وأنت مسحول في الدنيا ماتنساش إنها مجرد مرحلة وممكن تنتهي في أي لحظة.. ماتكبرش الدنيا أوي في قلبك وركز في الهدف. النبي ﷺ قال : "ما لي وما للدُّنيا، ما أنا في الدُّنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثمَّ راحَ وتَرَكَها". م/أحمد عامر _صلوا علـىٰ الحبيـب قلوبكم تطيـب 🤍🦋'. ____________________________________ _" مالِك يا حبيبي فيك إيه؟؟؟ " قالتها إسراء بفزع لمالك الذي لا يكف عن الصراخ بغضب وهستيرية وهو يضرب على رأسه بعنف تارةً وعلى أذنيه تارةً أخرى، جاء مصطفى وزوجته ركضًا وقد سمعا صراخ مالك الذي دوى في كل زاويةٍ من زوايا الڤيلا، حتى نور وأروى قد استيقظتا على صوته، ليتدخل مصطفى مُحاولًا الإمساك بمالك الذي يدور ويدور في الغرفة بلا توقف مُمسكًا رأسه بعنف يحاول السيطرة عليه : _"مالك إهدا بس إهدا.. " ليدفعه مالك بعنف صارخًا بصوتٍ رج جدران المكان : _"إبعد عني!... إبعدوا عني كلكو.. سيبوني في حالي!!! " حاولت إسراء أن تتقدم نحوه لولا شيرين التي سحبتها نحوها قائلةً لها : _"تعالي هنا! إبعدي عنه هو مش في وعيه وممكن يئذيكِ." وما كادت إسراء ترد عليها حتى قاطعتها شيرين قائلةً بحِدّة : _"إسراء! خدي البنتين في أوضة أروى وحسن واقعدي معاهم عشان حسن ميصحاش ويبقى لوحده." وجهت نظرها لنور وأروى اللتان تقفان بجانبها ثم تابعت : _"يلا يا بنات روحوا مع إسراء ومحدش يطلع من الأوضة، وأنا هتصل بفريدة ومازن. " نفذت الفتيات ما أملته عليهم شيرين التي هرولت مُسرعةً نحو الهاتف، بينما مصطفى يُقيِّد مالك من ذراعيه قائلًا له بقِـلَّة حيلة : _"مالك عشان خاطري حاول تهدا عشان ضغطك وعشان متتعبش تاني." _"ابعد عني! سيبني مش عايز أسمع صوتك!... " أضاف مصطفى وهو لا يزال يشدد على ذراعي رفيقه : _"في إيه بس إيه اللي حصل؟؟؟ " _"سيبني في حالي بقولك! سيبوني كلكم!.. إيه هتتكاترو عليا ولا إيه؟!! " إلى هنا وترك مصطفى رفيقه بعد أن استمع لجملته الأخيرة التي أسرت القشعريرة في جسده مُدركًا أن صراخه السابق لم يكن موجهًا له أو لإسراء... وما إن ترك مصطفى مالك حتى عاد مالك للتخبط في أركان الغرفة ليسقط جالسًا على الأرض قائلًا بغضبٍ عارم : _"بقولك أنا معملتش حاجة سيبني في حالي! " _"حالك هو حالي.. متنساش إن إحنا الإتنين واحد ، فهل يتخلى أحدٌ عن جزء من عقله؟؟؟ " _"جزء؟؟؟ مفيش أجزاء.. أنا مالك بس، مفيش أجزاء.. وأي حاجة حصلت قبل كدا أنا مليش إيد فيها. " ليتفوه مصطفى كلماته بتشويش وعدم فهم لما يسمعه : _"مالك إنتَ بتقول إيه؟؟؟ و أجزاء إيه دي اللي بتتكلم عنها. " _"إسكتو! إسكتو! كفاية كفاية! " _"مالك فيك إيه!، إيه اللي بيحصل؟!!! " ليضيف مالك وقت تحشرج صوته واختنق بالبكاء مع نفس علو طبقات صوته الهادرة : _"بـس بـقـى! أنا معملتش حاجة.. دا هارون.. هارون الدالي هو السبب لكن أنا بريء.. بس بقى كفاية كفاية! " أنهى كلماته الأخيرة ليسقط صريعًا يتخبط في دماءه والزبد يتدفق خارجًا من فمه. (يوم الثلثـاء بعد عـودة نـور ومـروان..) رن جـرس الباب مُعلنًا عن وصول نور ومروان أخيرًا ليستقبلهم الجميع بقلق، قالت شيرين وهي تناولهما المناشف ليجففا نفسيهما : _"كان لازم يعني تتمشوا النهار دا؟؟؟ كدا ممكن تمرضوا " أجابها مروان بهدوءٍ شديد : _"معلش أهو اللي حصل بقى محدش كان متوقع إن الجو يتقلب مرة واحدة كدا، هاتولنا ماية بس عشان نشرب. " تحرك مالك مُناولًا كليهما الماء وقد بدت معالم الضيق والحنق على محياه واضحةً للعيان. جلس الجميع على مائدة يتناولون غدائهم وقد انضم إليهم مروان. كان الجميع يتناول الغداء بصمت غير غافلين عن انزعاج مالك وضيقه، ليكسر مالك ذلك الصمت محاولًا الإيقاع بـمروان : _"عملتو إيه بقى يا مروان برة؟ احكولنا كدا اتمشيتوا فين واتصورتوا ولا لأ؟ والناس كانت كتير قبل المطر ولا لأ.. تعالو ندردش في أي حاجة بدل السكوت دا، دا حتى الكلام على الأكل سُنة." كان مروان مُخفضًا وجهه في طبقه يبتسم بهيام وتشتت يتذكر ما حدث بينهما في الساعات القليلة المنصرمة حتى أنه لم ينتبه لما قاله مالك ليثير انتباه الجميع بشروده السرمدي هذا وهو يحدق في الطعام أمامه ويبتسم بعشق. كيف لا وقد نال هذا القلب المُتيَّم جُرعاتٍ متتالية من حُب الصبابة جاعِلًا صاحبه يسقط مُعلنًا استسلامه أمام سهام تلك المُحاربة الصغيرة التي استوطنت أحضانه لتحتل قلبه المسكين وتعلن تملكها لكيانه في غير حولٍ منه ولا قوة. انتبه الجميع لحالته تلك ليحمحم مصطفى مثيرًا انتباه مروان أخيرًا وهو ينكزه بخِفَّـة. التفت له مروان في تساؤل ليقول مصطفى : _"مالك بيكلمك إنتَ مش واخد بالك ولا إيه؟؟؟ " أعاد مروان النظر لصحنه ثوانٍ معدودات ثم أطلق تنهيدةً طويلة نهض بعدها من مقعده مُتجاهلًا الجميع وهو يغني والإبتسامة لا تفارق ملامحه : _"ياللي شمس الدنيا تطلع لما تطلع ضحكة منك♪.. حسِّي بالناس الغلابة اللي زيي بعد إذنك♪.. بطَّلي تحلوي أكتر♪.. وإوعي وشك يوم يكشر♪.. واضحكي دايمًا يا سكر♪.. ياللي سابقة بجد سنك♪.. " غادر البيت وهو يغني تاركًا الجميع في حالة ذهول فاتحين أفواههم ببلاهة ليعقب مصطفى على ما سمعه لتوه : _"يا نهار أبيض يا مروان دا إنتَ واقع بجد.. " أضافت إسراء وهي ترسم نفس معالم الذهول : _"واقع بس؟؟؟ دا واقع من دلوقتي للصبح. " بينما نور كانت الوحيدة التي فهمت تلميحاته، فقد اختار مروان الأغنية المُثلىٰ لها فابتسمت بخجل وتابعت طعامها دون لفت الإنتباه. ________________________________ عمَّ المساء دون أي أحداثٍ تذكر، أنهت شيرين وإسراء أعمال المنزل المتبقية في حين انخرط مالك في وضع أسس الكتاب الجديد، كان مصطفى يأخذ قسطًا من الراحة بعدما أشرف على دراسة الثلاثة أطفال. إنتهى اليوم على خير ليستقظ الجميع في اليوم التالي ويتجه كُلٌ منهم لمسؤلياته الخاصة.. أقلَّ مالك ابنته لمدرستها صباحًا ثم توجه لإحدى دور النشر الجديدة التي سمع عن نشأتها الحديثة على الإنترنت ليعرض عليهم اتفاقًا يفيد الطرفين وهو أن يتم نشر كتبه التي حققت شهرةً على نطاقٍ واسع في أنحاء الوطن العربي بعد أن تتم ترجمتها للفرنسية، وهكذا يتم الإقبال من قِبَل الكُـتَّاب على هذه الدار كذلك يتم توسعة نطاق مالك لينال شُهرةً عالمية وليس فقط على المستوى العربي. ، بالفعل تم التعاقد بالشروط التي وضعها مالك حسب رغبته هو في نسبته من الأرباح، وتكاليف الطباعة، ونطاق النشر الذي سيتم فيه وكل ما يخص النشر. بعدما انتهى من عمله اتجه لإحدى المكتبات الضخمة المعروفة في باريس ليشتري بعض اللوازم التي تنقص مكتبه، لفتت نظره إحدى الدفاتر التي تُنمي مهارة الرسم لدى الموهوبين ليتذكر نور صغيرته وقرّة عينه كذلك اشترى لها العديد من أنواع الألوان المختلفة الشمعية منها والخشبية كذلك ابتاع ألوانًا زيتية وألوان المياه بالإضافة إلى مقاساتٍ متعددة من الفُرَش وأقلامٍ فحمية وأخرى رصاصية بتدرجاتٍ مختلفة، لم يكن ليستطع كبح نفسه كلما رأى شيئًا قد يسعد صغيرته وتفاحة قلبه التي بات يحبها أكثر من أي شيءٍ في الوجود.... ، عاد للمنزل ليخفي هذه الأشياء التي ابتاعها لتوِّه بعد أن طلب من العامل بالمكتبة أن يغلفهم بشكلٍ لطيف، ثم انصرف مرةً أخرى مُتجهًا نحو المدرسة الخاصة بنور فقد اقترب موعد إنتهاء اليوم الدراسي. وقف ينتظرها أمام المدرسة بتلهف يتفرس الوجوه بحثًا عنها، فقد اشتاق لصغيرته الحبيبة التي انشغل عنها في الأيام السابقة واشتاق أحاديثهما الخاصة التي تنتهي به يضمها له بحبٍ يطمئنه أكثر من كونه يطمئنها، ويبث السلام في نفسه أنه مادام بقرب ابنته الجميلة سيكون دائمًا قادًرا على مواجهة أي شيء، وعند هذه الخاطرة الأخيرة تذكَّر قولها في إحدى المرات عنه _"أصلًا أبو أشطر كتكوتة لا يقهر ومفيش حاجة تقدر عليه. " دقت الساعة الثانية لتعلن عن انتهاء الدوام ليندفع الطلاب كلٌ نحو أمه أو أبيه بعد يومٍ دراسي غني بالحصص والمعلومات الدسمة،كان الطول الطبيعي للفتيات في عُمر نور بالكاد يصلنَّ 150 سم بينما كان طول نور يوشك أن يصل 170سم، وهذا يتضح أكثر في تجمعات الأطفال حيث خرج كل فتىً وفتاة إلى أمه و أبيه اللذان انحيا بجذعيهما ليحتضنا أطفالهم، بينما لم يحتج مالك أن ينحني لمعانقة نور فهي بالفعل طويلة القامة مثله كما يقول الكثير عنهما لكن هذا المشهد أظهر كل ما حاولت إخفائه في عويناتها الخضراوتين، لم يخفى على مالك ذلك الأثر الذي خلفه ما تتعرض له نور من تنمر وتأذي بسبب جسدها الذي يمثل لها نقطة ضعف فهذا الأمر حساس للغاية ويجب التعامل معه بعناية. احتضنها مالك بمجرد رؤيتها ثم قال لها بحنوٍ بالغ : _"وحشتيني يا بنت الكـ'ـلـب" ضحكت نور وهي بين ذراعيه ليضيف هو مُعقبًا يهمس بجانب أذنها وهو يشدد من عناقها : _"متاخديش بكلام حد واللي يقول ليكِ كلمة تزعلك هو شايف نفسه أقل منك فبيحاول يحبطك ويضايقك عشان تضعفي بس أنا عارف ومتأكد إن نور بنوتتي حبيبتي مش هتضعف بسبب كلام من شخص بايخ إنتِ أقوى منه، ولو حد قال ليكِ حاجة تضايقك فهو شايف نفسه أقل منك بس إنتِ ولا يهمك ولا كإنك شايفة الناس اللي زي كدا عشان هما ميستحقوش نظرة منك أصلًا، ومهما حصل إعرفي إني بحبك دايمًا وفخور بيكِ دايمًا مهما حصل، ومستعد أعمل أي حاجة عشان فرحتك، وهمدك بطاقتي لحد ما أموت عشانك. " نظرت له هي بحب ليداعب وجنتيها بأصابعه قائلًا وهو لازال يحتضنها : _"ما إنتِ بنتي برضو. " وبسرعة كان ذراعيها يحيطان برقبته بحبٍ غامِر لتلقي على مسامعه قولها : _"بابا .. " _"نعم .. " تابعت دافسةً وجهها في كتفه : _"إنتَ عوضي الجميل اللي ربنا بعتهولي لما الدنيا كلها ضلمت من كل حتة." _"وإنتِ أحسن عوض جالي في وقتي الصعب اللي كنت بنهار فيه. " صمت وصمتت هي بدورها، يوَدُّ لو ينتشلها ويزرعها داخل ضلوعه ليطمئن قلبه أنها لن تتعرض للحزن بعدها، قال وهو يحول نبرته للمرحة : _"تعالي نروَّح يلا.. ولا مش عايزة تشوفي المفاجأة اللي عملتهالك؟؟؟ " _______________________________ _"جاهز؟ " _"تقريبًا... أه جاهز " _"عندك إستعداد تقول اللي بتفكر فيه دلوقتي من غير ما ترتب أفكارك. " قال بتردد : _" هحـاول.. " _"تعالى ورايا يا مالك... " إتجهت به لغرفةٍ أخرى وجلست على كرسيٍ من الجلد مُشيرةً له أن يتمدد ويسترخي على الأريكة الطولية (الشازلونج)، نفذ ما طلبته بتوترٍ طفيف بعض الشيء لتتابع فريدة قائلةً : _"دلوقتي أنا هشغل موسيقى هادية وعايزاك تسترخي وتغمض عينك وفي اللحظة اللي هوقف فيها الموسيقى عايزاك ترمي أي كلمة تيجي في بالك... مهما كان إيه هو تفكيرك عايزاك تقول كل حاجة فكرت فيها. " أجابها مالك باقتضاب : _"تمام. " شغلت فريدة ألحان الموسيقى الهادئة التي أجبرت مالك على الإسترخاء رويدًا رويدًا.. ظلت الموسيقى تعيد نفسها ما يقارب الدقيقة بجانب أذني مالك الذي غاص في أفكاره الإيجابية منها والسلبية. في لحظة مفاجأة وعلى حين غفلة أوقفت فريدة الموسيقى... إنتظرت فريدة سماع إجابة مالك الذي أغلق عينيه ضاغطًا عليهما بعنفٍ شديد، وفي النهاية لم يتفوه مالك ببنت شفة لتبادر هي القول مُحفزةً إياه : _"مالك سكتت ليه؟ إتكلم.. " نهض مالك من على الشازلونج يفرك عينيه بتعب ثم أردف : _"خلاص يا فريدة مش مهم... " _"هو إيه اللي مش مهم؟؟؟ " _"مش مهم أقول انا كنت بفكر في إيه " _"لا مهم يا مالك لو عايز تخلص لازم تساعدني" ... أطلق مالك زفرةً أوضحت لفريدة كل ما يجول بخاطر ذلك المالك الذي أخرج علبة السجائر من جيب بنطاله الأسود، مُشعلًا إحداها وقدمه لا تتوقف عن الإهتزاز. انتشلت فريدة السيجارة من فم مالك وألقتها من النافذة قائلةً له : _"لو إنتَ مش مهتم لنفسك ومش مراعي صحتك راعي إن ريحة السجاير هتتعبني وهتئذي الجنين في بطني. " شعر مالك بالخزي لفعلته المتهورة تلك فاعتذر منها : _"أسف مكانش قصدي..، نسيت. " _"مش مهم،.. أنا عايزة أعرف منك دلوقتي إنتَ مستريح في حياتك كدا؟؟؟ " _"مش فاهم قصدك.. " _"مستريح وإنت بقالك سنين بتنام وبتصحى على كوابيس وأفكار سودا؟؟؟... مستريح وإنتَ مش عارف تعيش حياتك زي باقي الناس؟؟؟ مستريح لما يكون الكل متجمعين وبيضحكوا وإنتَ سرحان في الأصوات اللي بتجيلك؟؟؟ مبسوط ومستريح وإنتَ شايف مراتك متضايقة عشان شايفاك تايه ومش عارفة تساعدك؟؟؟ مستريح وإنتَ مش عارف تقضي وقتك كله مع بنتك عشان خايف إنك تزعلها؟؟؟ " صمتت تنتظر منه أجوبة لأسئلتها، فلم تجد منه استجابة لتتابع حديثها الحانق رغم هدوء صوتها المُريب : _"مبتردش ليه؟؟؟ إتكلم.. ساكت ليه؟؟؟ مستريح وإنتَ مش قادر تتخطى اللي حصل في الماضي ولا قادر تتعايش مع الحياة من غير ما تلوم نفسك على حاجة حصلت من 20 سنة؟؟؟ " أجاب بحنق وقد بدأت شرارات غضبه بالتأجُج : _"لا مش مستريح!.. مشم مستريح يا فريدة وأديكِ عرفتِ.. إستريحتي إنتِ بقى؟؟؟ " _"لأ لسة مستريحتش.. ومش هستريح غير لما أخلصك من اللي إنتَ فيه، ودا تحدي أنا حطيته لنفسي من زمان ولازم أكسبه حتى لو هيكون أخر تحدي. " _"روحي إلعبي على حد تاني يا فريدة. " _"كنت بتفكر في إيه والموسيقى شغالة يا مالك؟؟؟ " _"مكنتش... كنت بفكر في... " أشاح بوجهه بعيدًا عنها يضغط قبضتيه بغضب ثم تابع قوله : _"أنا مليش ذنب في أي حاجة.. كل الحاجات اللي حصلت زمان أنا مكانش ليا فيها دخل. " قال أخر كلماته لتتمرد عيناه عليه وتبدئان في البكاء الصامت.. فقط الدموع تتساقط على وجهه المُحمرِّ.. أومأت فريدة له أن يُتابع وهي ترسم ابتسامةً هادئةً على ثغرها ليتابع حديثه بعد أن أطلق زفرةً طويلة : _"أنا مليش ذنب ومعملتش حاجة.. مليش ذنب لما أبويا وأمي حبوا بعض وهما صغيرين واتجوزوا غصبًا عن إرادة جدي.. أنا مالي لو هما عصوا أمره واتجوزوا وهو مش راضي ليه كان بيكرهني أنا!، مش ذنبي إنه كان في مشاكل بينهم وبين شريك ليهم في أعمالهم.. أنا ذنبي إيه في كل دا؟؟؟ ونوارة ذنبها إيه في اللي حصل؟!! " _"أنا لحد دلوقتي مش عارفة مين هي نوارة دي." صمت مالك مُخفضًا رأسه وهو يستند على ركبتيه وقد اتسعت ابتسامته عند تذكر صاحبة ذلك الإسم الجميل.. * * * * استيقظت من سُباتٍ عميق غطت فيه لتفتح عينيها الزرقاوتين على ظلمةٍ حالكة وسوادٌ يحيط بها من كُل الإتجاهات، حاولت جاهدةً الوقوف لكن شيئًا ما يُكبِّل ساقيها مانِعًا إياها من الوقوف.. ظلت تستجير وتستنجد لعلَّ أحدهم يسمع ندائها فينجدها لكن من يتواجد في مخزن أسلحةٍ مساءً !! هذه هي "نوارة محمود عبد العظيم" إبنة محمود عبد العظيم أحد شركاء نصوح الدالي وشقيقه الأصغر هارون الدالي في جميع أعمالهم واستثماراتهم. إن كان ما يُقال عن هارون الدالي أنه رجلٌ سكِّير وعجوزٌ متعجرف فإن محمود عبد العظيم على النقيض تمامًا من كل ما عُرِف به هارون، ولكن مهما كانت أخلاق المرء على استقامة فإن تعامله مع عجرفة وغرور فردٍ من أفراد عائلة الدالي يجعله يخرج أسوء ما فيه، فهذه هي الحياة إن اتخذت السلام سبيلًا أجبرتك على اتخاذ المهانة شعارًا.. كانت الأمور بينهم بسيطةً وسلسة دون أي ضغائن أو حقد حتى هبطت على رؤس كُلًا من محمود ونصوح وهارون بعض المشاكل والشجارات التي قامت على الفتنة التي أحدثها منافسيهم في الأسواق. _"يعني إيه شروط الصفقة اتغيرت يا محمود إحنا لينا إتفاق." _"مش بإيدي يا نصوح الشركاء التانين هما اللي غيروا موقفهم فجأة.. " _"خلاص مش مهم أهم حاجة البضايع توصل كاملة. " _"أنا قلت إنك هتقرر كدا برضو، وعلى العموم طيارتنا بكرة الساعة ستة الصبح مستنياني أنا وهارون كالعادة." _"كله تمام بس هارون مش هييجي معاك. " _"إزاي يعني مش هيجي معايا دول كدا مش هيرضوا ينفذوا الإتفاق يا نصوح هما شروطهم كانت واضحة من الأول والجماعة دول مش سهلين... " _"هارون مش هيروح معاك عنده مشاغل هنا في القاهرة سعيد إبنه هييجي معاك بداله. " _"إنتَ أكيد بتهزر! سعيد مين اللي يجي معايا دا شاب لسة وميعرفش أي حاجة عن شغلنا. " _"إحنا هنفهمه هيعمل إيه " _"وإفرض معجبهمش؟؟؟ " .... أغلق نصوح الهاتف مُتجاهِلًا ذاك الذي يحدثه على الطرف الآخر، لينزعج محمود من أسلوب نصوح الدالي الذي اعتاده. في الصباح وفي تمام الخامسة كان سعيد على وشك مغادرة قصر العائلة مُتجهًا صوب المطـار حتى جائت هالة زوجته تحاول للمرة الأخيرة علّها تقنعه بالإبتعاد عن طريق هذه العائلة والابتعاد عن أعمالها.. _"هو لازم يعني السفرية دي؟!!! " _"إنتِ عارفة إني مضطر يا هالة.. " _"يا سعيد مهما نعمل عشان ننال رضى أبوك هو خلاص مستحيل يسامحنا، لزمتها إيه السكة دي؟؟؟ " _"خلاص يا هالة بقى مش وقته الكلام دا كدة هتأخر على ميعاد الطيارة. " انتهى سعيد من كلماته الأخيرة لتدخل إحدى الخادمات مُقاطعةً حديثهما بقولها القلق : _"ست هالة.. " _"إنتِ شايفة دا وقتك يا فاطمة؟؟؟ " _"يا ست هالة.. مالك بيه تعبان أوي ومش على لسانه غير ماما وبابا... " إنتبه الإثنان وخرجا بفزع من غرفة الجلوس ذات المدفئة الخشبية مهرولين نحو غرفة ابنهما الوحيد وقرة عينيهما. إتجها لمالك ذو الأربعة عشرَ خريفًا المُمدد على فراشه،و الذي ينتفض إنتفضًا من ارتفاع درجة حرارته وقد احمرَّ وجهه وجسده بالكامل، جلس كُلاً منهما على إحدى جانبي السرير وقد اجتاحهما الرعب... _____________________________ _"يا سعيد مينفعش.... " _"اللي مينفعش بجد هو إني أسيب إبني الوحيد وأروح أتمم الصفقة بتاعتكم يا والدي. " تدخل نصوح في هذا الصراع بين شقيقه الأصغر وابنه قائلًا بهدوء : _"خلاص يا سعيد إحنا موجودين وهنقوم باللازم.. مالك هيروح المستشفى وإنتَ هتروح المطار تلحق طيارتك، ومتخافش هو فرد من عيلتنا وشايل دمنا وإسمنا برضو. " _"لا يا عمي.. أنا أسف أنا مش هتطمن عليه غير وأنا جنبه وأظن إنتَ كنت هتأيدني لو هالة هي اللي تعبانة. " صاح هارون في إبنه بغضب : _"يعني إيه مش هتروح؟؟؟ هتروح يعني هتروح أنا قلت كلمتي. " ظل سعيد يحملق في والده بنظراتٍ جمعت بين الأسف والغضب المُأجج ليصمت الآخران وقد فهما المغزى من تلك الأعين التي تطلق شرًا كبيرًا. إستكمل هارون حديثه يحاول تأنيب سعيد : _"كلمتي إيه صحيح.. ما إنتَ كسرت كلمتي من سنين لما أصريت واتجوزت هالة بنت عمك وأنا مش موافق وكان نتيجة العناد دا هو اللي إحنا فيه دلوقتي بسبب حتة العيل الـ..." قاطعه سعيد بحديثه الحاد : _"لو سمحت يا بابا أنا مسمحلكش تتكلم عن مراتي ولا إبني بالشكل دا!! " _"شكلك هتكسر كلامي للمرة التانية يا سعيد.. بس حط في بالك إنك وإنتَ بتعمل كدا إعتبر إن أبوك مات وأنا مليش إبن." _"أنا أسف يا والدي بس متستناش مني إني أسافر وأعمل صفقة وأنا سايب إبني الوحيد بين الحياة والموت.. أنا هاخده المستشفى ولما أتطمن عليه هبقى أسافر على أول طيارة. " أنهى كلماته ولم يمنحهما فرصة التعقيب على قوله وانسحب تاركًا عمه و والده يقفان في قلة حيلة. ______________________________ _"اللي بيحصل دا تهريج والله العظيم" كان هذا الرد الحانق هو رد محمود على سعيد عندما علم منه أنه سيؤجل السفر حتى يطمئن على ابنه ليُعقب الثاني بنبرات التهديد الذي لم يخل من العجرفة والكِبر اللذان يجريان في دماء كل من حمل إسم الدالي قائلًا بشر : _"فوق لنفسك وإعرف إنتَ بتتكلم مع مين! أنا سعيد الدالي يا محمود بيه. " _"يعني إيه مش هتيجي دلوقتي كدا الصفقة هتتلغي والناس دول مش سهلين أبدًا و.... " _"إنتَ فاكر نفسك هتعرفني اللي أنا معرفهوش ولا إيه! أنا أصلًا مش ملزم أعرفك أنا هعمل إيه... أنا بقولك عشان متستنانيش في المطار. " _"بس يا سعيد.. " أغلق سعيد الهاتف مُتجاهِلًا ذاك الذي يحدثه على الطرف الآخر. بدأ محمود بإطلاق اللعنات والسُباب على عائلة الدالي بأكملها وبالأخص هارون الدالي وابنه سعيد... _______________________________ _"أدينا خسرنا كل حاجة بسبب إبن أخوك، عاجبك كدا؟؟؟ " _"مخسرناش حاجة.. صفقة راحت تيجي مليون غيرها.. " _"أنتَ وأخوك مخسرتوش لكن أنا خسرت، وخسرت كتير.. دلوقتي السوق كله يتكلم إن محمود عبد العظيم خسر صفقة كبيرة بسبب عيل محسوب على عيلة الدالي نفر. " وما إن انتهى من حديثه الأخير حتى شعر بصفعة نصوح تهبط على وجهه ليلتفت نحوه بغضب ناظرًا إليه بعويناتٍ حملت من الغل والغضب الشديدين ما يبث الرعب في قلوب أي شخصٍ سوى نصوح الدالي الذي صدح صوته قائلًا في صَلَفٍ وتغطرُس : _"سعيد الدالي فرد من أفراد عيلة الدالي.. إحترم نفسك وإلزم حدودك وإنتَ بتتكلم عنه وإلا إنتَ عارف إنتَ ممكن يجرالك إيه." صرخ محمود في نصوح وقد انفلتت أعصابه : _"لا إنتم كدا جبتو أخركم معايا يا نصوح إنت وهارون. " ليجيب نصوح ببرودٍ تام : _"وأخرك دا إيه بقى يا محمود بيه؟؟؟، إنتَ شكلك ناسي إحنا ممكن نعمل إيه.. " صمت محمود عاقدًا حاجبيه بعدم فهم ليتابع نصوح : _"شكلك لسة مفهمتش يا محمود إنك مهما كبرت في السوق ومهما بقى ليك إسم وكلمة بس لو حصل و حد من عيلة الدالي رفع صباعه وشاور عليك هتترمي من على جبلك اللي قعدت سنين تبنيه في لمح البصر... حاول تحافظ على مكانك في السوق ومتزعلش حد تبعنا. " استدار نصوح وهمَّ بالمغادرة تاركًا محمود خلفه مُطأطأ الرأس يغمره الحقد والرغبة في الإنتقام. التفت نصوح لمحمود فجأة قائلًا : _" أه صحيح.. في صفقة جديدة هتتم كمان أسبوع، جهز نفسك عشان هتروح مع سعيد إبن أخويا تخلصو الإتفاق وتمضو العقود." _________________________________ _"يعني إيه اللي بيتقال دا؟؟؟! " _"زي ما بقول لحضرتك كدا يا نصوح بيه.. الموضوع حصل فجأة وإحنا حتى ملحقناش نتصرف قبل ما... " هنا وصرخ نصوح دون أن يستمع لبقية حديث الرجل الذي يعمل لديهم قائلًا : _"يعني إيه حصل فجأة دي! أومال أنا مشغل اللي خلفوكم كلكم ليه؟؟؟ مش عشان تحموه وتخلو بالكم منه يا شوية حيوانات؟؟؟ " _"بس يا بيه.. " _"مفيش بس! سعيد لو جراله حاجة إعتبروا نفسكم كلكم خلصانين!! " .. أغلق نصوح الهاتف بغضبٍ عارم، صمت يفكر كيف سيمر هذا الأمر ليقطع صمته تغلغل صوت أخيه الأصغر قائلًا بجزعٍ وخوف : _"سعيد ماله؟!! " إلتفت نصوح ليجد أن أخاه كان يستمع للمكالمة الدائرة بينه وبين رجلهم، لم يصدر من نصوح أي إجابةٍ ليتابع هارون صارخًا : _"سعيد ماله يا نصوح إنطق!!.. " _"في ناس هجموا على عربيته اللي كانت مودياهم المطار هو والرجالة وسعيد واخد طلقة في صدره. " ودون لحظة تفكير دوى صراخ هارون في المكان كله : _"محمووود!!! " _"أه.. وجدك هارون حب ينتقم من محمود فقرر إنه ياخد بثأر منه في نوارة." ... لم يجب مالك على ذلك السؤال الذي أجج حريق لُبِّه، تابعت فريدة أسئلتها : _"بس اللي أعرفه من كلامك قبل كدا نوارة كانت يتيمة الأب." _"كل الأحداث دي حصلت وكان عندي 14 سنة، محمود مات من قهرته على بنته الوحيدة وأنا مكتشفتش مكان نوارة غير بعد 3 سنين، يعني وإحنا عندنا 17 سنة.. يعني كانت فعلًا إتيتمت. " _"أممم.. " _"أممم؟ بس كدا؟؟؟ " _"أه بس كدا. " _"بجد؟...قصدي يعني.. مش عايزة تقوليلي حاجة؟؟؟" أجابته فريدة وهي تضيق عينيها بخبث : _"حاجة زي إيه مثلًا؟ " _"معرفش.. أي حاجة؟؟؟ " أجابته فريدة وهي تلوي فمها بمكرٍ أكبر جعله يستوعب ما ترمي إليه : _"إنت عايز تسمع حاجة؟؟؟ ". _________________________________ *بعد مرور ما يقارب الثلاث ساعات* _" حاسس بإيه دلوقتي؟؟؟ " _"للأمانة..." تردد قليلًا ثم عاد يكمل : _"حاسس إني أحسن شوية. " _"أحسن إزاي حددلي شعورك بالظبط. " _"يعني.. مش عارف بس.. زي ما يكون الحِمل خَف عني شوية." _"كويس جدًا، وبصراحة أنا مُنبهرة من نتيجة إنهاردة جدًا." صمتت قليلًا ثم أردفت : _"طيب يا مالك.. عايزة أنبهك لحاجة أخيرة. " وقف مالك يستمع لها بإنصات لتستكمل هي القول : _"النهار دا إحنا أحرزنا تقدم مش قليل، واللي ساعدنا على كدا هو تغير المجتمع والمكان اللي كان محيط بيك، وتغير موقعك الإجتماعي.. قاطعها مالك يتسائل بعدم فهم : _"موقعي الإجتماعي؟؟؟ " عقبت هي توضح له مقصدها قائلةً : _"بص يا مالك إنتَ بتتعالج عندي بقالك قد إيه؟؟؟ " _"يعني حوالي 3 سنين أو أكتر.. " _"وإمتى تحديدًا بدأت تحس بفرق كبير في المُدَّة الزمنية دي؟؟؟ " _"من كام شهر، لما جينا فرنسا.. " _"خليني أوضحلك بص يا سيدي.. أي طبيب أو معالج نفسي لما بيحس إن خطته العلاجية لمريض مُعين خدت أكتر من وقتها اللازم بيبقى فيه شوية خطط وحلول بديلة تساعده على إنه يقدم نتائج أحسن بنفس أسلوبه العلاجي لكن في وقت أقصر... " همهم لها مالك دلالة تفهمه لها، لتتابع هي : _"من ضمن الحلول البديلة دي هي تغير مُحيط المريض بس بشرط مهم إن المحيط أو البيئة اللي المريض فيها هي بس اللي تتغير لكن المريض نفسه كأسلوب حياة وعادات تفضل زي ما هي، وكمان أسلوب العلاج مينفعش يتغير.. " أردف مالك على شرح فريدة : _"طب تمام جدًا.. يعني إيه بقى تغيير الموقع الإجتماعي مش فاهم دا إيه علاقته بالفصام؟؟؟ " أجابته فريدة بمهارة : _"لا طبعًا دا ليه علاقة، وعلاقة وثيقة كمان.. يعني إنتَ أهو كمثال حي وقدامنا وعارفينه.. تقدر تقول هل مالك اللي كان عايش في شقة لوحده ملهوش دعوة بحد وميعرفش حاجة عن حد ومستحبي في الضلمة وبيبذل كل جهده عشان يبعد عن الناس اللي بيحبهم وبيحبوه ومش مكلف نفسه إنه يساعد نفسه.. شبه مالك اللي دلوقتي مسئول عن طفلين وزوجة وليه أسرة بيحبهم وبيخاف عليهم وعنده علاقات وثيقة مع صحابه وبقى عنده إستعداد يساعد الناس ويبتسم في وشوشهم ؟؟؟ " صمت مالك وهو يستعيد ذكريات ما تتحدث عنه فريدة ليجيبها بعد ثوانٍ من الهدوء : _"لأ طبعًا.. في فرق كبير. " _"تقدر تقول ليا فرق زي إيه؟؟؟ " تعمدت فريدة إن تطرح عليه سؤالًا تعلم مدى صعوبته عليه لتراه يفكر بعمقٍ شديد وتحسب انفعالاته... هي تعلم أنه لن يكون بمقدوره الإجابة على هذا السؤال بعد، هي فقط أرادت أن تزرع بذرة هذا التساؤل في عقله لعلها تطرح ثمارها في القريب العاجل. كسرت فريدة الصمت بقولها مُنهيةً تلك الجلسة الطويلة : _"تمام يا مالك كدا كفاية أوي النهار دا.. المطلوب منك لحد ميعاد الجلسة الجاية إنك تفكر في إجابة السؤال دا ولو وصلت لنتيجة هنتناقش فيها سوا." _________________________________________ بارت لطيف زي قلبڪ يـٰ غلاي 🤎☁ تتوقعـوا إيه للأحداث الجايـة؟؟؟ وبعتـذر عـن التأخيـر بسبـب الدراسـة، ڤـوت بقى عشـان أنزل البارت الجاي لـو لقيت تفاعـل🤍🦋. وبس دُمتـم سالميـن مليـڰة مجـدي💙🌻↻'.
-مَليكـة مجْـدي إبرا