الثاني والعشرون: ما بعـد فراقٍ طـويل

الثاني والعشرون: ما بعـد فراقٍ طـويل

59 2

صلـوا علىٰ الحبيـب قلوبكـم تطيـب 🫒🤍. ' _________________________________ _"فرح أروى بعد أسبوع يا نور.. ومروان كلمني وقال إنه هييجي وكمان طلب إيدك مني." زمَّت نور شفتيها بتحفظ وران عليهم الصمت لدقائق قبل أن تلحظ أروى كف نور التي انقبضت وتشكلت على شكل قبضةٍ تضغط نفسها بعصبيةٍ وخوف.. أمسكت أروى بيد نور برقةٍ وحنان وأعطتها نظرة اطمئنان لتتنفس نور بتوتر وكأنها تحاول أن تخرج اضطراباتها بهذه الزفرة الطويلة.. تحدث مالك بهدوء ونبرةٍ جادة يشوبها بعض الحنان : _"إنتِ عارفة إن إنتِ بالنسبالي حاجة ومروان بالنسبالي حاجة تانية خالص... إعرفي وإتأكدي إني مش هجبرك ولا هفرض عليكِ حاجة.. بس إنتِ دلوقتي كبيرة وعاقلة فكري بحكمة وإدي نفسك فرصة تقرري فيها... دي مش مسألة سهلة فكري كويس وإدي فرصة لعقلك وقلبك يقرروا سوا." أومأت نور برأسها دون أن تنطق ببنت شفة لتستأذن منه أروى أن تأخذ نور وتغادران الغرفة لتخلدا للنوم.. أذن لهما مالك بالمغادرة وما إن تجاوزتا حدود الغرفة حتى قبضت أروى على كتفي نور بقوة قائلةً لها في ذهول : _"إنتِ هبلة؟؟؟ ليه مقولتيش إنك موافقة؟؟؟ " أزاحت نور يدي أروى ببعض العنف قائلةً : _"عشان أنا لسة موافقتش، وبعدين متقوليش هبلة!!. " تنفست أروى بهدوء ثم قالت وهي تشير لنفسها : _"بصي يا نور.. أنا عارفة إني كنت وحشة معاكِ.. ولحد فترة قريبة كنت بتعمد أقلل منك وأقول كلام يضايقك.. أنا أسفة يا نور، أنا بجد أسفة وأنا فعلًا بحبك ومعتبراكِ زي أختي بالظبط.. أرجوكِ اقبلي الاعتذار دا مني وتعالي نبدأ صفحة جديدة مع بعض.. " صمتت نور والكلمات تعجز عن التعبير.. لم يخطر ببالها أنه سيأتي اليوم الذي تواجهها به أروى هكذا.. ران عليهما الهدوء حتى نطقت أروى بنبرةٍ متحشرجة وأعينٍ محتقنةٍ بالدموع : _"للدرجادي أنا آذيتك ومش قادرة تسامحيني؟؟؟ " ضربتها نور على كتفها قائلةً باندفاع : _"بطلي هبل يا قصيرة.. إنتِ أختي يا عبيطة." _"بس متقوليش عبيطة يا فِرعة" تبادلتا العناق بحبٍ جمٍّ ثم اتجهتا لغرفة نور حيث ستبيت أروى برفقتها الليلة، سارتا تعانق كلًا منهما الأخرى في مرحٍ وسرور تغنيان بعض الألحان الطفولية أثناء مشيهما بطريقةٍ مُضحكة غير منتبهات لزوج الأعين الذي يراقبهما من على بُعد خطواتٍ بهدوء، اتجهت الفتاتان لغرفتهما وابتلعتهما الردهة الطويلة واخفتهما بداخلها لتتحدث إسراء وهي تشاهد هذا المشهد بتعجب : _"مالهم دول.. اتهبلوا في أخر الليل ولا إيه؟؟؟" رفعت كتفيها ومدت شفتيها للأمام بحيرة ثم اتجهت لغرفتها وهي تجفف شعرها. في غرفة نور جلست الفتاتان وكلٌ منهما ترتدي قناعًا للبشرة وتنتظر أن يمر الوقت حتى تزيله وتقوم بغسل وجهها.. جلسة فتيات احتوت مستحضرات التجميل والكثير والكثير من الحلوى.. جلست أروى على السرير أمام نور مباشرةً وقالت : _"حلو الماسك دا ريحته عجباني.. جبتيه منين؟؟؟ " _"اصحي الصبح بدري في الروقان وأخدك ونجيب قبل ما اللي هنا يصحوا." أردفت أروى قول نور السابق بقولها : _"ماشي يا ست نور.. إيه بقى موضوع عمو مروان دا؟؟؟ على فكرة يا نور مش بالسن لو بتحسبيها كدا يعني، عمو مالك وخالتو إسراء بينهم 8 سنين تقريبًا وكام شهر ومع ذلك جوازهم ناجح جدًا.. " أردفت نور بمزاح تحاول التهرب : _"أيوة قُري قُري.. خلينا نسمعهم بيصوتوا ويزعقوا دلوقتيي. " أشاحت لها أروى وهي تقول : _"بعد الشر يا ستي.. أنا قلت حاجة، بقول إيه خدي إفتحي لي المصاصة دي مش عارفة أفتحها." ناولتها مصاصة لتردف نور أثناء فتحها للمصاصة : _"هبلة.. حد يقنعني إن التافهة دي فرحها بعد أسبوع. " تحدثت أروى وهي تدفس قطعة بسكوت في فم نور : _"كلي بسكوت ياختي كلي.. كلي وإنتِ مبتتخنيش كدا." أشارت لها نور بعلامة الكف في وجهها وقضمت الكعك في فمها ثم أعطت المصاصة لأروى قائلةً : _"خدي إمسكي فتحتها لك.. على الله يطمر بس" تحدثت الأخرى وهي تلعق مصاصتها : _"ماشي يا أختى شكرًا عملتي إللي متعملش قبل كدا." امتصت حلواها مجددًا ثم قالت : _"لا بس بجد يا نور.. لازم تفكري في موضوع عمو مروان دا بجد شوية، والسن مش مشكلة أبدًا دول مجرد 6 سنين." تنهدت نور بعمق ثم ارتمت على ظهرها وأخفت عينيها بأناملها وقالت بنبرةٍ شبه باكية : _"مش موضوع سن يا أروى.. بس الموضوع دا معقد أوي بالنسبالي." اقتربت أروى من نور ثم قالت بهدوء وهي تغلغل أناملها في خصلات نور الكستنائية : _"معقد إزاي؟ إحكيلي إحنا اتفقنا إننا اخوات وهنبدأ صفحة جديدة.. " نهضت نور وغادرت الفراش الوثير واتجهت صوب درجها الخاص ذو المفتاح وأخرجت من حقيبتها ميداليةً تحمل الكثير من المفاتيح وقلبتها بين أناملها حتى وجدت مرادها وفتحت الدرج وأخرجت منه شيئًا ما.. أعادت إغلاق الدرج وأخفت مفاتيحها مرةً أخرى ثم اتجهت إلى الفراش مرةً أخرى تجلس بجانب أروى ثم مدت لها يدها بشيءٍ ناعمٍ صغير بدا كزهرة دوَّار الشمس.. تناولت أروى القلادة من يد نور وبدأت تتفحصها ثم قالت بإعجابٍ شديد : _"الله! تبارك الرحمن اللهم بارك.. حلوة أوي السلسلة دي يا نور.. بجد جميلة أوي دي تقريبًا أجمل سلسة شفتها في حياتي.. لأ وشكلها غالي كمان.. " نظرت لنور تنتظر منها أن تتحدث بينما صمتت نور وبدأ التوتر يجتاحها أكثر وأكثر حتى نطقت أروى : _"لا.. متقوليش إن عمو مروان هو اللي جابهالك." أومأت لها نور بالإيجاب لتنهمر أروى بالأسئلة المتتابعة،.. جذبت أروى نور من كتفيها وقالت وهي تنظر لخضراوتيها بقوة : _"إمتى أصلًا دا مسافر من زمان ومنزلش أجازات خالص؟؟؟ " تحدثت نور وهي تتفادى نظرات أروى : _"أيوة ما هو... ما هو جابهالي قبل ما يسافر.. " شهقت أروى وقالت بغير تصديق : _"أدي المفاجأة الأولى.. " ونظرت لنور تحثها على الحديث لتتابع نور وهي تستمر بتفادي نظرات أروى : _"جابهالي بعد ما قال لي إنه بيحبني بكام يوم.. قبل ما يسافر بيوم واحد... " تعالت شهقة أروى وقالت بسعادة : _"لحظة واحدة إنتِ قلتِ إيه؟؟؟ قالك إنه بيحبك؟؟؟ الله !! " أصبح وجه أروى كوجه ذلك الرمز التعبيري ذو العوينات الملتمعة من فرط التأثر، كانت سعيدة فنور فتاة جميلة قلبًا وقالبًا وتستحق أن يقع في حبها شخص كمروان.. تابعت أروى تحاول تمالك نفسها : _"دي المفاجأة التانية.. هااا كملي فاجئيني.. إشجيني يا بنت الدالي إشجيني" توترت نور أكثر وقالت تحاول التهرب : _"النص ساعة عدت.. يلا نقوم نشيل البتاع اللي على وشنا دا." أجابتها أروى بخبث : _"إنتِ بتتهربي بس ماشي.. نقوم نغسل خلقنا دي بس ومش هسيبك غير لما تعترفي بكل حاجة. " دخلتا تتسابقان على من منهما ستنتهي أولًا من تنظيف وجهها.. وقفت أروى أمام المرآة تقول وهي تتفحص وجهها بعناية وتتحسس بعض المناطق به بخفة : _"تصدقي الماسك دا طلع فعلًا حلو.. معنديش أي حبوب من استخدام واحد.. شكله ماسك أصلي أو نوع نضيف.. " تحدثت نور وهي تغمز لأروى بطرف عينها قائلةً : _"شوفتي مش مستخسرة فيكِ حاجة أهوه. " تحدثت أروى أثناء فتحها لعلبة عصير وارتشافها بعض القطرات منها : _"المهم بس يا نور.. بجد فكري في الموضوع دا بجدية شوية.. " تحدثت نور ببعض الانفعال قائلةً : _"يا أروى الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.. " عقبت أروى بنفس الانفعال : _"طب فهميني !! " تنهدت نور وأدركت أنه لا مفر هذه الليلة فاتخذت خيارها الوحيد وهو أن تقص على أروى أمر قصتها مع أميرها الغائب مع التحفظ ببعض التفاصيل، انتهت نور من سردها وأروى لا تصدق ما يقال حتى صمتت نور وعقبت أروى بتفهمٍ وهدوء : _"عندك حق.. التفكير في الموضوع فعلًا مزعج وبيضايق.... " تنهدت نور بتفكيرٍ وصمت وتابعت أروى : _"طب وإنتِ دلوقتي بعد ما حكيتيلي بصوت عالي.. شايفة الموضوع إزاي.. وحاسة بإيه؟؟؟ " _"مش عارفة يا أروى.. عايزة بس أنام دلوقتي." نهضت أروى وبدأت ترتب السرير وتعده للنوم وقالت : _"طب يلا ننام أصلًا الوقت اتأخر" تم ترتيب الفراش واستلقت الفتاتان جنبًا إلى جنب، وخلدتا في نومٍ عميق بعد يومٍ طويل. ___________________________________ _"خلاص يا فريدة بطلي عياط بقى حنين هتصحى... " كان هذا قول مازن الذي احتضن زوجته وظل يربت على ظهرها بحب، قبَّل رأسها وظل يربت عليها ويطلب منها أن تهدأ حتى نطقت هي بحرقة من بين شهقاتها : _"قلبي وجعني وهي بتعيط امبارح يا مازن عشان معندهاش حد تلعب معاه.. دي بتقول ليا يا ماما إشمعنا كلهم ليهم إخوات يلعبو معاهم وأنا لأ.. " ضمها مازن إليه أكثر ودفس وجهه في كتفها ثم قال بهدوء : _"يا فريدة دي إرادة ربنا محدش بيعترض عليها.. ودي أحسن حاجة ليها إنها ميكونش عندها إخوات إحنا بس البشر أجهل المخلوقات بالقدر ودا كله نصيب مينفعش نقول فيه ليه.. " ظلت فريدة تبكي في أحضان مازن الذي أخرجها من أحضانه بعد مرور القليل من الوقت ليحتضن وجنتيها بكفيه وقد قرب وجهها له ليقول بصوته الأجش الحنون : _"دا إنتِ حبيبة عُمري ونور عيني وكل حاجة أنا عايش عشانها في الدنيا متبكيش عشان خاطري." ظل يحملق في وجهها بطريقةٍ ما حتى ضحكت هي وبدأت بتجفيف دموعها ليبتسم مازن ويقبل قمة رأسها مع قوله : _"أيوة كدا يا شيخة خلي الواحد يلاقي حاجة يعيش عشانها.." ضم رأسها لصدره مرةً أخرى قائلًا بمداعبة : _"يلا اتخمدي بقى... قصدي نامي في حضني بقى وإنتِ منكدة عليا عيشتي كل يوم كدا" تشاركا الضحك وتشاركا الحب فيما بينهما كما كانا منذ سنوات.. من قال أن الشغف بالحب ينتهي بعد الزواج؟ فمنذ أن تزوج هذا الثنائي وحبهما في تزايدٍ دائم ونموٍ مستمر، ويومًا بعد يوم.. طالما قلبيهما ينبضان فالحب أيضًا ينبض ولازالت الأزهار تنمو والفراشات تحلق..و لازالت الحياة بخير. __________________________________ في شقة خالد في غرفته تحدثت زوجته غنى وهي تمسد بأناملها خصلات شعر زوجها القصيرة قائلةً دون مقدمات : _"مُهاب بقى عصبي وتصرفاته لا تطاق وهو مكانش كدا، أنا عايزة فريدة تقعد تتكلم معاه." قطب خالد جبينه قائلًا : _"نعم؟ عايزة تعرضي إبنك اللي عنده تسع سنين على دكتورة نفسية؟؟؟ دا من إيه إن شاء الله؟؟؟ " لتردف غنى بانزعاج من طريقة حديث خالد : _"على فكرة كون إن شخص أيًّا كان يروح لدكتور نفسي دا مش عيب العيب بجد إننا نوصل للتطور دا ونفضل نفكر تفكير عقيم." أردف خالد وقد انزعج من نبرة غنى في الحديث : _"غنى معلش يعني.. إيه الضغوط النفسية اللي على عيل صغير عنده تسع سنين تخليه عصبي ولا يطاق زي ما بتقولي كدا؟؟؟.. لو فعلًا هو بقى كدا فَـ دا بسبب إنه بيكبر ودي مرحلة لازم يمر بيها زيه زي باقي الأطفال." تنفست غنى تحاول السيطرة على الموقف ثم قالت بهدوء وأناملها تتغلغل في شعر زوجها : _"مش شايف إنك متحامل عليه زيادة عن اللزوم؟؟؟.. " عقب خالد دون لحظة تفكير : _"علشان هو الراجل.. ولازم يتعود يشيل المسؤلية ويكون جاد في حياته عشان يقدر يحمي إخواته البنات." تحدثت غنى وقد رق قلبها : _"بس دا لسة صغير على الكلام دا وإنتَ بتتحامل عليه أوي يا خالد وبتنتقده كتير ودا غلط عشانه، يا خالد كدا إنتَ هتهد ثقته في نفسه.. " تحدث خالد بتأفف : _"غنى ما إحنا اللي مربيين حسن.. ولا إنتِ نسيتي إن أنا ومالك ومصطفى ومازن اللي مربيينه؟؟؟ وعلى فكرة حسن متأزمش نفسيًا وكبر وبقى راجل يعتمد عليه. " _"الموضوع مختلف.. إنتوا كنتو أربعة يعني يوم ما حد فيكم بيشد عليه حد تاني بيرخي.. وبعدين حسن غير مُهاب.. حسن اتولد واتربى في مصر الأول مُهاب اتولد هنا وعاش هنا في مكان مش مكانه وسط مجتمع ليه عادات وتقاليد وصفات عكس تمامًا اللي إنتَ بتنشئه عليها.. مينفعش تعمل مقارنة بينهم." اعتدل خالد في جلسته ثم قال وهو يحك رأسه ببعض الشرود : _"طب يا غنى إنتِ إيه اللي هيريحك دلوقتي وأنا أعملهولك؟؟؟ لو عايزاه يتكلم مع فريدة براحتك إعملي اللي إنتِ عاوزاه تمامًا. " أردفت غنى بحنق : _"خالد هو أنا ليه حساك بتريح دماغك مني و بتسكتني وخلاص.. " فرك خالد وجهه بقوة ثم تحدث مُعقبًا قول زوجته السابق : _"طب.. أنا مش فاهم إنتِ عاوزة إيه دلوقتي يا غنى؟؟؟ " أردفت غنى وهي تدفس وجه زوجها في الوسادة بعنف وتكز على أسنانها : _"نام يا خالد.. نام أحسن وخلي الليلة تعدي." ____________________________________ _"مالك إنتَ كويس؟؟؟ " اعتدل مالك في جلسته ممسكًا رقبته بكلتا يديه وكأنه يعاني من الاختناق.. نهضت إسراء وقامت بفتح النافذة ثم عادت تجلس بجانبه وبيدها كأسٌ من الماء الفاتر.. تناول مالك الكأس منها وارتشف منه بعض القطرات ثم تجرعه مرةً واحدة.. أخذ صدره يعلو ويهبط باضطراب وعدم اتزان وأخذ يسعل بقوة دون توقف وإسراء تربت على ظهره حتى أشار لها بيده أن تتوقف ثم نهض من فراشه بعد أن استطاع التحكم برئتيه والتقط علبة سجائره ثم خرج متجهًا لمكتبه الخاص. دلف مالك مكتبه حاملًا بيده علبة سجائر من النوع الفاخر وقام بإشعال إحداها وجلس خلف مكتبه يدوِّن شيئًا ما... هذا الهراء متى سينتهي، تلك الكوابيس ستقضي على ما تبقى مني، أنا أغرق في دوامةٍ حالكة السواد، كل الأشياء تطاردني وقت نومي، كل البؤس يأتي مساءً، والمخيف أن الأسوء لم يأتي بعد، يظل يراقب من بعيد، يُضعفني بألاعيبه الصغيرة، ينتظر حتى ينقضَّ على جسدي الهزيل ويفترسني، أرى عينيه تُشع نورًا؛ ليُشعرني أنه الأمان والملجأ وأني لن أستكين إلا معه، لأُخدع تارة كشخص مسلوب الإرادة، وتارةً أخرى يتملكني الخوف كما يتملك العفريت صاحبه، إنه حولي، إنه في كل مكان، أريد الصراخ عاليًا، أريد الهروب بعيدًا، لكن كيف؟ لستُ علىٰ درايةٍ بما يجب أن أكتب الآن.. لا أستطيع صياغة الأحرف والقلم بين أناملي يرتجف، عادةً أستجمع بعض الأنفاس المُحمَّلة بالشجاعة وبعض برودة الأعصاب واللامبالاة وأضمها جميعًا لرئتاي فأستعيد بعضًا من صوابي وأجتَّر تلك الأنفاس علىٰ هيئة أحرُفٍ وكلمات... لكن الآن كل الأنفاس التي أحاول  -وبصعوبةٍ-  أن استجمعها ليست مُحمَّلةً سوىٰ بالخوف.. الخوف فقط.. سيءٌ جدًا أن تشعُرَ بالخوف مِن الشخص الذي كانت مهمته في الأساس هي إشعارُكَ بالطمأنينة وجعْل الدار آمنةً لك، أكون أمامه كالجثة ولا تتحرك قدماي قيد أنملة، يتصلب جسدي وتنخفض ضربات قلبي وأشعر أن تنفسي يقل حتى يكاد يتوقف، وكأني أذهب في رحلة للموت وأعود مرة أخرى، أريد فقط النوم بعمق وسلام لتزورني الطيور المغردة وسط حديقة جميلة في الأحلام، سئمتُ مشهد الغابة السوداء ومن ينتظرني بها، كرهتُ النوم ونحت التماثيل الجبسية والذي كانا يومًا أكثر ما أحب، وما أصعب أن تكره ما تُحب بين عشية وضحاها." أتى لمسامعه صوت طرقاتٍ خافتة على باب مكتبه تلاها صوت ابنته وفلذة كبده أتت له لتنقذه من كوابيس ليله وحفرة ظلامه ولتكون له الخلاص تناديه بهدوء من خلف الباب قائلةً : _"بابا.. ممكن أدخل؟؟؟ " نظر مالك في الساعة المعلقة على الحائط ليجدها متوقفةً على الثانية صباحًا.. تنهد مالك ومسح وجهه ورقبته ثم تحدث بصوتٍ وصل لنور وهو يرتب من مظهره : _"تعالي يا نور.. " دلفت نور بهدوء وقالت بنبرةٍ يشوبها القلق والحنان : _"حضرتك كويس؟ أصل أنا.. سمعت زعيق افتكرت إن في حاجة بس وجيت عشان.. أتطمن عليك... " أشار لها مالك بالجلوس قائلًا : _"تعالي يا نور اقعدي.. " جلست نور على الكرسي المقابل لمكتب والدها تراقبه وهو يُقبِّل تلك السيجارة بين إصبعيه بنهم حتى انتهت.. وما إن انتهت حتى عاد يتنفس بحرية مجددًا وكأن أنفاسه انتهت قبل أن يجددها بتجرعه ترياقه السحري الذي يُعيد مخزونه من الأنفاس (السجائر)، ابتلعت نور ريقها بجزع ثم تحدثت بصوتٍ منخفض نسبيًا : _"بابا.. حضرتك كويس، إسراء بتقول إنكم كنتم نايمين وفجأة إنتَ قعدت تصرخ تاني.. " تحدث مالك وقد عادت إليه برودة أعصابه مُجددًا : _"أمك بتكبر المواضيع.. كل الحكاية كابوس مزعج.. متقلقيش عليا." تحدثت نور بانفعال مما لفت انتباه مالك بشدة حينما قالت بحنق وصوتٍ متحشرج : _"أومال أقلق على مين؟؟؟ " تحولت نظرات مالك للبلاهة وهو يطالع هذه الفتاة أمامه بتعمق وتركيزٍ شديد بينما هو يتحدث قائلًا بعدم فهم : _"في إيه يا نور؟؟؟ إنفعلتي أوي كدا ليه..؟؟؟ " تحدثت نور بذات الحشرجة البادية على صوتها : _"هو أنا المفروض أقلق على مين غيرك يعني يا بابا؟؟؟ دا إنتَ أماني وداري الأمان.. دا أنا مليش غيرك ومعرفش حد غيرك في الدنيا دي كلها يبقى مقلقش عليك إزاي؟؟؟ " أطلق مالك تنهيدةً طويلة وعلى وجهه ارتسمت بسمةٌ عذبة خلقت خصيصًا لهذه الفتاة التي مهما بلغت من الكِبَر ستظل طفلته المدللة صاحبة الثلاثة عشر عامًا التي صدمها يومًا بسيارته.. ظل مالك يطالعها بحبٍ شديد حتى ران الهدوء عليهما قبل أن يتحدث قائلًا : _"متقلقيش عليا يا روح بابا.. قلت لك قبل كدا أنا دايمًا قوي عشان بنتي.. دا كان مجرد حلم وحش مش أكتر يا عيوني." كادت تتحدث لولا أن قاطعها مُغيِّرًا مجال الحديث ليتابع : _"فكرتي في الموضوع اللي كلمتك فيه؟؟؟ " صمتت نور وترددت للحظات قبل أن تستجمع شجاعتها وتتحدث قائلةً : _"أه فكرت.. أنا موافقة يا بابا." وفي غضون ثوانٍ ابتهج وجه مالك وأشرق وعاد إليه شبابه، ليس وكأنه كان في أحد كوابيسه المزعجة منذ قليل، تحدث قائلًا بمداعبة والبسمة لا تغادر شفتيه : _"كدا هتشمتي مصطفى ومازن فيَّا.. عشان كنت بقول لهم مش هجوزها وهقعدها جنبي" انطلقت ضحكات نور وقد توردت وجنتيها وتلونتا بحُمرة الخجل وظل مالك يطالعها بأعينٍ مُحبة حتى تحدثت هي تتسائل عن سبب هذه النظرات فأومأ لها بأن لا شيء ثم قال : _"مفيش حاجة يلا نروح ننام عشان الوقت اتأخر.. متسهريش أكتر من كدا عشان تروحي تسلمي مشروعك بكرة." أومأت له نور مع قولها الهاديء : _"حاضر يا بابا.. تصبح على خير." _"وإنتِ من أهل الخير يا تفاحة قلب بابا." انسحبت نور واتجهت لغرفتها بعد أن اطمئنت على والدها وذهبت لتخلد للنوم وما إن خلعت ثيابها واستلقت على الفراش حتى غطت في ثُباتٍ عميق.. بينما كان مالك لايزال متواجًدا في مكتبه ينظر من خلال نافذته للقمر الذي صار بدرًا يحدثه قائلًا : _"أه يا نوارة.. لو تشوفي فرحتي دلوقتي عاملة إزاي... " ____________________________________ أشرقت الشمس لتعلن بداية صباحٍ جديد تستيقظ فيه نور بتعبٍ وخمولٍ شديد على عكس عادتها.. في الواقع لم تستيقظ بنفسها بل أيقظتها أروى للمرة الثالثة قائلةً لها بحنق : _"يا نور اصحي بقى يخرب بيت سنينك دا أنا لو بصحي عيالي مش هيتعبوني بالشكل دا.. يابنتي دي تالت مرة أصحيكِ في إيه؟؟؟ " تحدثت نور بانزعاج وصوتٍ مكتومٌ بعض الشيء بعد أن استدارت وهي نائمة لتعطي ظهرها لأروى : _"خلاص يا أروى سيبيني بقى.. بجد مش قادرة أقوم سيبيني عايزة أنام." عقبت أروى بصوتٍ عالٍ بعض الشيء : _"لا كدة إنتِ فيكِ حاجة غلط.. مالك يا نور؟؟؟ لفي كدا وريني وشك.. " رفضت نور فعل ذلك لتجبر أروى على القبض على وجهها وإدارته ليواجه وجهها هي الإخرى ثم قالت بعد تمعنٍ وتمحيص : _"لا يا نور شكلك مش طبيعي.. أكيد فيكِ حاجة إستني هجيب خالتو إسراء.. " بالفعل هبطت أروى للطابق السفلي واستدعت إسراء التي كانت تعد فيان وكيان للذهاب للمدرسة قائلةً لها : _"خالتو إسراء.. نور مش عايزة تصحى إطلعي إنتِ صحيها." قطبت إسراء جبينها غير مُصدقةً لما يُقال، فنور منذ سنوات مراهقتها وهي تواظب على الاستيقاظ فجرًا وأداء مهامها منذ الصباح الباكر.. فمنذ متى ونور تظل نائمةً حتى هذا الوقت؟ لابد وأن هناك أمرًا ما.. تركت إسراء ما بيدها وأعطت الصبيان بعض التعليمات والأوامر ثم صعدت برفقة أروى لغرفة نور، دلفت الاثنتان للغرفة لتجدا نور على نفس حالتها.. متكورةً على نفسها في الفراش، تلف الغطاء حولها في سكون.. دون حركةٍ أو أي شيءٍ يدل على الحياة. تقدمت إسراء وجلست بجوارها ورفعت وجهها لها وظلت تتحسسه وتختبر حرارة جسدها لتتفاجيء بجسدها بأكمله يشتعل وقد بدأت أطرافها بالارتجاف للتحدث إسراء وقد بدأ القلق يتخذ مجراه في أوردتها : _"نور يا حبيبتي حاسة بإيه؟؟؟ " تحدثت نور بصوتٍ مبحوح وشفتين ترتجفان : _"جسمي متكسر.. عضمي كله بيوجعني وسقعانة أوي...غطيني كويس" تنهدت إسراء ونهضت وفتحت الخزانة ثم عادت بالمزيد من الأغطية وقامت بتدثير نور جيدًا كما طلبت ثم خرجت من الغرفة ساحبةً أروى بيدها وأغلقت الباب وذهبت لغرفتها لتحضر هاتفها وتهاتف زوجها الذي خرج صباحًا مُتجهًا لإحدى المكاتب.. أجاب مالك اتصال إسراء سريعًا ليسمعها تقول دون تحية أو مقدمات : _"مالك نور تعبانة و.. " لم يمنحها مالك فرصة أن تكمل جملتها لتجده يتحدث باندفاع وقلق : _"تعبانة إزاي يعني؟؟؟ مالها نور؟؟؟ " أجابته إسراء بحنق : _"ما تصبر عليا أكمل كلامي.. يخربيت الفيلم الهندي اللي إنتَ معيشنا فيه بجد..، تعبانة عادي شوية برد وسخونية بس مش قادرة تقوم.. بتقول عضمها واجعها.. " تحدث مالك مُردفًا قول زوجته السابق : _"يعني إيه مش قادرة تقوم.. مينفعش يا إسراء إعملي ليها حاجة دافية وإديها دوا علشان تفوق شوية النهار دا أخر يوم لتسليم المشروع بتاعها مينفعش متسلمهوش." تحدث إسراء وقد تزايد انزعاجها من نبرته في مخاطبتها : _"بقولك إيه يا مالك بلا مشروع بلا بتاع.. هي مش كويسة وأنا مش هخرجها كدا، عايز إنتَ تخرجها كدا يبقى تعالى خدها بعربيتك و وصلها." تحدث مالك بانزعاجٍ بالغ : _"خلاص يا إسراء إقفلي وأنا هاجي أخدها بس خلي أروى تجهزها وشربوها حاجات دافية." أغلقت إسراء المكالمة دون كلمة وداع وحاولت التحكم في غيظها ثم أدركت أن الوقت قد تأخر وأنا الـ"باص" المسؤل عن أخذ الصبيين إلى مدرستهم أوشك على الوصول لتتحدث إلى أروى قائلةً : _"أروى أنا هنزل أكمل فطار العيال وهعمل لنور شوربة عشان تدفيها وإنتِ خليكِ جنبها لحد مالك ما يجي.. وأه صحيح في برشام في درج المراية إسمه -- إديها منه." أومأت لها أروى وهبطت إسراء للأسفل، مر الوقت ووصل مالك ليجد إسراء وأروى جالستين بجانب ابنته يطعمانها الحساء بينما هي لا تنفك تعطس وتسعل وقد أصبح وجهها بأكمله مُحمرًا وامتلأت عيناها بالدموع.. ما إن لمحتها عيناه على هذه الحال حتى رقَّ قلبه مُجددًا ونسي غضبه السابق.. اقترب منها وجلس أمامها مع التحفظ على بعض المسافة بينهما وقال بحنوٍ بالغ : _"مالك يا نور عيني حاسة بإيه؟؟؟ " تحدثت له نور بما تشعر به من ألآم كطفلةٍ باكية تشكو والدها ليرق لها ويتمنى لو كان هو طريح الفراش مكانها الآن وأن يلتقط عنها كل ألآمها وأحزانها كي لا يمسها شيء لكن للأسف تبقى بعض الأمنيات أمنيات ولا يكتب لها أن تتحقق. جلس مالك يفكر بحيرة.. هي حقًا لا يمكنها الخروج من غرفتها.. بل لا يمكنها النهوض من سريرها فكيف لها أن تذهب للجامعة وتسلم المشروع؟؟؟... وأيضًا على الجهة الأخرى اليوم هو اليوم الأخير للتسليم وقد يتوقف نجاح نور في عامها الأخير وتخرجها من جامعة الفنون على هذا المشروع ماذا يفعل الآن بحق السماء؟؟؟ وفجأة خطرت أمام عينيه صورة الفتاة ذات الخصلات الوردية والشعر الداكن.. لقد كانت تحمل حقيبةً كالتي تحملها نور أحيانًا في طريقها للجامعة، التفت إلى أروى وسألها : _"أروى هي مين اللي كانت قاعدة معاكم إمبارح دي؟؟؟ " تحدثت أروى وهي لا تفهم علاقة هذا الأمر بمرض نور ومشورعها : _"واحدة إسمها كوزيت.. اللي فهمته إنها صاحبة آدم جارنا وكمان في كلية فنون سنة أولى ونور اتعرفت عليها بالصدفة." تحدث مالك وكأنه تذكر شيئًا للتو : _"آدم دا اللي مع حسن في نفس الكلية صح؟؟؟ يبقى كدا آدم وحسن مع بعض دلوقتي المفروض مش كدا؟؟؟.. " أومأت له أروى إيجابًا مع قولها : _"أه.. المفروض يعني يكونوا مع بعض دلوقتي." تحدث مالك بعد لحظاتٍ قليلة من السكوت كان يرتب بها فكرة ما دارت في خلده الآن : _"كلمي حسن خليه يشوف البنت دي ويطلب منها تقابلني.. أنا هديها المشروع بتاع نور وهي تسلمه ليهم في الجامعة... ولو يقدر يبعتلي رقمها يكون أحسن عشان أعرف أتواصل معاها" أومأت له أروى بتفهم وقامت بما طلبه منها، لكن لسوء الحظ لم يكن حسن حاملًا هاتفه أثناء ذهابه للجامعة لتفاجأ أروى بصوت والدتها شيرين يأتيها من على الجهة الأخرى تقول : _"ألو.. خير يا أروى حسن نسي تليفونه في حاجة عندك ولا إيه؟؟؟ " ضربت أروى جبهتها بيأس ثم قصت على والدتها ما يحدث وطلبت منها مهاتفة آدم وإخباره بالأمر، وبالفعل قامت شيرين بالاتصال على آدم من خلال هاتف ابنها..، وفي مكانٍ أخر حيث وقف آدم وحسن في مقصف الجامعة تعجب آدم حينما وجد شاشة هاتفه تضيء بإسم حسن الجالس بجانبه في الوقت ذاته.. فأجاب بتعجب ليطمئن وجهه حينما ميَّز صوت شيرين والدة صديقه : _"ألو.. نعم كيف حالكِ خالتي.. شكرًا لكِ... ماذا؟ نعم.. نعم لقد أتت اليوم.. حسنًا سوف أخبرها بذلك.. لا لا داع للشكر..، حسنًا وداعًا." هكذا دارت المكالمة بين شيرين وآدم لينظر له حسن قاطبًا جبينه بعدم فهم ليبدأ آدم سرد ما قالته شيرين أثناء بحثهما عن كوزيت، بينما أعادت شيرين الإتصال بابنتها لتجري المكالمة بينهما على هذا النحو : _"ألو.. أيوة يا ماما كلمتي آدم؟؟؟ " أجابتها شيرين : _"كلمته أيوة.. وهما دلوقتي هيدوروا على البنت دي ويبعتلي رقمها وأنا هبعته لمالك على طول.." _"تمام يا ماما شكرًا.. " _"يلا سلام يا أروى.. إبقي طمنيننا على نور." انتهت المكالمة بين شيرين وابنتها وما هي إلى دقائق حتى أرسلت شيرين رقم هاتف لمالك ليبتسم مالك ويهبط للأسفل حاملًا لوحة نور المستورة بقماشٍ من القطيفة الحمراء متجهًا بها إلى سيارته بعدما تواصل مع كوزيت واتفق معها على المكان الذي ستقابله به. ___________________________________ _"نور.. إصحي بقى بقالك 31 ساعة نايمة !!" كانت هذه كلمات مالك الجالس بجانب ابنته في تمام الثامنة صباحًا من اليوم التالي..، نعم قابل مالك كوزيت وتم تسليم المشروع وعادت أروى لمنزلها لتستعد لتجهيزات شقتها ولتجهيزات زفافها، عاد الأطفال من مدرستهم ومضى اليوم بشكلٍ طبيعي خالٍ من أي أحداث.. إذا تغاضينا بالطبع عن مالك الذي ظل بجوار ابنته يطعهما ويوقظها كي يسقيها الدواء في أوقاته المحددة، هذا الأب الحنون، الرجل الذي لم يعرف الحنان سوى بقربها هي.. هذه الطفلة التي احتلت روحها روحه دون أن تستأذنه.. كلما نظر إليها ازدادت رغبته في أن يضمها ويخفيها بين أضلعه كما كان يفعل قبل أن تضع هي حدودًا بينهما.. كان على درايةٍ أنها على صواب لكنها كما يقول دائمًا "تفاحة قلبه" وقرة عينه الأولى فكيف يبعدها عنه بحق الله؟؟؟ كيف يخرجها من أحضانه بعد أن اعتادت رئتاه التزاحم معها بجانب قلبه؟؟؟ كيف يبعدها عنه وهي من فرضت نفسها على روحه ومملكته في باديء الأمر؟؟؟ ظل ينظر لها ويطالعها بحب ويتذكر الأيام والسنون السابقة.. يا الله كم مرت من السنوات.. أحد عشر عامًا !! كيف مرت هذه السنوات بهذه السرعة؟ لقد كان كل شيءٍ منذ عدة أيامٍ فقط كيف مرت السنوات هكذا؟؟ أهذا هو العُمر؟ قصيرٌ هو لهذا الحد؟ يا ترى ماذا حدث بهذه السنوات الطويلة؟ اكتسبتُ أسرة، بل عائلة.. نعم استطعتُ تكوين عائلة، عائلةٍ كبيرةٍ سعيدة.. أنجزتُ الكثير والكثير والآن أشاهد أبنائي يسعون في طريق إنجازاتهم يالها من سنواتٍ مرت بسرعةٍ كالريح العاتية، سنواتٌ حملت الكثير من المِحَن والمصاعب والضحكات والبسمات والحب والصداقة والدروس، الدروس التي علمتنا جميعًا الكثير من الأشياء التي كنا نجهلها.. كم ممتنٌ أنا لهذه السنوات.. السنوات التي مرت لتغير منا جميعًا. هكذا كان يفكر مالك وهو يستمر بإيقاظها ويقول : _"يا نور اصحي بقى كفاية نوم !! " فتحت الأميرة النائمة عينيها الخضراوتين بخمول وظلت أهدابها الكثيفة ترمش بسرعةٍ كبيرة عدة مراتٍ متتالية حتى تذكرت ما حدث لها خلال اليوم السابق، نظرت جانبها لترى هذا المحبب لقلبها يجلس بجوارها ويقيس حرارتها بحنانٍ خاص لا تتذوقه سوى بقربه، نظرت له بعينين ناعستين وقالت له : _"صباح الخير يا أبو نور..." لتتخذ ابتسامته العذبة طريقها على وجهه قبل أن يردف : _"المقصود بالخير هو وجودك يا تفاحة قلب أبو نور.." ابتسمت نور ثم ران عليها الصمت لدقيقة قبل أن تصرخ فجأة قائلةً : _"يا لهوي اللوحة!! المشروع أنا مسلمتهوش!!" ادعى مالك الجهل بأمر المشروع حينما قال : _"يا نهار أبيض! إحنا إزاي نسينا موضوع المشروع دا...طب هتعملي إيه كدا دا امبارح كان أخر يوم؟؟؟" نظرت نور لمالك بصدمة لا تصدق ما يقوله..لا تصدق أنه تركها لتفشل في أخر سنةٍ لها بالجامعة بهذه البساطة ورغمًا عنها انهالت دموعها وظلت تبكي أنها ستضطر لإعادة هذا العام مُجددًا حتى وجدت إسراء أمامها تصيح بمالك الذي لم يتمالك السيطرة على ضحكاته قائلةً له بنبرة عتاب : _"حرام عليك يا مالك..والله حرام عليك، يعني إنتَ بنفسك شايفها من امبارح مش قادرة تقوم من على السرير وأول ما تصحى وتبدأ تتحسن تخضها كدا؟!!!" ومع تعالي ضحكات مالك بدأت نور تدرك عدم منطقية ما تفوه به والدها منذ قليل لتتوقف عن البكاء لبرهة وتتجه بعينيها صوب إسراء التي أخبرتها : _"معلش بقى يا بنتي أبوكِ بيستظرف..مشروعك اتسلم ومفيش حد هيعيد السنة تاني هو بس عايز يقول متسيبيش نفسك لأخر الوقت عشان لو حصل أي ظرف زي امبارح كدا متحصلش أزمة. " جحظت عيني نور بصدمة مختلطة بعدم فهم ومالك بجانب سريرها يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة من كثرة الضحك على منظرها وعلى نظراتها له حتى تفاجأ بإحدى الوسائد تلقى في وجهه ونور تنهض من فراشها وتأخذ بعض الأشياء من خزانتها ثم توجه حديثها لإسراء متجاهلةً وجوده : _"إسراء..تعالي خرجي جوزك من هنا عشان عايزة أستحمى.." رفع مالك أحد حاجبيه باستنكار مع قوله بطريقة بها بعض العتاب : _"تعالي خدي جوزك؟؟؟ دلوقتي بقيت جوزها.. إيه مش كنت العوض ولا احنا خلاص كبرنا على كلمة بابا؟؟؟" ومجددًا تجاهلت نور حديثه وتابعت لإسراء قائلةً : _" يا إسراء تعالي خدي سي عوض من هنا.." حاول مالك كتم ضحكاته بصعوبة وخرج برفقة زوجته التي أمسكت بذراعه وقادته للخارج ليتركا نور تنفرد بنفسها وما إن أغلق الباب من خلفهما حتى خلعت نور إسدال الصلاة الذي ألبستها إياه أروى منذ الأمس والذي نامت به بالطبع بسبب تواجد مالك بجوارها،أخذت منشفتها وبعض الزيوت والمنتجات الخاصة بها ودلفت لحمام غرفتها الخاص لتأخذ حمامًا دافئًا عله يخلصها من ألام جسدها الطفيفة المتبقية.. ___________________________________ انقضى النهار بسلام دون أحداثٍ تذكر ، عاد الصبيين فيان وكيان من مدرستهما ظهرًا وتناولا غدائهما ليبدأ كلٌ منهما بأداء واجباته وفروضه المنزلية والانتهاء من دراستهما بمساعدة أمهما وأختهما الكبرى بالطبع..،بعد الانتهاء من تدريس الطفلين تقاسمت أسراء ونور أعمال المنزل المتبقية ،التي وبالطبع انتهت منها نور قبل أن تنهي إسراء أعمالها الخاصة ..انسحبت نور لغرفتها كعادتها كلما فرغت مما يمكن القيام به وانزوت بعيدًا عن الأنظار ،خلعت حجابها وأخرجت بعض الأوراق والأقلام الرصاصية بتدرجاتٍ مختلفة وظلت ترسم كل ما يجول بخاطرها حتى تعبت يداها وغلبها النعاس فوق سطح المكتب ولم يوقظها سوى صوت بعض الهمسات بجانب أذنيها والتي لم تكن سوى همسات فيان قائلًا لها بهدوء : _"أبلة نور إصحي.. ماما بتقول إنزلي محتاجينك تحت. " رفعت نور رأسها من فوق المكتب وقالت له : _"بابا تحت يا فيان؟؟؟" ليجيبها فيان بالفرنسية قائلًا : _"لا..أبي ليس بالأسفل لكن العم مازن والعم مصطفى متواجدين وخالي أيضًا بالأسفل ويوجد معهم شخصٌ غريبٌ أخر. " شردت نور قليلًا ثم سألت فيان قائلةً : _"شخص؟ مين الشخص دا؟؟؟ " رفع فيان كتفيه دلالةً على جهله بهوية ذلك الجالس بالأسفل مع إردافه سؤالها بالفرنسية : _"لا أدري لم أتعرف عليه بعد.. أظن كيان يعرفه سأسئله لاحقًا، على أي حال أمي والخالات ينتظرنكِ بالأسفل في غرفة المعيشة.. وأيضًا لا تتأخري لأن العمل سيحتاج وقتًا طويلًا." أومأت له نور ثم أردفت وفيان على وشك إغلاق الباب من خلفه : _"على فكرة بابا لو سمعك بتتكلم فرنساوي في البيت هيتضايق منك.. " لم يأتيها رد من الصبي الذي وعلى ما يبدو غادر ولم ينتبه لما قالته له، نهضت ولملمت شعرها الذي جدلته على هيئة ظفيرتين سابقًا ليصبح كعكةً صغيرة خلف رأسها لتسهل من ارتداء ثيابها التي كانت عبارةً عن تنورةٍ واسعة من اللون الرمادي الفاتح يعلوها قميصٌ من اللون الأسود أسدلت فوقه خمارها الذي حمل نفس لون التنورة والمُثبت بدبوس على هيئة فيونكةٍ سوداء فوق الكتف... منحتها هذه الثياب رونقًا هادئًا أبرز جمال ملامحها الهادئة وخضراوتيها اللامعتين. انتهت من ارتداء ثيابها وهبطت لأسفل لتجد الجميع في تأهبٍ واستعدادٍ للمغادرة، اتخذوا وجهتهم حيث الشقة التي ستنتقل إليها أروى برفقة مارتن الذي سيغدو زوجها بعد ستةٍ من الأيام ليس إلا ليتم تجهيزها وترتيبها.. اصطحبت فريدة أخاها مصطفى وزوجته شيرين التي حملت عبد الله في حجرها وابنتهما أروى بالإضافة إلى الصغيرة حنين في سيارتها ، بينما حملت سيارة مالك زوجته إسراء وقريبيها خالد وغنى وابنته نور التي أجلست ليلى على قدميها في حين جلست وعد على قدمي والدها. انطلقت السيارتين صوب منزل أروى ومارتن الذي كان ينتظرهم أمام بوابة العمارة التي تقبع بها الشقة وما إن توقفت السيارتين وهبط الجميع حتى بدى للعيان التغيرات التي طرأت فجأة على وجهي كُلًّا من مصطفى وأروى... صعدوا جميعًا للشقة برفقة مارتن وما إن أُغلق الباب حتى تسائلت نور بتعجب : _"أيه دا؟؟؟ أومال مُهاب وحسن فين؟؟؟ " تحدثت شيرين مُعقبةً : _"راحوا مع مازن يجيبوا باقي العفش.. إحنا هنرتب المطبخ والعفش الموجود هنا، وهما هيجيبوا باقي الحاجات ونبقى نكمل بكرة." همهمت نور بتفهم لتتحدث فريدة قائلةً : _"طب يلا نشوف هنعمل إيه علشان نخلص بسرعة علشان العيال عندهم مدرسة بكرة. " وبسرعةٍ تم تقسيم المهمات كالتالي... نور وغنى وإسراء مسؤلات عن ترتيب المطبخ وتنظيمه، شيرين وفريدة ترتبان غرفة الزوجين، مصطفى ومالك وخالد يقومون بحمل وتركيب قطع الأثاث الثقيلة ووضعها في المكان الأنسب لها بإشراف أروى بالطبع. تركهم مارتن عندما تلقى اتصالًا من حسن يخبره أن يقابلهم في أحد الشوارع لأن السائق أضاع الطريق، وأخيرًا وعد وحنين اللتان اهتمتا بمجالسة عبدالله واللعب معه كي لا يبكي ويعطل والدته عن أعمالها بينما غطت ليلى في النوم بمجرد صعودهم الشقة.. مضت بضعة ساعات وغربت الشمس وأسدل الليل ستاره وما إن جلس الجميع في الصالون لينالوا قسطًا من الراحة وقد أعدت لهم أروى الشاي، جلسوا يستعيدون أنفاسهم وطاقاتهم المُهدرة في هدوء حتى صدح فجأة صوتٌ عالٍ استطاعوا تمييزه جميعًا مع أغنيةٍ تمثلت كلماتها في : _"سكسك سكسك باللمون واللي بحبه طلع مجنون وسكسك ! " ومُجددًا ترددت تلك الكلمات مرةً أخرى لتقع وقع الصاعقة على أذان الجميع ليتحدث مصطفى بتهكمٍ وسخرية موجهًا حديثه لشقيقته فريدة قائلًا : _"خير يا فريدة لسة معرفتيش مين الكروان اللي بيغني دا ؟؟؟ " _"يا لهوي دا مازن !!! " تعرف الجميع على صاحب الصوت... منهم من بدى عليه الإنزعاج من تصرفات مازن ومنهم من بدأ بالضحك ولكن الشيء المشترك بينهم أنهم جميعًا خرجوا للشرفة ليفاجئوا بمنظر كلًا من مازن وحسن يجلسان على مقدمة السيارتين المحملتين بأثاث منزل أروى يغنيان ويصفقان بطريقةٍ شعبية وخلفهما سماعاتٍ أحدثت صخبًا بالموسيقى المصرية الشعبية التي أصدرتها لتُسمع جميع السكان بالمنطقة..ضحك الجميع على منظر مازن وحسن بينما قال مصطفى ببعض الحنق والإنزعاج : _"أنا قسمًا بربي قلت الإتنين دول عايزين يتربو.. " عقبت فريدة قول شقيقها قائلةً : _"ما إنتَ مكنتش فاضي تربيهم بقى يا مصطفى" ضحك الجميع لتردف شيرين من بين ضحكاتها تدعي الجدية : _"لا يا فريدة بعد إذنك.. هو مكانش فاضي يربي حسن عشان يربي مازن... " أردف مصطفى قائلًا : _"وياريته بيطمر... لا دا نفع ولا دا نفع. " قاطع ذلك الحوار صوت ضحكات مالك التي تعالت فجأة وهو يشير لخالد صوب ابنه مُهاب مع قوله : _"إلحق يا خالد إبنك !! " التفتت جميع الأعين جهة مُهاب المترجل من السيارة والذي استسلم للألحان ليبدأ بالرقص والتقافز هنا وهناك، ضحك الجميع على حركات مُهاب بينما طالعه خالد بأعينٍ ملئتها الدهشة والتعجب ليردف قائلًا : _"الواد دا بيعقب كدا إزاي دا أنا نفسي مبعرفش أعمل كدا؟؟؟ " تحدثت غنى وهي على مشارف البكاء من كثرة الضحك : _"افرح بعيالك المتربيين في حواري فرنسا." وأثناء متابعة الأصدقاء لما يدور بالأسفل وقعت أعينهم على سيارةٍ سوداء مئلوفةٍ لهم جميعًا... فُتح باب السيارة الخلفي ليهبط منها الصغيران فيان وكيان ويهبط من بعدهما شخصٌ أخر ذو جسدٍ رياضي وشعرٍ أسود مموج "كيرلي" يرتدي ملابس سوداء تكونت من بنطالٍ أسود يشوبه بعض الرمادي يعلوه تيشيرت أسود ضيق يصل لنصف الذراع أو أعلى بقليل... وقف أسفل البناية وأغلق سيارته واتجه صوب مازن يعانقه بحرارة... تغيرت ملامح حسن قليلًا، ربما ولأول مرة يشعر حسن بالإحراج من إعاقته تلك، لم يرغب أن يكون أول لقاءٍ بينه وبين مروان هكذا، أراد لو أنه ينهض ويتجه نحو الآخر بخطواتٍ واسعة تطوي الزمن طيًّا... بدأ ينجرف في أمواج أفكاره المتضاربة... ترى كيف سيقابله مروان؟ هل سيشفق عليه؟ هل سيتذكره أصلًا؟؟؟ لقد مرّت الكثير من السنوات... لا بالطبع سيتذكره لقد كانت علاقتهما وطيدة... هل سيعامله برسمية؟؟؟ الكثير والكثير من الأسئلة المزعجة دارت بخلد هذا الحسن الذي شرد بأسئلته ولم ينتبه لمروان الذي كان قد اقترب منه بالفعل إلا وهو يلتقفه بين أحضانه بحرارة مع قوله الصادق الذي تشدقت نبراته بالمحبة الخالصة : _"والله ما كنت لاقي حد يهوِّن عليا كل السنين دي من غيرك يا واد يا أبو لدغة إنتَ. " لحظة من الدهشة جعلت من زوج الأعين الجاحظتين تحرران عبراتٍ طال حبسها داخل هذه الأهداب منذ أشهرٍ عديدة... أفلتت دموعٌ إن دلت على شيء فلن تدل سوى على الفرحة... الفرحة والإشتياق لهذا الصديق القديم الذي يكبره بعشرة أعوام كاملة، لكن وكما قلنا سابقًا.. فلا دخل لسنٍ ولا لقرابةٍ بهذه العلاقات التي تقاربت فيها الأرواح لتتلامس القلوب وتتقرب من بعضها بعضًا لتتحد في النهاية وتصبح قلوبًا مؤلفة.. استمر العناق الحار بين هاذين الشابين بحب حتى صاح بهما مازن قائلًا : _"خلاص يا أخويا إنتَ وهو مش وقت مسلسلات كوري دلوقتي، يلا اخلصوا في عزال عايز يطلع." صاح به مصطفى من الأعلى قائلًا : _"كويس إنك عارف إن مفيش وقت، واطفي الأغاني دي بدل ما نتحبس!!! " رفع مازن ناظريه لتتقابل عيناه بأعين مصطفى وقد أخرج لسانه يغيظ الأخر بعد أن زاد من مستوى ارتفاع الموسيقى وعاد ليغني مرةً أخرى : _"إفرحي يادي الأوضة جاتلك عروسة موضة... إفرحي يادي المندرة جاتلك عروسة صغيرة... " _____________________________________ ( وبعـد مـرور ثلاثـة أيام.. ) في ڤيلا الدالي في غرفة المعيشة حيث جلست النساء يخترن ما سيرتدينه في حفل زفاف أروى الذي سيغدو بعد ثلاثةٍ من الأيام، وفي الحديقة اجتمع الصغار يلعبون ويلهون هنا وهناك، بينما كانت نور بالأعلى في جحرها -غرفتها- ترسم شيئًا ما بسلام وقد لوّثت الألوان كلتا يديها... كانت هذه هي الفوضى الأحب لقلب هذه الفتاة... فوضى الألوان والطلائات والفراشي... فوضى قادرة على رسم الابتسامة على صفحة وجهها البيضاء... فتحت نافذة غرفتها لتسمح لبرودة الشتاء أن تحوم بغرفتها قليلًا وعادت مُجددًا لمكتبها تلون وترسم في هدوءٍ وسكينة حتى قطعت أروى هذه الهالة من الهدوء بالطرق على باب غرفة نور والدخول دون حتى أن تأذن لها الأولى بذلك. قالت أروى وهي تدَّعي الغضب وقد عقدت ذراعيها وضمتهما إلى صدرها : _"إنتِ قاعدة عندك بتعملي إيه يا أستاذة؟؟؟ " أدارت نور وجهها لتواجه أروى وقد رمقتها بنظرة استنكار ورفعت أحد حاجبيها لتضحك أروى وتتابع : _"بهزر معاكِ، المهم كنت جاية أقول إيه.. أه صح! إنزلي يلا قاعدين بنختار فساتين ليهم تحت. " تثائبت نور بملل ثم قالت : _"طب حلو... هما بيختاروا فساتين أنا مالي؟ أنزل أعمل إيه؟؟؟ " رفعت أروى أحد حاجبيها ورمقت نور ببعض التحدي قائلةً : _"نعم ياختي؟!! هتنزلي عشان محتاجين مانيكان تحت نظبط عليه المقاسات...إنتِ عبيطة يا بت إنتِ؟؟؟هتنزلي عشان نشوف فستان ليكِ يا ضنايا." تجاهلتها نور وعادت لما ترسم مرةً أخرى مما جعل أروى تشتعل غيظًا لتقترب من مكتب نور وتنظر لما يشغل اهتمامها لهذا الحد وما إن لمحت أروى ما ترسمه نور حتى قالت بنبرةٍ امتلأت بالخبث : _"الله الله ! طب ما احنا حلوين أهو وبنعرف نرسم دوَّار الشمس أهو ..طب بالله عليكِ يا شيخة لتنزلي نشوف فستان مع بعض عشان اللي بنرسمه دا.." ألحقت كلماتها الخبيثة التي فهمتها نور بغمزةٍ خبيثة لتضربها نور على كتفها بقوة وقد احمرت وجنتاها مع تعقيبها : _"تصدقي يا أروى أنا أستاهل؟ والله العظيم أنا حيوانة وأستاهل عشان حكيت ليكِ غوري يلا من هنا وملكيش دعوة أنا هلبس إيه.. أقولك على حاجة أحسن؟؟؟ فساتين مش جايبة.. يلا إمشي بقى ." ختمت كلماتها بدفعها لأروى خارج الغرفة وإغلاق الباب من خلفها وما هي إلا ثوانٍ حتى دلفت أروى للغرفة مُجددًا ليس وكأن نور طردتها للتو وبعد أن أغلقت الباب عادت للجلوس بجانب نور التي استقرت على سريرها الوثير وأخذتها لأحضانها قائلةً بحيرة من أمر تلك النور : _"في إيه يا نور مالك بس؟؟؟ اتكلمي معايا ..يعني لو متكلمتيش مع أختك في الحاجة اللي قلقاكِ هتتكلمي مع مين؟؟؟؟" لم يصلها جواب من نور للتابع بنبرةٍ مرحة: _"هتتكلمي مع مرات أبوكِ العقربة؟؟؟" ضحكت نور بخفوت بين أحضان أروى بينما تذرف عيناها الدموع بصمت ثم قالت : _"إسراء مش مرات أب عقربة ولا حاجة بس لو سمعتك بتقولي كدا هتشتغل بوضع التنين اللي بينفخ لهب من بوقه ومش هنسلم من شرها." ضحكت أروى ثم أردفت : _"يا ستي...يعني هتعمل إيه يعني سيبك منها، المهم احكيلي بقى إنتِ مالك وإيه اللي خلاكِ اتوترتي واتقلب حالك في ثانية كدا؟؟؟" صمتت نور للحظات ولم تدري بماذا تجيب..ثم ابتعدت عن أروى قليلًا وهي تجفف وجهها ثم أردفت بعد أن أطلقت تنهيدةً يائسة : _"مفيش حاجة خلاص...خلاص يا أروى أنا بقيت كويسة شكرًا" أردفت أروى بتعجب : _"مفيش حاجة خلاص؟؟؟هو إيه دا؟؟؟ هرمونات بنات... مالك يا نور اخلصي هرموناتك ضربت ولا إيه؟؟؟ " عقبت نور بانزعاج وملل تحاول التهرب : _"أيوة يا أروى هرموناتي ضربت هاا؟؟؟ وبعدين؟؟؟ هتتريقي على إيه تاني فيا؟؟؟" ضربت أروى جبهة نور بإصبعيها مع قولها : _"يا غبية إفهمي أنا زعلانة عشانك مش بتتريق عليكِ.. أنا بحاول أخليكِ تضحكي وتتكلمي معايا في اللي قلقك وإنتِ اللي رافضة.." صمتت لبرهةٍ ثم تابعت : _"خلاص يا نور أنا مش هضغط عليكِ أكتر من كدا.. بس لو عايزة تتكلمي في أي وقت متتردديش تيجي وتتكلمي معايا." نهضت أروى وخطت بضع خطواتٍ تجاه باب الغرفة قبل تناديها نور لتلتفت لها مرةً أخرى : _"أروى...بابا سألني إذا كنت موافقة على مروان ولا لأ.." رمقتها أروى بنظرةٍ وصل كنهها لنور لتتابع : _"قلت له إني موافقة..." تنهدت أروى بعمق وعادت لتجلس مواجهةً لنور ثم قالت كاسرةً الصمت الذي ران عليهما لثوانٍ : _"طيب...أنا مش شايفة إن دي حاجة وحشة تخليكِ قلقانة ومتلخطبة بالشكل دا، دا إنتِ اللي يشوفك يقول إن حد غاصب عليكِ." ارتسم طيف بسمةٍ على شفتي الأخرى لتستكمل أروى حديثها بهدوء : _"طب يا نور خلينا نتفق إننا نتكام بصراحة...إنتِ مضطربة دلوقتي كدا ليه إنتِ مش بتحبيه؟؟؟" _"لأ." _____________________________________ وعلى التوازي، في مكانٍ أخر تحديدًا في إحدى مدرجات كلية التربية حيث كان آدم وحسن يستمعان لمحاضرتهما في مادة "الكوسمولوجيا القديمة" بحرصٍ وتركيز وكلٌ منهما يدوِّن ما يقوله الأستاذ في دفتره الخاص تفاجأ حسن بهاتفه يصدح بالرنين عاليًا في القاعة ليقبض عليه سريعًا ويكتم رنينه بسرعة ثم قام واعتذر بشدة كي لا يتم طرده، جلس مرةً أخرى وهو يتألم.. لم يستطع أن يخفي تعابير وجهه التي دلت على شدة تألمه بسبب نهوضه المفاجيء والسريع الذي لم يعتد عليه بعد... نصحه طبيب العلاج الطبيعي الذي يتابع حالته ويشرف على جلساته العلاجية أن يقوم بالعد لثلاثة قبل أن ينهض كي تستعد قدماه شيئًا فشيئًا، ورغم ذلك فإن الطبيب دائمًا ما يبشره بالخير، لقد أخبره في جلسته السابقة أن نسبة التحسن عادت للإزدياد مرةً أخرى وأنه إذا استمر على هذه الحال ما هي إلى مسألة أسابيع حتى تعود قدماه طبيعيتان ويتمكن من لعب الكرة مرةً أخرى كسابق عهده.. لاحظ آدم تألم صديقه فربت على كتفه يدعمه ويؤازره. إنتهت المحاضرة وكان الشابان يجمعان أغراضهما للمغادرة لولا تفاجئهما بكوزيت تتقدم نحوهما وتجلس أمامهما بهدوء وعلى شفتيها ابتسامةٌ مترددة ،ألقت عليهما التحية ثم توجهت لحسن بعينيها الرماديتين مع قولها : _"إن لم أكن أزعجك..أيمكنك شرح بعض الأشياء لي من فضلك؟؟؟" قطب حسن جبينه وعقب قولها بسؤاله : _"شرح؟ أي شرح نحن ندرس بمجالاتٍ مختلفة مالذي سأشرحه لكِ؟؟؟" تفهمت كوزيت تفكيره فأجابته موضحةً : _"لا لا ..لا أقصد الأمر هكذا تشرح لي شيئًا أخر..ما هو الإسلام حقًا؟؟؟" خلا وجه الشابين من التعابير ..بل الأصح أنهما فرغا من أي تعبيرٍ سوى الدهشة وبالأخص حسن الذي عُقد لسانه وارتفع حاجباه من الدهشة...لم يتوقع أبدًا منها سؤالًا كهذا ،وأثناء صمته وارتباكه تحدثت هي بهدوءٍ والبسمة لا تفارق شفتيها : _"أتدري أعجبني أنك احترمت ما يمليه عليك معتقدك الديني...لو كان أحدٌ أخر في مكانك لتنازل قليلًا وأدخلني منزله أما أنت فانتظرت حتى يأتي شخصٌ أخر ويجلس معنا، أنا حقًا أحترمك." ازداد ارتباك حسن واحمر وجهه بعض الشيء وراح يجول عينيه في المكان بعيدًا عنها مُتفاديًا النظر إليها بينما استرسلت هي في الحديث قائلةً : _"منذ أن اجتمعت بك وبابنة عمك والأمر حقًا يشغل بالي بطريقةٍ غير طبيعية حتى أنني.." ضحكت بخفوتٍ وبدت عليها السعادة والراحة ثم تابعت : _"حسنًا لقد اقتنيت قرانًا مترجمًا وأنا حقًا سعيدةٌ بهذا..لكن هناك شيءٌ ما.." سألها حسن أن تتابع فاسترسلت في الحديث قائلةً : _"كما تعلم..فاللغة الفرنسية سريعة التغير.. لذلك اقتنيت قرآن مترجم للإنجليزية.. لكني لا أدري المشكلة التي تواجهني في فهم بعض الأيات أهي لصعوبة المعاني حقًا أم لاختلاف الترجمة؟..وبصراحة أنا لست بتلك البراعة في الإنجليزية لذلك...هل يمكنك مساعدتي؟؟؟" تنهد حسن بحيرة وفرك رأسه يفكر بينما وجه له آدم الحديث باللغة العربية : _"إنتَ محتاغ ليه؟؟؟ بتفكغ في إيه ؟؟؟" تحدث حسن بانزعاج : _"يا ابني بقى مش وقتك إنتَ كمان حل عن نفوخي..وبعدين قلت لك 100 مرة حرف ال(R( بيتنطق زي ما هو بطل عبط بقى إنتَ بتتكلم عربي مش فرنساوي...جاتكم البلا بوظتوا اللغة" التفت مجددًا لكوزيت وقال بعد تفكير : _"مساعدتك تسرني بالطبع ،يمكنكِ زيارتي في أي وقتٍ أردتي لكن هاتفيني قبلها كي أرتب نفسي.. وإن لم أجب الهاتف إتصلي بآدم وأخبريه وسيخبرني." صفقت كوزيت بسعادةٍ بالغة وشكرته كثيرًا ثم هدأت من روعها وتنفست بهدوء لتخبرهم أنها ستغادر ولن تعطلهم أكثر من ذلك، قدمت الشكر لآدم أيضًا ثم صافحته مودعةً إياه وعادت تتوجه بحديثها لحسن مُجددًا قائلةً: _"كنت أود مصافحتك وتوديعك كما اعتدت لكني لن أفعل هذا من أجلك." ضحك الشابان وأردف حسن : _"أشكرك كثيرًا لتقديرك." ضحكت هي أيضًا ثم ودعته وتركتهما وذهبت، تحدث آدم وهو ينظر في أثرها بشرود : _"فتاةٌ لطيفة صحيح؟؟؟" _"بل خفيفة الظل.." هكذا أتاه رد حسن ليردف بخبث يقصد إيقاع صديقه بالكلام : _"نعم أنتَ محق خفيفة الظل ومؤدبة...وجميلةٌ أيضًا صحيح؟؟؟" أردف حسن بطبيعيةٍ وهدوء : _"حقًا؟ لا أدري لم أنتبه... وأيضًا أنت تعرفني لا أحب الخوض في الحديث عن الفتيات يكفينا أنها تتعامل بأدب." تحدث آدم بضجر : _"لقد مللت من صحبتك أنت نموذجيٌ بشكل لا يطاق.. أحيانًا مثاليتك هذه تجعلني أرغب في مصادقة بعض الشباب الفاسدين فالحياة أصبحت مملة." _"ما هذا الكلام الغريب الذي تتحدث عنه؟؟؟ نموذجية ومثالية ماذا؟ أنا؟؟؟ أنا لست مثاليًا على الإطلاق فقط أحاول أن أضبط نفسي وأن أهذب روحي قليلًا....ولا تذكر أمر الصحبة الفاسدة هذا مُجددًا كي لا تتعرض للضرب...أتعلم أمرًا؟ الوقوف هنا والكلام معك مضيعةٌ للوقت أنا سأذهب للبيت فلدي أشياء كثيرة أنجزها. " لم ينتظر أن يودع صديقه حتى بل انصرف فورًا بلامبالاةٍ حتى النخاع ثم توقف فجأة عن إدارة عجلات كرسيه المتحرك وصاح بصوتٍ عالٍ : _"صحيح كدتُ أنسى.. زفاف شقيقتي يوم الجمعة.. بعد ثلاثة أيام.. لا تنس أن تأتي سيكون مُملًا بدونك." ارتسمت نصف ابتسامةٍ على وجه آدم ليردف وهو يلوح لصديقه : _"بالطبع سأتي.." ____________________________________ وفي مكتب مالك اجتمع مالك بأقرانه الثلاثة وكلٌ منهم يحمل على وجهه تعبيراتٍ دلت على الإنزعاج ، أسدل الصمت عبائته على المكان وخيم الهدوء حتى زفر خالد بضيق وصاح بهم في ملل وانزعاجٍ قائلًا : _"جرا إيه يا إخوانا إنتم مجمعينا عشان نفضل ساكتين كدا؟؟؟ هي الحكاية ناقصة هم عني عشان نتكدر بالقعدة الصامتة دي كدا؟؟؟ " تنهد مازن وقال وهو يفرك عينيه بضيق : _"خلاص بما إن محدش فينا عايز يتكلم نبدأ بمصطفى الكبير اللي فينا بعدين مشوها بالترتيب.." أيده خالد في الحديث بينما لم يبالي مالك بأيٍ مما قيل ليباشر مصطفى قائلًا : _"مش عارف...حاسس زي ما أكون واحد بيتخان...أنا فرحان عشانها ومبسوط عشان شايفها مبسوطة وفرحانة قدامي ومارتن شاب طيب ومحترم بس غصب عني جوايا جزء بيتضايق كل ما يفتكر إنها خلاص كبرت وهتتجوز وتسيبنا وتروح لبيت تاني..." ربت مالك على كتفه بتفهم فهو يعلم جيدًا ما يشعر به الآن بينما تحدث خالد يحاول مواساته : _"معلش يا مصطفى هي المسألة بس محتاجة شوية في الأول وبعد كدا إنتَ نفسك هتتعود.. وبعدين إنتَ لما بتفكر بالطريقة دي بتبقى مفضوح أوي واللي حواليك بيحسوا إنك متضايق." تابع مازن الحديث قائلًا : _"خالد عنده حق يا مصطفى.. مينفعش تبان متضايق في فرح بنتك الوحيدة لإن مش كل الناس هتفهم إحساسك، وسيبك من الناس أروى نفسها مينفعش تحس إنك متضايق كدا كفاية اللي هي فيه، حتى لو كانت قدامنا فرحانة ومبسوطة بس أكيد اللي جواها حاجة تانية غير كدا." قطب مصطفى جبينه مُتسائلًا : _"جواها حاجة تانية إزاي يعني؟؟؟ " إستكمل خالد الكلام قائلًا : _"مازن معاه حق يا مصطفى دي بنت وفاضل كام يوم وتسيب بيتها وأمها وأبوها واخواتها الصغيرين اللي اتعودت تاخد بالها منهم دايمًا... طبيعي تبقى خايفة وقلقانة فمينفعش إنتَ كمان تبينلها إنك متضايق وزهقان إنتَ كدا هتقلقها أكتر المفروض إنتَ اللي تطمنها." فرك مصطفى وجهه بعنف ثم أردف : _"عندك حق يا خالد...إنتم الإتنين كلامكم صح." أطلق زفرةً طويلة ثم نظر لمالك واستكمل حديثه يتابع : _"وإنتَ يا مالك مش هتقول حاجة؟؟؟ إيه رأيك في اللي مازن وخالد بيقولوه؟؟؟" صمت مالك لبرهة ثم عقب : _"مش قادر أقول لك متزعلش لإني مقدر مشاعرك وحاسس بيك بس هما كلامهم صح..هي بس مسألة تعود في الأول." تحدث مازن معقبًا قول مالك السابق بقوله : _"وإنتَ يا إبن الدالي..إيه حكايتك؟؟؟ إتفضل المايك معاك.." تنهد مالك بقوة وقال بيأس وقلمه يخربش بعض الكلمات أمامه على سطح المكتب : _"أيوة إبن الدالي...هي دي مشكلتي الحقيقة والسبب في كل المشاكل.." تحدث مصطفى بقلق وهو يطالع مالك : _"في إيه يا مالك قلقتنا؟؟؟" سكت بضع لحظاتٍ ثم أجاب : _"مروان عايز يتجوز نور...ونور وافقت...." قطب مازن جبينه ثم تحدث : _"طب..أيوة هو ألف مبروك طبعًا وكل حاجة بس إيه المشكلة في كدا أنا مش فاهم برضو..." أضاف خالد على حديث السابق : _"وأنا كمان مش فاهم إيه المشكلة في كدا، طالما إنتَ اللي مربيه وعارفه زي ما بيقولوا ، وكلنا عارفينه وهو أكتر حد هيخلي باله من نور ، وطالما هو بيحبها وطلبها منك وهي وافقت يبقى على بركة الله ، أنا شايف إن مفيش أي مشكلة؟.. " تحدث مصطفى ردًا على خالد ومازن : _"لا ماهي مبتتحسبش كدا يا صاحبي..." أردف خالد : _"خلاص قول لنا إنتَ بتتحسب إزاي.." أردف مصطفى وقد فهم ما يدور برأس صديقه : _"زي ما إنتَ بتقول.. مالك هو اللي ربى مروان يعني علاقتهم زي علاقة الأب وابنه أو الأخ وأخوه الصغير... ونور بنت مالك مش بس بنته على الورق ، لأ نور بنته بجد وبنتنا إحنا الأربعة طبعًا..، كلامي اللي قلته دا فيه حاجة غلط؟؟؟ " أردف الثلاثة في صوتٍ واحد : _"لا مفيهوش.." ليتابع مصطفى موجهًا حديثه لخالد : _"تقدر تقولي الإتنين دول لو في يوم اتخانقوا موقف مالك في النص هيبقى عامل إزاي؟؟؟ بلاش دي لو بعد الشر طبعًا زي أي اتنين ممكن يحصل طلاق ، موقفنا كلنا هيبقى إيه؟؟؟" همهم خالد بهدوء وتحدث مازن : _"وإنتَ ليه حسبتها كدا؟؟؟ أصل مفيش واحد بيفضل لوحده عشر سنين وفي يوم من الأيام يصحى يلاقي نفسه بيحب واحدة بقاله سنين ميعرفش عنها حاجة وعايز يتجوزها.. معنى كدا إنه كان بيحبها من البداية ومن قبل ما يسافر إيه اللي يخليه يزعلها حتى مش يتخانق معاها؟؟؟" لاحقه خالد بالرد : _"لا يا مازن مش كدا.. طب ما أنا بحب مراتي وكنت بحبها من وإحنا صغيرين في ابتدائي ومع ذلك أحيان كتير بنتخانق وامبارح لسة شادين مع بعض في الكلام ، إنتَ بنفسك متقدرش تقول إنك مببخانقش إنتَ وفريدة.." تحدث مازن بسخرية: _"وعهد الله ما حصل دي منكدة عليا عيشتي.. كل يوم خناقة الصبح وخناقة بليل كإنه شريط مضاد حيوي كل 12 ساعة باخده." ضحك الشباب رغمًا عنهم  ليعقب مصطفى من بين ضحكاته : _"حاسس بيك.. حاسس بيك والله يا ابني." اردف مالك بضحك : _"إيه إنتَ عايش معاه في نفس موال المضاد الحيوي دا؟؟؟" أجابه مصطفى : _"أنا كنت في موال المضاد الحيوي بتاع خناقة كل 12 ساعة دا قبل ما فريدة أختي تتجوز بعد ما اتجوزت والشريط راح لمازن اتنقلت لمستوى أعلى وموال أكبر..الحمد لله أروى وحسن معيشينني في موال الصيدلية ودا أدهى وأمر." ضحك الجميع عدا خالد الذي قال ببلاهة : _"حاسس إنك بتبشر في وشي." أردف مصطفى وهو يبتسم : _"ليه يا عم خالد بس كدا.. لا يا عم إن شاء الله ميبقوش كدا ، بعدين الفرق بين أروى وحسن كان حوالي أربع سنين والفرق بين وعد ومهاب مكملش حتى السنة فمتقلقش ، ربنا يحنن قلوبهم على بعض." ورغمًا عن مازن أخرج تنهيدةً طويلة تشي بانزعاجٍ لاحظه الجميع وفهموا سببه ليتابع مالك مُغيرًا مجرى الحديث : _"طيب نرجع بقى لكلامنا بعد إذنكم... دي مش المشكلة ولا اللي أنا كنت بفكر فيه من أساسه... المشكلة إني عارف ومتأكد إن نور مش بتحب مروان ولا عايزة تتجوزه من أساسه وإنها وافقت بس علشان متزعلنيش وعشان علاقتي أنا ومروان متتأثرش." أردف مازن بينما صمت الاخران : _"برضو دي مش مشكلة.. أنا أهم حاجة بالنسبالي أبقى عارف إن اللي هديله بنتي هيحافظ عليها ويتقي الله فيها.. أصل مش كل الجواز عن حب يعني." عقب مصطفى بسرعة ودون تمهل : _"لا يا مازن غلط..منتهى الغلط.." لاحقه مازن بسخرية : _"أومال إيه الصح يا هندسة.." أردف مصطفى : _"الجواز يا دكترة ممكن يبقى عن حب أه وممكن جواز صالونات وممكن يبقى جواز قائم على المصلحة والشراكة.. إنما محدش عاقل بيبني علاقة جديدة ويكوّن بيت وأسرة وحياة جديدة علشان علاقة تانية متبوظش ، يعني إيه اتنين يتجوزوا ويبقى مطلوب منهم يكونوا ونس وأمان وسند لبعض ويتحملوا بعض باقي عمرهم علشان طرف تالت ميزعلش إحنا في القرن الواحد والعشرين يا دكتور." تدخل خالد موجهًا حديثه لمالك : _"بص يا مالك إنتَ أكد لها إنك ملكش دعوة بالأمر دا وأكد عليها إنها تختار براحتها وتاخد وقتها في التفكير وإنها لو رفضت مفيش حاجة هتتأثر بينك وبين مروان وإنه حقها تقول لأ وفهمها إنه جواز مش لعب عيال ، وكدا كدا مفيش أي حاجة هتحصل لغاية فرح أروى ما يتم علشان نبقى فاضيين يعني هيبقى قدامها وقت طويل تفكر فيه براحتها.. وبعدين لسة فيه رؤية شرعية هتخليها تقرر قرار نهائي فمتقلقش، إنتَ بس متضغطش عليها  وتقعد تسألها كل شوية." أردف مازن مُمازحًا : _"أه والنبي يا مالك بلاش الزن بتاعك اللي بيجيب للواحد العصبي دا.." أجابه مالك باستنكار : _"أنا زنان ؟؟؟طب خلي حد غيرك يتكلم ..يا ابني دا إنت المرحوم أبوك قرف من عياطك وزنك من أول يوم ليك على وش الدنيا وراح السجل يغير إسمك بعد ما كان مسميك شهاب سماك مازن.. يعني أقرب إسم لكلمة زنان، يا ابني دا إحنا لو شلنا الميم والألف من الأول هيبقى إسمك زن." ضحك مصطفى بشدة على انفعال مالك حتى كاد يبكي ثم أضاف : _"عنده حق.. إحنا إزاي معتبرنهاش إشارة.. الله يرحمه أبوك كان ليه نظرة.." أردف خالد بغير تصديق : _"إيه دا الكلام دا بجد؟؟؟ يعني إنتَ يا مازن كان إسمك شهاب؟؟؟" مصطفى بضحكاتٍ كادت تقضي عليه : _" أه والله ..في الأول أبوه سماه شهاب وبعدها بيومين بس راح سماه مازن بسبب زنه وعياطه ،في الأول كانت نيته يغيره لزنان فعلًا بس الراجل بتاع السجل المدني كان عنده شوية رحمة وممنعش نفسه إنه يتدخل في حياة الأخرين وأنقذ حياة مازن لما رشح لأبو مازن الإسم دا." انفجر خالد بالضحك بينما تحدث مازن بشرود : _"والله عمري ما هنساها له ..الراجل الطيب اللي أنقذ حياتي دا ربنا يرحمه لو مات ويباركله في عمره وصحته لو لسة عايش.." امن الجميع ورائه باحترام ثم تفاجئوا بمازن يقف ويرفع يديه في السماء قائلًا : _"يارب يتجوز جورجينا مرات كرستيانو " ضحك الجميع وقال مالك  وقد انهار من طريقة مازن الفكاهية : _"جورجينا مرة واحدة؟؟؟ دا إنتَ مدعيتش كدا لنفسك؟؟؟" أجابه مازن وقد رفع حاجبه الأيسر ولو فمه باستنكار قائلًا : _"وأدعي لنفسي بجورجينا ليه وأنا معايا الهنا كله ربنا يخليلي مراتي حبيبتي.." ابتسم مصطفى بفخر وتحدث مالك بحب : _"يارب يا سيدي ربنا يباركلك في مراتك وبنتك اللي هي خطيبتي." ضحكوا جميعًا ثم أمنوا هذا الدعاء ثم تنهدوا وجلسوا بهدوء كلٌ منهم يغوص في عالمه الخاص للحظاتٍ من الزمن حتى وجه خالد سؤاله لمازن الذي لا ينفك يطالع وجهه بتركيز : _"في إيه يا عم مازن باصصلي كدا ليه زي ما أكون واكل ورثك من أبوك ولا حاجة؟؟؟" تدخل مالك قائلًا : _"هو دا حيلته حاجة دا معفن.. بذمتك دي أشكال تورث أصلًا؟؟؟" نظر مازن لمالك بلامبالاة بينما تحدث مصطفى : _"جرا إيه يا إبن الدالي عرق الغطرسة رجع يظهر تاني ولا إيه.." تحدث خالد قائلًا : _"سيبه يا عم حقه ما هو نجيب سويرس القعدة صحيح." _"الله أكبر.." خرجت من فم مالك بطريقةٍ شعبية يحمي نفسه بها من الحسد مُمازحًا ليعقب خالد : _"لا يا عم متخافش إحنا مبنحسدش ولا حاجة إحنا بنقُر بس" ابتسم الجميع بهدوء بينما تحدث مازن : _"المهم كنا فين..أه دورك يا خالد.. مالك؟لاوي وشك ليه؟؟ إتفضل غني واطربنا.." _"باختصار كدا عشان كل واحد يشوف حاله ..غنى متضايقة من تصرفات مُهاب بتقول إنه بقى عصبي وشقي بطريقة صعبة وشايفة إني بتحامل عليه وبتعامل معاه بشدة ودا السبب في عصبيته.." تحدث مصطفى قائلًا : _"بص يا خالد هو الصح إنه يتعود يبقى مسئول من صغره صح بس مش بطريقتك دي ..يعني أنا شايف إنك مزودها معاه حبتين وهو لسة عيل تسع سنين وعايز براح أكتر من كدا شوية في المعاملة." عقب مالك بانفعال حاول أن يواريه : _"وبطّل تنتقده قدامنا وقدام اخواته يا خالد.. والأحسن متنتقدهوش أصلًا.. يعني لما تلاقيه بيغلط فهمه الصح متنتقدهوش، صاحبه يا خالد واعمل عقلك بعقله ولما يعمل حاجة غلط خده على جنب واتكلم معاه وقوله وأنا صغير كنت بعمل كدا وحصل معايا كذا ، وأنا قدك حصل لواحد صاحبي كذا عشان مسمعش الكلام وعمل كذا.. حاول تفهمه إنه راجل كبير وإنك بتتعامل معاه على الأساس دا." أضاف مازن صوته للحديث قائلًا : _"ومتهزش ثقته في نفسه يا خالد.. كتر التعليق على تصرفاته هيجيب نتيجة عكسية بل بالعكس لما أمه تشتكيلك إنه عمل حاجة استغرب واعمل نفسك مش مصدق وإن إزاي دا مهاب مبيعملش كدا ومهاب ولد شاطر ومؤدب.. هو بنفسه هيفهم إن دا غلط وهيحاول يفضل بصورة الشاطر المؤدب اللي إنتَ حطيته قدامها علشان الأطفال بيصدقوا كلام أمهم وأبوهم.. لو قعدت تقول مثلًا دا فاشل ومبيذاكرش بدل ما تصلح المشكلة هتكبرها وهو هيصدق كلامك وهيترسخ في دماغه وفعًلا هيبقى فاشل ومبيذاكرش." تحدث مصطفى بسخرية لمازن : _"ما شاء الله عليك تتحسد أول مرة تقول حاجة عدلة من بداية القعدة المهببة دي.." ابتلع ريقه ثم تابع محولًا الحديث لخالد : _"المهم يا خالد إنك تصاحبه وتطول بالك عليه شوية.. ومتخلهوش يخاف منك خليه يحبك ويحترمك علشان لو بقى بيسمع كلامك في وجودك بدافع الخوف فَ في غيابك هيضرب بكلامك الحيطة ومش هيعمل ليك احترام." تنهد خالد وهو يفرك عينيه بتفكير ثم أردف : _"طب تمام هحاول... وإنتَ يا مازن؟ مفاضلش غيرك تتكلم.." وقف مازن من مقعده وبدأ يفرد جسده ثم قال وهو يتثائب بملل : _"لا أنا كدا موضوعي تافه وميستاهلش.. المهم إنتم خلوا بالكم من عيالكم وأنا موضوعي أهبل زيي أساسًا هبقى أتصرف أنا.. يلا قوموا كل واحد يشوف وراه إيه عشان منعطلش الجدع دا عن شغله أكتر من كدا. " مصطفى بتعجب : _"طب إستنا خليك معانا شوية." أجابه مازن بملل وهو يتقدم نحو باب الخروج : _"أستنا معاكم شوية أعمل إيه.. لا يا عم أنا مروح أِشوف بنتي اللي مشوفتهاش من الصبح دي."  ودون كلمةٍ إضافية انسحب هاربًا وأغلق الباب من خلفه لينظر أقرانه في أثره بحزن وهم يعلمون ما يخفيه وما يؤلم مشاعره.. لكن إذا لم يرد هو التحدث في هذا الأمر فلن يمكنهم الخوض فيه بأنفسهم فهذه المواضيع في غاية الحساسية ولا يمكنهم التدخل بها من تلقاء أنفسهم.. زفر مصطفى بانزعاج ثم ربت على كتف مالك ليلتفت له الثاني فقال مصطفى مُمازحًا إياه بطريقةٍ كوميدية : _"والله قعدتك غم يا غريب ميتشبعش منيها.." ارتسم شبح ابتسامة على وجهي مالك وخالد ..وبعد أن أرخى الصمت ردائه عليهم لدقائق شرد فيها كلٌ منهم تحدث خالد قائلًا : _"الواد مازن دا صعبان عليا.. مش راضي حتى يقول اللي جواه." تحدث مالك بينما لم يفق مصطفى من شروده بعد قائلًا : _"ربنا يهديه يا خالد..ربنا يهدينا جميعًا." ___________________________________ ستوووب لحد كدا.. وقف يا بني ،إزيكم يا حبايب العين طبعًا مش محتاجين إعتذار إن البارت إتأخر أكيد اتعودتم وإحنا خلاص بقينا أهل يعني ومش غُرب ولا حاجة "ضحك" .. وطبعًا عشان إحنا أصبحنا أهل خلاص ومفيش كسوف ولا حرج أحب أقول لكم إن احتمال الفصل الجاي يتأخر كمان للأسف ، دعواتكم بقى ونجمة حلوة زي وجودكم كدا وكومنت لطيف لو الفصل حلو.. فصل تعبني جدًا والله وأتمنى يعجبك يا عزيزتي القارئة القمورة ، توقاعتكم للأحداث الجاية بقى وبس، عزيزتي القارئة خدي بوسة 3>>>> وعزيزي القاريء شكرًا لوجودك :) وبس كدا دُمتم في رعاية الله، سلام🫒🤍. ' -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كيف تصنع مريضًا

المؤلف -مَليكـة مجْـدي إبرا
2024/08/18 مكتملة
قائمة الفصول (35)
الفصل 0: إهداء
2024/08/18
الفصل 19: الفصل الثامن عشر: ضيوفٌ جُـدد
2024/08/19
الفصل 20: الفصل التاسع عشر: فــراق
2024/08/19
الفصل 21: العشـرون: يدَّعـي أنه يحبهـا
2024/08/19
الفصل 22: الواحد والعشرون: عالمٌ موازي... هو مُسلمٌ فقط
2024/08/19
الفصل 23: الثاني والعشرون: ما بعـد فراقٍ طـويل
2024/08/19
الفصل 24: الثالث والعشـرون: دكتـورة خبايا
2024/08/19
الفصل 25: الرابع والعشـرون: التقاء الأعيُـن
2024/08/19
الفصل 26: الخامس والعشرون: ابتسامـةٌ خبيثة
2024/08/19
الفصل 27: السادس والعشـرون: صفعـةٌ مُـدوية
2024/08/19
الفصل 28: السابع والعشـرون: فهل ينال الرضى؟
2024/08/19
الفصل 29: الثامن والعشـرون: وأخيرًا حل الربيع
2024/08/19
الفصل 30: التاسع والعشـرون: طيـورٌ مُهاجـرة
2024/08/19
الفصل 31: الثلاثون: في النهاية نحـن مُجـرد قصـة
2024/08/19
الفصل 32: إذًا.. أهو الوداع؟؟؟
2024/08/19
الفصل 33: (إقتباس من الجـزء الثاني)
2024/08/19
الفصل 18: الفصل السابع عشر: الخطوة الأخيرة
2024/08/19
الفصل 17: الفصل السادس عشر: نقطة الإحتراق
2024/08/19
الفصل 16: الفصل الخامس عشر: فُصام مالك..
2024/08/18
الفصل 1: مقدمة
2024/08/18
الفصل 2: الفصل الأول: إصطـدام
2024/08/18
الفصل 3: الفصل الثاني: مكالمـة
2024/08/18
الفصل 4: الفصل الثالث: بيـتٌ عتيـق
2024/08/18
الفصل 5: الفصل الرابـع: دفاتِــر
2024/08/18
الفصل 6: الفصل الخامـس: قطــة
2024/08/18
الفصل 7: الفصل السادس: إعادة العلاقات
2024/08/18
الفصل 8: الفصل السابـع: الجاثــوم
2024/08/18
الفصل 9: الفصل الثامـن: بدايةٌ في مكانٍ بعيد
2024/08/18
الفصل 10: الفصل التاسـع: مُشاجـرةٌ بين المشاعـر
2024/08/18
الفصل 11: الفصـل العاشـر: كيف حالُ حُبِّک
2024/08/18
الفصل 12: الفصل الحادي عشـر: أجواء متوترة
2024/08/18
الفصل 13: الفصل الثاني عشر: الحُـب الضائـع
2024/08/18
الفصل 14: الفصل الثالث عشر: يُناديها صغيرتي
2024/08/18
الفصل 15: الفصل الرابع عشـر: كلنا عيلة واحدة
2024/08/18
الفصل 34: إقتباس 2 من الجزء الثاني
2024/08/19

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة