيل المثال وليس الحصر، في أسباب كتير ومتنوعة للإصابة بالوسواس القهري من ضمنهم وأهمهم التاريخ المرضي في العيلة..خلينا مننساش إن الأمراض والإضطرابات النفسية عامةً زي ما ليها علاقة بالبيئة والوسط المُحيط بالإنسان واللي بدورهم ممكن يكون الإنسان ده شخص طبيعي وسوي نفسيًّا أو على النقيض تمامًا ممكن يبقى مضطرب وغير متزن نفسيًّا..زي بالظبط ما التاريخ المرضي للعيلة هو كمان مؤثر لإن لو رجعت لأصل الموضوع هتلاقيه أساسًا عبارة عن هرمونات." قاطعها مروان بسؤاله : _"طب أنا كل كلامك فهمته ماعدا الحتة بتاعت الهرمونات دي." _"بُص يا مروان..طبعًا إنتَ أكيد عارف قانون نيوتن..لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الإتجاه." أردف مروان بحيرةٍ قد ازدادت عن ذي قبل : _"إيه العلاقة إنتِ كدا عقدتيها أكتر بالنسبالي؟.." _"هو قانون نيوتن ملهوش علاقة مباشرة لكن أنا بضرب لك مجرد مثال..لكل فعل رد فعل ودي قاعدة ثابتة..في حاجة بين الفعل ورد الفعل عندنا في علم النفس بنسميها زمن الرجع وده بيبقى عبارة عن الزمن اللي بيحتاجه الفرد عشان يفسر الفعل أو المثير اللي اتعرض له..يعني انتَ لو قاعد في بيتك وجرس الباب رن ده مثير..الأجزاء من الثواني اللي عقلك استوعب إن الصوت ده صوت جرس الباب ده إسمه زمن الرجع..وكونك تقوم تفتح الباب أو تقرر تتجاهله دي اسمها الإستجابة أو رد الفعل..مثلًا أب زعق لابنه وعاقبه بقسوة في طفل هيبدأ يحس بالذنب إن هو عمل الحاجة الغلط اللي استوجبت من أبوه إنه يعاقبه،طفل تاني هينكر كونه غلطان وهيعاند بل بالعكس هيترسخ في فِكره إن أبوه ظالم وبيئذيه وهيبدأ يشعر بمشاعر الغضب،طفل تالت وغالبًا ده بيكون طفل خجول وهادي وده مشاعره حساسة جدًا هيتأثر وهيحط في نفسه ويبدأ الموقف يتحفر في ذاكرته لحد ما يكبر ويفضل مأثر على نفسيته...فيان على سبيل المثال لو ماشي واتفاجيء بحد ضربه على قفاه هيتعصب ويتضايق.. لو لف ولقى إن اللي ضربه ده خاله خالد ممكن يفسرها على إن خاله بينكشه وبيهزر معاه.. واحد تاني ممكن يقول ده مستقصدني.. الشاهد من الكلام ده كله إن تفسير الإنسان للمواقف حتى البسيطة منها بيأثر على الهرمونات والحالة المزاجية..وعشان كدا الأطباء أحيانًا بيلزموا مرضاهم بأدوية وعقاقير زي مضادات الإكتئاب لتعديل الهرمونات فاهمني؟؟؟ " أومأ لها مروان بفتور ثم قال : _"الحقيقة أنا فاهمك بس مش فاهم ده كله إيه علاقته بنور؟؟؟" _"زمن الرجع ده هو العامل اللي من خلاله ممكن الشخص ياخد الموقف بطبيعية ويتعامل وممكن يقلق ويخاف بدون مبرر.. والحقيقة إن مفيش حاجة إسمها بدون مبرر..كل شيء ليه مبرر،كون إن القطة تاكل عيالها ده شيء مش منطقي خالص لكن لو تعمقت في الموضوع تكتشف إن القطط عندهم إعتقاد إنهم لما بياكلو عيالهم بيرجعوهم تاني جوا بطنهم وبيحموهم من ظروف الحياة القاسية..ده إسمه مُبرر بالنسبة للقطط لكنه مش مبرر منطقي ولا يمت للواقع بِصِلة." أجابها مروان ببلاهةٍ وسخرية إثر عدم استيعابه : _"مش فاهم.. يعني إنتِ دلوقتي عايزاني أكل نور عشان أحميها من العالم الخارجي؟؟؟" خلا وجه فريدة من التعابير وظهرت البلاهة على وجهها ظهور الشمس في السماء.. ظلت تنظر له بغير تصديق ومعالم الذهول تغزو وجهها..بعد دقائق مستمرة من الصمت تحاول فريدة أثنائها تمالك أعصابها كي لا تقوم بارتكاب أفعالٍ غير آدمية تحدثت تقول بغيظٍ مكبوت : _"أنا قلت لمازن يستفزك مش يرش عليك رذاذ الغباء بتاعه..شكله طفح عليك يا مروان يا ابن رشدي." أجابها مروان يحاول تمالك رغبته في الضحك : _"طب أنا أسف بس واحدة واحدة عليا شوية..أنا دكتور جراحة يعني بتاع مشرط وجوانتي مليش في علم النفس وانتِ بصراحة أمثلتك غريبة يا فريدة بتجيبي من الشرق للغرب وبتربطي المواضيع ببعضها بطريقة حلوة أوي بس غريبة!!" _"طب بص بما إن الأمثلة بتلغبطك أنا هحاول على قد ما أقدر أتكلم كلام أكاديمي بحت عشان نخلص عشان أنا لسة ورايا حالات محتاجة تتعالج عشان يبقى لسة عندي صحة ونفس أتكلم معاهم..لو قلت لك إن في راجل فقير لأقصى درجة من الفقر ومحروم من كل حاجة..وهو اتولد لقى نفسه كدا فمتأقلم مع الوضع المادي بتاعه..لو جيت انتَ وكتبتله شيكات بمليارات الدولارات وشركات ومصانع وفلوس مش بتخلص وهو اتعود واتأقلم على حياته الجديدة..تقدر إنتَ تعرف إيه هي أكتر حاجة الراجل ده مكانش بيخاف منها ودلوقتي هي أكبر مخاوفه؟؟؟" مروان بابتسامة : _"أكيد الفقر..لإنه في الأول كان عادي بالنسبة ليه إنه فقير بس بعد ما اتعود على الرفاهية هيبقى صعب بالنسبة ليه يرجع تحت الصفر تاني." _"بالظبط،وغالبًا ده اللي نور خايفة منه." قطب جبينه وفكر بصمتٍ ثم قال : _"يعني إيه؟.. قصدك إن نور خايفة ترجع من غير مالك؟؟؟" ابتسمت فريدة وظهر الخبث في عينيها ظهورًا جليًّا ثم قالت بنفس الخبث : _"بص..بعيدًا عن أسباب الخوف،أنا دلوقتي عايزة أعرف قبل ما أشرحلك أكتر عن الـ ocd هل إنتَ كمروان عندك استعداد تساعدها ولا لأ؟؟؟" أجابها مروان باندفاع : _"إنتِ بتقولي إيه يا فريدة؟؟؟ أنا طبعًا هساعدها ده شيء مفيهوش كلام..بس أنا بأي صفة هساعدها؟لازم أكون قريب منها كفاية وفي نفس الوقت مش عايز أكون بعمل حاجة حرام أو غلط وإلا كل اللي اتعمل ده مكانش ليه لازمة.. فهماني؟؟؟ " أومأت له فريدة بتفهم وقد أسعدها رد فعله وتفكيره،عادت لتشرب من مشروبها لتصفي حنجرتها وبعد دقيقةٍ تابعت : _"ده شيء ممتاز يا مروان وعشان كدا هكلمك عن الإضطراب ده أكتر.. من ضمن وأهم الأعراض وأكثرها شيوعًا اللي عايزاك تلاحظها وانتَ معاها.... الوسوسة والخوف من انتقال الجراثيم والأوساخ زي مثلًا الخوف من مسك مقابض الباب، أو القلق الزيادة عند بعض إجراءات الأمان زي قفل البوتجاز قبل ما تخرج من البيت وقفل الباب كويس فاهمني؟،وكمان إنك تلاقي اللي قدامك بيقلق من الحاجات اللي مش مترتبة ومتنظمة يعني في واحد مثلًا يقلق ويتنرفز لو حد حرك كتبه اللي هو كان راصفهم على صف واحد...ممكن المريض بالإضطراب ده يحاول يتجاهل هواجسه او يحاول السيطرة عليها،لكن لو معرفش يعمل كدا قلقه هيبدأ يزيد بشكل أكبر." صمتت تقرأ تعابير وجهه حتى طالبها هو بالمتابعة قائلًا باهتمام : _"أنا مركز ومعاكِ..كملي لو سمحتِ." تابعت فريدة حديثها قائلًا : _"اللي قلتهم لك دول وساوس قهرية..في سلوكيات قهرية ومن أكثرهم شيوعًا ودول هيكونوا أسهل في الملاحظة لإنك هتشوفهم في التعامل والتصرفات..زي مثلًا الغسل والتنظيف بسبب وبدون سبب والتأكد من الأشياء زي مثلًا قفل الباب أكتر من مرة،العد وهنا بقول العد في كل الأوقات..عد الحاجات والدقايق والأشخاص المحيطين واللبس، أو حط الحاجات بترتيب ونسق مُعيّن....بص غالبًا السلوك القهري بيحصل بعدد مرات مُعيّن نفس العدد هو هو بيتكرر كل مرة لما الشخص ده يجي يمارس سلوك معين أو عادة مُعينة فاهمني؟؟؟" أومأ لها مروان قائلًا بإمعان : _"معاكِ كملي... بس في ناس كتير جدًا بتحب النظام والنظافة وتحب تكون حاجات كاملة وتأمن نفسها وعيالها وبيبقى ليهم طُرق مُعينة في الحاجات دي، كدا يبقى أي حد ممكن نقول عنه إنه بيعاني من وسواس قهري. " أجابته فريدة : _"الدكتور النفسي مش بيشخص حالة الوسواس القهري إلا في حالة إن القلق ده بيأثر على مزاجه ولما السلوك المُعيّن ياخد وقت أطول من اللازم وهنا بنتكلم في ساعة على الأقل.. يعني الشخص اللي بينضف ويرتب سريره في ساعة يوميًا ده شخص مش طبيعي ويُنصح بزيارة طبيب نفسي، لما يسببله مشاكل في حياته اليومية زي مثلًا.. إنتَ ممكن ترجع من شغلك لما تفتكر إنك نزلت وسبت الفرن شغال.. لكن لما تفضل تعمل كدا كل يوم عشان تتأكد إن الفرن مقفول يبقى دي شيء مش طبيعي ويُنصح بزيارة طبيب نفسي لإن دي كدا حالة وسواس قهري ممكن تسببله مشاكل كتير في شغله وحياته اليومية بسبب التأكد والمراجعة الزيادة عن اللزوم. " عند انتهاء حديثها أردف مروان باهتمام : _"حلو جدًا أنا كدا بقى عندي معلومات كفاية وكمان ممكن أعرف أكتر من النت بس دلوقتي عايزك تقوليلي إزاي بقى نعالج الـ ocd دا؟؟؟" عقبت فريدة تقول : _"في طريقتين للعلاج..أولهم ودي اللي أنا أرجحها وشايفة إنها أنسب لنور وهي تعريض المريض بالتدريج للحاجات اللي بتقلقه ونخيله يبدأ يواجهها ويتعامل معاها شوية بشوية، دي طريقة والطريقة التانية يلزم معاها الحذر أكتر وهي اللجوء للأدوية والعقاقير الكيميائية." انهت فريدة توضيحها السابق لترتسم ابتسامة خبثٍ شقّت طريقها على شفتي مروان. ——————————————— انتهى البارت الخامس بعد العشرين ، تعبت فيه جامد وكمان الواتباد كان عطلان عندي بقاله فترة طويلة والبارت اتمسح مرتين واضطريت أكتبه للمرة التالتة تفاعلـوا يا عزيزاتي💚. (وأعزائي لو فيه أعزائي) -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم.
-مَليكـة مجْـدي إبرا