إذا أراد الله بعبده خيرًا يسّر لسانَهُ للصّلاة على سيدنا محمّد ﷺ" صلّوا على الحبيب قلوبكم تطيب🤍'. ______________________________ وفي الخامسة صباحًا أتاهم صوت من الاستقبال : _ "على السادة المسافرين على متن الطائرة ( __ ) المتجهة لمطار باريس الدولي التوجه نحو الطائرة سيحين موعد إقلاع الطائرة بعد 20 دقيقة." أيقظت فريدة نور التي كانت على وشك أن تغفو، وحمل كلًا من مازن ومالك وخالد حقائبهم وحقائب فريدة وإسراء وغنى ونور متجهين صوب الطائرة من أجل وضع الحقائب، بينما اتجهت الفتيات يتممنَّ تفحص أوراقهنَّ. بعد صعود الطائرة المتجهة لباريس والجلوس إلى كراسيهم المحددة لهم كالتالي : نور بجانب مالك، إسراء بجانب غنى، مازن بجانب فريدة، أما خالد فجلس بجانب فتاة لا يعرفونها. وقد اعترضت إسراء على جلوس نور بجانب مالك، بل اعترضت على ذهابها معهم أساسًا، لكن هذا ما أصرت عليه فريدة، أن تذهب نور معهم في رحلة العلاج. "أهلًا بحضراتكم على متن طائرة رقم ( __ ) كابتن الطائرة يرحب بكم مع تمنياتنا رحلة سعيدة للجميع" تلقي المضيفة بعض الملاحظات على الركاب بينما شرد فِكر مالك في مكانٍ آخر.. أفاق من شروده عندما مالت رأس نور النائمة على ذراعه ليبتسم وقد رقَّ قلبه لهذه الصغيرة واعتدل في جلسته لكي تستريح دون أن يوقظها ويسبب لها قلقًا في نومها، فإن رحلتهم ستستمر لعدَّة ساعات قادمة. ترى إسراء المشهد من أوله وتزداد غيظًا من هذه الصغيرة المدللة وحزنًا من حبيبها الذي كما أصبحت تصفه مؤخرًا "الخائن البريء" كلما شعرت أنه يعطي ألأولوية لنور التي عرفها منذ بضعة أشهر. تنظر لها غنى بقلق وقد فهمت ما يدور بداخلها من براكين وتحاول تهدئتها بقولها : _"إهدي يا إسراء دي بنوتة صغيرة." لترد إسراء بعصبية وحِدّة شديدين وقد بدأت نبرات صوتها بالإرتفاع دون أن تقصد : '"أهدى إيه؟!! إنتِ مش شايفة هي نايمة على دراعه إزاي؟! مش شايفة بيعاملها إزاي وبيعاملني أنا إزاي؟؟!" لم يُعدها لصوابها سوى الإتباك الذي ظهر جليًّا على ملامح غنى وعي تشير بسبابتها جهة شفتيها بعلامة الصمت وعيناها تدوران يُمنةً ويُسرة مع قولها المُضطرب : _"شششش وطي صوتك فضحتينا!" إنتبهت إسراء لمن حولها لتجد كل من بالطائرة يطالعونها بتعجب شديد فاحمرت خجلًا واعتذرت من الجميع وجلست مرةً أخرى، لاحظت نظرة مالك الجانبية لها قبل أن ينظر أمامه متجاهلًا لها فزاد غيظها حتى إحمر وجهها وظهرت بعض العبرات في مُقلتيها الصافيتين وقالت موجهةً غضبها لغنى : _"شفتي؟! بصلي بجنب عينه وعمل نفسه مشافنيش.. دا حتى مكلفش نفسه إنه يعرف إيه اللي مدايقني." قالتها وقد إزداد وجهها حُمرةً وهبطت دمعةٌ متمردة من طرف عينها لترد عليها غنى وقد أمسكت بذراعها : _"ما قولنا دي عيلة صغيرة يا إسراء، وبعدين مالك بيحبك إنتِ وخلاص فاضل أقل من شهر على جوازكم إهدي بقى.. " تحدثت إسراء تردف قول ابنة خالتها بذات الإستياء : _" يابنتي إنتِ مشفتيش بيعاملها هي إزاي وبيعاملني أنا إزاي؟؟؟ دا أنا قلت له إحنا مش هينفع نكمل قالي قفل السِكّة في وشي بكل برود، ولما عرف بس إنها قامت تقعد في البلكونة لوحدها لما كنا في المستشفى قام يتأكد إنها مش زعلانة ولا حد دايقها برغم إنه كان تعبان ساعتها! حقي بقا أتضايق وأغير ولا لأ؟؟؟ " كانت على وشك الإنخراط في البكاء لولا أن لاحظت أنه ينظر لها فتمالكت دموعها في كبرياء ومسحت وجهها، إقترحت غنى عليها أن يستمعا لبعض الموسيقى حتى يمر الوقت فاستجابت لها. وخارج إطار اللوحة كانت فريدة تتابع المشهد كاملًا دون تدخل وتتدون ملاحظاتها بعناية في دفترٍ صغير أخذته في جيبها، تتابع نظرات مالك المترددة بين إسراء و نور وتلاحظ لغة جسده بعناية، لتشعر فجأة باليد التي اعتادت خشونتها تمسك بيدها مع قول صاحبها الذي يشعر بغيرةٍ فشل في إخفائها : -"على فكرة أنا كدة هغير من مالك لو هتهتمي بيه أكتر مني بعد جوازنا." نظرت له بعينيها رامقةً إياه بتلك النظرة التي كانت كفيلة لطمئنته فابتسم وطبع قبلته على كفِّها. في حين كان خالد يتفحص بعض المجلات التي بدا أنها مثيرة للإهتمام عندما أسقطت المضيفة المشروب عليه بدون قصد وهي تودُّ إعطائه لشريكته في المقعد، ظلت المضيفة والفتاة تعتذران له بشِّدة فتهاون خالد اللين الطبع فانزعجت غنى بعض الشيء ظنًا منها أنه يتعمد أن يتصرف بلطف مع الفتاة الجميلة. بعد عِدّة ساعات من السفر يوقظ مالك نور وخالد الذي كان يجلس خلفه مباشرةً وباشرت إسراء في إيقاظ كُلًا من غنى وفريدة ومازن، كان الجميع تعِبًا من الرحلة التي استمرت لساعاتٍ طويلة. انسلخوا عن الطائرة بعد حمل الحقائب وظلوا يتفحصون الوجوه لعلهم يجدون من ينتظرهم. حتى ظهر الفتى ذو الشعر الأسود المُجعد بهيئته الفاتنةو الهندام المرتب واضعًا يديه في جيوب بنطاله ذو اللون الكريمي، الذي هتف مرةً واحدة باسم مالك ليلتفت له الجميع ويترك مالك يد نور والحقيبة مُندفعًا نحو الشاب ذو التسعة عشر خريفًا بحماسٍ مُتبادلًا معه العناق الحار. مالت إسراء على أذن غنى وقالت وهي تنظر باتجاه نور بنفور : _"الحنيّن هان عليه أخيرًا يسيب إيدها، يا جبروته وجاله قلب يسيبها تمشي لوحدها؟؟؟ " توجهت فريدة نحو إسراء وقالت بنبرة بدت مُحتدةً بعض الشيء : _"إركزي واعقلي عشان متخربيش على نفسك بتصرفاتك دي." ثم عادت فريدة لمازن تاركةً إسراء تغرق في بُحَيرة من القلق والصدمة من الفكرة.! قادهم مروان لمنزله وقد إقترح أن يظلو فترة به حتى يجدو مسكنًا مناسبًا وبعد التفكير في عِدّة نواحي وافق الجميع، لازال مروان كثير الصمت كما عهده مالك حتى أنه عندما قابلهم في المطار إكتفى بأن يبتسم لهم إبتسامةً بسيطة فقط بدون كلمة ترحابٍ واحدة! باستثناء مالك الذي تبادلا السؤال عن أحوال كليهما. وصلوا منزل مروان الكبير، ليس فاحش الفخامة كجميع عقارات عائلة مالك لكنه أيضًا كبير بعض الشيء، فقد كان عبارة عن شقةٍ واسعة ذات طابقين (دوبلكس)، أ دخل الرجال الحقائب واكتفى مروان أن يدلهم على غرفهم، فريدة ونور يتشاركان نفس الغرفة وبالطبع غنى تشارك إسراء غرفتهما، بينما تشارك كُلًا من مازن ومالك وخالد نفس الغرفة لأن غرفتهم كانت أكبر سعة من غرف الفتيات، لم يُبدي أحدٌ اعتراض فالغرف كانت كبيرة في كل الأحوال. أدخل الشُبان الحقائب وبدأ الجميع في تفريغ حقائبه، وفي تمام الرابعة كانو قد انتهوا تمامًا، ذهبوا للإستحمام في حماماتهم الخاصة بغرفهم وبعد الانتهاء نداهم مالك الذي ذهب إلى المطبخ برفقة مروان ليحضرا بعض المرطبات والفواكه، كان الطقس يومها حارًا على غير عادة طقس باريس البارد غالبًا، وفي هذه الأيام تحديدًا كان الشتاء على مقربة أيام لذلك كان من الغريب ارتفاع الحرارة إلى هذا الحدّ. جلس الجميع في غرفة المعيشة يتمازحون ويتبادلون الأحاديث، ما لاحظه الجميع أن مروان لم ينطق ببنت شفة، فقط إذا استدعى الأمر يبتسم أو يوميء برأسه فقط، وما لحظه مروان هو توتر العلاقة بين مالك وإسراء ومتابعة فريدة لمالك، والإستياء الجدِّي الذي أصبح على مازن. إنتهى اليوم وعاد كلٌ إلى أدراجه فيما عدا نور التي قضت الليلة على سطح المنزل وحيدة،وليس هذا بالجديد على طباعها..فمنذ غادرت المشفى منذ ما يقارب الأربعة أشهرٍ وقد أصبحت هذه الفتاة عاشقةً للأماكن المفتوحة الهادئة. في غرفة غنى وإسراء اللاتي كُنَّ يستعددن للنوم هتفت إسراء بغضبٍ مكبوح : _"مش هاين عليه يسيبها أبو قلب حنين! " _"على فكرة البنت دي لطيفة ومؤدبة جدًا ودمها خفيف إنتِ مكبرة الموضوع أوي. " أردفت إسراء تتمتم بنقمٍ واستهزاء : _"دمها خفيف أه." _"نامي يا إسراء.. " قالتها غنى وهي تقذف إسراء بالوسادة لتضحكا وتخلدا إلى النوم بعد يومٍ مُتعب. ______________________ مر على سفرهم أسبوعان، لم تتخاذل فريدة أبدًا في جلساتها المنتظمة مع مالك، يستيقظون باكرًا تعد الفتيات الفطور، ويذهبنَّ للتسوق من أجل الإتمام اللوازم الناقصة للزفافين بعد أن قرر مازن ومالك تأجيل زواجيهما لبضعة أشهر وإقامتهما معًا ليصبحا زفافًا واحدًا لم يشهد مثله في باريس كلها. تعدنَّ في نهاية النهار لتجهيز الغداء ليتناول الجميع طعامهم معًا بعد عودة الرجال من أعمالهم ويجلسون كعادتهم إما يتابعون فيلمًا ما أو يتقاذفون النكات والقصص التي تحدث معهم يوميًا، وقد لاحظ الجميع التغيرات التي طرأت على مالك في هذه الفترة القصيرة بالفعل كانت فريدة على حق عندما أصرت على تغير مكان العلاج ،وكعادة مروان كلما زاد الوضع صخبًا إنزوى في ركنٍ بعيد، ثم يذهب كلٌ منهم إلى غرفته في تمام العاشرة، وكعادة نور تذهب لتقضي ليلها فوق السطح. _"دا مكاني على فكرة.. " قالها مروان بصوتٍ خفيض لتلفت نور له بتوتر وإحراج فتتلعثم الكلمات بين شفتيها وهي تلملم حاجاتها وتهم ذهابًا : _"أنا أسفة..مكنتش أعرف إنك بتقعد هنا." ليستوقفها مروان وقد إستاء وجهه : _"أنا أسف كنت بحاول أهزر بس تقريبًا مبعرفش. " قالها وهو يأخذ الأشياء من يدها ويضعها مكانها ثم تابع : _"تعالي أقعدي زي ما كنتِ أنا اللي هنزل." لتردف نور مُلاحقةً له بترددٍ اتضح في صوتها : _"طب.." إلتفت نحوها مروان بتعجب لتزدرد ريقها ثم تكمل : _"ممكن تقعد على فكرة. " نظر لها مروان بحيرة، فهي مختلفة نوعًا ما... عندما يراها بجانب مالك يشعر أنهما شخصٌ واحد لا شخصان، تصرفاتهما، إيماءتهما، نظراتهما، حتى في الشكل التشابه بينهما كبير فكلاهما يمتلك شعرًا بُنيًا يميل للكستنائي وعينان خضراوتان كذلك كلاهما طويل القامة.. عجبًا! هذه الصغيرة تبدو وكأنها قطعةٌ منه. لكن الغريب أنه الأن ينظر لها فيجدها مختلفةً تمامًا، لا يوجد بينها وبين مالك شييءٌ مشترك، بل بينها وبين أي شخص قد رأه من قبل. شرد بأفكاره بعيدًا وهو يطالعها بعين الحيرة والدهشة في حين جلست هي واستكملت ما كانت ترسمه لتتناسى وجوده. جلس بجانبها يطالع ما ترسمه بفضول وكانت قد نست وجوده بالفعل وأخذت ترسم على راحتها وهو يتابعها في صمته المعهود، حتى إمتلك الجرأة ليكسر الصمت ويسألها : _"بتحبي مالك؟؟؟ " أجابته دون تردد بصوتٍ للوهلة الأولى يبدو طبيعيًا رغم ما يخفيه من انطباعاتٍ متضاربة : _"أكيد طبعًا.. في حد مبيحبش أبوه؟" _"مش عارف.. أنا مش فاكر أبويا دا أصلًا." قالها بهدوءٍ قاتل مما جعل نور تترك ما بيدها وتلتفت له بذهول، دارت بينهما أحاديث كثيرة حكت له عن حياتها في دور الأيتام ولقائها بمالك وتفاصيل علاقتهما، كالعادة كان مروان صامتًا أغلب الوقت لكنها وبطريقةٍ ما استطاعت كسب ثقته وجعله يتحدث، صحيحٌ أنه لم يتحدث بالكثير لكنه قال بضع كلماتٍ أثناء حديثها، لم تتوقع نور المزيد لكنها كانت سعيدة كذلك هو فلقد قضيا وقتًا مميزًا.. لا يمكن وصفه بالوقت الممتع أو السعيد لكنه كان مُميزًا. في الصباح إستيقظ الجميع وبدأوا بنشاطات يومهم الروتينية حتى لاحظ مالك غياب نور وقد أصبحت الساعة التاسعة والنصف، دخل المطبخ باحثًا عنها لكنه لم يجدها فشعر بالقلق، ذهب لغرفة الإستقبال وقد اجتمع الجمع هناك فيما عدا نور ومروان - اللذان لايزالان على السطح حتى الآن - ليقف في المنتصف طارحًا سؤاله لهم : _"هي نور فين يا جماعة؟؟؟ " تعجب الجميع وظلوا يتبادلون النظرات وكأنهم لاحظوا لتوهم أنها غير موجودة تزامنًا مع خروج إسراء التي كانت تجفف شعرها المبلل من غرفتها فلاحظت سكوتهم، تسائلت عمّا يحدث فأخبرتها غنى، لترد إسراء عن فضول - حبيبها الخائن البريء - وقد وقفت أمامه مباشرةً بلهجةٍ إستفزازية : _"مع مروان، سهرانين على السطح من امبارح بليل." قالتها وهي تتعمد أن تغيظه لكنها لم تتوقع أن ينفعل هكذا، فبمجرد أن أنهت جملتها حتى لاحظت عيناه المحمرتان ويده التي قبضها بغضب، لتتراجع للخلف وقد أخذت العبرات تترقرق في عينيها، غادر مالك الغرفة بغضب متجهًا للدرج المؤدي لسطح المنزل، وما إن غادر الغرفة حتى ارتمت إسراء على الكرسي وانهمرت في البكاء، راحت تبكي كل ما كبحته بداخلها طوال هذه المُدّة، جلس بجانبها خالد و فريدة وغنى وظلوا يهونون عليها، إستأذن مازن لينسحب ويتركهم على راحتهم وذهب ليرى أشغاله وقد نكأ بكاء إسراء جرحه الخفيّ، من وجهة نظره لا يرى أن إسراء تبالغ في موقفها ضد نور كما يظن الجميع، فهو كذلك أحيانًا يشعر بالغضب والغيرة من إهتمام فريدة الزائد بمالك كما تشعر إسراء بالطعن والخذلان من إهتمام مالك بنور، هي لا تكره نور كما لا يكره هو مالك. ______________________ صعد مالك السطح ليسمع قهقهات مروان ونور الذي اعتاد صمتهما المميت دائمًا، عندما دقق في ملامح وجهيهما وجد أثارًا خفية تدل على البكاء، وفجأة تفاقم غضبه غير المُبرر ليُنادي نور بنبرةٍ حازمة أقلقت نور، ودَّعت مروان ثم ذهبت لاتجاه مالك الذي احتضنها بقوة ثم أخذ بيدها ونزل للبيت بسرعة، وما إن نزلا حتى رمقها أمام الجميع بنظرةٍ ساخطة أخافت نور التي لا تفقه شيئًا ولا تدري شيئًا عمَّا حدث بينهم. لم يتبقى سوى أسبوعين على موعد الزفاف، وخلال الفترة السابقة ازداد إهتمام فريدة بمالك و ازداد اهتمام مالك بنور الذي كوى كُلًا من قلبي مازن و إسراء، والغريب أنه وعلى الرغم من إهتمام فريدة بأدوية مالك وجلساته النفسية وما أحدثه من تقدم..إلا أن الجميع -وليست هي فقط- قد لاحظوا التغير الطاريء عليه..مزاجه المُتقلب وسرعة غضبه المُبرر وغير المُبرر. في حين تقربت نور من مروان أكثر وتقرب مروان من نور حتى أضحت هي صديقته المُقرّبة الوحيدة، أصبحا يقضيان كل أوقاتهما معًا حتى أنها ذهبت معه لمكان عمله مرتين بدلًا من قضاء الوقت مع مالك، لم تكن نور تجبره على التحدث كما يفعل الأخرين كانت تدعه يصمت بقدر ما يريد، كانت تعلم أن الصمت أحيانًا يكون أبلغ من كل ما يمكن أن يقال...وكانت أحيانًا تبادله الصمت لأنها تعلم أن الصمت هو لغة الألم، لغة من لا تساع الأبجدية وصف ندوبهم، وعلى جانبٍ أخر كان تجنب نور لمالك يزيد مالك ألمًا خصوصًا وهو يعرف أنها تتجنبه هذه الفترة بسبب إقتراب موعد زواجه هو وإسراء لذلك لا تريد أن تزعجهما قبل زواجهما، لكنه لم يتقبل هذا الفعل كما لم يتقبل تقربها المريب من مروان وصداقتهما الوطيدة ، بالطبع يشعر بالغيرة والغضب فهي إبنته! _________________________ الطقس في باريس يزداد برودةً يومًا بعد يوم، لم يتبقَّ سوى ستة أيام على موعد الزفاف ولازال هناك مهام لم تتم بعد ونواقص عدّة لكن جميعها تفاصيل صغيرة، لذلك قرروا أن يتم تقسيم هذه المهمات كي يتم الإنتهاء منها سريعًا، وقد تم بالفعل، بعد أن تناولوا العشاء تم تقسيم ما عليهم فعله على مدار الست أيام القادمة، وفي الصباح الباكر استيقظوا وبدئوا يتجهزون ليخرجوا وينجزوا ما اتفقوا عليه بالأمس، حتى انجذب الجميع لصوت إسراء التي صرخت فجأةً وهي تفتح إحدى حقائب السفر التي أتت بها من مصر وقد وضعت بها بعض الأغراض للزفاف، ليذهب لها الجميع فزعين، ظلوا يسألونها عن ماذا جرى لكنها لم تُجب وقد إحمر وجهها من شِدّة غضبها، ولكنها.. وبدون تفسير ذهبت باتجاه نور وظلت تصرخ بها وتلعن اليوم الذي أتت به ودخلت لحياتها، يحاول الجميع تهدئتها وفهم ما يزعجها لكنها لم تترك لأحدٍ الفرصة في التساؤل، وأخيرًا، وبعد طول صراخ إتضح الأمر، الساعة التي أحضرتها إسراء من مصر لمالك كهدية زواج مكسورة! لم تجد إسراء من تلقي عليه التهمة سوى نور، هي لا تكرهها لكن غضبها قد أعماها عن أي فكرة أخرى، لم تعد تفكر سوى بطريقةٍ واحدة.. هذه الفتاة تسعى لتخريب زيجتها! شاهد الجميع ما يحدث بصمت بعدما وجهت إسراء أصابع الإتهام نحو نور بشكلٍ علني.. وبينما نور لا تنطق ولا تدافع عن نفسها انهالت عليها إسراء بالإتهامات التي لم تخلو من الشتائم واللعنات، ليهتف مالك وقد طغى صوته على صوت إسراء : _"خلاص! " طالعته إسراء بدهشة وهي تنتظر منه أن يتصرف مع هذه الفتاة ليفاجئها بقوله : _"نور بنتي، يعني لما توجهي لها كلام يبقى إنتِ بتوجهيه ليا أنا، فخلِّ بالك من كلامك عشان أنا اللي هرد عليكِ." جحظت عينيّ إسراء وصمتت لبرهة وهمت بالحديث لولا أن قاطعها مالك الذي تابع كلامه قائلًا : _"قبل ما تقولي أي حاجة عن بنتي إنتِ عندك دليل على اللي بتقوليه دا ولا بتتكلمي كدا وخلاص؟؟؟ " لم تتردد إسراء في الإيماء بقوةٍ وحماس مُجيبةً إياه : _"أيوة عندي.. هي كانت قاعدة مع غنى إمبارح في أوضتنا وبعدين غنى سابتها في الأوضة لوحدها وطلعت عشان جالها تليفون، والست هانم بتاعتك فضلت في الأوضة لوحدها." تحدث مالك بذات التحفز والصوت المخيف بعض الشيء رغم هدوئه : _"الست هانم بتاعتي اللي بتتكلمي عنها دي ليها إسم زيك ياريت تناديها بيه.. زي ما مقبلش إنها تتكلم عليكِ وحش إنتِ كمان مقبلش إنك تتكلمي بالطريقة دي عليها." أرخى الصمت عبائته على المكان لبعض اللحظات قبل أن يتوجه مالك ببصره لنور قائلًا : _"نور إنتِ عملتي كدا بجد؟؟؟ " نور التي لم تتكلف عناء أن تدافع عن نفسها الآن تحاول أن تفعل لكنها لا تستطيع.. آلمَها ظن مالك بها.. إغرورقت عويناتها بالدموع ثم قالت باستنكارٍ وخيبة وقد تحشرج صوتها : _"السؤال دا بجد؟؟؟ " شعر مالك بالخزي من ما قاله للتو، وشعر بوخزٍ كالإبر في صدره عندما رأى دموعها تنهمر بسببه هو! ليس وحده بل جميعهم، حتى إسراء شعرت بصدق نور في صوتها المتراقص على ألحان بكاءٍ خافتة، في هذه الأثناء كان خالد قد إنسحب لغرفت الرجال وظل يبحث ويبحث عن شيءٍ ما..، عاد تزامنًا مع بكاء نور الصامت وهو يمسك بيده علبة فضية بنفس حجم وشكل علبة الساعة المكسورة وأعطاها لإسراء لتتجه العيون نحوه بانتظار توضيح ليعقب قائلًا : _"يوم ما وصلنا فرنسا وكنا بندخل الشنط أنا ومازن ومالك أنا كنت شايل الشنطة دي وشنطتين تانيين، والشطنة وقعت مني من غير قصد واترزعت جامد على الأرض روحت قلت لمازن لإني كنت فاكرها شنطته، وفتحتها وبصيت في الحاجات اللي فيها ولقيت الساعة إتكسرت، ولما ركزت في محتويات الشنطة لاحظت إنها حاجات أفراح وعرفت إنها يا إما شنطتك أو شنطة فريدة فقررت أعرف ماركة الساعة وشكلها علشان أبدلها بواحدة جديدة، بس طبعًا كان صعب إني الاقيها في الوقت القصير دا ولما لاقيتها ملقتش فرصة مناسبة إني أرجعها بدون ما أسبب إحراج لصاحبة الشنطة، وعلى فكرة مازن يشهد على كل كلامي دا أما نور فهي ملهاش أي علاقة. " ساد الهدوء في المكان ولم يجد أيٌ من الحاضرين ما يقوله خاصةً إسراء التي احتقرت نفسها بشِدّة عندما تذكرت ما قالته للطفلة ذات الثلاثة عشرة عامًا من كلامٍ جارح ومؤذي. وفي لحظة فقدت نور قدرتها على تمالك ما بها من خذلانٍ وما شعرته من ظلمٍ وإحراج حتى أجهشت بالبكاء الذي قطع قلوبهم جميعًا. _"متزعليش يا نور.. حقك عليا، بطلي عياط." لم تكن هذه سوى كلماتٍ بسيطة خرجت بصوت مروان الذي أحاط بكفها ثم أخذها وخرج ليترك مالك مُحنطًا في أرضه يشعر أنه على وشك أن يفقد صغيرته..! ———————————————— وبس كدا ♡.. عارفة إن الفصول قصيرة بس إن شاء الله هتبدأ تكبر وهتبدأ الأحداث لإن كل دا دلوقتي يُعتبر تعريف بشخصية كل فرد من أفراد هذه العائلة♡.. نجمـة وكمومنتات كتيـر عشان بيفـرحوني، ودُمتم في رعاية الله. -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم.
-مَليكـة مجْـدي إبرا