ومُحمَدٌ نورٌ إذا حلَّ فِي ظُلمـة قلبٍ أضآئها صلّوا عليهِ وسَلِمـوا تَسليمًا🤍🌻 ————————————————— _"غصب عني يا خالد.. يعني هو أنا مش من حقي أغير عليك؟! " _"لا يا غني دي مش غيرة.. دي قلة ثقة في فرق، وفرق كبير كمان بين إني أكون بغير عليكِ وإني أكون مخونك ومش واثق فيكِ.. والفرق بيوجع على فكرة." رددت هي بصوتٍ مُحتقن : _"حقك عليا والله أنا أسفة أخر مرة." عقب خالد حديثها بنبرةٍ جامدة وقد استدار مُعطيًا إياها ظهره : _"أنا عارف إنها أخر مرة بس كلامك ونظرتك ليا إني واحد خاين وميتأمنش وجعوني يا غنى... عمري ما كنت أتوقع إن دي تكون نظرتك ليا..، بالعكس دا أنا متوقع إن لو حد إتكلم عليا قدامك وقال في حقي حاجة مش صح إنتِ أول واحدة هتقول أنا جوزي مش كدا.. لكن إنتِ ومع أول قرصة ودن وقعتيني من عينك وطلعتيني قدام الكل إني خاين وحقير.. أنا؟ أنا يا غنى؟؟؟ أنا أعمل كدا وإنتِ عارفة أنا حفيت على وشي قد إيه علشان أهلك المعترضين على جواز القرايب يوافقوا؟؟؟ أنا بجد مستغرب.. مستغربك، أصل إزاي إنتِ في لحظة واحدة نسيتي خالد واللي بينك وبين خالد وتربية خالد وتفكري فيه بالطريقة دي؟؟؟ هونت عليكِ طيب؟! " ومع إنتهاء كلماته أجهشت غنى بالبكاء دون توقف، بكاءً مزق نياط قلبه الذي يهيم بحبها، ودون إرادةٍ منه استدار لها واقترب منها ثم ضمها بين ذراعيه بحنانٍ شديد كأبٍ يضم ابنته إلى صدره الذي لا يتسع لسواها هي فقط من بين نساء العالم أجمع، كانت هي وحدها من امتلكت مفاتيح الأصفاد المُلتفة حول قلبه تقيده بعشقها دون سواها. قالت بصعوبة من بين شهقاتها وعَبراتها الغزيرة التي أمطرت قميصه بها : _"بالله سامحني.. أنا غلطت واتعرفت بغلطتي.. حقك عليا أنا اسفة والله العظيم." أردف هو بهدوء يربت على ظهرها : _"خلاص يا غنوة مفيش حاجة.. " إستمرت هي بالبكاء بين ذراعيه كأنها لم تسمعه ليضيف هو بنبرةٍ ودودة أثناء مداعبته خديها : _"ما قولنا خلاص بقا صلِّ على النبي.. خلاص بقى قلبك أبيض." هدأت من روعها قليلًا ثم مسحت دموعها وقالت : _"يعني إنتَ خلاص بجد مبقتش زعلان مني؟؟؟ " حاوط خصرها هو بينما لازال يقربها إليه أكثر بحنان قائلًا : _"خلاص يا ستي بقى قلبك أبيض، يعني ينفع مسامحكيش بعد ما غسلتي القميص بعياطك طيب؟؟؟ دا يرضي ربنا دا؟، دا حتى أنا كدا أبقى جاحد.. " أردفت غنى بسرعةٍ معقبةً : _"لا إنتَ مش جاحد خالص إنتَ فُلة أوي." قالت كلماتها السابقة تلك وهي ترفع نفسها لتقارب طوله وتطبع قُبلةً سريعة على خده الأيمن، تعالت ضحكات خالد ثم أردف بنبرة تسلية يشوبها بعض الخبث : _"حلوة أوي كلمة فُلة دي.. طب واحدة فُلة كمان في الخد التاني عشان ميزعلش." أعطته غنى مُراده عندما قفزت مرةً أخرى لتترك بصمة حُبٍ تُزين خده الأيسر. أردفت غنى أثناء مغادرتها الغرفة لتقضي أشغالها المنزلية قائلةً بمشاكسة : _"طب بالله كنت هتقدر تفضل زعلان مني كدا كتير؟؟؟." ضحك خالد على سؤالها ثم أردف : _"بصراحة أنا ساعتها مكنتش طايق ألمح طيفك وكان فاضلي شوية وأرمي عليكِ اليمين بس بعد كدا صعبتي عليا." تابع الضحك بعد أن أنهى كلماته لتضيف هي بحنق وهي تقذفه بأول ما التقطته يدها والتي لم تكن سوى منشفة : _"طب تصدق أنا غلطانة إني بهزر معاك!...إمشي بقى وملكش كلام معايا." صاح هو بضحك قائلًا : _"يا غنى.. يا بت... إستني طيب.. طب مين هيربي بنتنا؟؟؟." لم يأتيه رد من زوجته التي اتجهت للمطبخ ليضيف هو باستفزاز : _"هعتبرها رخصة منك إني أتجوز عليكِ تمام؟؟؟" وفي لمح البصر وجد شخصًا ما ينقض عليه ليسمع صوتها الحانق أثناء قولها : _"ليه يا إبن سناء حد قالك إني هسيبهالك وأطفش؟؟؟ " خالد باستفزاز : _"الله بقى؟! مش إنتِ اللي لسة قايلة؟؟؟وبعدين هو أنا لو اتجوزت تاني هيبقى عشان مين عشان نفسي؟لأ طبعًا دا أنا بضحي عشان البنت." ردت غنى تكز على أسنانها : _"أنا لسة قايلة لسانك ميخاطبش لساني لكن مقولتش أبدًا إني هسيبهالك وأطفش... ثانيًا أنا لما أقرر أطفش هطفش ببنتي يا أستاذ." _"بالراحة بس علينا.. مالك متعصبة كدا ليه أنا كنت بهزر بس و..." توقف خالد عن الحديث وابتلع ريقه بتوترٍ شديد عندما أحس بأسلحة غنى تحيط عنقه ثم تابع بقلق : _"لا يا غنى.. إلا دول بالله عليكِ..." لم تستمع له غنى وظلت تضغط بقوةٍ أكبر قليلًا لتتحول نبرة صوته من القلق إلى الذعر وهو يقول : _"لا بلاش غباوة بالله عليكِ.. والله العظيم كنت بهزر. " _"هزر يا جوزي.. هزر يا أبو بنتي هزارك على قلبي وضوافري اللي هتعلم على رقبتك دي كمان شوية زي العسل." __________________________________ توالت الأيام دون أحداثٍ تذكر، بل وعلى النقيض تمامًا كانت الأيام مملةً طويلة، بطيئة المرور على نور التي صارت تقضي أيامها بالبيت بعد أن أنهى مالك الأرواق الخاصة بها لتتلقى تعليمها في المنزل، كان النهار يمر عليها ببطئٍ سحيق جعلها تشعر أن كل يومٍ يعيد نفسه بأحداثه.. يستيقظ الرجال ويذهب كلٌ لمقر عمله كما تذهب أروى وأخوها حسن لمدارسهما، تستيقظ إسراء مُتأخرةً وتبدأ بإعداد الفطور برفقة شيرين، حينها تكون نور التي استيقظت منذ أذآن الفجر تكاد تنتهي من دراستها اليومية لتظل ما تبقى من اليوم تشعر بمللٍ سحيق. حتى يعود والدها مع غروب الشمس لتقضي معه بعض الوقت، وفي المساء تنضم للجميع في جلستهم التقليدية بعد تناول العشاء حتى يحين موعد الخلود للنوم مُجددًا. ، استمرت الأيام هكذا تمر بتثاقلٍ على قلب هذه الصغيرة التي تعصف بها أفكارها دون أن يشعر أحد، واليوم كعادتها استيقظت فجرًا، أدت صلاتها وتضرعها لله بعد الإنتهاء من وِرد القرآن الكريم الذي لازالت تحافظ عليه، فقد أصبح القرآن هو الشيء الوحيد الذي يمنحها بعضًا من الهدوء والسكينة قبل أن تهاجمها أفكارها مُجددًا. وما إن أشرقت الشمس حتى توجهت لمكتبها تنقض على دروسها حتى أتت أخيرًا فترة الظهيرة أخيرًا لتستيقظ كُلًا من شيرين وإسراء في موعد استيقاظهما المُعتاد، اغتسلت شيرين واستعدت للخروج كي تجلب أبناءها من المدرسة.. كذلك في نفس الوقت كانت إسراء تستحم في الحمام الخاص بغرفتها، هبطت كلتاهما معًا للطابق الأول حيث كانت نور جالسةً بالشرفة. _"صباح الخير.. " كانت تلك كلمات إسراء الخمولة، لتجيبها نور بسخرية : _"قصدك مساء الخير." ابتسمت إسراء بيأس ولم تعقب، انضمت إليهم شيرين التي ارتدت ثيابها وهي عبارة عن قميص من اللون الأبيض به خطوطٌ رأسية باللون الأسود مع بنطال جينز داكن اللون وربطة عنق من اللون الأحمر القاتم.. كانت تربط شعرها على هيئة كعكة للخلف مع خصلتين مهملتين أمامه وجهها. تحدثت إسراء موجهةً حديثها لشيرين التي تتحرك على استعجال : _"إيه يا شيرين مش هتفطري طيب." أجابتها شيرين على استعجال : _"لا لا أفطر إيه، مينفعش أنا أصلًا كدا هتأخر على الولاد، لازم أكون عندهم في خلال نص ساعة." أومأت لها إسراء وعقبت بتفهم : _"طيب يا حبيبتي روحي هاتيهم وتعالوا هكون أنا جهزت الفطار لينا كلنا، وعلى فكرة الـOutfit كان هيبقى أحلى لو خليتي الـ scarf بيج أو مينت جرين مثلًا.. " _"معنديش الألوان دي، أصلًا خلاص مش مهم أنا لبست... يلا أنا ماشية مش عاوزين حاجة من برا؟؟؟ " شكرتها كلتاهما، ثم ذهبت شيرين تاركةً إسراء ونور اللتان بدأتا بتجهيز الإفطار سويًّا، دون الكثير من الكلام. لم تمُـر ساعة حتى عادت شيرين برفقة أروى وحسن الذي ما إن دخل حتى صاح بصوتٍ عالٍ مع لثغته اللذيذة : _"أخيـررررًا !! " (أخيغًا) ضحكت إسراء على تصرفات حسن وانتشرت الأحاديث بين إسراء وشيرين أثناء إعدادهما طاولة الطعام ليقطاع حسن حديث والدته بإلحاحٍ شديد : _"يا ماماااا.. ردي عليا بقى !!" ردت شيرين بتأفف وضجر : _"إيييه!! عايز إيه مش قلت مليون مرة لما يكون حد كبير بيتكلم متقاطعهوش؟!! " _"يا ماما بناديكِ من كتير" وضعت شيرين الصحون من يدها ونظرت له تقول : _"نعم! إتفضل! عايز إيه؟؟ " _"أنا خلصت الـ Home work بتاعي في الـ Break في المدرسة عشان ألعب مع نور براحتي." _"ماشي يا حسن لو بجد خلصته.. براحتك إلعب إنتَ وأروى ونور براحتكم." _"حسـن !! " كان هذا نداء أروى الذي خرج منها حاملًا نبرة تحذيرٍ وضجرٍ واضحةً للجميع، ضيقت شيرين عينيها بريبة مع قولها : _"خير يا ست أروى... في حاجة ولا إيه؟؟؟ " أردفت أروى بثباتٍ غريب وقد اغتصبت ابتسامةً مُتكلفة : _"مفيش حاجة يا ماما.. أنا بفكره بس عشان هو نسي يحل الـ Math. " كاد حسن يتدخل باندفاع نافيًا قول أخته السابق لولا يد أروى التي أحكمت على أصابعه بقوة، تابعت أروى حديثها بتوتر : _"إحنا هنروح نغير هدوم المدرسة دي عشان نيجي ناكل." أنهت حديثها سريعًا ساحبةً شقيقها الصغير من يده مُتجهةً به لغرفتهما، وأثناء صعودهما الدرجات تمتمت له ببعض الكلمات الحانقة التي لم تصل للجالسات أمام المائدة سوى نور التي استطاعت قراءة حركة شفاه الفتاة وهي توبخ أخيها قائلةً بحنق : _"مش قلت لك مش هنلعبها معانا؟!!! " ليردف حسن بصوتٍ عالٍ نسبيًا : _"ليه يا أروى كدا بس؟!! " أجابته أخته بغضب وهي تكفف فمه : _"شششش.. بس يخرب بيتك وطي صوتك! " صعد الإثنان لغرفتهما واختفيا عن الأنظار، ابتسمت نور باعتياد في مُحاولةٍ منها للسيطرة على نفسها، وفي أخر لحظة لم تتمكن من تمالك ما يدور بداخلها لتستأذن الجالستين برفقتها قائلةً : _"معلش أنا هطلع أجيب تليفوني عشان نسيته في الأوضة، كلو إنتم وأنا هحصلكم." أومأت لها إسراء لتصعد نور بخطواتٍ متسارعة، وقفت نور أمام باب غرفة الشقيقين تستمع لما يُقال خلفه بصوت أروى : _"يووه يا حسن.. هو أنا هقعد كل شوية أفهمك؟.. البنت دي مش بنت عمو مالك بجد.. ومش بتحبه ولا بتحبنا، وهي مش شبهنا عشان كدا مش هنلعب معاها." أتى الرد من حسن بتذمر : _"مش بتحبنا ليه؟ إحنا معملناش ليها حاجة." عقبت أروى بهدوء : _"عشان هي مش زينا يا حسن.. وإحنا مش بنلعب مع اللي مش زينا." _"بس بابا وعمو مالك قالوا إن إحنا كلنا إخوات.. يبقى كدا هي كمان أختنا صح؟؟؟ " _"لا يا حسن مش صح.. أصلًا عمو مالك بيقول كدا وخلاص لكن هو مبيحبهاش بجد دا بيعمل نفسه بيحبها عشان هي متزعلش..... " وقبل أن تستمع نور لبقية الحوار الدائر بينهما توجهت لغرفتها وتلك الابتسامة البلاستيكية لا تفارق شفتيها. أمسكت هاتفها بأنامل مُتراخية، ثم أغلقت باب غرفتها خلفها لتهبط للأسفل كي لا تلفت إنتباه شيرين وإسراء لها، وبالفعل هبطت دون أن تنطق حرفًا واحدًا وانضمت لهما على المائدة ليتبعها حسن وأروى بعد دقائق قليلة. تناولت نور بعض اللقيمات الصغيرة ثم هبت لتغادر حينما قاطعتها إسراء بقولها : _"اقعدي يا نور كملي أكلك عشان إنتِ صاحية من بدري يا نور عيني وذاكرتي كتير.. كُلي كويس واهتمي بصحتك، علشان متتعبيش يا حبيبتي." تابعت شيرين مُعقبةً على قول إسراء السابق : _"أيوة يا نور كدا ممكن تتعبي يا حبيبتي عشان أكلتك مش كفاية للمجهود الذهني اللي بتبذليه في الدراسة." تدخل حسن ولم يحسب حسابًا لما أردفه عند قوله : _"هتكِّشي." ومع انطلاق كلمته السابقة انطلقت ضحكات أروى، وإزدادت ابتسامة نور توسعًا... استشفت شيرين وإسراء ما يدور على المائدة لكن لم تستطع أيًا مِنـهُنَّ التدخل بسبب رنين جرس باب الڤيلا الذي قامت نور باتخاذه حُجةً لتنسحب من هذا الحصار. ذهبت نور لتفتح الباب فإذا بها تواجه خالدًا أمامها يحمل بيده ابنته وعد وبالأخرى حقيبةٌ كبيرة، ابتسم لنور قائلًا بود : _"إزيك يا نور عاملة إيه؟؟؟ " ردت نور عليه باقتضاب وابتسامةٍ تكلفتها : _"أنا الحمد لله يا عمو خالد.. تعالى طيب واقف ليه كدا." أردف خالد باستعجال : _"لا بصي أنا هدخل الشطنة بس عشان هتبقى تقيلة عليكِ، إمسكي مني وعد بس لو سمحتِ." تناولت منه نور الصغيرة وهي تُكبِّر وتذكر اسم الله بحب، أدخل خالد الحقيبة لردهة الصالون ثم تابع حديثه لنور : _"معلش بقى يا نور هنتعبك معانا.. غنى تعبانة وهروح معاها للدكتور بس المكان بعيد ومش هنعرف ناخد وعد معانا عشان هتتعب في المواصلات، خلوها معاكم وأنا هعدي عليكم بعد ما نخلص على طول." ابتسمت نور لتزيل عنه الحرج ثم تابعت : _"لا عادي مفيش حاجة.. أنا هخلي بالي منها، أهو تسليني بدل ما أنا زهقانة كدا." _"شكرًا يا نور معلش بقى.. بصي الشنطة فيها هدوم وغيارات ليها وفيها الرضعة والدوا بتاعها.. هي بتاخد الدوا دا مرتين في اليوم، غنى عطتها مرة الصبح، إنتِ إديها مرة بعد المغرب." _"حاضر يا عمو خالد إن شاء الله مش هنسى.. وألف سلامة على خالتو غنى." _"الله يسلمك يا قمر." ___________________________________ دلفت نور للداخل تحمل بين ذراعيها وعد، وما إن رأها حسن وأروى حتى اندفعا نحوها يتدافعان على حمل الصغيرة، صاحت بهما شيرين قائلةً بجمود : _"بس إنتو الإتنين.. متتعودوش تهجموا على عيال صغيرة كدا.. ولو نور مش عايزة تديهالكم متاخدوهاش عشان دي بني آدم مش لعبة بنتخانق عليها." أردفت أروى بهدوءٍ ونبرة حملت بعض التحدي الخفي : _"حاضر يا ماما.. نور لو سمحتِ هاتي وعد ألعب معاها أنا وحسن شوية." ترددت نور قبل أن تجيب أروى : _"لأ.. " رفعت أروى أحد حاجبيها لنور بطريقةٍ زادت من توتر الأخرى عندما لاحظت ترقب العيون من حولها ، وعلى الرغم من ما أصابها من توتر إلا أنها أردفت بثبات : _"أنا عايزة أفضل شايلاها.. وعمو خالد قال لي أخلي بالي منها لحد ما يبقى ييجي ياخدها بالليل." زفرت أروى بضجر ثم أمسكت كف شقيقها الصغير تزامُنًا مع قولها : _"مش مهم، يلا يا حسن نروح نلعب في الجنينة برة.." رد عليها حسن بتشتت : _"طب.. يا أروى.. ما إحنا ممكن نلعب مع نور و وعد برضو.." عقبت أروى بحزم : _"يووه.. إنتَ زنان يا حسن براحتك بس أنا هروح ألعب في الجنينة مع فيان وكيان." ثم توجهت أروى لإسراء قائلةً لها بود : _"خالتو إسراء.. هو أنا ممكن أخد فيان وكيان يلعبو معايا في الجنينة برة؟؟؟ " أجابتها إسراء وهي ترتشف بعضًا من عصيرها : _"ماشي يا أروى خديهم بس خلي بالك منهم كويس عشان هما الإتنين بدئوا يقفوا وممكن يقعوا ولا حاجة." أردفت أروى بابتسامة واسعة : _"حاضر يا خالتو.." وبالفعل ذهبت أروى واصطحبت الصغيرين للخارج، وتبعها حسن بلهفةٍ طفولية تاركًا خلفه نور وحيدةً تحمل وعد بين ذراعيها. لم تأبه نور لهما فقد اعتادت كونها منبوذةً وسط من هُم في مثل عُمرها، لكن ما أحزنها هو حديث أروى عنها وعن والدها الروحي، كانت تعلم أن حديثها غير صحيح وأنها مجرد كلمات بلا قيمة، لكن وبالرغم من ذلك ظل هناك شيء ينخر بأعماقها كالسوس.. يتغذى على شعورها الدائم بالنقص وأنها مهما بذلت للإنخراط مع من حولها لن يتقبلها أحد بهيئتها وأسلوبها. ظلت نور تجالس وعد وأعطتها دواءها في موعده، استمرت في مُداعبتها حتى غفت الصغيرة بين يديها، أدخلتها نور غرفة فيان وكيان وتركتها على أحد الأسِرة بعدما تأكدت من توسيدها بشكلٍ جيد. توجهت نور لغرفتها مُغلقةً الباب على نفسها، ظلت تستمر بالرسم حتى سمعت طرقات متتالية على بابها فإذا بحسن يخبرها بعودة مالك ورغبته في رؤيتها بالطابق الأول. هبطت نور الدرجات بحماسٍ ونشاط لتجد والدها يجلس برفقة الجميع بالأسفل فيما عدا مصطفى الذي لم يعد من عمله بعد. استقبلها مالك فاتحًا ذراعيه على مصرعيهما لترتمي هي بينهما كالقذيفة الحية، كان كل من يراهما على هذه الحال يبتسم بحب على هذا الثنائي الجميل، بينما هو من داخله يشعر بقوة هذا العناق ويعلم أن هناك ما يعكر صفو هذه الشاردة بين ضلوعه، يشعر بنيرانٍ تتأجج داخل ثناياها تكاد تحولها لرمادٍ بين ذراعيه. ومع شعوره باشتعالها بدأت الشرارات بالتوهج داخله، كيف لا وقد كانت هذه الطفلة هي أول من استطاع كسر القيود التي حاوطت روحه، ليس فقط بالتشابه الخارجي بينهما بل بتشابه أرواحهما، وصدق من قال أن جاذبية الروح لا تُشترى وإنما هي مِنحةٌ من الله، وبالفعل كانت نور منحة الله لمالك كي تفتح له أبواب الحياة وتعيده لربيع عمره الذي أنساه الدهر الخريفي إياه، وفي خلال هذا العناق الدافيء الذي لم يدم سوى ثوانٍ قليلة اهتاجت مشاعر نور وبدأت تفقد السيطرة عليها حينما أخرجتها على هيئة تنهيدةٍ قوية أحدثت صدىً في قلب مالك الذي ازداد من تشديده للعناق عليها مع همسةٍ لم يسمعها سوى هذه الفتاة المندثرة في صدره : _"مش عايزك تخافي من أي حاجة طول ما إنتِ في حضني." انتـهـى الـعـنـاق... عناقٌ لم يدم لنصف دقيقة إن كان منظورنا موجهًا من الناحية المادية والجسدية.. وعلى الطرف الأخر.. الطرف الأكثر روحانية، دام عناقهما سنواتٍ مديدة، سنواتٍ أبكت وأضحكت قلباهما في آنٍ معًا، واتحدت فيه كغيرها من عناقاتهما الفريدة. تنهد مالك وجلس مُجددًا برفقة زوجته وشيرين والأطفال، اعتذرت منهم نور وانفردت بنفسها في غرفتها مُجددًا، حتى أتى المساء وعاد مصطفى من مقر عمله ولم تمضي دقائق حتى وصل خالد وزوجته وانضما لهم على مائدة العشاء، تحدث مصطفى أثناء الطعام موجهًا حديثه لكُلٍ مِن مالك وخالد قائلًا : _"بقولكم إيه يا شباب.. ما تيجوا نفضي نفسنا بكرة ونكلم الواد مازن برضو يفضي نفسه، ونتجمع ونقضي يوم سوا؟؟؟ " رحب خالد بهذه الفكرة الرائعة بينما أبدى مالك رفضه قائلًا : _"لا يا مصطفى معلش خليها يوم تاني.. أو لو عايزين ممكن تتجمعوا إنتم التلاتة من غيري لإن أنا بكرة مش فاضي خالص وعندي حاجة مهمة." تدخلت إسراء في مجرى الحديث مُتعجبةً من رد زوجها : _"إيه دا ليه؟؟؟ مش كنت بتقول إنك هترتاح بكرة وتاخده أجازة؟؟؟ " أردف مالك مُعقبًا على تساؤل زوجته وهو يطالع نور بحب : _"أيوة أنا فعلًا واخد أجازة بكرة.. بس أنا واخد الأجازة دي عشان عايز أخرج نور وأقضي وقت معاها عشان وحشتني... هي وحشاني على طول أساسًا." ابتسم الجميع متفهمين رغبة مالك، بينما هو لمح نظرة التردد والحزن في عينيها.. انتهى الجميع من تناول العشاء وجلسوا جميعًا جلستهم المسائية يتبادلون الأحاديث والنقاشات، فيما عدا نور التي عادت أدراجها بعد العشاء مباشرةً. تحدث مالك بهدوء أثناء نهوضه قائلًا بود : _"أنا هقوم أشوف نور شوية، يلا تصبحوا على خير." وبالفعل دلف مالك لغرفة ابنته بعد أن أذنت له بالدخول، ليباشر التكلم قائلًا : _"إيه يا فرحة قلبي قاعدة لوحدك ليه؟؟؟ " نظرت له نور بوجهٍ خالٍ من التعابير كُليًّا، فقط تنهدت بعمق لتُغير تنهيدتها من معالم وجه الأخر بعد أن تأكد مما يجول بخاطره. جلس على طرف سريرها ثم دعاها لتقترب منه، جلست نور أمامه ثم.. ودون أي مقدمات ألقت برأسها على قدمه دلالةً على إنهاكٍ شديد، تألم مالك من حال ابنته تلك ليقول وهو يداعب خصلاتها الكستنائية : _"مالك يا نور عيني؟ شايفك متضايقة من ساعة ما رجعت.. حد زعلك أو قال لك حاجة ضايقتك؟؟؟ " تنهدت نور مجددًا ثم أردفت على سؤاله مُعقبةً : _"أنا خايفة أوي يا بابا.. خايفة وحاسة إن مليش مكان في أي حتة.. كل ما أحس إني بدأت أتأقلم مع اللي حوليا أتصدم بعكس كدا تمامًا، على طول حاسة إني لوحدي وإن محدش قابلني والإحساس دا مش هيِّن.." عدَّل مالك من جلستها ليرفع رأسها مواجهًا وجهها الذي احتضنه بكفيه ليردف : _"عيب لما أكون بقول لك همدك بطاقتي وخدي طاقتك مني وتقولي أنا خايفة، لازم تثقي فيا زي ما أنا واثق فيكِ.. أنا واثق فيكِ وفخور بيكِ دايمًا.. ومهما يحصل هفضل فخور بيكِ، ومتخافيش من حاجة عشان إنتِ قد أي حاجة، مفيش حاجة قدك، ولو على الناس فأنا بيهم كلهم..." صمت عند هذه النقطة لتردف هي بعد زفرةٍ مُطمئنة : _"إنتَ فعلًا بيهم كلهم يا بابا.. مش بس كلام بيتقال." _"أنا عارف.. وعارف ومقدر إيه مشكلتك بس دي حاجة مش بإيد حد يتحكم فيها غيرك.. شكلك وطبعك المختلفين دول إنتِ الوحيدة اللي تقدري تتحكمي فيهم." أردفت نور بعدم فهم قاطبةً جبينها بحيرة : _"يعني إيه أنا مش فاهمة حاجة.. إزاي أقدر أتحكم في شكلي؟؟؟ " أردف مالك بتروي : _"بصي يا فرحة قلبي وتفاحته، إنتِ أجمل بنوتة شافتها عنيا، وأنا بحبك وفي ناس تانية بتحبك.. المشكلة فيكِ إنتِ.. إنتِ اللي مش حابة نفسك.. لازم تحبي نفسك يا نور أصل معلش يعني سامحيني إنتِ لو محبتيش نفسك مستنية إن حد تاني يجي يحبهالك؟؟؟ " تحولت ملامح نور للصدمة من حديثه بينما تابع هو : _"لازم تثقي في نفسك.. حتى لو في حد مبيحبكيش بس دا عادي.. إحنا بشر وكل واحد مننا أكيد في ناس بيحبوه وناس مش بيحبوه وناس بالنسبالهم عادي.. مينفعش بقى واحد ميحبش نفسه ويتغاضى عن اللي بيحبوه ويصب كل نظره على اللي مش بيحبوه وبينتقدوه دايمًا، عارف إن كلامي صعب عليكِ.. بس مختصر اللي عاوز أقوله.. طول ما أنا عايش فأنا عايش عشانك ومش عايز أسمعك أو أحسك زعلانة عشان الموضوع دا تاني.. بقولهالك تاني وهفضل أقولك طول عمري.. شكلك مش وحش يا نور، إنتِ أجمل واحدة في الوجود، ولو الدنيا كلها قالت لك عكس كدا ولو كل الناس حسسوكِ إنك مش مرغوب فيكِ وإنك غريبة عنهم فأنا موجود علشانك.. أنا دايمًا هنا وحضني دا على طول بيتك اللي عمرك ما هتحسي بغربة فيه ولا حد هيقدر يزعلك وإنتِ فيه.. سمعاني؟؟؟ " أردفت نور والتأثر بادٍ على محياها من أثرٍ خلَّفته كلماته على قلبها الرقيق : _"بابا.. " _"نعم يا عيون بابا.. " _"خدني في حضنك." _"تعالي يا فرحة قلبي." ضمها مالك إليه بحبٍ شديد لتنهمر دموعها المتجمدة في جوفها على وجنتيها بعد أن أذابها دفء والدها الذي يغمرها به دائمًا، صمت هو وظل يربت على ظهرها بأسف لتردد هي من بين شهقاتها : _"يا بابا أروى بتقول إني مش بنتك بجد وإنك مش بتحبني ولا أنا بحبك.. بس دا مش حقيقي صح؟؟؟ " صمت مالك يستمع لباقي حديثها بعد أن التقطت أنفاسها المتبعثرة وتابعت القول : _"قول ليا إن دا مش صح.. عشان أنا ممكن يجرالي حاجة بعد كل دا.. أنا كنت طول عمري لوحدي يابابا وكنت متعودة.. مينفعش تيجي تاخدني من كل دا وترجع تسيبني تاني يا بابا.. أرجوك.. أنا.. " مع كل كلمة كانت تتعالى نبرات صوتها رغمًا عنها.. وكانت دموعها تتزايد بعنف وأنفاسها تتقطع، قاطع مالك تنفسها الفوضوي بعناقه لها مُجددًا وقوله البسيط : _"تيـجي منـي؟ " أومأت له داخل أحضانه بالسلب ليضيف قائلًا لها بحب : _"خلاص يبقى بلاش تفكير كتير.. نامي يلا." خرجت أخر كلماته تزامنًا مع يده التي ربتت على رأسها ليجعلها تتوسد قدمه، قام مالك بفرد غطاء سريرها الناعم عليها وظل يربت على رأسها بحنوٍ بالغ حتى غفت عيناها وغطت في ثباتٍ عميق. ___________________________________ في شقة مصطفى الخاصة دلفت شيرين غرفة ابنها حسن الذي اقتطف من شجرة العُمر عشرين عامًا وهي تفتح الستائر مع قولها : _"إصحى يا حسن الوقت اتأخر الساعة بقت 12 وإنتَ لسة نايم." عقب حسن كلام والدته السابق بقوله الساخر وهو يخفي وجهه بالوسادة : _"إيه يعني هتأخر على ماتش الكورة مثلًا؟ ماتسيبيني نايم يا ماما." جلست شيرين على طرف السرير بحزن بعد أن تنهدت بعمق من الحالة التي وصل لها ابنها : _"تصدق يا حسن اللدغة بتاعتك وحشتني.. مش بس لدغتك.. إنتَ كلك على بعضك وحشتني يا حسن." مع كلماتها الأخيرة فرت دموعها من بين أهدابها، قام حسن من مرقده وضم والدته لصدره بحزن ثم قال مُدعبًا إياها : _"يعني وأنا ألدغ مش عاجب وأنا مش ألدغ مش عاجب برضو؟؟؟ أعمل لكِ إيه طيب يا ست الكل عشان أراضيكِ أقطع لساني لو دا هيريحك؟؟؟ " شهقت شيرين بفزع وقالت بضيق : _"يا ستار يارب.. يا إبني الملافِظ سعد حرام عليك.. دي كلمة تتقال برضو؟؟؟ " قبَّل حسن قمة رأس والدته ثم قال بعد أن أطلق تنهيدةً عميقة : _"حقك عليا خلاص.. المهم إنتِ كنتِ بتصحيني ليه؟؟؟ " _"آدم صاحبك إتصل وقال إنه جاي بعد شوية.. وكمان خالتك غنى عيالها جايين يقعدوا معنا شوية بليل، عايزاك تقوم تشوف لو وراك مُذاكرة أو أي حاجة خلصها بدري علشان متتعطلش عن مصالحك يا حبيبي." تنهد حسن بضيق ثم أردف قائلًا ينهي هذا الجدال : _"طب يا ماما حاضر، إطلعي طيب عشان أغير" _"طب عايز تلبس إيه أطلعهولك من الدولاب؟ " صمت قليلًا ثم أردف بعد تفكيرٍ عميق : _"هاتي.. طلعيلي الهودي النبيتي والجينز الإسود." بالفعل قامت شيرين باخراج ما طلبه حسن من خزانة ملابسه وقامت بإعطائه إياه.. نظر حسن للملابس بيده وتنهد بضيق.. ظل يطالع الملابس بيديه بتعب ثم.. لمح بطرف عينه كرسيه المُتحرك الذي حل محل قدميه منذ بضعة أشهر، جلست شيرين بجانبه تربت على يده بحبٍ وأسى، تتحسر على حال صغيرها الذي كان منذ بضع لحظات طفل في العاشرة من عمره يلعب ويقفز في كل مكان، يمازح الصغير والكبير بلثغته التي تأسر قلوب الجميع.. ليصبح في غمضة عين وفي لمح البصر رجلًا شهمًا لا يهاب أحدًا ولا يخشى أحدًا.. ما إن يرى مقهورًا حتى يُنجده ولو وقف أمام العالم أجمع، هكذا كان حسن الذي قضى سنوات مراهقته تحت أيدي مصطفى ومازن وخالد ومالك.. كان لكلٍ منهم طباعًا مُختلفة ووجهات نظر مختلفة في بعض الأحيان لكن هذا الصغير نشأ تحت إشرافهم ورعايتهم جميعًا لينشأ رجلًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. صبي نشأ على الفضيلة والأخلاق الحسنة، بالطبع لديه خصالٌ سيئة فلا يوجد شخص كامل.. لكن ومع ذلك أثبت حسن دائمًا أنه لطالما استحق لقب "راجل محترم" الذي كان والده يدعوه به منذ نعومة أظفاره، ولعل أكثر هذه المواقف التي تظهر رجولته ونبالته هو وضعه الحالي.. من كان يظن أن هذا الشاب الطائش ورفيق دراسته آدم قد يدخلان في مشاجرةٍ مع بعض الشباب الوحقين الذين تركوه ليقضي ما تبقى من عمره على هذه الحال. ____________________________________ (قبل أشهرٍ مضت.. ) في طريق عودة حسن لبيته برفقة صديقه «آدم» القاطن مع أسرته في الشقة المجاورة لشقة مصطفى وأسرته التي انتقلوا إليه بعد اجتياز نور وأروى المرحلة الثانوية، ارتشف حسن بعضًا من مشروب الطاقة الخاص به ثم وجَّه حديثه لرفيقه وهو يزيل العرق من على جبينه بإنهاك : _"لكن لا يمكنك الإنكار آدم.. فزنا بالمبارة اليوم بسببي." ابتسم آدم مُربتًا على كتف حسن برضى ثم أردف : _"حسنًا بالفعل.... فاز فريقنا اليوم بسببك لقد تألقت اليوم، يا رجل بدوت بالفعل كأحد لاعبي الكرة المشهورين و... " توقف آدم عن الحديث فجأة مما لفت انتباه حسن الذي توجه بعينيه للإتجاه الذي يدقق آدم النظر نحوه. هناك حيث يقف ثلاثةٌ من الشباب المزعجين لا ينفكون عن مُضايقة الفتاة التي بدت في نهاية عقدها الثاني، فتاة في مُقتبل العمر تحمل بين ذراعيها قطةً بُنيَّة مُهذبة الفراء، استمر الشباب بإزعاجها حتى اندفع آدم وحسن بحنقٍ وغضبٍ شديدين نحو هذه الفتاة يدافعون عنها لتتفاقم الأمور وتحتد المشاجرة.. ومهما كانت رابطة جأش الإنسان وشجاعته فكما يقولون في بعض الأحيان "الكثرة تغلب الشجاعة"، إنتهت المشاجرة بمشهدٍ عنيف للشابين مصابين بإصاباتٍ بليغة والفتاة تستدعي الإسعاف بخوفٍ شديد. _" أنا أسف.. فعلنا ما بوسعنا ، تلقى ابنكم ضربة قوية على رأسه.. وأصيب دماغه إصابة بالغة.. من الصعب أن يتمكن من السير مُجددًا." كانت هذه كلمات الطبيب التي وقعت وقع الصواعق على أذآن الجميع.. اغرورقت أعين شيرين بالدموع التي لم تحتج شيئًا يدفعها للتدفق بسخاء على وجهها.. ومن وقع الصدمة عليها لم تتمالك نفسها وخرت جالسة على الأرض تبكي وتنوح بعينين مُتسعتين، جلست نور بجانبها تحاوط كتفيها لتسنيدها لكن الأخرى أبت الحراك... بينما جحظت عيني كل من مصطفى و مالك ومازن في غير تصديق.. جلس مصطفى هو الأخر على أحد المقاعد وفي غضون ثوانٍ تحولت ملامح وجهه للتجهم وبهت لونه بطريقةٍ مُخيفة.. أشار مالك لابنته نور التي بلغت الرابعة والعشرون من عمرها.. اقتربت منه نور بهدوء ليتحدث هو قائلًا بصوتٍ منخفض : _"نور خدي شيرين وروحوا دلوقتي، هبقى أجيبكم تاني بليل متقلقيش.. " أجابت نور بصوتٍ مُتحشرج قبل أن تتوجه صوب شيرين : _"حاضر يا بابا.. " أخذت بالفعل تسند شيرين على مهلٍ حتى خرجتا من المشفى، أوقفت نور سيارة أجرة «تاكسي» وركبتها بعد أن فتحت الباب لشيرين لتصعد أولًا، اتجه بهما السائق حيث أرشدته نور باتجاه ڤيلا مالك حيث كان الجميع ينتظرون على أحر من الجمر، ما إن دلفت شيرين ونور حتى اندفعت عليهما أروى وفريدة بخوف وقلق، استمرتا بالتساؤل والإلحاح وكُلًا من نور وشيرين لا تقوى على الكلام، هبطت كُلًا من غنى وإسراء من الطابق العلوي.. تسائلت فريدة بغضب والقلق يتخذ مجراه في أوردتها : _"في إيه يا شيرين حسن ماله؟؟؟ في إيه يا نور؟؟؟ " وفجأة صدح صوت أروى التي صرخت على نور وهي تبكي وتصرخ بعنف : _"نــور! حسن ماله حد يتكلم.. أخويا فين يا نور؟؟؟ نور بالله عليكِ قوليلي إن حسن أخويا كويس.... حسن محصلهوش حاجة صح؟؟؟ مش كدا يا نور؟؟؟ حسن أخويا بخير صح؟؟؟" إحتضنتها نور وهي تبكي هي الأخرى وهي تتمتم لها بصوتٍ كساه الأسى : _"أخونا الصغير عايش يا أروى... إهدي أرجوكِ.. أخوكِ هيبقى بخير وهيرجع لينا زي الأول.. " وحدها فريدة من لاحظت طريقة نور وتعبيرات وجهها ولغة جسدها التي تدل على أنها تخفي شيئًا ما ولذا بادرت بالتساؤل قاطبًة جبينها : _"هيرجع زي الأول؟؟؟... " وهنا إنتبهت كُلًا من غنى وإسراء لما قالته فريدة، توجهت جميع الأنظار إلى نور لتردف هي بصوتٍ مُهتز : _"حسن كان بيتخانق و وقع على دماغه و... والدكتور بيقول احتمال ميمشيش تاني." ( عـودة للحـاضـر... ) ارتدا حسن «الهـودي» الذي أخرجته شيرين له منذ قليل، أزاح غطاء السرير من على قدميه وظل يطالعهما بيأسٍ أصبح مُعتادًا عليه يوميًا.. يومًا بعد يوم أصبح هذا المشهد المؤلم مُكررًا أمام عينيه.. في كل صباح وكل مساء تحاصره قدماه الخائبتان بعجزهما عن ارتداء بقية ملابسه بمفرده.. مدَّ ذراعيه للأمام مُمسكًا بساقه اليُسرى مُزيحًا إياها لطرف السرير وكذلك أختها، بالكاد استطاع ارتداء السروال وادخال ساقيه عبره لكن.. كيف يمكنه ارتدائه الآن؟؟؟ كيف يمكنه النهوض وارتداء بنطاله؟؟؟ حتى هذا الأمر السخيف أصبح يحتاج من يساعده على إتمامه.. فرت دموعه مُجددًا ككل صباح، مدَّ يده للـ «كومود» الموضوع بجانب سريره يحاول الاستناد عليه، لكن وللمسافة الفاصلة بين الكومود والسرير انزلقت كف هذا الشاب ليرتمى للأمام مُحتضنًا الأرض بوجهه وجسده مددٌ بالكامل على سجاد الغرفة.. وخلف بابه وقفت شيرين برفقة صديقه آدم.. طرقت شيرين الباب طرقاتٍ خفيفة وهي تستمع لصوت السباب واللعنات التي تخرج مُحمَّلةً بالغضب من فم صغيرها قائلةً بهدوء وصوتٍ حاولت إخراجه سليمًا : _"حسن يا حبيبي.. تحب أدخل أساعدك في حاجة؟؟؟ " ضغط حسن على أسنانه بغضبٍ وخجل.. يتحسر على حاله.. مسح دمعةً هاربة بغضب وأردف بصوتٍ حانق : _"لأ شكرًا ! محدش يدخل" نظرت شيرين لآدم بخجل وحزن، ابتسم هو بتفهمٍ مع إيماءةٍ بسيطة ثم تحدث بصوتٍ عالٍ بعض الشيء : _"يا رفيق... هل بإمكاني الدخول؟؟؟ " صمتٌ طال حتى تحدث حسن بصوتٍ مبحوح سامحًا له بالدخول وحده، لم تغير هذه المحنة من طبيعة حسن النقية الودودة.. لكنه بالطبع لم يكن ليرغب أن تراه أمه أو أخته في هكذا موضع عجز. فضَّل أن يظهر ضعفه لصديقه.. أهون بكثير أن يظهره لهن. دلف آدم للغرفة وأغلق الباب خلفه سريعًا مراعاةً لمشاعر صديقه الذي دلف غرفته ليجده مُنكبًا على وجهه لا يستطيع الحراك. أجلسه آدم وساعده في ارتداء باقي ملابسه.. جلس أمامه على طرف السرير ثم قال بحزن : _"انتظرتك بالأمس كثيرًا.. والمدرب كان بانتظارك أيضًا... إنزعج عندما لم تأتي." لم يتلقى آدم ردًا من حسن ليتابع بهدوءٍ وشك : _"لا أعرف هل سأقولها بشكلٍ صحيح بلغتكم... إنتَ لامع إيه؟؟؟ " نظر حسن لصديقه آدم وقد تقلصت المسافة بين حاجبيه بتعجب ليردف مُتسائلًا ببلاهة : _"لامع.. إيه لامع إيه دي؟ ما تتكلم يا عم عدِل إنتَ إيه شايفني علبة ورنيش قدامك؟؟؟ " قلص آدم المسافة بين حاجبيه بجهلٍ ليتابع حسن يشرح له مُتحدثًا بالفرنسية : _" (ورنيش) تعني البَرْنِيق.. لقد قلت توًا (لامع) وأنتَ تعني (عامل) صحيح؟؟؟ " هز آدم رأسه وهو يبستم بتفهم بينما أخذ حسن يستمر في تعليمه المزيد من الكلمات العربية، جلسا سويًا حتى انتصف النهار لتأتي إلى مسامعهم طرقات خافتة على الباب.. صمت الإثنان وتبادلا النظرات ليتحدث حسن سامحًا للطارق بالدخول. فُتح الباب لتطل منه نور بوجهٍ هاديء وابتسامةٍ صافية كروحها وخمارها الأبيض المُسدَل فوق فستانها الوردي اللطيف. تنهد آدم براحة وارتسمت بسمةٌ لطيفة على ثغر حسن، بينما نور حمحمت بإحراج واستئذنت للدخول للمرة الثانية وهي تقف على أعتاب الغرفة بعدما تفاجأت بوجود أحد أصدقاء حسن معه في الغرفة، ابتسم حسن مُجددًا ودعاها للدخول، دلفت نور على استحياء، وقف آدم لها ومد يده باحترام ليصافحها مع قوله : _"مرحبًا آنستي.. أنا آدم سُعدتُ برؤيتك. " نظرت له هي بدهشة ثم ابتسمت بهدوء ثم رفعت كف يدها واضعةً إياها أمام صدرها وأخفضت رأسها تحييه بوقار مع قولها : _"وأنا سعدتُ بلقائك.. أعتذر لكن لا يمكنني مُصافحتك." رفع كفه وفرك رأسه بحرج ثم ابتسم وعاد للجلوس بجانب حسن على فراشه مرةً أخرى ثم مال على أذن صديقه قائلًا له : _"هل فعلتُ شيئًا خاطئًا؟؟؟ " وبنفس الهمس أجابه حسن : _"إنها لا تصافح الرجال.. لقد سببت لها الكثير من الحرج." رفع آدم بصره لنور ليجد عيناها قد اتخذتا الأرض مُستقرًا لهما بخجل وانزعاج من ذلك الموقف المُحرج الذي لا تُحسد عليه. تحدث حسن مُحاولًا تغير الموقف مُعرفًا : _"هذه نور إبنة عمي.. وهي مثل أروى أختى بل أقرب حتى." أومأ لها آدم مُتبسمًا بهدوء، جلست هي بهدوء على المقعد المُجاور للفراش ثم قالت موجهةً حديثها لحسن بالعربية : _"إزيك يا حسن عامل إيه؟؟؟ " ابتسم لها حسن بحب ليرد مُعقبًا : _"أنا بخير.. طمنيني إنتِ عليكِ.. إمتحاناتك قربت ومش هقبل بأقل من امتياز على فكرة." ابتسمت بود ثم قالت بمرح : _"وإنتَ مالك دا أنا أبويا نفسه مقالش ليا كدا؟؟؟ " أضاف حسن مُصطنعًا الجدية الزائفة أثناء تخصره بطريقةٍ شعبية : _"أبوكِ؟ وأنا مالي بأبوكِ يا أختي.. أبوكِ يقولك اللي هو عاوزه وأنا كأخوكِ من حقي أقولك اللي أنا عاوزه كمان ولا هي جت على قرمط الغلبان يعني؟؟؟ " ضحكت نور إثر طريقته ثم أردفت من بين ضحكاتها : _"لا يا قرمط مجتش عليك.. إتفضل أؤمر يا حبيب أختك.. والجدع اللي قاعد جنبك دا كمان مش عايز حاجة؟؟؟ ما هو أنا شكلي بقيت مارد المصباح." وقبل أن يجيب حسن خرج رد آدم البسيط بالعربية : _"تسلمي شكرًا" جحظت عوينات نور بصدمة مما سمعته توًا لتعقب على ما وقع على أذنيها قبل ثوانٍ بتلجلج : _"إيه دا؟!... هو.. هو حضرتك بتفهم عربي؟؟؟ " كتم حسن ضحكاته بصعوبة من هذا الموقف بينما نظر آدم ببلاهة لنور التي أخذت الدماء تسيل على وجنتيها وقد أوشكت على البكاء، وضعت كفيها أمام وجهها تحاول مُواراته ثم اتجهت نحو باب الغرفة وخرجت ركضًا دون تعقيب لتترك ملامح الدهشة على وجه آدم. ____________________________________ _"وبعد كدا حطت إيديها الإتنين على وشها وسابتنا وجريت برة." تعالت الضحكات وتناثرت هُنا وهناك على طريقة حسن المُضحكة في قص ما حدث في غرفته بينما نور أردفت بحنق : _"إنتَ مستفز ورخم يا حسن، وعلى فكرة بقى دي غلطتك إنتَ من الأول.. كان لازم تعرفني إنه بيتكلم عربي." أردف حسن مُعقبًا على قول نور : _"ليه يا حبة عيني هو أنا اللي قلت لك طولي لسانك على خلق الله؟؟؟ " سكتت نور بضيق لا تدري بماذا تجيبه ليتحدث مازن بطريقةٍ كوميدية : _"بتحطي نفسك في مواقف بااااااايخة" لاحقه حسن يتابع : _"أيوة هو دا ! بصوت عادل إمام بالظبط كدا." دلف مالك الغرفة مُمسكًا بيده زجاجة مياه يقول بحنقٍ مُصطنع : _"مالَك بالبنت ياض منك ليه ليه؟؟؟ " تحدثت إسراء موجهةً حديثها لفريدة : _"أهو جالها اللي هينصرها أهو." ضحكت الفتيات بينما عقبت نور بحماس ومرح : _"هو دا اللي هيجيبلي حقي..." وجهت نظرها لمالك لتردف بتمثيلٍ مُتقن : _"بيتكاتروا عليا يا بابا.. ينفع كدا؟؟؟ " تعالى صوت مالك فجأة قائلًا : _"أنا بنتي مبتغلطش و حاسبوا كدا عشان تعرف تفرد جناحاتها." تحدث فيان ذو العشر سنوات بحنق : _"طبعًا يا بابا لو الكلام كان عليا كنت هتقول ليا إمشي ياض من هنا." نظر له مالك رافعًا أحد حاجبيه مع لوي فمه بطريقةٍ إدعى بها الإشمئزاز ليردف : _"إمشي ياض من هنا إحنا ناقصين.. روح اقعد جنب أمك يا أخويا." تحدثت إسراء بنزقٍ وهي تضم إبنها إلى حضنها : _"ماله يا أخويا وميقعدش جنب أمه ليه.. راجلي حبيبي اللي زي العسل." وقبل أن يعقب مالك على حديثها صدح صوت جرس باب الڤيلا ليردف مالك : _"كدا القرود وصلوا و الجبلاية كملت. " أنهى كلماته وذهب ليفتح الباب ليستقبل أروى وشيرين التي تحمل "عبد الله" إبنها ذو الأربع سنوات النائم على ذراعها، وغنى و"مُهاب" اللذان حملا باقي الحقائب عوضًا عن أروى التي حملت كثيرًا منها. دلفوا جميعًا للصالون حيث يجلس البقية وما إن وضعت غنى الحقائب من يدها حتى تحدثت تتسائل : _"إيه دا أومال وعد وليلى فين؟؟؟ " تحدثت فريدة مُجيبةً غنى : _"خالد خدهم وخد حنين بنتي وطلع يجيب ليهم فشار وحلويات." تحدثت غنى مُردفةً باستنكار : _"وهو خالد كان لازم يخرج بيهم يعني؟؟؟ دا التلاتة لما بيتجمعوا مع بعض الجن الأزرق بنفسه ميقدرش يسيطر عليهم." تحدث مازن بهدوء موجهًا حديثه لغنى : _"في إيه بس.. سيبوا البنات يشموا هوا شوية بدل قعدت الستات اللي بتحشروهم فيها دي.. وبعدين هما لازم يتعودوا يمشوا في الشارع ويتعاملوا مع الناس من صغرهم عشان محدش يضايقهم بعد كدا." شهقت فريدة بطريقةٍ شعبية غربيةٍ على طبيعتها الرزينة مع قولها الحانق : _"قعدة الستات اللي إيه يا عنيا؟؟؟ " جحظت أعين مازن وتحدث مُعقبًا : _"إيه دا إنتِ هتردحيلي؟؟؟ " توجه ببصره جهة مصطفى وقال مُجددًا : _"يا مصطفى إحنا متفقناش على كدا واحنا بنمضي القايمة" تحدث مصطفى مُعقبًا بعد تنهيدةٍ يائسة : _"دي عمايل 11 سنة معاك يا مازن.. بنتنا مكانتش كدا لحد ما اتجوزت واحد من حواري المطرية.." دلف خالد ومعه الثلاث فتيات وكيس من الحلوى، أعطى ابنتيه وعد و ليلى ذات الست سنوات، ثم أعطى حنين إبنة مازن وفريدة حلواها ثم أجلسهنَّ على الأريكة بجانب شيرين التي تهدهد صغيرها عبدالله ليغط في ثبات. أخرج خالد المزيد من الحلوى وأعطاها لفيان و مُهاب ابنه الأوسط ذو التسع سنوات، فبعد أن رزقه الله بصغيرته وعد بعامٍ واحد حتى أنعم الله عليه مُجددًا بـمُهاب إبنه البكري وقرة عين أبيه وأمه واستمرت نعم الله على الزوجين اللذان رزقا بـليلىٰ مِسكُ الختام التي تصغُر أخاها بثلاث سنوات. أخرج خالد ألواحًا كبيرة من الشوكولا مُعطيًا إياها لكُلٍ من شيرين وإسراء وفريدة وبالطبع زوجته وحبيبة عُمره غنى مع قوله لها : _"ودي أحلى شوكولاتة لغنوة روح الروح" ابتسمت له وأخذتها من يده بحب ليمسك هو بيدها الأخرى ويطبع عليها قبلةً مُحبَّة، توجه بعدها لنور مادًّا لها يده بقالب الشوكولا الخاص بها مع قوله : _"ودي لنور قمراية العيلة." أومأت له نور بامتنان وتناولت الشوكولا من يده ليتجه هو صوب أروى الجالسة بجانبها مُخرجًا قالبًا أخر من الشوكولا لها مع قوله : _"ودي لعروستنا الحلوة اللي فرحها بعد كام يوم" صاح به مصطفى بحنقٍ شديد : _"يووه بقى يا خالد !! يا جدع إنتَ مُصمم إني كل ما أحاول أنسى إنها هتتجوز وتسيبني تفكرني حرام عليك !! " تدخلت شيرين قائلةً : _"مصطفى من ساعة ما حددنا ميعاد فرح أروى بقى مُرهف المشاعر أوي وكل ما حد يجيب السيرة دي يتضايق." تحدث مازن بحب : _"معلش بقى يا درش.. دي ضريبة الأبوة، تفضل إنتَ تربي وتعلم وتكبر وتفضل البنت حبيبة أبوها لحد ما يجي واحد ياخدها منك وتبقى على اسمه بعد ما كانت حبيبتك إنتَ بس." دمعت أعين الرجال بحزن يتخيل كُلٌ منهم مشهد ابتعاد تفاحة قلبه ومصدر طاقته عنه، تحدث مالك بحزمٍ ولا مُبالاةٍ مُصطنعين : _"لا أنا بقى مش هعيش الإحساس دا لإني مش هجوزها.. هتفضل قاعدة معايا وتفضل حبيبتي أنا بس مش لحد تاني." عقبت نور حديث والدها بمرح : _"أيوة طبعًا أنا حبيبتك إنتَ بس يا نور عين بنتك إنتَ... وهفضل قاعدة على قلبك كدا على طول لو معندكش مانع يعني." تدخل فيان مع لتثغته : _"خلاص وأنا هعيش مع ماما طالما نوغ (نور) هتعيش مع بابا" تحدث مالك مُعقبًا قول الصبي : _"تعيش مع أمك فين يا روح أمك؟؟؟ هي وكالة من غير بوَّاب؟؟؟ " تدخل مُهاب قائلًا بسذاجة : _"خلاص يا عمو مالك إحنا قلنا فيان يتجوز خالتو إسراء مفيش رجوع." انتشرت الضحكات على قول مُهاب الأخير بينما تحدث مالك بيأسٍ لخالد وغنى : _"يا جماعة مش قلنا بلاش جواز القرايب.. عاجبكوا كتلة التلوث اللي ماشية على الأرض دي" ضحك الجميع مُجددًا وبعد دقائق من الضحك والمُسامرات تحدث حسن قائلًا : _"بصراحة أنا كمان مش قادر أصدق إن خلاص أروى هتتجوز بعد أيام وإنها هتسيبني في البيت لوحدي ومش هلاقي حد أتخانق معاه على الفاضية والمليانة." ابتسم الجميع بسعادة لتردف اروى بتأثر : _"وإنتَ كمان يا مُزعج.. معرفش مين هينغص عليا نومي ويصحيني عشان أعمل له أكل ولا هتخانق مع مين على ريموت التكييف." ابتسم لها حسن ثم وجه الحديث لنور بقوله : _"وإنتِ كمان يا نور.. ربنا يعلم إن مفيش فرق بينك وبين أروى بالنسبالي وإني بحبك جدًا.. وبصراحة بقى أنا كمان رأيي من رأي عمو مالك إحنا مش هنجوزك، إنتِ تفضلي قاعدة معانا كدا على طول كفاية أروى فلتت مننا بس إنتِ مش هتهربي." أردفت نور بسعادة : _"عارفة يا حسن من غير ما تقول.. وإنتَ وأروى والله إخواتي من غير كلام كتير ومن صغرنا وأنا معتبراكم إخواتي الصغيرين اللي كنت ببقى خايفة عليهم ونفسي أعلمهم كل حاجة." شعرت أروى بشيءٍ يوخز قلبها فصمتت في ألم لا تدري بما تجيب، تدخل حسن مُجددًا : _"خلاص بما إني أخوكِ بقى فأنا مش موافق على أي عريس يجيلك من دلوقتي لغاية 30 سنة قدام.. ماشي يا عمو مالك؟؟؟ " رد عليه مالك يهز رأسه بموافقة مع قوله : _"طبعًا طبعًا يا أستاذ حسن.. بس إشمعنا رقم 30 بالذات يعني؟؟؟" أجاب حسن دون تفكير : _"يعني.. هي دلوقتي عندها 24 كمان 30 سنة هتكون 54 تلحق تشوف حياتها بقى مش معقولة يعني نضيّع عليها عمرها كدا." أردفت نور باستهزاء : _"يا حبيبي يا أخويا.. الله عليك وعلى تضحيتك.. مش عارفة والله كرم أخلاقك دا كله أوديه فيه، المشكلة مش إنه هيجوزني وأنا رجل جوة ورجل برة.. المشكلة إنه بيعمل كدا وهو خايف على سنين عمري من الضياع!" ضحك الجميع بينما أردف حسن : _"أيوة طبعًا يا بنتي هو أنا لو مخوفتش عليكِ هخاف على مين يعني.. وبعدين جوزك اللي أمه دعياله دا لازم يبقى عارف إن لو في يوم زعلك ولا رفع صوته عليكِ هنفخه" ربت مالك على كتف حسن بفخر مع قوله : _"راجل يلا أيوة كدا خاف على أختك.. والله الواد دا تربيتي" أومأ له حسن بفخر ثم تابع : _"أيوة.. ولا يحضنك ولا حتى يمسك إيدك ولا يقرب منك أصلًا. " تحدثت نور بغير تصديق : _"هو أنا ليه حاسة إن هو كدا اللي بقى أخويا يا حسن.. " عمَّت الضحكات وتعالت القهقهات في مشهدٍ عائليٍ خلاب، حتى تحدث فيان وهو يهز ذراع أمه بعنف لفت انتباه الجميع بينما صرخت هي به بغضب.. أشار فيان على أذنه دون أي كلمة ليعم الصمت أرجاء المكان ويتضح صوت بكاءٍ عالي قادم من الطابق العلوي. تحدث مصطفى بقلق : _"إيه الصوت دا؟؟؟ " تحدثت إسراء بفزع : _"دا كيان!! كيان بيعيط فوق لوحده!!! " تحدثت فريدة بعدم فهم : _"إيه دا هو مش كان نايم؟؟؟ " نهضت إسراء من مجلسها بسرعة كما فعل زوجها مع قولها : _"تلاقيه حلم بحاجة.. الولد دا فيه حاجة غريبة بقاله كذا يوم كل ما ينام تجيله كوابيس." ثوانٍ قليلة حتى أطل كيان من باب الغرفة مُمسكًا بيده أرنبه المحشو وبيده الأخرى يفرك عويناته الممتلئتان بالعَبرات.. اتجهت له إسراء تحاول تهدئته وإيقاف بكائه المستمر لكن لا جدوى، مرت إحدى الذكريات أمام عيني مالك ليأخذ الفتى من أمه ويحمله بين أحضانه مُتجهًا به للشرفة والصبي مُستمرٌ بالبكاء. انفرد مالك بصغيره في الشرفة ثم أجلسه أمامه وجفف دموعه بهدوء ثم أجلسه على حجره وناداه بصوتٍ خافت : _"كيان.. كيان إنتَ صاحي؟؟؟ " استمر كيان في البكاء لا يجيب والده الذي ظل يناديه مُجددًا : _"كيان... كيان.. كيان يا حبيبي في حد خوفك؟؟؟ " تحدث كيان بنبراتٍ مهزوزة وسط بكائه : _"بابا... هو ممكن السرير يبلع حد؟؟؟ " تنفس مالك الصعداء ثم تحدث مُربتًا على ظهر حبيبه : _"لا يا حبيب أبوك.. السرير مش بيبلع حد متخافش، إنتَ كويس وبخير متقلقش.. مين اللي خوفك كدا يا كيان؟ " _"كنت داخل أنام زي ماما ما قالت يوم الجمعة اللي فاتت ودخلت الأوضة بس كانت ضلمة مكنتش شايف فيان ومُهاب وهما مستخبيين في الأوضة..." قاطعه مالك بعد ان انتبه لأخر كلمات كيان قائلًا : _"فيان ومُهاب؟؟؟ طبعًا عملوا فيك مقلب وخلوك تدخل الأوضة وخضوك صح؟؟؟ " هز كيان رأسه بالإيجاب في عدم فهم.. قبَّل مالك رأس صغيره ثم هدأه وظل يربت على ظهره داخل حضنه، أخرجه من حضنه وبنبرةٍ مزجت بين الحنان والجدية قال : _"كيان... طول ما أنا عايش وموجود متخافش من حاجة.. أنا عايش علشانك إنتَ وفيان وماما ونور.. أنا بابا وبابا ضهركم وسندكم.. متخافش طول ما أنا على وش الدنيا لإن دي غريزة جوايا إني غصب عني لازم أبذل كل ذرة جهد جوايا إني أحميكم وأسعدكم وأبعد عنكم أي زعل وخوف سامع؟؟؟ " حرك كيان رأسه بالإيجاب، أخذ مالك رأسه بحب يضمها له مُجددًا ثم حمله وأخذه للجلوس مع البقية. قليلٌ من الدقائق حتى عاد كيان لطبيعته ونهض يلعب وينسجم مع الأطفال، شرد مالك في طفليه اللذين انسجما مع الأطفال كلٌ بطريقته الخاصة.. انتبهت له إسراء من بين الجميع لتسأله بفضول : _"في إيه يا مالك؟؟؟ " تحدث مالك ردًا على زوجته بنفس شروده : _"عمرك لاحظتي الفروق بين فيان وكيان؟؟؟ بحس إن فيان لعبي وشقي وعمال ينكش اللي رايح واللي جاي.. بيفكرني بحسن وهو صغير، حتى نفس اللدغة. " أردفت إسراء تهز رأسها بتفهم : _"أيوة أنا كنت بتوحم على حسن وأنا حامل.. " تدخل مازن بقوله على كلام إسراء السابق بهدوءٍ شديد : _"أيوة بس.. كيان مش كدا خالص.. " أضاف مصطفى مُؤيدًا حديث مازن : _"فعلًا.. كيان على العكس من فيان تمامًا.. فيان شقي ولعبي وزي مالك ما بيقول بينكش في الكبير والصغير ويهزر مع اللي رايح واللي جاي.. على عكس كيان تمامًا.. يعني كيان هادي حتى في لعبه ملهوش في التنطيط والشقاوة، مش بيختلط أوي باللي حواليه.. " تحدث مالك بنفس شروده : _"بيفكرني بمروان وهو صغير.. " مروان.. هذا العزيز الغائب، تُرى أين ذهب وأين هو الآن...بمجرد ذكر اسمه تلوَّنت حياتي بالعتمة، وكأنِّي أُصبتُ بالعمي، كل شيءٍ باهت، كل شيءٍ باللون الأسود، أغرقُ في الظلام، وما أبشع أن تغرق في مكان ليس لك دون قدرة علي الحراك أو الصراخ، حتي جاء نورٌ مفاجئ دخل حياتي، انتشلني من القاع، لوَّن الحياة بعيني، كان أجمل تحول في حياتي وأبشعه كذلك، اختفى دون سابق إنذار، وظلَّ طيفه يلاحقني في أحلامي مبتسمًا، فاتحًا ذراعه ليخفف عنِّي عناء الحياة، كأنه يخبرني ألَّا بأس بما حدث، وكل البأس هنا يسكن في قلبي، أخبره أن السماء تبكي لرحيله، وعيوني تشاركها المطر أحيانًا، قلوب الحيوانات أحنُّ علي من البشر، أين أنت؟، ما إن تذكرت اسمك حتى أضحت الحياة دونك مظلمة، آسفة لعودتي للظلام، سأنام، عسي أن أقابلك في إحدي أحلامي، وأستكين في أحضانك، لتربت علي رأسي قائلًا لا تبكي يا صغيرتي. خاطرةٌ عابرة على رأس نور ذكرتها بطيفه الذي لم تنسه أبدًا.. حاولت أن تتناساه مِرارًا لكن دون جدوى، لم تكن مشاعرها تجاهه مستقرة.. كانت متذبذبة، تحيط بها ذكراه فتبكي.. شوقًا له تارةً وألمًا مما تسبب به لروحها تارةً أخرى، تحيط بها مرةً أخرى فترسم بسمةً تزين ثغرها وخضراوتيها.. ومرةً تصيبها في ثنايا روحها فتزرع فيها برودة العالم.. برودةً تنعكس من مشاعرها إلى وجهها فيتجهم ولا تشعر بأي شيءٍ بعدها. هي الآن فتاةٌ بالغة.. رزينة، ليست تلك المراهقة ذات العقلية الكبيرة.. وهي الآن تدرك بالفعل أنها فقدت مشاعرها تجاهه.. لا تكرهه لكنها لم تعد تكن له مشاعر الحب.. بل أي مشاعر.. لم تعد تكن له أي مشاعر على الإطلاق. أخذها شرودها من بين الجالسين لتستفيق على نداء أروى المستمر لها، ردت هي والبلاهة تعتري وجهها : _"هاا؟.. معلش سرحت و.. " ابتسمت أروى بهدوء ثم أعادت قولها : _"عمتو وخالتو إسراء طلعوا يتفرجوا على الحاجات اللي اشتريتها انا وماما وخالتو غنى لفرحي.. مش هتطلعي معاهم؟؟؟ " _"أه... أه أكيد هطلع." —————————————————— ٦٩٩٠ كلمة.. رقم مش قليل خالص واحداث مُميزة😊🤍 -مين من الشخصيات حبيتوها لما كبرت🦋💙؟ -ومين هي البنت اللي حسن دافع عنها🦋💙؟ -تتوقعوا إيه مصير حكاية نور ومروان🦋💙؟ مش فاكرة حاجـة تاني حاليًا، بس أتمنى البارت عجبكم وأسفة على التأخير بسبب الإمتحانات، إدعولـي💙🌻 ڤـوت لو عجبـك🤍🌻. -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم.
-مَليكـة مجْـدي إبرا