الفصل الخامس عشر: فُصام مالك..

الفصل الخامس عشر: فُصام مالك..

54 2

أما أنا وقد امتلأتُ بكل أسبَابِ الغياب.. فلستُ لي.. أنا لستُ لي. _محمــود درويـش صلوا علـىٰ الحبيب قلوبكم تطيب 🤍🦋'. __________________________ _"ماشي يا نور، صحيح.. وبإيدنا إيه. " ظل مروان واقفًـا يبتسم بحالمية ليفيق على نداء خالد الذي يستدعيه ويبدو أن هناك أمرًا جللًا. اجتمع الجميع مرةً أخرى ليقول مصطفى بادئًا الحديث : _"في إيه يا خالد متنجزنا، ادينا جينا كلنا أهو في ايه؟؟؟ " وقف خالد صامتًا وكل ما يفعله هو التبسم وترتيب أنفاسه ليصيح مازن بملل : _"ما تخلصنا يا عم خالد ابن الوليد في إيه إنتَ هتخطب فينا؟؟؟ " أخذ خالد يتنفس بقوة حتى اتضح صوت أنفاسه للجميع ليصدر صوت مروان وقد بدأ التوتر يجتاح الجميع قائلًا : _"في إيه ياخالد؟؟؟ " نظر خالد لأوجه الجميع في سكون وملامح خالية من التعابير ثم اتجه ببصره ناحية إسراء موجهًا لها الحديث بعد أن اقترب من مكان جلوسها قائلًا : _"ابنك ولا بنتك اللي جايين في السكة جالهم حد يلعب معاهم.. " تفوهت إسراء بدهشة تقول بينما انخفض وجه خالد أرضًا محاولًا ستر عيونه الدامعة قائلةً : _"يعني ايه الكلام ده؟؟؟... " صمت خالد يحاول تمالك نفسه بينما ظل الجميع يتبادلون الأنظار والبسمات غير مصدقين لتكسر فريد هذا الصمت متوجهةً بحديثها لغنى : _"غنى إنتي حامل؟؟؟ " أجابت غنى تهز رأسها بسعادة والخجل يعتريها : _"أه.. أيوة أنا حامل" لتنطق فريدة بكل بلاهة وكأن ما تقوله أمرًا عاديًا : _"يااه؟؟؟ وأنا كمان. " رمت كلماتها ببلاهةٍ وبرودٍ شديدين لتقع كالقنبلة على مسامع الجميع، ليردف مازن معقبًا وقد جحظات عويناته : _"نعم؟ وانتِ كمان إيه يا فريدة؟؟؟" أضافت فريدة بهدوئها الغريب مرةً أخرى وقد بدأت تظهر علامات التعجب على وجهها : _"وأنا كمان حامل. " أضاف مصطفى بملامح تغزوها علامات الإستفهام : _"يعني إيه وإنتِ كمان حامل؟.. لحظة لحظة دا مقلب ولا بتتكلمي بجد؟؟؟ " _"لا بتكلم بجد والله" هكذا أجابت فريدة بمنتهى البساطة وهي تمد يدها لتلتقط بعض المكسرات الموضوعة على الطاولة أمامها لا تستوعب مدى غرابة الوضع الآن. قام مازن من مقعده متوجهًا صوب إسراء متحدثًا لها بعدم تصديق : _"إسراء فكك منها عشان أنا مش فاهم حاجة ومش مصدقها.. الهبلة مراتي دي بتقول إيه؟؟؟ " _"الهبلة مراتك بتتكلم بجد، بس هي تقريبًا والله أعلم عندها تبلد في المشاعر أو الـ Mother Attitude عندها واطي معرفش. " أضاف خالـد : _"جدعان أنا مش فاهم حاجة بجد، إيه يا عم مصطفى ماتشوف اختك وانتَ يا مازن، انتم بتشتغلونا ولا إيه يجدعان أنا أول مرة أسمع حاجة إسمها وانا كمان حامل دي هو إيه اللي وأنا كمان؟؟؟" توجه لفريدة بسؤاله : _"هو إنتِ ليه محسساني إنك بتقوليلنا نعمل حسابك في الغداء! " أضاف مروان الذي صدر صوته لأول مرة منذ بدأ هذا الحوار العجيب : _"يا ما شاء الله ، هو مبارك ليكم وكل حاجة بس أنا ليه حاسس إني قاعد في عنبر الحوامل؟؟؟ " عقب مصطفى بسرعة على حديث مروان السابق وقد اتجهت أبصاره نحو زوجته الجالسة أمامه : _"شيرين ماتيجي نجيب عبد الله؟ " عقد كُلًا من مازن وخالد حاجبيهما بغير تصديق بينما نهرته شيرين وقد احمر وجهها لما قاله توًا قائلةً : _"روح ربي عيالك الأول بعدين إبقى روح إنتَ هات عبد الله. " وفي ملكوتٍ آخر كانت فريدة تراقب تغيرات ملامح مالك الذي يبدو عليه الشرود كما لو كان وحده من يجلس في المكان، يناظر الحائط بشرودٍ سرمدي مع تغيرات بسيطة في تعبيرات وجهه ولغة جسده. شيءٌ صغير ظهر فجأة من العدم لينخر في داخلها تجاه مالك فإن كان مالك طوال الأعوام الثلاثة المنقضية لم يمثل لها سوا مريضٍ في مراحل سيئة فقد أصبح الآن بمثابة أخٍ لها، هم الآن في تلك البلد الغريبة عنهم منذ شهور.. كان الهدف من هذا السفر هو البدء في وضع خطةٍ جديدة لعلاج هذا المالك في مكانٍ بعيدٍ تمامًا ليبدأ من جديد. أفاقت من شرودها على يد غنى التي توضع على كتفها لتجد الجميع محدقين بها حتى مالك وقد بدت على وجهها معالم الإحباط لتنتبه فجأة لما يدور، فقد كانوا يتسامرون ويتبادلون التهاني والمُباركات على هذه الأخبار السعيدة ليجدو أن فريدة تجلس في صمت وشرود غريبين. اعتذرت منهم قائلةً : _"أسفة معلش سرحت منكم.. " ليرد عليها مازن الذي أحاط كتفيها بذارعه قائلاً بقلقٍ طفيف : _"مالِـك بس يا فريدة فيكِ إيه؟؟؟ " نظرت له فريدة بصمت دون أن تتحدث وفي النهاية ارتسمت ابتسامة مُحِبَّة على ثغرها لتقول بنبرةٍ حانية : _"مفيش حاجة يا حبيبي، متقلقش عليا." إبتسم مازن وكان الجميع سعيدًا عدا خالد الذي ارتسمت الابتسامة الخبيثة على محياه ليردف مُتسائلًا : _"مازن ماتقولنا كدا فريدة تبقى بالنسبالك إيه؟؟؟ " تدخل مصطفى سريعًا : _"إيه يا عم شغل الأفلام الكوري دا إنتَ كمان خلينا قاعدين في هدوء شوية. " عقبت شيرين على حديثه باعتراض وكذلك الفتيات ليتفق الجميع على أن يخبر شريكه ماذا يمثل له مُبتدئين بمازن الذي وجَّه عينيه السوداوتين لفريدة قائلًا بنبرةٍ حانية : _"فريدة هي غيمة الفرح في قلبي، وشخصي الأحَبّ، مش عارف أقول إيه بس هي من الحاجات اللي الواحد لما يفتكرها وسط ما هو تعبان ومضغوط يحس إن كل حاجة هانت، وإن مفيش أي حاجة تقدر تدايقه.... " صمت لعِدَّة لحظات ثم تابع بصوتٍ رقَّ له قلب فريدة : _"وكإن وجودها بيحميك من أي حاجة حتى أفكارك الوحشة، وبتبقى متطمن إن طول ما هي موجودة إنك مش هتبقى خايف من أي حاجة في الكون. " عقبت فريدة حديثه بقولها دون أن تعي من فرط سعادتها : _"وإنتَ حبيبي الغالي، من صغرنا وإنتَ كنت الداعم الأول ليا.. كان أي حد يدايقني وأنا صغيرة أجري عليك إنتَ ومصطفى لإن مكانش ليا غيركم إنتم الإتنين، إنتم الإتنين جبلي اللي مبيتهدش وعمري ما سندت على حد فيكم و وقع بيا.. حتى لما كلهم عارضوا أحلامي إنتَ الوحيد اللي دعمتني وضحيت بحلمك عشان تحققلي حلمي و... " قاطعها مازن وقد عادت إليه نبرته المرحة : _"إلحقوا يا جماعة! دي بتقول إني ضحيت بحلمي عشانها!..، دي فاكراني ضحيت بحلمي وهي متعرفش إن هي كانت حلمي الوحيد اللي وصلتله في الأخر." قال كلماته بطريقته المرحة وضحكاته اللطيفة ليضحك الجميع متأثرين بكلام الزوجين وتنطق فريدة من بين ضحكاتها بخجل : _"إنتَ رخم يا مازن! والله فصلتني من الأجواء يا أخي إنتَ إيه على طول هزار هزار كدا مفيش جد شوية؟! " أضاف مازن وهو يغمز لها بوقاحة : _"خلي الجد والأجواء في بيتنا يا قلبي" تابعت شيرين وهي تغير محور الحديث قائلةً بانزعاج : _"طب خلاص يا جماعة حد تاني يتكلم عشان مازن أصلًا مترباش وشكله نسي إن في عيال صغيرة معانا هنا. " انتشرت القهقهات لتضيف غنى قائلةً بصعوبة من بين ضحكاتها : _"خلاص يبقى دورك يا شيرين إنتِ ومصطفى" توقف الجميع عن الضحك في انتظار أن يستمعوا إجابة شيرين ومصطفى الذي لم يُحبذ الفكرة منذ البداية ليرفض قائلًا : _"بس يا جدعان بطلو الشغل دا، وبعدين أنا أصلًا مش موافق من الأول تقوموا تخلوني أنا اللي أعمل... " لم يتمكن من إنهاء حديثه السابق بسبب صياح أبناءه اللذان قالا في نفس الوقت : _"عشان خاطرنا يا بابا عايزين نعرف إنتَ وماما بتحبو بعض قد إيه؟ " ليرد مصطفى عليهما بدهشةٍ كبيرة تعتلي وجهه وهو يقول باستنكار : _"وهو إنتم متعرفوش أنا بحب ماما قد إيه؟ " لتجيب أروى قائلةً : _"لأ عارفين بس عاوزين نسمعك وإنتَ بتقول ليها كلام حلو" أضاف حسن بإلحاح : _"يا بابا بالله عليك والنبيييي، وحياة حسن إبنك حبيبك لتغد (لترد) على طنط غنى وتقول بتحب ماما قد إيه.. " تنهد مصطفى بقلة حيلة ومُداعبة ثم قال بهدوءٍ وصوتٍ رخيم : _"خلاص ياعم متزعلش نفسك، دا إنتَ حلفتني بحياة الغالي... تعالى تعالى اقعد على رجلي. " أجلس مُصطفى إبنه حسن في حجره بحب وهو يداعب خصلات شعره الداكنة ثم تنهد وأجاب : _"بص يا عم حسن.. مامتك دي بقى يا سيدي لو في بعدها ألف خير  أنا مش بخير غير وأنا معاها، ومهما أوصف وأقعد أتكلم عشان أرضي إلحاحك الغريب إني أوصف مدى حُبي لمامتك دي مش هوفيها حقها، دا أمك دي يا ابني الخير والبركة اللي في حياتنا، هو أنا يعني كان هيبقى عندي راجل محترم وبنوتة زي الورد كدا لو أمك مش موجودة، ربنا ميحرمنيش من حد فيكم إنتم التلاتة يارب ويباركلي فيكم ويقدرني إني أسعدكم دايمًا." ثم إتجه لأروى إبنته يضم وجهها بكفيه قائلًا لها بحب: _"عارفة يا أروى؟ محدش بياخد كل حاجة ومستحيل تلاقي شخص واحد فيه كل الصفات الحلوة لإن أكيد فيه صفة وحشة، أنا مثلًا أغلب وقتي بقضيه في الشغل حتى لما برجع مبلحقش أقعد معاكم، مبعرفش أظهر إهتمامي بالناس اللي بحبهم بالشكل الكافي وكلامي ساعات بيبقا دبش، عمك مازن جدع وشهم وكريم وعمره ما يبخل على حد بحاجة بس ساعة لما تطلب معاه غباء عينك ما تشوف إلا النور الدنيا بتقوم  متبقعدش غير بعد مصيبة من هنا للسما يا أروى يا بنتي..طور هايج في عنبر 7 ، عندك عمك مالك مفيش لا أطيب ولا أحن ولا أجمل ولا أصفا من قلبه، ولو لقى حد محتاج مساعدة أو مظلوم ميسيبهوش غير لما يتطمن عليه حتى لو كان الحد دا أذاه قبل كدا، بس يوم ما يقفل دماغه على حاجة معينة ويعند عليها يبقى أحسنلك تعملي اللي هو عايزه عشان هو في العناد والعصبية ملهوش حدود وممكن يكسر الدنيا كلها على دماغنا لو الحاجة اللي هو عايزها محصلتش. " نظر لوجوه الجميع المبتسمين له بحب ثم تابع : _"اللي عايز أقوله يعني خلاصة الكلام دا كله، لو إنتِ خدتي نصاحة عمتك فريدة وحلاوة أمك وشطارة خالتك إسراء ورِقَّة خالتك غنى هتبقي أحلى بنوتة في الوجود ويا سلام بقى لو كان من حظك واحد بيحبك زي ما أنا بحب أمك كدا وحنين عليكِ حنية عمك مالِك ويعرف ربنا زي خالد وبيحب الضحك زي مازن تبقي كدا ملكيش حق تطلبي أي حاجة تانية من الدنيا. " قاطعه مازن صارخًا بملل : _"ما خلاص يا درش في إيه؟؟؟، دا إحنا كنا بنتحايل عليك تقول كلمتين حلوين لبنت الحلال تقوم تقلب راديو؟؟؟ دا إنتَ عديت علينا كلنا واحد واحد كل دا وبيقول لبنته بقول كلام دبش يا عم بقى دوشتنا." أنزل مصطفى ابنه من على قدميه ليقوم ويقذف مازن بزجاجة المياه البلاستيكية قائلًا : _"تصدق يالا إنك حيوان ومعندكش ريحة الدم؟؟؟، وخسارة فيك الكلام اللي قلته عليك دا؟؟؟ " إنطلقت ضحكات الجميع بينما صدحت صرخة مازن الذي أصابت الزجاجة جبهته لتتعالا الضحكات على منظره وهو يتأوه في الأرض. قالت شيرين وهي تمسح دموعها الناتجة عن كثرة الضحك : _"وإنتَ يا مصطفى تاني أحلى حاجة حصلتلي بعد أروى وحسن.. " قاطعها مصطفى الحانق : _"نعم يا عنيا؟؟؟ خلاص بقيت تاني أحلى حاجة عشان جوز الحيوانات دول جم خدو مكاني؟؟؟ " قالت له شيرين بصوتٍ مبحوح من كثرة الضحك عليه : _"الحيوانات دول عيالك يا حبيبي" ليرد عليها مصطفى بحنق وهو يضم ذراعيه إلى صدره : _"طيب يا ستي.. متشكرين يا بنت الأصول" ومُجددًا استمرت الضحكات في التعالي، ليصدر صوت فريدة التي قالت : _"طب يلا كدا دور مالك وإسراء" صمت الجميع منتظرين ليقلب مازن عينيه بملل ويضيف قائلًا : _"حضرة الشاعر المُبجل مالك ابن الرَّيْب ياريت تنجزنا بالله عليك عشان عايزين نرّوح بيوتنا بعد إذن حضرة جناب سيادتك يعني. " عقبت عليه فريدة تعبر عن حنقها قائلةً : _"ما تسكت بقا خليه يتكلم إنت هيجرالك حاجة لو مخرجتش اللي قدامك من الـ Mood اللي هو فيه يعني؟؟؟ " ليجيبها مازن بحنق مزيف قائلًا وهو يتأفف : _"ولما أطفحك طبق المكسرات اللي قدامك ده كله دلوقتي عشان تبقي تعرفي تقاطعيني وأنا بتكلم يبقى حلو؟؟؟ " ليلعو صوت مصطفى الغاضب يطالع مازن وعيناه تطلق شرارًا : _"تطفح مين يا ابن منال.. " ليرد عليه مازن بنبرةٍ مستهزئة مع مؤثرات بصرية تعلو وجهه وحركة يديه التي تقوم بها النساء في المناطق الشعبية قائلًا : _"ومالها منال يا إبن دولت! " وعلى هذه الحال استمر الجدال بين مصطفى ومازن لعدَّة دقائق ليصرخ بهم مالك أن يتوقفوا عن التصرف كالأطفال وأن يُراعوا كِبَر سنهم، ومُجددًا استعد الجميع للإستماع لمالك وإسراء بعد قول فريدة المُصِّر : _"سيبك منهم يا مالك يلا قول لينا بتحب إسراء إزاي وحاول توصف هي بالنسبالك إيه؟؟؟" ليتحدث مالك بعد سكوتٍ دام لثوانٍ مناديًا إسم زوجته بنبرةٍ تلعب على أوتار قلبها هي : _"إسراء دي... " وهنا إنتبه له الجميع وصمتوا ليتحدث هو قائلًا والبسمة تعلو وجهه : _"‏لا نظيرٌ لها في الحُسـنِ مَليحتـي تُغـري القمـر مِـن حُسنِ محيـاها كأنها ضَـوءٌ يُنيـرُ في الليل عتمتـي وتُزهِـرُ الصحـراءُ بِمَحـضِ رؤياها." هُنا وانطلق الصفير والتصفيق من كل مكان ومن كل الموجودين وخاصةً مازن الذي رن صوته الأجش في أرجاء المكان قائلًا بانفعال : _"الله أكبررر عليـــــــك إيه الحلاوة دي؟؟؟ إيه الحلاوة دي؟؟؟! " لينفجر الجميع ضحكًا ثم ومن بعد هدوء الضحكات المُتعالية هنا وهناك تحدث مروان وهو يمسح الدمع المتساقط من طرف عينه بعد أن أطلق تنهيدةٍ تحمل بجوفها ما يَخفَىٰ عن الجميع قائلًا : _"ياااه يا جدعان.." وعند تلك الجملة انتبه له الجميع بتعجبٍ ليقول مازن بنفس صوته العالي المُعتاد أثناء مزاحه وضحكه : _"شكلك وقعت ومحدش سما عليك يا مروان." ليردف مروان بخجل : _"وقعت؟ دا أنا باين كدا ادتشملت على وشي وفضلت أقع أقع أقع أقع أقع لحد ما وصلت للقاع، على رأي المرحوم عبد الحليم حافظ : إني أغرق، أغرق، أغرق... " قال مصطفى باستهزاء : _"هه.. وإنتَ وصلت لفين بقا كدا يا دكترة. " أردف مروان والخحل يعتريه وقد أشار رافعًل كتفيه بقلة حيلة : _"حاليًا بتمختر في الأعماق. " إنتهت الليلة بسعادة والجميع سعيد بلم الشمل مُجددًا وتلك الأخبار السعيدة بحمل كُلًا من غنى وفريدة، وفي النهاية عاد كلٌ إلى داره، عاد مازن وفريدة لشقتهما ورجع مروان أدراجه، بينما ذهب مصطفى وأسرته للبقاء في (ڤيلا) عائلة الدالي التي قام مالك بإحضار مفاتيحها والأوراق التي تثبت ملكيته للڤيلا والعقارات الخاصة بعائلة الدالي كونه الوريث الوحيد لتلك العائلة. —————————————— في صباح الثُلثاء استيقظت نور مُبكرةً كعادتها في الفترة الأخيرة، اتجهت صوب حمام غرفتها الخاصة (في ڤيلا الدالي)، أخذت حمامها السريع وخرجت لتصفف شعرها وبعد أن أتمت ذلك توجهت لسجادة الصلاة لتؤدي صلاة الفجر قبل أن تشرق الشمس. انتهت من صلاتها وقراءة وِردها اليومي من القرآن الكريم لترفع يدها عاليًا بين يدي ربها تتضرعه وتدعوه بكل ما يجول في خاطرها. أنهت طقوس عبادتها الصباحية التي تبث في قلبها السكينة لتهم بالإستعداد للمدرسة وأثناء وقوفها من على سجادة الصلاة انتبهت عيناها لشروق الشمس فكم كان منظرًا خلابًا بديعيَّ الجمال، تركت ما بيدها ثم توجهت تجلس صوب النافذة وقد استندت برأسها على مرفقيها المائلان وتستمر في مراقبة شروق الشمس بشرود وهي تتذكر الإسم الذي أطلقه عليها مروان "شمسي"... ثم ليسترجع عقلها ما قاله لها ليلة أمس في الڤرندة لتبدأ وجنتيها في اتخاذ تدرجات اللون الأحمر الطفيف مُقررةً أن تبدأ في الاستعداد للمدرسة، بالفعل استعدت نور للتحرك ليصطحبها المُحبب لقلبها، وبجرد أن رآها تنزل درجات السلم تقدم نحوها بابتسام فاتحًا ذراعيه لها لتختفي هي بين ضلوعه قائلةً بضحكاتٍ طفولية : _" أنا توحشتك إنتَ توحشتني ولا مش توحشتني؟؟؟ " ليرد عليها مالك مُربتًا على كتفيها وهو يضمها : _"توحشتك طبعًا يا فرحة قلبي، دا إيه الصباح العسل دا؟! " أضافت هي وقد تركته وتقدمت عنه بضع خطوات : _"عادي توحشتك وإنتَ في كايرو وعشان إنتَ أب شطور قلت أدلعك شوية." ضحك مالك ثم تابع : _"طب يلا نمشي عشان متتأخريش على المدرسة.. وكمان إسراء لو شافتنا مش هيحصل خير." _"دي هتعمل منك شاورما" ظل الإثنان يتضاحكان ويتبادلان الأحاديث طوال الطريق ليقول مالك وقد أوصلها أمام المدرسة ليقول لها بصوتٍ يملأه الأسف : _"معلش يا نوري بكرة هبقى أخدك و أوديكِ المدرسة بنفسي، بس النهار دا مش هينفع علشان في مؤتمر كتب مُهم لازم أروحه وكمان فريدة اتصلت بيا وقالتلي إنها عايزاني ضروري قبل المؤتمر ، أنا كلمت مروان وهو هيبقى يجي ياخدك بعد المدرسة. " صمتت نور ولم تُجب سوى بهمهمةٍ رافقتها تنهيدة خافتة ليضيف مالك بهدوء مُتسائلًا : _"اتضايقتي؟ طب...طب خلاص مش مشكلة هبقا أجي أنا أخدك مش مهم المؤتمر هعوضه السنة الجاية." تراجعت نور عن سكوتها مشيرة بيدها أن لا بأس ثم قالت له بتذبذب : _"لا لا مش مشكلة خالص... مفيش مشكلة ممكن هو يجي ياخدني عادي روح إنتَ المؤتمر." لترتسم ابتسامة على ثُغر مالك وهو يربت على كتفها بيده مودعًا إياها قائلًا في حب : _"طب يلا يا روحي عشان ما تتاخريش وخلي بالك من نفسك" دلفت نور للمدرسة باحثةً عن صفِّها،و انطلق مالك لقضاء مصالحه اليومية قبل ميعاد المؤتمر. —————————————— _"بتخاف من إيه يا مالك؟؟؟ " _"حاليًا مبقتش أخاف.. " _"تفتكر هل فعلًا ممكن يبقى في إنسان معندهوش أي مشاعر بالخوف؟؟؟ تجاه أي شيء؟؟؟ " صمت مالك ولم يجب على تساؤلاتها ليعم الصمت في الغرفة خافتة الإضاءة ذات الستائر المغلقة.. ثوانٍ مرت والهدوء يسبح في فضاء الغرفة لتضيف فريدة كاسرةً هذا الصمت : _"مبتخافش من التعابين؟؟؟.. " أضافت سامحةً للصمت بأن يتخلل المسافات بين كل سؤالٍ وآخر بهدوءٍ بدأ يثير قلق مالك ويسمح لهواجسه بالانتشار في رأسه : _"مبتخافش من الضلمة؟.. مبتخافش من الوحدة؟... الماضي؟.. مبتخافش من الأصوات اللي بتسمعها يا مالك؟ . . بتخاف من الماضي يا مالك؟" ابتلع الآخر ريقه ثم أجاب وقد بدأت قبضتاه بالتشنج قائلًا : _"بخاف أكون سبب أذى للي بحبهم. " _"جلَّ من لا يسهو وبعدين في الأول وفي الأخر إنتَ مأذيتش حد عشان تكون خايف.. " _"مينفعش أسهو.. مينفعش عشان محدش يتأذى.. مينفعش أكون سبب في أذى حد تاني." أضافت فريدة سـؤالها الذي تعمدت به إثارة أعصاب ذلك المالك لاستفزازه وإخراج مكنوناته قائلةً : _"إنتَ كنت سبب في أذى حد قبل كدا؟؟؟ " _"... " _"إيه اللي حصل خلاك متأكد إنك هتسبب أذى للي بتحبهم يا مالك؟؟؟ " أجاب مالك باقتضاب وهو يُشيح بوجهه للجهة الأخرى مُتفاديًا نظراتها وقد ظهرت عروقه : _"مش فاهم سؤالك. " لتردف الأخرى وهي تعلم أنه يتعمد التهرب : _"إيه اللي حصل زمان يا مالك خلأك تخاف كدا؟؟؟ إنتَ حكيت قبل كدا عن نوارة.. مين السبب في اللي حصل لنوارة؟؟؟ " إلى هُنا وينتهى وقت الغفوة لتبدأ شياطين أفكاره بالتراقص أمام عينيه والتلاعُب بحواسِّه، بدأ مالك يتصبب عرقًا أثناء استماعه لتلك الهواجس وعلى رأسهم صوت  "فصيح"  ذلك الهامش الأسود في رأسه : _"مين السبب؟ إنتَ السبب يا مالك، إنتَ السبب في قتل نوارة، إنتَ السبب في قتل شيراز، إنتَ السبب في كل حاجة... السبب في اللي بيحصل لنور والسبب في زعل إسراء إنتَ السبب في اللي حصل لمروان في المصحة. " كان بؤبؤي مالك يتحركان في جميع الإتجاهات وقدماه تهتزان بعنف كانت فريدة تسجل كل ما يحدث منذ بداية الجلسة بكاميرا صغيرة مخبأة لا تستعملها عادةً، لتستطيع دراسة التغيرات التي طرأت على مالك أثناء الفترة الماضية، بينما تقوم هي بكتابة كل ما تلاحظه أمامها على هيئة أحرفٍ ورموز لكل منها معنى خاص. تزداد الأصوات علوًا في رأس الجالس أمام فريدة... _"إنتَ اللي اتسببت في موت أبوك" _"أنا معملتش حاجة!! " _"إنتَ عملت كل حاجة... في حد يسيب طفلة في الشارع لوحدها طول الليل وتكون على وشك إنها تتعرض للإغتصاب!  ... لو كان حصل لها حاجة كان برضو هيبقى بسببك! " _"لا لا لا أنا معملتش كل الحاجات دي... أنا مكنتش السبب في أذية كل الناس دي! " _"لا كنت يا أستاذ.. إنتَ نسيت؟ نسيت إنك مش مرغوب فيه، وإنك لو مكنتش موجود كل دول مكانوش هيعانوا بسبب وجودك" _"مش مرغوب فيا؟؟؟ مش مرغوب فيا إزاي دول بيحبوني! " _"محدش بيحبك! إفهم بقى بيمثلوا عليك الحب وأول ما تديهم ضهرك هيسيبوك! محدش بيحبك غير نوارة.. مش عايز تشوفها؟ موحشتكش؟؟؟ " لاذت عبراته بالفرار من مقلتيه الخضراوتين لتشق الدموع طريقها على صحراء وجهه فزادتها ملوحة.. قامت فريدة من مقعدها وجلست بجواره، لم تتوقع أنها إن تركته لهواجسه قد يصل الأمر حد البكاء! هي فقط أرادت البدء معه بشكلٍ جاد، لم تتوقع أن طرحها لهكذا أسئلة قد يُسيء من حالته أكثر، جلست بجانبه تربت على كتفيه قائلةً بهدوء وثبات حاولت تصنعه : _"إيه اللي حصل زمان يا مالك؟ " _"قول لها إيه اللي حصل! يلا قول!..، قول عشان هي كمان تعرف حقيقتك.. لازم كله يعرف الحقيقة ويعرف إنك إنتَ السبب.. إحنا ملناش غير مكان واحد ونهاية واحدة... " صمتت الهواجس اللعينة للحظات لتعاود ظهورها مجددًا في أذن مالك : _"موحشتكش نوارة؟؟ مش عايز تقرب منها وتحضنها؟؟... مش عايز تقولها إنك بتحبها وإنها وحشتك؟؟؟ لو سمعت الكلام هنروح لنوارة.. كل حاجة هتبقى كويسة طول ما إحنا مع بعض يا مالك وطول ما النهاية هتنتهي صح يبقى كل حاجة بعد كدا هتكون بخير... متقلقش كل اللي زيك بيموتو بنفس الطريقة.. باختصار لإن كل اللي زينا ليهم نفس النهاية. " _"الشخص الوحيد اللي هينتهي هو إنتَ! " _"مالك إنتَ سامعني؟؟؟.. " كان ذلك الأخير هو صوت فريدة الذي قطع شروده ليمسح وجهه ثم يومئ لها أنه بخير. عادت لمقعدها وبادرت تسأله : _"لو طلبت منك تقييم نسبة شعورك بالهواجس والأفكار السلبية من واحد لعشرة خلال أخر 4 شهور؟؟" أجابها مالك بعد ثوانٍ قليلة من التفكير، ولم يحتج وقتًا لإدراك الإجابة : _"أممم.. 5 من عشرة " _"متأكد من النسبة دي؟؟؟ " _"أه متأكد.. بس ليه؟! " _"ولا حاجة.. طيب وعلى العموم دي حاجة كويسة، إن تقييمك الشخصي 5 من 10 دا معناه إن تفكيرك مستقر وهادي عن قبل كدا بكتير.. وإنك معدتش بتفكر نفسك بحاجات وحشة زي الأول. " _"إزاي؟؟؟ أنا أه معدتش بحس بالأصوات دي في دماغي كتير زي الأول، بس برضو بحس بيها من وقت للتاني وبتكون أعلى. " _"بص أنا هبسطلك الموضوع.. لو إعتبرنا إن الهواجس اللي بتجيلك دي ڤيروسات وإن عقلك هو الجهاز المناعي المسؤل عن حماية الجسم ضد أي هجوم بكتيري وإنك إنت يا مالك الجسم البشري. " أومأ لها مالك وهو يستمع لحديثها بإنصاتٍ شديد لتتابع هي موضحةً الأمر له : _"الڤيروسات بتبدأ تهاجم أعضاء الجسد فيبدأ الجهاز المناعي يواجهها برفع حرارة الجسد البشري كله في محاولة منه للقضاء على الڤيروسات.. ودا اللي إحنا بنسميه حُمى وفي النهاية الحُمى دي يا إما هتتسبب بالفعل في قتل الڤيروسات دي يا إما هتتسبب في القضاء على الجسم البشري و وفاة المريض." _"قصدك إن الهواجس بتبقى أعلى علشان عقلي بيبدأ بالتعافي فعقلي الباطن بيزود الأصوات والأفكار السلبية في دماغي صح؟ " _"بالظبط. " _"طب وأنا هتعافى تمامًا إمتى؟ " خرج منه تساؤله الأخير بنبرةٍ متحمسة لم ترها فريدة من قبل حاول هو إخفاءها لتبتسم فريدة ثم تجيبه : _"نقدر نقول إنك اتعافيت لحد دلوقتي بنسبة 80% بس. " _"80%!  بس دا كتير جدًا انتِ متأكدة من النسبة دي؟ لإني حاسس إني بزداد سوءً مش بتعافى!!! " _"إحساسك دا طبيعي، أولًا عشرين في المية مش نسبة قليلة وكمان دا إيحاء من عقلك اللاواعي إنك لسة تعبان ولسة بتسمع أصوات عشان المقاومة بتاعة العقل الواعي تقل، ثانيًا الفصام دا مرض ذهاني يعني بيحتاج وقت ومجهود طوال عشان يختفي تمامًا. " _"طب المفروض أعمل إيه عشان أتم الـ20% دول بسرعة؟! " أجابت فريدة وهي تفتح ستائر الغرفة ليعم ضوء الشمس أركان المكان فتظهر ملامحه وألوان الديكوارت الخلابة قائلةً بضحك : _"الحماس حلو... بس مش في كل الأوقات برضو." تسائل مالك مُتعجبًـا : _"إزاي؟ " _"زي ما قلتلك يا مالك الفُصام مرض ذهاني وبيحتاج وقت كبير ومجهود أكبر خصوصًا في مراحل العلاج الأخيرة عشان كدا مش هنهتم بسرعة العلاج قد ما اهتمامنا هيكون مُنصب على كيفية العلاج الأنسب. " _"أمم بدأت أفهمك. " لتضيف فريدة وهي تنهض لتوصله لخارج العيادة قائلةً : _"ممتاز، يبقى لينا معاد تاني قريب إن شاء الله. " خرج مالك من عند فريدة وقد غزاه شعور بالراحة والسكينة، رغم ما مر به من وقتٍ عصيب في بداية الأمر إلا أن ما قالته فريدة للتو كان قادرًا على إزاحة الغيوم السوداء من على قلبه وترك المجال له لينبض بِحُريّة، ويعيد له نظرة أمل كان قد فقدها منذ أمدٍ بعيد. ________________________________ _"وحشتيني" نظرت له نور بتعجبٍ بدى واضحًا على ملامحها دون تعقيب ليتسائل هو : _"إيه النظرة الغريبة دي؟؟؟ " أجابته هي ولازالت متعجبةً منه : _"هو إنتَ مش لسة شايفني إمبارح؟؟؟ " أردف مروان بقلة حيلة من باردة المشاعر التي يقلّها لمنزلها الآن : _" يخرب بيت برودك يا شيخة! " توقفت نور عن السير فجأة وكأن كلماته غاصت في داخلها وليس لأذنيها فقط، توقف مروان بعد أن لاحظ تأخرها عنه ببضع خطوات لينظر خلفه فإذا بها تقف مُتسمرةً تحدق أسفل قدميها وعيناها مغرورقتان بالدموع على وشك البكاء. شخَصَتْ عينا مروان بدهشة ليتجه نحوها بخطواتٍ واسعة جاعلًا ما يفصل بينهما ليس سوا بعض السنتيميترات مردفًا لها وبلهفة : _"مالك يا شمسي؟ " استسلمت هي للغيوم المُلبدة داخل مُقلتيها لتترك لهما العنان فتفرغان ما بهما من دموعٍ مالحة قائلةً بصوتٍ مُختنق : _"اتتريقوا عليا يا مروان عشان أنا مش شبههم. " جحظت عيني مروان يحاول استيعاب ما تقوله نور، ليضيف مُتسائلًا بقلقٍ يوخز قلبه : _"هما مين دول؟ وإنتِ مش شبههم ازاي؟؟؟" استمرت هي في النظر أرضًا بينما ارتفع صوت شهقاتها لتهتف ببعض الكلمات بين تلك الشهقات المتتالية : _"كل اللي في المدرسة حتى المدرسين! عشان شكلي مش زي اللي في سني.. شكلي كبير عنهم طويلة وشكلي كبير حتى صوتي كمان.. بيفضلو يتتريقوا عليا وفي منهم بيبقو فاكرين إني كبيرة وبمثل. " _"بس يا شمس دي حاجة متزعلش إنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟؟؟ " _"عشان شكلي مش حلو! شكلي غبي وأنا شبه الكبار كدا.. عشان كل اللي في سني شكلهم غير شكلي.." أردف مروان مُعقبًا على حديثها قائلًا بحب : _"إنتِ شكلك مش حلو بالله عليكِ! مين المتخلف اللي خلاكِ تفتكري إنك مش أجمل واحدة في الدنيا؟؟؟ " صاحت هي بغضبٍ وحزن متناغمين مع بكائها العالي : _"أنا اللي بكره شكلي!.. بكره أبص في المراية، بتكسف أروح ألعب مع اللي في سني، بتكسف لما بفتكر إن أنا وأروى بنت عمو مصطفى في نفس السن، أنا بكره شكلي الكبير على سني أوي! بكرهه بكرهه.. " تفوهت بكلماتها الأخيرة وهي تخرج أخر شحنات الغضب المكبوتة داخلها لتشعر بحنانٍ يغمرها فجأةً وذراعان تحيطان بها من كل الإتجاهات. أغمضت عيناها دافسةً وجهها في صدر ذلك الذي انتشلها بين ضلوعه وظل يربت عليها بهدوءٍ ووجه مُتجهم، تأخذ أنفاسها رويدًا رويدًا حتى هدأت وأرخت قبضتيها اللتان قد تشبثتا بثيابه ليقول مروان وهو لا يريد شيئًا في الحياة إلا أن تستمر هذه اللحظات للأبد وحتى تحترق العوالم  : _"أحسن كدا؟؟؟ هديتي شوية؟؟؟ " لم يصدر أي رد من نور الهادئة ليتابع هو ممازحًا إياها : _"لو رجعتك البيت وإنتِ معيطة بالشكل دا أبوكِ هيفتكرني ضايقتك ويخلّص عليا طب يرضيكِ؟؟؟ " لم تنطق ببنت شفة لكنه استشعر أنفاسها التي دلت على ضحكاتٍ خافتة ليضيف وهو لا ينفك يشدد عليها العناق بحنانٍ غريبٍ عليه : _"نتمشى؟.. " هزت رأسها بهدوء مانحةً له إيماءةً بالإيجاب لتتسع ابتسامته، وقلبه يدعو الله بكل لغةٍ يعرفها أن لا يستيقظ من هذا الحلم الجميل. —————————— في ڤيلا الـدالي عاد مالك من موعده مع فريدة ليستعد للمؤتمر، أخذ حمامه وبدل ثيابه الـمُعتادة بأخرى رسمية حيث ارتدى قميصًا أبيض ذا أزرارٍ بيضاء صغيرة مُشمِّرًا أكمامه كاشٍفًا عن ذراعيه وبنطال أسود وحذاء أسود لامع كلاسيكي. وأثناء إستعداداته الأخيرة تفاجأ بحسن الصغير يحتل غرفته راكضًا من أمه التي تركض خلفه ولا تستطيع إدراكه ليمسكه مالك من تلابيب ثيابه كمن يمسك بقطٍ صغير وهو يضحك عليه. أتت شيرين وطرقت الباب -الذي سبق وأن فتحه ابنها مسبقًا- مستأذنةً الدخول ليأذن لها مالك قائلًا : _"تعالي يا شيرين مفيش حاجة." لتجيبه وقد استقرت عيناها في الأرض تخشى أنه انزعج من تصرفات ابنها : _"معلش يا مالك حقك عليا.. " صمتت ثم وجهت بصرها لابنها بعيونٍ حادة وهي تتابع كلامها السابق : _"أنا هربيه وهعلمه إزاي يخبط قبل ما يدخل على حد بعد كدا." ابتسم مالك محاولًا تهدئتها بقوله الهادئ : _"يا ستي وعلى إيه يعني.. دا حسن حبيب الجماهير، وبعدين حسن شاطر ومحترم ومش هيعمل كدا تاني هو بس نسي المرة دي يخبط علشان هو كان مستعجل لكن بعد كدا هيخبط ويستأذن الأول صح يا حسن؟؟؟ " أومأ حسن لوالدته بالإيجاب لتطلق هي تنهيدة يأس من هذا العفريت الصغير. _"يلا يا حسن روح إسمع كلام ماما وشوف هي عايزة منك إيه، مش بابا امبارح كان بيقول عليك راجل محترم؟ يبقى لازم نسمع كلام ماما وبابا عشان نبقى محترمين. " أومأ له حسن ثم اتجه لوالدته مُعتذرًا لها فسامحته شيرين وقررت التنازل عن عقابها وأمسكت بيده متجهة صوب غرفته هو وأخته أروى التي تعزف البيانو على لحن مصطفى المفضل. توقفت شيرين وقد تذكرت شيئًا ما لتعود لمالك وتخبره سائلةً : _"مالك معلش هزعجك بحاجة.. " أجابها مالك بوجهٍ خالٍ من الملامح تقريبًا سوى من علامات الفضول : _"اتفضلي يا شيرين في إيه؟ " _"بصراحة.. أنا مهتمة بالشِعر من فترة بس في قصيدة مش فاهماها كليًا وكدا فـ... " صمتت تنتظر منه إجابةً ليردف هو : _"أكيد يا شيرين في أي وقت تبقي فاضية فيه ممكن تجيبي الكتاب ونشوف فيه إيه." أضافت شيرين : _"وفي حاجة كمان... أخر كتاب ليك اللي هو إسمه (الهاجِس) لو تفتكر إني كنت متحمسة ليه و عايزة أجيبه جدًا بس لما الطبعات بتاعته نزلت ملقيناهوش في Alex وملحقتش أشوفه في أي مكان تاني عشان جينا فرنسا هنا ومكانش قدامي وقت فلو ممكن تديني نسخة من معاك وهرجعهالك بسرعة هكون شاكرة ليك جدًا. " ابتسم مالك قائلًا بوِّد شديد : _"طبعًا يا شيرين مفيش أي مشاكل، وشكرًا إنك لفتتي نظري لموضوع التوزيع دا. " إبتسمت هي وأومأت برأسها أن لا بأس ليتحرك هو خارج غرفته هو وزوجته قائلًا : _"إستنيني هنا، لحظات وهكون جيت." وبالفعل لم يدم غيابه أكثر من نصف دقيقة ليمد يده لها بالكتاب مع ابتسامته وقوله الهادئ : _"أهو إتفضلي، ودي نسخة هدية مني ليكِ يعني مترجعيهاش خليها معاكِ وأتمنى بجد الكتاب يعجبك." ابتسمت شيرين قائلةً بخجل طفيف : _"طب خلاص طالما النسخة دي بتاعتي يبقى تكتبلي إهداء بقى. " ضحك مالك وهو يعقب حديثها بقوله : _"والله كنت هعمل كدا في الأول بس قلت لا أحسن يقولو عليا مغرور. " _"مغرور إيه يا عم عيب عليك دا إحنا إخوات." أضاف مالك أثناء توقيعه الكتاب : _"ربنا ميحرمنيش منكم يا شيرين والله. " إنتهى من توقيعه الكتاب ليمد يده لها به فتفتحه هي بسعادة وسرور بالغين لتجد فيه : للعزيزة شيرين.. أتمنى أن ينال الكتاب إعجابك مالك سعيد الدالي. تناولت شيرين الكتاب منه بسعادة وذهبت متجهةً لإسراء التي تجلس في شرفة الڤيلا مع مشروبها الساخن و وشاحها الذي يقيها من برودة باريس وقد اخذ الشتاء يلعب جولاته بجد. دخلت شيرين الشرفة وجلست في المقعد المقابل لإسراء تحدثها بحماس : _"إسراء هو جوزك بقى سكرة فجأة كدا إزاي؟؟" أجابت إسراء بعدم فهم : _"جوزي بقى سكرة؟؟؟ " _"أيوة سكرة وسكرة أوي كمان." لتعقب إسراء على حديث الأخرى باقتضاب : _"وضحي قصدك سكرة إزاي يعني؟؟؟ " أجابت الأخرى وهي توضح مقصدها لإسراء قائلةً : _"معرفش بس فجأة كدا بقى ودود وبيساعد اللي قدامه بسعة صدر وكلامه بقى لطيف وزوق جدًا.. قوليلي إنتِ عملتيله إيه خلاه كدا عشان أعمل زيك وأخلي مصطفى كدا. " أجابت إسراء بعد أن أطلقت تنهيدةً وقد فهمت ما تعنيه شيرين : _"والله ياختي يا شيرين أنا معملتش حاجة دي بركات نور، هو بيحاول بكل طاقته إنه يتغير علشانها مش علشان حد تاني... " تسائلت شيرين بقلق : _"ودي حاجة مضايقاكِ؟؟؟ " أجابت إسراء بمنتهى الصدق قائلةً : _"أنا؟ أبدًا والله العظيم، بالعكس أنا مبسوطة طالما مالك مبسوط وأي حاجة هو عايز يعملها أنا هساعده وهشجعه فيها طالما هتكون سبب سعادته، وبعدين أنا برضو بحب نور ومقدرة إن هو بيحاول يغير من طبيعته الإنطوائية ويطلع برة العزلة اللي عملها لنفسه عشان يسعد إنسان تاني ودي لوحدها مكبراه في نظري أوي وخلتني أحبه أكتر." أردفت شيرين ببهجةٍ واطمئنان ظهرا على صوتها وابتسامتها البسيطة : _"مبسوطة إني سمعت الكلام دا منك يا إسراء." أشاحت إسراء بنظرها للحديقة ثم قالت بعد أن ارتشفت بعض قطرات من مشروبها الساخن قائلةً : _"صدقيني يا شيرين وأنا كمان مبسوطة، مبسوطة إن مالك بقا يدخل التجمعات ويتكلم مع ناس عشان هو عايز كدا مش عشان حد طلب منه." رفعت شيرين عيناها للسماء ثم قالت : _"شكلها عايزة تشتي"   (شكل السماء هتمطر) _______________________________ في مكانٍ آخر وتحديدًا على أطراف إحدى البحيرات في مدينة باريس حيث استقرت العديد من العائلات تفترش كل منها العشب ويحظى جميع أفراد تلك العائلة بوقتٍ ممتع الأطفال يلعبون ويلهون في كل اتجاه والأهل والعجائز يتسامرون ويتبادلون أطراف الحديث والأطعمة المختلفة، بينما كان الشباب والشابات قد احتلو البحيرة التي جمدتها برودة باريس ليحولونها لصالة تزلجٍ جليدية. وتحت إحدى الأشجار البعيدة نسبيًا عن البحيرة جلست نور تنتظر مروان، ذلك الذي ذهب ليحضر بعض المثلجات ولم يكن مُتوقِعًا أن تزداد البرودة بهذا الشكل في هذه الدقائق القليلة. عاد مروان وهو يحمل بيديه المثلجات وهو يطالع السماء، وعندما اقترب لمكان جلوس نور جلس بجانبها ثم قال بتفكير : _"شكل الدنيا هتمطر." قالت نور ردًا على كلامه السابق : _"أه الدنيا بردت أوي. " تسائل مروان وهو يحني رأسه بطريقةٍ طفولية : _"بتحبي المطر؟؟؟ " أجابت نور وهي تفرك كفيها معًا : _"لأ " _"إيه د؟! في حد مبيحبش المطر؟ وخصوصًا البنات إنتم بتحبو المطر" _"وإنت عرفت منين إن كل البنات بيحبو المطر يعني؟" _"معرفش أنا بشوف كدا في المسلسلات والروايات كمان، دايمًا البطلة تكون بتحب تتمشى تحت المطر. " أضافت نور موضحةً حديثها قائلةً : _"أنا بحب ريحة المطر... وبحب أشوف شكل المطر من ورا الإزاز..، بس مبحبش الدنيا تمطر عليا ولا إني أتمشى تحت المطر زي ما إنتَ بتقول لإني مبحبش البلل. " قال مروان وهو ينظر للسماء الملبدة بالغيوم : _"طب يلا ناكل الآيس كريم وإحنا ماشيين لإن شكل الدنيا هتبدأ تمطر فعلًا." وقف باسطًا يده لها لتستند عليه، مدت هي يدها بخجل وقد بدأت الدماء تتخذ مجراها على خديّهـا اللذان تلونا بالحُمرة، هي لم تكن لتقبل دعوته لولا فستانها الفضفاض الذي يمكن أن يتسبب في وقوعها أثناء محاولة نهوضها بنفسها لذا تمسكت بيده. همَّا بالمسير لولا شعور مروان بنور التي تجذب يده بهدوء ليلتفت لها في تساؤل ليجد أنظارها متوجهةً نحو أحد مقاعد الحديقة ليتفاجأ بطفلٍ قد لا يتجاوز عمره الخامسة يجلس وحيدًا وتبدو عليه أثآر البكاء. ذهب الإثنان إليه ركضًا وبالفعل قد بدأت الأمطار في الهطول، جلس الإثنان بجوار الفتى، وضع مروان يده على كتف الصغير مُربتًا عليه ثم قال له بصوتٍ ودود : _"Petit garçon, quel est ton nom ? " (يا صغير ما إسمك؟) أجابه الصغير الباكي من بين شهقاته معرفًا عن نفسه بإسم "ماثيو"، حاول كُلًا من مروان ونور أن يستخرجا أي معلومةٍ مفيدة قد تساعدهم في العثور على أهل الصبي لكن لم يفلحوا لتقول نور لمروان بيأس : _" خلاص يا مروان هو خايف وسقعان دلوقتي ومش هيعرف يتكلم الأحسن نشوف حل." _"خلاص تعالي ناخده معانا لإن مش هينفع نسيبه لوحده والجنينة زي ما إنتِ شايفة فاضية ومفيهاش حد." _"مينفعش ناخده معانا يا مروان وافرض أهله بيدورو عليه دلوقتي؟؟؟ " صمت مروان يفكر بضيق وقد بدأت الأمطار في الإزدياد ثم قال : _"طب... طب خلاص خليكِ قاعدة جنبه ومحدش فيكم يتحرك من هنا وأنا هدور على أهله وأجيلكم لو لقيت حاجة." أومأت له نور بالموافقة ليقول مروان وهو يمعن النظر في عيني نور مُؤكدًا عليها : _"خليكِ هنا ومتتحركيش حتى لو أنا اتأخرت." لما شعرت نور بدفء خوفه عليها لكنها استطابت هذا الشعور، لتذعن له بهدوء : _"حاضر" ذهب مروان راكضًا بحثًا عن أي أحدٍ في الجوار ذو صلةٍ بالصبي ماثيو ذاك لكن لا أحد.. استمر  في البحث والسؤال لكن لا جدوى فقد فرَّ الجميع لديارهم مخلفين خلفهم ذلك الصغير يرتجف وحده تحت هذا المطر. وفي هذه الأثناء كانت نور تجلس بجانب الصبي تضمه إليها، تحاول تدفئة جسده البارد لكن كيف وقد ابتلت تمامًا هي الأخرى وتجمدت أطرافها كُليًا. ومن وسط الأمطار وجدت نور الكف التي تمتد لكتفها لتلتفت بخوف شديد فإذا بسيدةٍ في العقد الرابع من عمرها تحمل مظلة وتنظر لنور وللفتى بتلهف. قالت السيدة مُحاولةً طمئنة نور التي شددت من ضم الصبي لها ترفض أن تتركه خوفًا من أن تكون هذه السيدة من اللواتي يختطفن الأطفال الصغار حتى تفاجأت بماثيو يبتعد عنها ويقفز من فوق المقعد مُتجهًا لتلك السيدة بكامل إرادته مُناديًا إياها بـ "جدتي" لتدرك نور أن هذه السيدة هي جدة الصبي بالفعل وأنها كانت تبحث عنه في الأرجاء. شكرتها السيدة بحرارة واعتذرت لها عن ما تعرضت له نور وثم ودعتها ورحلت مع حفيدها تاركين نور برفقة مظلة مطر عبَّرت عن شكرٍ بسيط من السيدة لها. انتظرت نور مروان على نفس المقعد بينما الأمطار تهطل بغزارة وعنف، حاولت الإتصال به مرارًا لتخبره أن يعود لكن بائت محاولاتها بالفشل حيث أن هذا الجو العاصف وتلك الأمطار لم تساعدها على الإتصال بعد أن انقطعت إشارة الهواتف الخلوية. ظلت تنتظره دقائق مرت عليها مرور ساعاتٍ طويلة راودتها كثيرًا فكرة أن تبحث عنه لكنها تراجعت في كل مرة وقررت ان تنتظره في مكانها كما أخبرها، دقائق مرت حتى لمحت طيفه المتجه نحوها يقترب لتنهض هي راكضةً نحوه ثم ارتمت في أحضانه مُتخذةً ذراعيه ملاذًا لها من برد الشتاء بينما هو.. حسنًا كان هذا العناق كفيلًا بأن يبعث الدفء لفؤاده ويسمح لأشعة الشمس بالتغلغل عبر ثنايا روحه التائهة ليجد مئواه أخيرًا وهو يضم هذه الصغيرة لقلبه. ______________________________ وقف مالك أمام الباب بعدما دخل ينتظر أن تحضر له إسراء منشفة ليجفف نفسه فقد ابتل بفعل الأمطار أثناء عودته من المؤتمر. أتت له إسراء بالمنشفة وعلى وجهها علامات الذهول قائلةً : _"ياااه! دا باين إن المطر شديد أوي برة." _"أه فعلًا الجو وحش. " طبع قبلة على خدها ثم أضاف وهو يتحسس بطنها بحب : _"وإنتَ كمان وحشتني أوي يا حبيب أبوك." قالت إسراء مُدّعيةً الإعتراض : _"وليه مش حبيبة أبوها يعني؟؟؟ أنا عايزة بنت." ليردف عليها مالك : _"والله يا حبيبتي أنا البنت اللي كان نفسي فيها جاتلي خلاص وملت عليا حياتي بعد كدا كل اللي يجيبه ربنا حلو مش هنعترض. " ضحكت إسراء على حديثه وقد فهمت أنه يقصد نور ثم قالت : _"ماشي يا عم مقبولة منك.. المهم إحكيلي عملت إيه وإيه أخبار المؤتمر؟؟؟ " عقب مالك على تساؤلها بقوله : _"هحكيلك كل حاجة يا حبيبتي بعد ما نتغدا عشان أنا مكلتش من الصبح، هو الغدا جاهز صح؟؟؟ " أجابت وهي تتجه للداخل : _"أه الغدا جاهز من بدري كان ناقص بس وصولك إنتَ ونور. " ليردف هو على ما سمعه بتعجب : _"وجودي أنا ونور؟؟؟ ليه هي نور فين؟؟؟ دي المفروض إن مروان يكون جابها من بدري." أجابته هي : _"أيوة ما هو مروان اتصل بيا وقالي إنه هياخدها ويتمشو شوية. " أضاف مالك باعتراض : _"في الجو د؟؟؟ " _"لا ما هو كلمني أول ما طلعت هي من المدرسة تلاقيهم في الطريق وراجعين دلوقتي،  متقلقش زمانهم على وصول. " تبعها للمطبخ مستكملًا الحديث بقوله : _"أنا بقول عشان الجو وحش بس مش أكتر.. " همهمت إسراء وهي تقوم بتسخين الطعام ليضيف هو : _"بقول لك يا حبيبتي.. " _"نعم.. " تسائل وقد بدى تغير نبرات صوته ظاهرًا للعيان : _"مش ملاحظة حاجة على مروان الفترة دي، بالأخص مع نور يعني؟؟؟ " أجابت إسراء بعدم إهتمام وقد فهمت ما يرمي إليه زوجها مُراوغةً : _"لا مش ملاحظة حاجة يا مالك قصدك إيه يعني بكلمة (الأخص مع نور) ؟؟؟ " أضاف هو مُحاولًا استفزازها : _"بجد مش ملاحظة؟ افتكرتك أذكى من كدا يا حبيبتي، بصراحة خيبتي أملي فيكِ دا أنا كنت لسة بقول لنفسي أكيد يا واد يا مالك مفيش غير مراتك حبيبتك هي اللي هتفهمك، بس مش مشكلة هنتصرف في المشكلة دي.. " قاطعته وهي تقترب من ياقته بشر مصطنع قائلة : _"غيّر النغمة دي يا حبيبي وتعالى نتكلم على المكشوف.. إنتَ عايز إيه؟؟؟ " أردف وهو يطالعها بخبث وقد وصل لمراده : _"عايز أتأكد لو اللي في دماغي دا صح ولا لأ؟؟؟ " _"لو اللي في دماغك دا إن مروان بيحب بنتك يبقى غالبًا صح، هو فعلًا صح." همهم مالك بانزعاج لتتابع لتتابع إسراء : _"مالك.. مروان مش صغير وعارف هو حاسس بإيه وأظن إنتَ اللي مربيه وأكيد واثق في أخلاقه. " _"أيوة بس نور لسة صغيرة." _"نور اللي إنتَ خايف عليها وبتقول عليها صغيرة دي علقها يوزن بلد ومش شكلها بس اللي كبير كمان مخها كبير وحلو متخافش عليها عشان أنا عارفة إنها مش ممكن تعمل حاجة غلط... " ، ثم تابعت وهي تلف ذراعيها حول عنقه : _"وبعدين يا حبيبي مسير الصغير يكبر." أردف مالك وهو يبتسم بخبث : _"إسراء مش ملاحظة إنك بقيتي قليلة الأدب؟؟؟ " همست له وهي تضيق عينيها بخبث : _"أه ما أنا عارفة. " قبّـلَ رأسها بهدوء ليلتفت الإثنان على صياح حسن يقول : _"يلا بقى هو دا وقت مرقعة إحنا جعانين!! " صعق الأثنان وشعرا بالحرج الشديد، فابتعدت إسراء بسرعة عن مالك الذي وقف فاغرًا فاهه مُرددًا بصدمة : _"مرقعة؟!! " صمت ثم تابع الحديث بغضبٍ مصطنع يحاول إخفاء حرجه قائلًا : _"إنتَ عرفت الكلمة دي منين يا قليل الأدب؟؟؟! " عقب حسن وهو يتحدث بمكر لا يليق بسنه قائلًا : _"أنا برضو اللي قليل الأدب؟؟؟ " شهق الإثنان وصرخا به بنفس التوقيت قائلين : _"قصدك إيه يا حيوان إنتَ؟؟؟ " ركض مالك خلف ذلك الحسن المزعج الصغير صارخًا به : _"هتروح مني فين يا إبن مصطفى.. والله لأربيك يا حيوان!!! " كانت شيرين تدلف للمطبخ في هذه الأثناء لتفاجأ مما قاله مالك الذي انطلق ركضًا خلف ابنها وإسراء التي تصيح من خلفه قائلةً : _"طلع عينه يا مالك وإوعى تسيبه، خليه يتأدب حتة العيل المهزق دا. " تسائلت شيرين عما يحدث لتقص عليها إسراء ذات الوجه المتورد خجلًا ما حدث وما قاله إبنها لتضحك شيرين قائلةً : _"طب ما عنده حق الواد هو دا وقته صحيح؟؟؟ " _"إسكتِ بقى يا شيرين إنتِ كمان الحكاية مش ناقصاكِ. " _____________________________ في عربة المترو جلس مروان يخشى التنفس كي لا يوقظ تلك التي توسدت كتفه طوال الطريق، يتأمل ملامحها في صمتٍ تام دون أن يقلق منامها.. إنتهى الطريق الذي تمنى مروان أن لا ينتهي أبد الدهر لكن لا تأتِ الرياح بما تشتهي السفن. توقف المترو في النهاية ليضطر مروان الذي لا ينفك عقله يلح عليه أن يطبع قُبلةً صغيرةً على خدها قبل أن يوقظها وها هي الرياح تعاود قدومها الذي لم يشتهيه مروان أبدًا لتستيقظ الأميرة النائمة على كتفه وهي تفتح خضراوتيها ببطئ ليطلق هو تنهيدة أسى على ما فاته، ثم قال لها بصوتٍ رخيمٍ حنون : _"بقى لك ساعة نايمة. " أردفت هي ولازال أثر النوم يترك أثره على صوتها وتركيزها قائلةً : _"معلش أنا أسفة.. أنا نمت و.. تعبتلك كتفك صح؟؟؟ " أضاف هو بمكر : _"لأ مش كتفي هو اللي تعب،.. دا كتفي التاني هو اللي كان هيموت من القهر إنك منمتيش عليه هو كمان. " أدركت هي ما يحدث لتوها لتدرك أنها غفت دون قصدٍ منها وقد ارتكزت على كتفه مُتخذةً منه وسادةً تستند عليها لتغط في نومٍ عميق. —————————————————— قدوره بنجمة يا سڪاڪر❤🦋. وبس في رعاية الله❤🦋 -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كيف تصنع مريضًا

المؤلف -مَليكـة مجْـدي إبرا
2024/08/18 مكتملة
قائمة الفصول (35)
الفصل 0: إهداء
2024/08/18
الفصل 19: الفصل الثامن عشر: ضيوفٌ جُـدد
2024/08/19
الفصل 20: الفصل التاسع عشر: فــراق
2024/08/19
الفصل 21: العشـرون: يدَّعـي أنه يحبهـا
2024/08/19
الفصل 22: الواحد والعشرون: عالمٌ موازي... هو مُسلمٌ فقط
2024/08/19
الفصل 23: الثاني والعشرون: ما بعـد فراقٍ طـويل
2024/08/19
الفصل 24: الثالث والعشـرون: دكتـورة خبايا
2024/08/19
الفصل 25: الرابع والعشـرون: التقاء الأعيُـن
2024/08/19
الفصل 26: الخامس والعشرون: ابتسامـةٌ خبيثة
2024/08/19
الفصل 27: السادس والعشـرون: صفعـةٌ مُـدوية
2024/08/19
الفصل 28: السابع والعشـرون: فهل ينال الرضى؟
2024/08/19
الفصل 29: الثامن والعشـرون: وأخيرًا حل الربيع
2024/08/19
الفصل 30: التاسع والعشـرون: طيـورٌ مُهاجـرة
2024/08/19
الفصل 31: الثلاثون: في النهاية نحـن مُجـرد قصـة
2024/08/19
الفصل 32: إذًا.. أهو الوداع؟؟؟
2024/08/19
الفصل 33: (إقتباس من الجـزء الثاني)
2024/08/19
الفصل 18: الفصل السابع عشر: الخطوة الأخيرة
2024/08/19
الفصل 17: الفصل السادس عشر: نقطة الإحتراق
2024/08/19
الفصل 16: الفصل الخامس عشر: فُصام مالك..
2024/08/18
الفصل 1: مقدمة
2024/08/18
الفصل 2: الفصل الأول: إصطـدام
2024/08/18
الفصل 3: الفصل الثاني: مكالمـة
2024/08/18
الفصل 4: الفصل الثالث: بيـتٌ عتيـق
2024/08/18
الفصل 5: الفصل الرابـع: دفاتِــر
2024/08/18
الفصل 6: الفصل الخامـس: قطــة
2024/08/18
الفصل 7: الفصل السادس: إعادة العلاقات
2024/08/18
الفصل 8: الفصل السابـع: الجاثــوم
2024/08/18
الفصل 9: الفصل الثامـن: بدايةٌ في مكانٍ بعيد
2024/08/18
الفصل 10: الفصل التاسـع: مُشاجـرةٌ بين المشاعـر
2024/08/18
الفصل 11: الفصـل العاشـر: كيف حالُ حُبِّک
2024/08/18
الفصل 12: الفصل الحادي عشـر: أجواء متوترة
2024/08/18
الفصل 13: الفصل الثاني عشر: الحُـب الضائـع
2024/08/18
الفصل 14: الفصل الثالث عشر: يُناديها صغيرتي
2024/08/18
الفصل 15: الفصل الرابع عشـر: كلنا عيلة واحدة
2024/08/18
الفصل 34: إقتباس 2 من الجزء الثاني
2024/08/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة