افتح سورة {طَه} ونعيدها وما نشبع منها والله! كيف لقلوبنا أن تُقاوم جمال " وأَلقَيتُ عليكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ علىٰ عَيْني " كيف لأرواحنا ألّا تسكُن وتطمئنّ بـ " إنّي أنَا رَبُّك " صلّـوا علـىٰ الحبيـب قلوبكـم تطيـب 💚🌻⊁'. ___________________________________ في صباح السبت استيقظت «كوزيت» على صوت منبهها الذي ضبطته ليوقظها في تمام الثامنة صباحًا لتستعد وتُـهيئ نفسها للذهاب لجامعتها ككل صباح.. نهضت من فراشها بتعب بعد أن قضت الليل كله تفكر في شخصٍ ما.. على هذا الحال هي منذ أشهر.. تقضي نهارها بأكمله شاردةً بطيفه الذي لا يغادرها مساءً إلا بحلول فجر اليوم الذي يليه. اغتسلت وصففت شعرها على هيئة ذيل حصان وارتدت ملابسها التي كانت عبارةً عن كنزةٍ صوفيةً من اللون البُني وبنطالٍ ضيق من الجلد الأسود مع حذاءٍ جلدي ذا كعبٍ مرتفع ليزيد من قامتها المتوسطة مع إضافة بعض مساحيق التجميل التي أبرزت ملامح وجهها الهادئة. أخذت تجمع فراشيها وعُلب الألوان ومشروعها الذي استمرت بالعمل عليه ثلاثة أسابيع متواصلة ثم خرجت تتناول الإفطار مع والدتها «صوفيا» وجدتها «ماري» التي تحدثت أثناء ابتلاع حفيدتها الطعام : _"كوزيت.. بإمكانك شراء الطعام بالطريق عزيزتي هيا انهضي واذهبي لجامعتك كي لا تتأخري على أول محاضرةٍ كعادتك." ابتلعت كوزيت ما بفمها من لقيمات لتنهض مُسرعةً دون أن تنطق، حملت حقيبتها ثم انطلقت تتجه نزولًا بالسلالم دون أن تنتظر المصعد بينما نظرت جدتها في أثرها بتعجب لتردف مُتحدثةً إلى ابنتها ووالدة تلك التي غادرت منذ لحظات : _"صوفيا.. إبنتكِ هذه أصبحت غريبة جدًا، لم تكن بهذا الهدوء من قبل." تنهدت صوفيا بقلق وهي تدهن إحدى شرائح الخبز بالمربى ثم أردفت : _"هي على هذا الحال منذ عِدَّة أشهـر.. لا أعلم ماذا حدث جعلها هادئةً وشاردةً طيلة الوقت هكذا.. أتمنى أن تكون بخير فقط وأنها لا تتعرض للإزعاج في الجامعة." ____________________________________ تجلس في إحدى عربات المترو المختلطة تستند رأسها على يدها وعيناها تحومان في الأفُق الواسع أمامها.. تحدث نفسها بصوتٍ يدور صداه بجوفها قائلةً : _"تُرى هل سأقابله اليوم؟.. هل سأراه مُجددًا صدفةً بأحد الأيام؟.. هل سيعرفني إن رأني أو أنه سيمضي دون أن يتعرف إلى ملامحي؟.. ربما... " سكتت قليلًا ثم تابعت ترد على حديثها السابق كأنها تحاور شخصًا أخر : _"يكفي كوزيت.. توقفي عن التفكير به.. لقد مضى منذ أشهر عديدة، لا يوجد حتى أثرٌ له توقفي عن تفكيرك السخيف وغير المُبرر هذا، لقد تدهور نومك وأهملتي أسرتك لشِـدَّة تفكيرك بذاك الشخص." سكتت تفكر في هذا الحديث الدائر بينها وبين نفسها ثم تابعت : _"ربما أنتِ على صواب.. يجب علي التخلي عن التفكير به.." ___________________________________ يجلس على أحد المقاعد بملابسه الرياضية يتصفح هاتفه مُتجاهلًا ذلك الشاب القادم نحوه بخطىً سريعة مُهللًا باسمه بصوتٍ مُرتفع ليتحدث بحماسٍ بعدما وقف قبالته تمامًا : _" «جيوم» لقد اختارك المدرب لتصبح قائد فريقنا.. أحسنت يا فتى" تحدث جيوم بتعجرفٍ وغرور كما المُعتاد : _"كما هو متوقع.. " نهض من مجلسه يفرد ذراعيه بملل ثم تابع : _"بالطبع سيجعلني قائد الفريق.. من يمكنه تولي هذا الأمر غيري أنتَ مثلًا ليو؟؟؟ " فرك ليو شعره مُدَّعيًـا البلاهة وهو يطالع ذلك المغرور يترك الملعب ويغادر. كاد جيوم أن يجتاز السور الحديدي للمعلب لولا أن توقف بعد انتباهه لتهامسات الشباب مِن مَـن هم ضمن فريقه الذي ترأسه حديثًا ليستمع لحديثهم : _"لم هذا الغرور الذي يعتريه جميعنا نعلم أنه لم يكن ليصبح القائد لولا إصابة زميلنا حسن." _"نعم.. مؤسفٌ للغاية أن يفقد الفريق قائدًا مثله.. وعوضًا عنه يأتينا المدرب بجيوم المتعجرف كقائد.. " _"لا يمكن نكران مهارته في كرة القدم لكنه لا يزال أقل براعةً من حسن.. " _"عوضًا عن عجرفته وفظاظة أسلوبه." _"تبًا إنه ينظر إلينا.. لابد أنه استمع إلى حديثنا عنه.. هيا هيا فلينصرف كلٌ منا لمحاضراته." فرَّ الشباب كلٌ إلى أشغاله تاركين جيوم يقف بثبات يلعنهم واحدًا واحدًا في نفسه ويلعن ذلك المدعو حسن وصديقه آدم اللذان نغصا عليه حياته. إتجه جيوم إلى الحمام المُخصص للاعبي كرة القدم الملتحقين بفريق الجامعة وأخذ حمامًا سريعًا ينفض به ذرات التراب الملتصقة بجسده بعد انتهاء التمرين.. خرج جيوم وارتدا ملابسه وجفف شعره لتلتقط عيناه حسن على كرسيه المتحرك ورفيقه آدم خلفه يتبعه متجهان صوب إحدى قاعات الكلية الخاصة بهما ألا وهي كلية التربية، وبسرعةٍ ودون تفكير توجه جيوم نحوهما بسرعةٍ ونيته لم تحمل من الصفاء مقدار ذرة. وقف جيوم قبالة حسن مادًّا يده له للمصافحة، مد حسن كفه وصافحه ليتحدث جيوم مُفصحًا عن نواياه : _"حزنت كثيرًا عندما عرفت أن المدرب اختارني لأمثل فريقنا.. أو أسف فريقي." انزعج آدم من طريقة جيوم بينما ارتسمت بسمةٌ خبيثة على جانب شفتي حسن قبل أن يردف : _"لا داع للحزن يا رفيق.. على أي حال لن تمكث طويلًا في مركز قائد الفريق إن كان هذا ما يزعجك.. فسوف أعود قريبًا لأنتزع من كل فردٍ ما لا يستحق.. وما دام المركز الأول موجودًا في الفريق لا داع لأن يترأس الفريق ذوي المركز الثاني." رفع جيوم خصلات شعره الأمامية للخلف يحاول التهدئة من غيظه المُكَّبل بصعوبة.. ابتسم بسماجةٍ ثم هز رأسه مودعًا غريميه بغلٍ دفين ثم انصرف إلى أولى المُحاضرات في جدوله لهذا اليوم. كذلك فعل آدم الذي ودَّع حسن لينصرف إلى أولى مُحاضراته بينما ظل حسن يتجول بمقعده ذو العجلات المعدنية في فناء الجامعة، لفت انتباهه زحامٌ غريب أمام مقصف الجامعة ليحركه فضوله للذهاب هناك حيث يوجد هذا الحشد غير المألوف الطاولات الخارجية الموضوعة أمام كافيتيريا الجامعة، وبالفعل.. وضع دفتره وكتابيه على حجره وانطلق لوجهته. ذهب حسن إلى المقصف وابتاع طعامه وبعض السكريات التي يحبُّها، وأثناء خروجه من المقصف تفاجأ بجسدٍ يرتمي عليه أثناء الزحام دون أن تتيح له الفرصة رؤية ملامح هذا الشخص الذي سقط عليه مُتخذًا جسده قاعدة هبوط والذي لم يكن سوا كوزيت ذات الجسد النحيل التي سقطت عليه لتنسكب قهوتها وتتناثر على كلاهما لكن الأغلبية تناثرت على ملابس حسن وكتبه.. وقفت كوزيت بذعر من فعلتها الحمقاء تلك.. نهضت تعتذر منه بشدة دون أن تنظر له، وحين لمحت وجهه صعقت كمن سكب عليها دلو ماءٍ بارد.. أفاقت من شرودها على ملامح وجهه الغاضبة حين أمسك كتبه ليجدها غارقةً تمامًا بالقهوة الساخنة كثيرة السكر، انتشلت هي الكتب من بين يديه عنوةً عنه وظلت تقلب بين صفحاتها تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من سطور بأنامل مرتبكة، عندما أدركت أن كل شيء بات تحت يدي الخراب رفعت ناظريها له وانحنت مُعتذرة.. استشف هو الصدق في حركاتها ونبرة صوتها المتوترة ليشير لها بيديه أن لا بأس ثم تأفف ضجرًا وأخذ من يديها حاجياته وغادر تاركًا إياها تحملق في أثره بفراغٍ عميق. أفاقت من شرودها وعادت مُجددًا للمقصف المزدحم لتجلب قهوةً أخرى غير تلك التي تناولتها صفحات ذلك الشاب الحانق. أخذت بالفعل مشروبًا جديدًا عوضًا عن المُهدر سابقًا بنكهة التوت والنعناع.. ثم اتجهت تتخذ طريقها للخروج من الجامعة بعد أن أنهت محاضرتها الأولى بعد أن قررت أن تتجاهل ما يليها من محاضرات لكنها توقفت قبل الخروج تمامًا حينما لمحت بعينيها أحد زملاء دفعتها المشهور والذي يعرف جميع الطلاب بجميع الدفعات والتخصصات.. ودون تفكير اتجهت صوبه باندفاع وألقت عليه التحية بلطفٍ بالغ ليجيب هو بود : _"أهلًا كوزيت.. أتمنى إنك تبلين حسنًا في دراستك.. هل يمكنني خدمتك بشيء؟؟؟ " أجابته كوزيت بخجل وهي ترفع شعرها الذي انزلق بعض الشيء من رابطته : _"فالواقع نعم.. هل تعرف شاب.. أظنه في سنته الأولى أو الثانية ربما.. قعيد وله شعرٌ داكن قصير وأيضًا.. لا أظنه فرنسيًا..؟ " صمت الشاب قليلًا ثم أردف : _"أممم المواصفات التي تبحثين عنها قليلة في جامعتنا.. كيف هي هيئة جسده لا تعرفين؟ قصير طويل؟، هزيل الجسد أم رياضي؟؟؟ " أردفت كوزيت بانزعاج طفيف : _"لا أعرف لم ألحظه بسبب كرسيه المتحرك.. لكن على الأغلب لم يكن ذا مواصفاتٍ خاصة، كمن في سنه من الشباب.." تحدث الفتى يفرك ذقنه بتفكير : _"حسنًا أيتها الشابة الجميلة.. أظنك تبحثين عن شخصٍ يدعى حسن.. ليس فرنسيًا مطلقًا، لديه ملامح عربية.. أرجح أنه ينتمي لأصلٍ سعودي أو ما شابه.. سمعه الطلاب في كثيرٍ من الأوقات يحدث صديقه بالعربية..لو كان هو من تبحثين عنه على الأرجح ستجدينه في كلية التربية." ابتسمت كوزيت بفرحة بعد ظهور بصيصٍ من الأمل، شكرت الشاب وودعته ثم استدارت وتحركت جهة كلية التربية.. ذهبت بسرعةٍ نحو شئون طلبة هذه الكلية ووقفت في صفٍ أمام نافذتها الزجاجية مكوَّنٍ من عشرة أشخاصٍ تقريبًا، ظلت تنتظر الصف حتى أتى دورها وقابلتها العاملة به بضجرٍ وحنق عندما وقفت كوزيت تحملق في الكتب المصفوفة أمامها ببلاهة، صرخت بها الموظفة بحنق عن ما تريد كي يتم إغلاق المكتب.. أشارت كوزيت إلى رف السنة الثانية لتلتفت له السيدة ثم وجهت سؤالها لكوزيت الصامتة قائلةً : _"أي مادةً تحديدًا تريدينها عزيزتي الشابة؟؟" أجابتها كوزيت بأنها لا تعرف لتتنهد الموظفة بغضب وتتمتم بكلماتٍ غاضبة لم تصل مسامع كوزيت التي أشارت بإصبعها على أحد الكتب المصفوفة أمامها ذو غلافٍ جلدي من اللون الأخضر كتب على جانبه بخطٍ بارز "الكوسمولوجيا القديمة لطلاب الصف الثاني" وتحته إسم المعيد صاحب المادة، لم تهتم كثيرًا لإسم صاحب المادة قدر ما اهتمت أن تتأكد أن هذا الكتاب نفس الكتاب الذي أفسدته هي بقهوتها أثناء تفحصها صفحاته والعناوين المكتوبة به قبل أن تشتريه. بعد أن أصبحت شبه متأكدة أنه ذات الكتاب الذي تفحصته صباحًا.. لم تسعفها ذاكرتها لتتذكر الكتاب الأخر فاكتفت بهذا الكتاب حاليًا خصوصًا بعدما استنفذ هذا الكتاب ما ليس بالقليل من ما بحوزتها من أموال. تحدثت بودٍ مرة أخيرة إلى العاملة أمامها : _"أعتذر على إزعاجك مرةً أخرى.." تنهدت السيدة بهدوء ثم أردفت : _"تفضلي آنستي الشابة كيف يمكنني إفادتك؟" أردفت كوزيت بخجل وهي تفرك ذراعها : _"في الواقع.. أعتقد يوجد طالب هنا في السنة الثانية تقريبًا أبحث عنه.. ليس بمقدوره السير بل لديه مقعد متحرك.. إسمه حسن وليس فرنسيًا.. هذا كل ما أعرفه عنه" انفرجت أسارير السيدة قائلةً : _"نعم عزيزتي تقصدين حسن مصطفى لاعب الكرة المحترف؟؟؟ " وما إن وقعت الكلمات على مسامع كوزيت حتى قطبت جبينها بعدم فهم ثم عقبت دون تفكير : _"لاعب كرة؟؟ لا إنه قعيد.. " ابتسمت السيدة بتفهم ثم أجابت موضحة : _"لا بد أنكِ تتغيبين كثيرًا أيتها الأنسة الشابة.. منذ أشهرٍ معدودة عندما تدخل في مشاجرةٍ ما هو وصديقه آدم أودت به لهذه الحالة.. هناك أقاويل كثيرة عن سبب مشاجرته تلك وأغلب الطلاب يزعمون أنه كان يدافع عن فتاةٍ من السنة الأولى عندما تعرضت للإزعاج من بعض الشباب ذوي الأخلاق السيئة." همست كوزيت بعض الكلمات التي لم تستطع السيدة الكبيرة تمييزها بينما احمرت وجنتي كوزيت بتوتر وخجل شديدين، شكرت الموظفة أمامها وانصرفت بهدوء شاردةً في هذه الحادثة الأليمة وكيف ستستطيع مواجهته أنها هي من تسببت له بهذا الضرر الذي لا يعوض، بدأت تشعر أنها حمقاء كبيرة كيف للحياة أن تربطها بشخصٍ ما لتكون هي في حياته منبع كل المصائب هكذا؟؟؟ سلبت منه إحدى الأشياء التي لا تقدر بثمن منذ شهور ولم تكلف نفسها حتى عناء أن تبحث عنه وتطمئن عن حاله وتعتذر له عن ما أصابه بسببها.. واليوم سكبت عليه مشروبًا ساخنًا وأتلفت له كتبه وأوراقه غالية الثمن وأيضًا دون أن تسأله عن اسمه أو أي شيءٍ عنه.. والآن هي تقف كالبلهاء أمام جدول مُحاضرات السنة الثانية تحاول تخمين أين يدرس الآن.. إن كان لايزال متواجدًا بالجامعة حتى هذا الوقت أساسًا. لمحت كوزيت فتاةً في مثل عمرها تقريبًا أو تكبرها بعامٍ واحد على الأكثر فاتجهت قدماها تخطو نحو هذه الفتاة وسألتها عن نفس الأوصاف التي قيلت لها عن ذلك الشاب، اعتذرت منها الفتاة وأخبرتها أنها لا تعرفه.. ظلت كوزيت تفعل نفس الشيء.. تدخل قاعات الصف الثاني وتسأل عنه الطلاب، منهم من شوشها بنكرانه وجود زميلٍ لهم بهذه الصفات، ومنهم من تعرفوا على مواصفاته التي ذكرتها لكنهم لم يضيفوا لها أي جديد فيما عدا ذلك الشاب الذي أشار لها جهة آدم مُعرفًا إياها أنه صديقه المقرب وأنها بالطبع ستجد إجابةً لأسئلتها عنده، بالفعل توجهت كوزيت لآدم وشيءٌ خفيٌ -لسبب مجهول- يدفعها لمعرفة كل ما يمكنها معرفته عن ذلك الحسن الذي أرق نومها ليالٍ عديدة. وعلى عكس ما توقعته تمامًا بمجرد أن لمحها آدم حتى صاح قائلًا : _"الفتاة صاحبة القطة !!" أومأت له كوزيت بإحراج وسألته عن حاله وصحته وشكرته لتدخله ومساعدتها، ثم سألته إن ما كان حسن متواجدًا الان بالجامعة أم لا، أعلمها آدم أنه رحل منذ زمن ولمح الكتاب بيدها فسألها إن كانت تريد منه أن يعطي حسن هذا الكتاب لكنها رفضت وقالت أنها ستنتظره يومًا أخر وتعطيه إياه بنفسها. ____________________________________ مرَّت الأيام وحسن مُتغيبٌ عن دراسته وجامعته وكوزيت يزداد فضولها لمقابلته يومًا بعد يوم، حتى أتى اليوم الذي قررت فيه التحدث إلى آدم مُجددًا، بالفعل شقت طريقها صوب مدرجات السنة الثانية لكلية التربية قسم الفلسفة حيث يدرس آدم وصديقه حسن، ظلت تنتظر حتى انتهت المحاضرة لتلاقي آدم وما إن رأته حتى ركضت نحوه وحيَّته قائلةً : _"مرحبًا آدم.. كيف حالك؟؟؟ " ليعقب آدم بهدوء وبساطة : _"بخير، وأنـتِ؟؟؟ " أجابته كوزيت بنفس هدوئه : _"بخير، شكرًا لسؤالك.." لاحظ آدم ترددها ليتحدث مُزيحًا عنها بعضًا من الحرج : _"صديقي حسـن لم يأت اليوم، ولن يأتي لأيام قادمة..لأسبابٍ عائلية، ولكني سأذهب لزيارته اليوم بعد الانتهاء من محاضرتي الأخيرة... إذا كنتِ مُصرّة على إعطائه الكتاب بنفسك يمكنني اصطحابك..." صمت لبرهةٍ من الزمن ثم تابع : _"بالطبع إذا لم يكن هذا سيتسبب لكِ بالمشاكل." سكتت قليلًا ثم أمأت له برأسها سلبًا أي لا بأس وأنها ستذهب معه مما جلعه يتحدث بهدوء مؤكدًا على حديثه السابق : _"حسنًا أيتها الشابة يمكنكِ انتظاري حتى أنتهي من محاضرتي الأخيرة كما أخبرتكِ قبلًا وسوف أصحبُكِ إلى هناك." حمحمت كوزيت بخفوت لتلفت انتباه آدم الذي استدار متوجهًا نحو مدراجات محاضرته قبل أن تردف : _"يمكنني الحضور معك.. في الواقع ليس لدي أي محاضرات الآن." أردف آدم دون تفكير : _"لا أعتقد أنها ستفيدك.. المواد التي ندرسها قد تبدو لكِ مملةً بعض الشيء. " لترد عليه كوزيت بسرعة وحماس : _"لا بأس بذلك يمكنني الانتظار." رفع آدم كتفيه دلالةً على عدم وجود مشكلة، بالفعل جلست برفقته وهو يتلقى محاضرته في مادة "أنماط التعبير" وبعد انقضاء ما أوشك أن يصير الأربع ساعات أعلن المُحاضِر انتهاء محاضرتهم لينهض آدم ويبدأ بإيقاظ الفتاة التي نامت على الطاولة أمامها أثناء نقش شيءٍ ما على الوجه الداخلي للغلاف الأخضر الجلدي الخاص بالكتاب الذي ستعطيه لحسن.. ظل آدم يوقظها عبر هز كتفها الأيمن برفق حتى استيقظت.. نظرت له بإحراج قبل أن تسأله بعفوية وبعض النعاس : _"هل تدهورت هيئتي؟؟؟ " نظر لها آدم جيدًا ولشعرها ثم قال ببساطة : _"لا.. لا أظن ذلك فقط لملمي شعرك." وكأنه نبهها أن شعرها الداكن الذي قد تخللته بعض الخصلات المصطبغة بالوردية يحتاج لمن ينقذه من هذه الـ"شوطة" لتمد يدها لجيبها وتخرج رابطة شعرٍ صغيرة وتبدأ برفعه على هيئة كعكة مرفوعة لمنتصف رأسها تقريبًا مع بعض الخصلات المهملة على وجهها ورقبتها ثم عادت لأدم بعيناها تعطيه النظرة التي فهم هو معناها ليتكلم بهدوئه المعتاد : _"نعم أجمل.. هيّا بنا يمكننا الذهاب الآن." اومأت له كوزيت وبالفعل اتجها لشقة حسن التي تجاور شقة آدم وما إن وصلا وطرق آدم الباب تفاجئا بحسـن بنفسه يفتحه لهما.. اندهش حسن وبدت على وجهه معالم الذهول ونظرة بلاهة كست ملامحه... ظل حسن يطالع صديقه بنظرات تطالب بالتوضيح ليتحدث آدم بابتسامةٍ مصطنعة بعد صمتٍ دام لوقتٍ قصير : _"حسن صديقي كيف حالك؟.. هذه كوزيت الفتاة التي سا... " وفي لمح البصر وقبل أن ينهي آدم كلماته تفاجأ بحسن يسحبه بتهور من ذراعه ويدخله للشقة بينما حسن توجه ببصره مجددًا لكوزيت ونظر لها بتوتر ثم تحدث وقد رسم على وجهه ابتسامةً بلاستيكية : _"أعتذر منكِ أريد أن أحدثه لحظة.. " ختم كلماته السابقة بإغلاقه للباب في وجهها لتستمع لأصواته الخافتة من الداخل والحوار الدائر بينهم : _"أنت أحمق؟ أقول لك أنني لا أستطيع استضافتها.. لا يمكنني إدخالها هنا !" ليرد عليه آدم : _"حسنًا إنها الآن أمام بابك لا يمكنك رفض الأمر.. كيف ستتصرف إنها تنتظر؟؟؟ " ضربه حسن بإصبعيه على مقدمة رأسه قبل أن يعقب : _"استضفها أنت.. أدخلها بيتك بعض الوقت حتى تأتي ابنة عمي." وقبل أن يعقب آدم دفعه حسن جهة الباب وأخرجه ثم نظر للفتاة التي تجاوره قائلًا لها باعتذار : _"نعتذر على التأخير.. آدم صديقي سيستضيفكِ عنده لدقائق فالمكان ليس جاهزًا لاستقبالك.. دقائق فقط.. شكرًا لانتظاركِ." ومرةَ أخرى أغلق الباب في وجهها ووجه صديقه الذي اعتاد توتره الدائم.. بالفعل ادخلها آدم شقته بينما اتصل حسن بنور يستدعيها للحضور العاجل، وفي خلال نصف ساعة تواجدت نور أمام شقة آدم. * داخـل شقـة آدم * خلعت كوزيت معطفها وجلست على الأريكة بينما ذهب آدم للمطبخ ليحضر لها شيئًا تشربه.. خرج من المطبخ بصينيةٍ تحمل كأسين من حليب الشوكولا الدافيء والكثير من البسكوت والحلويات وتركها على الأريكة بينه وبين كوزيت التي سعدت بها كثيرًا وشكرته وبدأت بتناول ما قدمه لها في سعادة وبدأ هو يشاركها الحلوى مع ضحكاتٍ خافتة تصدر منه بين الحين والآخر على طريقة أكلها للكعك المحلى بالعسل، انتهيا من الحلوى لتسأله كوزيت عن دورة المياه فأجابها لتذهب وتغسل يديها الملطختان بالشوكولا والعسل وما إن عادت للأريكة حتى فعل هو المثل وذهب ليغسل يديه وأسنانه ثم عاد مرةً أخرى وحمل كأسه الذي برد، كذلك فعلت كوزيت وأخذت ترتشف مشروبها وأثناء ذلك قالت بهدوء : _"صديقك هذا غريب أطوار حقًا." ارتشف آدم من كأسه قطرات ثم عقب قولها : _"لمـاذا؟ " لعقت هي أصابعها وقالت : _"تصـرفه فظٌ بعض الشـيء" نظر لها آدم جيدًا ثم قال بهدوء : _"تصرفه أزعجكِ؟ " أردفت هي بلامبالاة وهدوء : _"في الواقع لا.. فقط تعجبت الأمر قليلًا لكن على أي حال أنا المخطئة من المزعج أن يأتيني زائر مفاجيء دون أن يخبرني سابقًا.. ربما هو لم يكن مستعدًا." أجابها آدم موضحًا : _"ليست هذه هي المسألة.. إنه مسلم فقط." قطبت الأخرى جبينها بجهل ليتابع آدم باستنكار : _"لا تعرفين الإسلام؟؟؟ " _"بلى أعرفه.. كديانة بشكل عام لكن لم أهتم بمعرفته من قبل لذلك لم أفهم قصدك؟؟؟ " تفهم آدم ثم تابع موضحًا : _"في الإسلام محرمٌ على المسلمين أن يجتمع رجل وامرأة غريبان في مكانٍ خالٍ وحدهما." لترد كوزيت ببلاهة : _"لمـاذا؟؟؟ " تابع آدم وهو يفرك رأسه بحيرة : _"وأنا حتى الآن لم أفهم هذا الأمر تمامًا." كادت كوزيت تتحدث بشيءٍ ما لولا أن قاطعها صوت رنين جرس الباب الذي نهض آدم ليفتحه ليجد نور أمامه بفستانها البرتقالي الجميل وخمارها الأسود ليرحب بها ويطلب منها الدخول والانضمام إليهم في نفس الوقت الذي فتح به حسن باب شقته مرحبًا بابنة عمه وأخته الحبيبة، ثم استقبل كوزيت هذه المرة بترحيبٍ حار وبراحة ودعاها للدخول لشقته، ودعت كوزيت آدم وشكرته على حُسن ضيافته. في شقة حسن -وبعد التعارف- حيث جلس برفقة الفتاتين يمازحهما ويلقي عليهما النكات بروحه الفكاهية كعادته بعد أن قدمت نور الفاكهة لكوزيت التي لم تنقطع ضحكاتها المرتفعة أبدًا على أقاويل وأحاديث حسن وبعد مرور بعض الوقت هدأت واستطاعت تمالك نفسها وتنهدت براحة ثم ابتسمت وتوجهت لحسن ببصرها تمد له ذراعيها بكتابه الذي ابتاعته له ليبارد حسن بالتساؤل في عدم فهم : _"ما هذا؟؟؟ " لتعقب كوزيت ببعض الحرج : _"هذا.. اعتذار أو يمكنك تسميته تعويض.. كتبكم غالية الثمن وأنا أفسدتها لك بقهوتي وكان عليَّ تعويضك.. في الواقع انتظرتك أيامًا كثيرة في الجامعة كي تأتي وأعطيه لك لكنك تغيبت فترةً ليست بالقصيرة... " أردف حسن بتفهم وهو يتناول منها الكتاب : _"أشكركِ على هذا التعويض.. لكن حقًا لم يكن يجب عليكِ فعل هذا في الواقع لدي نسخةٌ أخرى من هذا الكتاب.. لكني أشكرك." ظهر الاحراج جليًّا على وجه كوزيت لتتدخل نور قائلةً : _"لا بأس حسن يمكنك البحث عن شخصٍ ليس قادرًا على شرائه إن كان غالي الثمن كما تقولان وإهدائه له." سُعِد حسن بهذه الفكرة ليردف قائلًا بلهجتهم الأصلية : _"تسلم دماغك.. عارفة لو مكنتيش هتضايقي كنت قمت بوستك من دماغك دلوقتي." لتردف نور بانفعالٍ شديد بعض الشيء : _"باستك عقربة يا قليل الأدب ! " ظل حسن يضحك على احمرار وجه نور بينما تحدثت كوزيت مُتسائلةً : _"عذرًا لم أفهم شيئًا.. " ترجم لها حسن ما حدث توًّا بالفرنسية لتقطب جبينها وتتحدث مرةً أخرى : _"أعتذر لم أفهم أيضًا.. ما المشكلة في تقبيل رأسها ؟؟؟ " نظر لها حسن بتعجب وساد الصمت قليلًا حتى تحدثت نور : _"لا يمكنه تقبيلي أو لمسي لأنه ليس من محارمي عزيزتي." صمتت كوزيت تحاول الاستيعاب ثم عقبت القول : _"محارمك؟ بمعنى أنه يوجد أشخاص محددون فقط يمكنهم ملامستك وإلا فإن هذا مخالفٌ لدينكم؟؟؟ " هزت نور رأسها بإيجاب ثم صمت الإثنان قليلًا قبل أن تتابع كوزيت : _"اسمعاني.. أنا ولدت في عائلةٍ مُلحدة نولد ويخبروننا أننا جميعًا أتينا من الفراغ وسنموت ونعود إليه مُجددًا... لذا فهل.. يمكنكما تعريفي أكثر بما تقصدانه؟ لماذا لم يكن من المسموح أن أجتمع بحسن وحدنا؟ ولماذا ترتدين هذا الشيء؟ إنه جميل حقًا ولائقٌ بكِ لا أقصد شيئًا سيئًا لكنه إلى حدٍ ما يشابه زي الراهبات المسيحيات.. إن كنتِ مسلمة لما ترتدين مثلهن؟؟؟ و أيضًا.. ما هذا الـ(محارم) التي قلتيها الآن؟؟؟ " ابتسم الأخرين وتبادلا النظرات وكان حسن أول المتحدثين حينما قال لنور : _"مش هعرف أفهمها وإنتِ كلامك معاها هيكون أسهل.. " ابتسمت نور وأومأت له ثم توجهت بعينيها لكوزيت وقالت : _"حسنًا.. سأحاول تبسيط الأمور وشرح كل شيءٍ لكِ على حدة.. " أومأت لها كوزيت بحماس لتتابع نور قائلةً : _" اسمعي جميلتي...(محارم) كلمة عربية وتعني النساء اللاتي لا يجوز للرجل أن يتزوج منهن والعكس أيضًا فالمرأة لا يجوز لها أن تتزوج أحدًا من محارمها تفهمين ما أعني؟؟؟ " أومأت لها كوزيت بقوة وكأنها تتطالبها أن تستمر للتابع نور قائلةً : _"والمسلمة محارمها هم : الأب،والأخ،والخال،والعم،وابن الأخ،وابن الأخت، وإن كانت قد رضعت من امرأةٍ غير أمها وهذه المرأة لها ولد فهذا الابن أيضًا من محارمها ويصبح حينها أخًا لها بالرضاعة." تحدث كوزيت بعد أن رتبت الأشخاص على أصابعها وقالت : _"حسنًا فهمت هذا إذًا.. ما وظيفتهم هؤلاء المحارم؟؟؟ " ضحكت نور ثم أردفت تجيب كوزيت : _"هؤلاء المحارم عزيزتي محرم على المسلمة الزواج من أحدٍ منهم وأيضًا لا حرج عليها أن تظهر أمامهم على راحتها وتتزين أمامهم." كوزيت بعدم فهم : _"الآن لم أعد أفهم.. تقصدين زيك هذا؟؟؟ " أشارت نور لخمارها وقالت بحب : _"هذا الزي هو الحجاب الشرعي ويدعى الخمار ترتديه المسلمة أمام كل مَن هو ليس مِن محارمها فالمرأة في الإسلام مكرمة وغالية لا يسمح لأي رجلٍ غريبٍ عنها أن يرى جمالها ومفاتنها حتى أقاربها." ابتسمت كوزيت برضى ثم تسائلت : _"لكني أرى على التلفاز أحيانًا قليلة..لا ترتدي المسلمات نفس لباسكِ هذا.. أرى أنكن ترتدون ملابس مشابهة لملابسنا وهناك أخريات يرتدين نفس ملابسنا لكنهن يغطين رؤسهن؟ " تحدثت نور بهدوء مُجيبةً كوزيت : _"للأسف ليست الكثير من المسلمات في وقتنا الحالي ملتزمات بزيهن الذي شرعه الله ورسوله، هذا الخمار هو الزي الإسلامي الصحيح الواجي على كل امرأةٍ مسلمة ارتداءه.. قد تقابلين بعض الآراء تخبركِ أنه ليس فرضًا وهنا يجب أن تطلبي دليل." كسا الحماس وجه كوزيت وسألت نور : _"أي نوع من الأدلة يجب أن أطلب عزيزتي؟؟" أجابت نور ببساطة : _"القرآن الكريم والسنة المأخوذة والمؤكدة عن نبينا محمد صلىٰ الله عليه وسلم." فركت كوزيت ذقنها وهمهمت ثم قالت بشرود : _"لم أطلع عليهما من قبل... " ثم تابعت بحماس قد تزايد طارحةً سؤالًا أخر على نور بلهجة تحدي : _"حسنًا نور وما دليلكِ أن الخمار لباسٌ مفروض على المسلمات ارتدائه؟؟؟ " ضحك حسن ثم قال لنور : _"شكلها مش سهلة وهتطلع عينك.. أنا هسيبكم بقى عشان عندي جلسة علاج طبيعي. " نظرت له نور وابتسمت ثم أوقفته عندما قالت بضحك : _"استنا يا عم بس تسيبنا وتمشي فين افرض اختك رجعت دلوقتي ولا حد جه يقولوا عليا إيه جايبة واحدة معايا وجايين نسرق بيتكم؟؟؟ " أردف حسن يحاول مواراة بعض الحزن : _"والله يا نور أروى بتحبك بجد... دا كان تفكير مراهقين وغيرة بنات صغيرة لكن هي دلوقتي ندمانة بجد على معاملتها ليكِ زمان." صمتت نور قليلًا فتابع هو بمزاح : _"وعلى فكرة أروى وأمي وخالتي إسراء وعمتي راحوا يكملوا نواقص الجهاز.. وسابوا القرود كلهم مع خالتو غنى في المصحة." أردفت نور بصدمة : _"يا لهوي مش لاقيين غير خالتو غنى اللي يسيبوا القرود كلهم معاها؟؟؟ دي غلبانة.. وفين في بيتنا؟؟؟ دول هيطلعوا عينها أنا لازم أمشي. " تحدث حسن بالفرنسية مُتعمدًا اشراك كوزيت في الحديث : _"لماذا؟ لايزال الوقت مبكرًا على الرحيل، وأيضًا الفتاة لازالت تشعر بالفضول ولم تتلق منكِ اجابة سؤالها بعد.. " تحدثت كوزيت بفزع : _"ماذا؟؟؟ ترحلين الآن؟ لا أنا لا أعرف متى سأراكِ مُجددًا وإن كانت الفرصة حينها ستسمح لنا بالحديث أم لا.. " قاطعتها نور تتحدث بنبرةٍ حملت بعض الاسى والإعتذار وهي تنهض على عجل : _"اعتذر كوزيت.. خالتي وحدها في المنزل برفقة سبعة قرودٍ صغار." ضحك حسن على ذلة لسان نور بينما قطبت كوزيت جبينها وأعادت قول نور غير مصدقة : _"قرود؟؟؟ " الآن أدركت نور ما تفوهت به وتعالت ضحكات حسن لتصحح نور ما قالته : _"أطفال.. سبعة أطفال صغار أشقياء مثل القرود." تفهمت كوزيت مقصد نور ثم ترددت قليلًا قبل أن تقترح على نور قائلةً : _"إن لم أبدو متطفلة أو ما شابه.. أيمكنني مرافقتك؟ يمكنني مساعدتك أنتِ وخالتك في الاعتناء بالأطفال ويمكنكِ حينها أن تحديثيني باستفاضة.. وإلا سأعتبر هذا تهربًا. " قالت جملتها الأخيرة مازحةً بطريقةٍ تعمدت إخراجها مستفزة لترد الأخرى عليها بنفس الطريقة : _"سترين من منا ستتهرب من الأخرى. " عمَّت الضحكات بين ثلاثتهم أثناء حمل الفتاتين حقائبهما. استقلت كوزيت المترو برفقة نور متخذتان وجهتهما لڤيلا مالك الدالي وأثناء الطريق بادرت كوزيت بالحديث : _"نور..؟ " همهمت نور باهتمام فتابعت الأولى : _"ماذا عن الأب الروحي؟ هل هو من المحارم؟؟؟ " ابتسمت نور وتذكرت والدها العزيز وحباب عينيها.. أجابت : _"لا ليس من المحارم عزيزتي..انظري الورود أمامنا.. " كانت نور تشتت بالها عمدًا.. عندما أدركت أن مالك ليس من محارمها أثناء دراستها العلوم الشرعية في مرحلة الثانوية تحطم قلبها بالمعنى الحرفي.. لم تكن تدري أين يمكنها الفرار من هذا العالم المزعج بعد الآن طالما أنها يجب أن تضع حدودًا فاصلة بينها وبين الشخص الوحيد في هذا العالم الذي تلجأ لذراعيه.. كان الأمر صعبًا عليها في البداية لكن كلما جالت بخاطرها عبارة (المُحِـب لا يُهدي ذنوبًا ولا يُفسـد علىٰ مُسلـمٍ قلبـه) لم ترد أن تهديه ذنوبًا وهو أهداها حياةً جديدة، احترم مالك رغبتها.. رغم أنه حزن بعض الوقت ولم يتقبل أمر ابتعادها عنه إلا أنه احترم رغباتها واضطر ليقبل بها، وكان هذا الأصوب.. كبرت نور ومرت السنوات ومع مرورها مرت رياح جعلت من نور، بذرتنا الصغيرة وردةً يافعة تحملت الكثير من التخبطات وتقلبات الطقس حتى ظهرت على هيئتها البديعة تلك بعد طول سنين.. تغلبت على خوفها من التجمعات واعتادت الحديث والجلوس أطول فترة بين الناس، تخلت عن فكرة نقصها الدائم واستطاعت تقبل وإدراك تميزها الذي كان عائقّا لها في وقتٍ ما.. زادت معرفتها الدينية كثيرًا، رغم أنها في بلدٍ مسيحي وتحيط بها المخالفات الدينية من كل اتجاه إلا أنها لم تتأثر بها أبدًا وزادت من تعلقها وتقربها لله الذي استمرت بتلاوة قرآنه والتضرع له حتى الشروق من كل نهار.. في الثانوية شجعتها غنى على البدء بدوراتٍ دينية على الانترنت والتفقه أكثر في دينها.. حتى أروى فعلت المثل وبعد فترةٍ ليست بالطويلة قررت أروى ارتداء الحجاب أيضًا وقررت نور الارتقاء لتسدل خمارها أخيرًا على ثوبها الفضفاض.. عرضهنَّ هذا للكثير من النقد والفصل العنصري في فرنسا لكن لم يترك هذا بهنَّ أثر وكلما فترت عزيمتهما ثبتتهما غنى أكثر وأكثر، التحقت الفتاتين بالجامعة، الصغرى وهي أروى ارتادت معهد التمريض أما نور فالتحقت بكلية الفنون التي تدرس بها الآن كوزيت في سنتها الأولى.. لم يكن "مارتن" زميل دراسةٍ عادي لأروى بل نشأت بينهما قصة حب كتلك التي تحكى في قصص الأطفال.. كان مسلم الهوية مسيحي الاسم.. من عائلةٍ امتلكت تسامحًا عقائديًا كبيرًا مما أدى إلى تعدد الديانات بها، أول من عرفت بأمر هذا المارتن كانت غنى التي صارحتها أروى بكل مشاعرها وكل ما بينها وبين مارتن.. لم توبخها غنى بدايةً لكنها تناولت الحذر معها وحثتها على ترك هذا الأمر.. وبعد أسبوعين من انفصال أروى ومارتن احتفلت باريس بأكبر خطبةٍ لأجمل أروى في البلاد على حبيبها مارتن الذي أوفى بوعوده لها ليجعلها أسعد الفتيات يومها. كانت غنى الأقرب للفتيات.. في الواقع كانت غنى الأم الروحية لجميع الأطفال.. صغارهم وكبارهم كانت هي المقربة والمحببة إليهم دائمًا وذلك لصبرها وقوة تحملها وحنانها ورقتها اللذان لطالما أغرقت بهما الجميع، كذلك كان مالك الذي لا زال وحتى وقتنا هذا يتناول أدويته النفسية ومضادات الاكتئاب، بل ويحرص على تناولها في أوقاتها الصحيحة، رغم اختفاء الأعراض تمامًا لديه إلا أن معرفته باحتمالية عودتها في غضون ستة أشهر من توقفه عن تجرع الدواء تجعله يحرص كل الحرص عليها.. خصوصًا بعدما بدأ صبياه يكبران ويدركان الأمور من حولهما، لا يريد أن يسقط من ناظريهما وأن يرى نظرة خوفٍ في أعينهما منه.. يدرك أن نور لطالما احتمت بين ذراعيه حتى من نفسها أما هذان الصغيران.. اللذان ولدا وترعرعا في بلدٍ غير بلدهما لن يتفهما حاله أبدًا وإن بدأت رياح الخوف تدق قلبيهما فلن يكون بمقدور أي شيءٍ أن يُذيب الجليد الذي ستخلفه هذه الرياح الباردة. وصلت الفتاتان إلى الڤيلا بعد حوالي عشرين دقيقة وانضمتا لغنى التي كانت حينها تحمل الصغير عبد الله وتحاول إيقاف بكائه الذي لم يتوقف منذ أن أسقطه مهاب على الأرض أثناء ركضه خلف فيان وليلى.. وما إن دلفت الفتاتان إلى الداخل ورأت نور خالتها على هذا الحال حتى ذهبت إليها وحملت عنها الصغير الباكي وظلت تهدهده ثم أشارت لخالتها باتجاه كوزيت التي وقفت أمام باب الغرفة بأدب وقالت مُعرفة : _"جيت وجبت لك معايا النجدة.. سبع قرود على ثلاث مدربين أهوَن برضو." رحبت غنى بالفتاة ودعتها للدخول فلبت كوزيت الدعوة ودلفت للغرفة بعدما خلعت حذائها خارجًا وسلّمت على غنى بحرارة بينما تحدثت نور بالفرنسية : _"إنها كوزيت زميلة في نفس كليتي لكنها في السنة الأولى بعد." رحبت بها غنى قائلةً : _"تشرفت بكِ يا صغيرة.. شكرًا للطافتك. " تأثرت ملامح كوزيت وقالت بنبرةٍ طفولية : _"اه.. أنتِ اللطيفة خالتي، وأنا السعيدة بمقابلتك.. والآن لنباشر الاعتناء بالقرود.. أقصد الأطفال." ضحكت نور وشاركتها غنى الضحكات ليصدح صوت مهاب الحانق : _"قرود؟! على الأقل معندناش شعر بمبي." شهقت غنى وجحظت عيناها بينما زمت نور شفتيها من قلة أدب هذا الصبي.. عنفته أمه بشدة وعاقبته بالوقوف أمام الحائط رافعًا ذراعيه لأعلى، ثم حمدت الله أن الفتاة (كوزيت) لا تفهم العربية. بدأت غنى بتقسيم المهام بعد أن ذهب ابنها للعقاب عندما بدأت التحدث للفتاتين قائلةً : _"أنا سأهتم بالترتيب والطبخ وأنتما قسما رعاية الأطفال بينكما.. " ثم أشارت إلى ابنها الواقف بعيدًا وقالت : _"وها هو زعيمهم لن يتسبب لكما بالمتاعب.. أيوجد أي مشاكل؟؟؟ " أومأت الاثنتان بالسلب لتنسحب غنى من بينهنَّ وتبدأ في مباشرة أعمالها، تحدثت كوزيت : _"ثلاثة فتيان وثلاثة فتيات.. أي فريقٍ ستختارين." أجابتها نور : _"لا أنصح بهذا التقسيم.. لا يجب علينا الجمع بين حنين وليلى في فريقٍ واحد." لتردف كوزيت بتفهم بعد أن أشارت نور على ذوات الأسماء السابقة : _"حسنًا كيف سنفعلها؟ " _"صبيان وفتاة بفريق وصبي وفتاتين بالفريق الآخر." أومأت لها كوزيت وبعد رؤية حال الأطفال والاتفاق على كيفية رعايتهم تولت نور مسؤلية فيان وكيان وحنين وتولت كوزيت رعاية عبد الله ووعد وليلى، لم يكن الأمر صعبًا فما إن خلد عبد الله للنوم حتى بدأت كوزيت تستمتع بوقتها في رعاية الطفلتين واللعب معهما بالدمى وإقامة حفلات الشاي برفقة الدببة المحشوة.. بينما جلست نور برفقة كيان تشجعه أثناء تدوينه مذكراته اليومية التي بدأ بتدوينها منذ أيامٍ قليلة ومن بعيد كانت تراقب فيان وحنين اللذان جلسا بهدوء يتابعان البرامج الكرتونية على التلفاز حتى انتهت غنى من إعداد الطعام، تم إعداد الطاولة بواسطة الجميع وجلسوا سويًا يتناولون عشاءهم بهدوء بعد أن وعدتهم غنى أن من سيتناول طعامه بأدب سينال حصةً إضافية من الحلوى، وبالفعل التزم الأطفال الهدوء، كما التزمت غنى كلمتها وأعطت كل واحدٍ قطعتين من الحلوى ثم أخلدتهم جميعًا للنوم بعد نهارٍ طويل مليءٍ بالهرج والمرج واللهو واللعب. وأخيرًا انتهى يومٌ حافلٌ بالترحال من هنا لهناك وانتهت مسؤلية عفاريت صغار لتجلس الثلاثة على مقربةٍ من بعضهنَّ على الأريكة أمام التلفاز وكل واحدةٍ منهنَّ تدلك رأسها لعل ما به من صخبٍ يختفي، استقامت كوزيت في جلستها لتستطيع التركيز في حديثها الذي وجهته لنور باسمةً : _"إذًا ألديكم آية في كتابكم أو قولٌ من سنتكم يُلزم المسلمة بارتداء الخمار؟؟؟ " ابتسمت نور وبدأت بترجمة بعض الآيات لها بالفرنسية قائلة بوقار : _﴿يا أيها النبي قُل لأزواجكَ وبناتِكَ ونسآء المُؤمنينَ يُدنينَ عليهِّنَ مِن جلابيبِهِّن﴾ ثم تابعت : _"وأصل الجباب هنا هو الخمار وفي آيةٍ أخرى يقول تعالىٰ : ﴿وليضربنَّ بخمرهنَّ علىٰ جيوبهنَّ﴾ فهمتي؟؟؟ " أومأت لها كوزيت بشدة حين انضمت لجلستهنَّ شيرين وأروى وإسراء وفريدة اللاتي وصلنَّ للتو، يحملنَّ الكثير من الحقائب والصناديق، ارتمت إسراء على كرسيٍ بجانب الأريكة وهي تلهث كما لو أنها خرجت للتو من سباق جري كما كان حال أروى بعكس شيرين وفريدة اللتان ذهبتا تطمئن كل منهما على فلذة كبدها النائمة بالأعلى، تحدثت نور لإسراء بطريقةٍ ادعت بها توبيخ إسراء : _"إنتِ أم إنتِ؟؟؟ طول النهار برة ومشفتيش عيالك معملتيش زيهم ليه وقمتي تشوفي عيالك وهما نايمين وتطمني عليهم؟؟؟ إخص إخص." نظرت لها إسراء بتعجب وأردفت بلامبالاة : _"مش هما نايمين؟؟؟ هقوم أعمل لهم إيه يعني خليهم نايمين أحسن بدل ما يصحوا ويزهقوني وأنا أصلًا جاية من برة مقتولة كدا ومش حاسة بضهري من المشي والشيل." نظرت لها نور باشمئزاز ثم قالت بطريقةٍ متقنة : _"اسفوخس عالرجالة" ضحكت الفتيات بعنف فيما عدا كوزيت التي لا تفهم شيئًا مما يقال وغنى التي لم تهتم من الأساس. هبطت كلًا من شيرين وفريدة وانضممنَّ للجلسة وكانت أولى المتحدثات هي غنى عندما قالت : _"الأكل جاهز أقوم أحضر لكم تاكلوا؟؟؟ " لتلاحقها فريدة بالرد : _"لا شكرًا إحنا كلنا برة أصلًا. " عقبت أروى حديث عمتها السابق : _"لا يا عمتو أنا هاكل تاني.. تسلم إيدك يا خالتو غنى. " شيرين بتعجب من حديث ابنتها : _"إنتِ لحقتي جعتي يا أروى بالسرعة دي؟؟ " _"بصراحة مش جعانة للدرجة دي بس أكل خالتو غنى ميتسابش بصراحة." عقبت عمتها بتهكم : _"اه طفاسة يعني." انتشرت الضحكات قبل أن تعقب أروى قول عمتها السابق تدعي الآسى وتتصنع الحزن ببراعة : _"بصراحة يا عمتو.. أنا حاسة إن الحياة بقت بلا قيمة.. حاسة إني بقيت عايشة بلا هدف." أردفت فريدة مُعقبةً حديث أروى بنفس نبرة التهكم والسخرية : _"دي حاجة متخوفش يا ماما.. إللي يخوف بجد وتقلقي منه لما توصلي مرحلة الأكل بلا هدف... اللي هو أنا مش جعانة بس هاكل." تعالت القهقات بينما أشاحت أروى بيدها بملل قائلةً بمداعبة : _"في إيه يا فريدة إنتِ مالك قلبتي وبقيتي عمتو الحرباية كدا ليه متتظبطي الاه! " جحظت عينا فريدة بغير تصديق ثم أردفت بنبرةٍ حازمةٍ بعض الشيء أثناء قذفها أروى بعلبة المناديل : _"فريدة حاف يا قليلة الأدب! وإيه متتظبطي دي؟؟؟ اتظبطي إنتِ يا أروى ولا إنتِ فاكرة نفسك كبرتي عشان فرحك بعد أسبوع خلاص؟ لا يا روح أمك أنا عمتك يا بت." تحدثت نور من بين ضحكاتها : _"يعني إنتِ اتكلمتي في كل دا وسيبتي حرباية؟؟؟ " عقبت فريدة بعفوية : _"هي قالت حرباية؟؟؟ مخدتش بالي.. أمك اللي حرباية يا بت يا أروى.. " انفجر الجميع بالضحك وتوجهت الأنظار لشيرين في انتظار ردة فعلها التي لم تكن سوى تنهيدةٍ يائسة خرجت بضجر مع قولها بصوتٍ مرتفع : _"عوَّض عليا عوض الصابرين يا رب. " تحدثت أروى بجدية موقفةً المزاح وهي تشير لكوزيت التي انكمشت بنفسها وازداد خجلها من هذا الموقف السخيف : _"إستنوا يا جماعة متعرفناش على الوجه الجديد.. شكلها مبتفهمش عربي... " تحدثت نور بالفرنسية وهي تربت على ظهر كوزيت بود قائلةً : _"كوزيت زميلتي.. من طلاب السنة الأولى جائت لتساعدني أنا والخالة غنى في رعاية القرود، أقصد الأطفال.." بدأت نور تعرف كوزيت بكل الجالسات واحدةً واحدةً وبدأنَّ هنَّ بالتعرف إليها وأحببنها كما أنها أحست بالألفة والراحة بينهن، تحدثت أروى باهتمام بعدما سمعت ما دار بينهنَّ من حوارٍ سابق في مسألة الخمار تلك موجهةً حديثها لكوزيت : _"إذًا.. هل اعطتكِ نور أدلةً كافية ترضي قناعتك؟؟؟ " أجابت كوزيت بأدب وباتزان : _"بالنسبة لي نعم.. لكن إن كنت شخصًا أخر فربما لم أكن لأقتنع.. وسأخبركِ أنه من الصعب تفسير وترجمة الكتب السماوية بشكلٍ دقيق.. لذا لابد من دليلٍ أخر." ظهرت ملامح التحدي على وجه نور التي أردفت : _"دهائك لا يستهان به يا فتاة.. أعجبتني طريقتك.. لكنكِ إذا كنتِ شخصًا أخر لا يمكنكِ أخذ هذه الحجة شعارًا مع السنة النبوية. " قطبت كوزيت جبينها بعدم فهم ثم قالت بعد لحظات : _"لا أفهم ماذا تقصدين؟؟؟ " أجابت نور موضحةً : _"كما تعرفين.. السنة النبوية هي أقاويل منقولة من مصادر موثوقة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.. وهذا حديث بشر.. لا يمكنكِ قول أنه صعب الترجمة والتفسير.. " كوزيت بتحدٍ : _"إذا أثبتتي لي سأقتنع وسأعترف أنه إلزامٌ على المسلمة بارتداء هذا الخمار. " شرعت نور في ترجمة الحديث النبوي المنقول عن دحيحة الكلبي رضي الله عنه : _"أُتي النبي بقباطي.. فأعطاني قبطية وقال: اصدعها صدعين، اجعل أحدهما قميصًا لك والأخر اعطه امرأتك تختمر به ولتجعل تحته ثوب لا يصفها." قباطي/قماش أبيض اصدعها صدعين/شقها نصفين مر الوقت مرور الكرام ولم يطل البقاء.. أخذتهم الأحاديث هنا وهناك يتناقشون ويتبادلون الحوارات والأحاديث حتى تأخر الوقت وصارت الساعة الحادية عشرة مساءً لتستأذن كوزيت وتخبرهم أن الوقت قد تأخر ويجب عليها الإسراع في العودة لمنزلها عارضها الجميع في هذا القرار ورفضوا أن تخرج في هذه الساعة بمفردها خصوصًا بعدما أخبرتهم أين تقطن أسرتها وأنه مكانٌ بعيد عن ڤيلا الدالي، عرضت عليها فريدة أن ترحل برفقتها فالرجال يقضون وقتهم سويًا وسوف يعود كلٌ منهم ليصطحب زوجته وأطفاله ليعود بهم إلى منزلهم، ونظرًا لتقارب منزل كوزيت من شقة فريدة ومازن.. وافقت كوزيت على عرض فريدة اللطيف، مضى بعض الوقت حتى عاد الرجال معًا وجلسوا يتبادلون السلامات ويودعون بعضهم قبل أن يأخذ كُلًا منهم أسرته ويغادر بعد هذا اليوم الطويل.. صعد خالد وأيقظ أطفاله الثلاثة وبرفقته مصطفى الذي صعد ليوقظ صغيره عبدالله وابنة أخته حنين وهبطا إلى زوجاتهم، اصطحب كلٌ منهم أسرته وقام مازن بإيصال كوزيت في طريقه إلى منزلهم، غادر خالد الڤيلا بأسرته وغادر مصطفى بزوجته وابنهما بينما قررت أروى أن تبيت هذه الليلة مع نور في ڤيلا الدالي، رحل الجميع.. ولم يتبقى سوى مالك وأسرته بالإضافة إلى أروى، ألقى مالك تحيته عليهنَّ وصعد لغرفته ليبدل ثيابه ويستريح.. وانسحبت نور لغرفتها بينما ذهبت إسراء لتستحم بعد هذا اليوم.. وما هي إلى دقائق حتى أتى كيان الصغير يفرك عينيه بنعاس أثناء دلوفه غرفة نور ليخبرها بصوته الناعس : _"أبلة نور.. بابا عايزك بيقول هاتي أبلة أروى وتعالو إنتم الإتنين." تعجبت الفتاتان وأومأت نور لكيان أن يذهب لتبدلا ثيابهما.. ارتدت أروى ازدال الصلاة واردت نور إزدالًا يشابهه مع خمارٍ منسدلٍ فوقه برقة واتجهتا لغرفة مالك في غضون دقائق، دلفتا الغرفة وتركتا الباب مفتوحًا خلفهما حرصًا أن لا تحدث خلوة بينهم. وقفت كُلًا من نور وأروى أمام الباب بتحفظ حتى أذن لهما مالك الجالس على سريره أن تدخلا قائلًا : _"تعالوا يا بنات.. تعالي يا نور تعالي يا أروى." دخلت الفتاتان إلى الغرفة وحيتاه بحب واحترام وجلستا أمامه على السرير.. ربت مالك على رأس صغيرته بحب وقد اشتاق عناقها وضمها لضلوعه.. ظل يطالع نور بحب وعيناه الخضراوتان اللتان أحاطتهما تجاعيد الزمن مملوئتان بالكثير من المشاعر المتضاربة.. تنفس مالك الصعداء وصمت قليلًا يحاول ترتيب كلماته.. ساد الهدوء المكان لتنطق أروى مذيبةً هذا الصمت : _"نعم يا عمو.. عايزنا في إيه؟؟؟ " نظر مالك لأروى بحب وقال مهنئًا إياها : _"فرحك بعد أسبوع يا قصيرة.. " ضحكت أروى بخجل وأخفضت رأسها وابتسمت نور ليتابع مالك : _"مبارك يا أروى.. خلي بالك على بيتك لإنك هتبقي شايلة مسؤلية مش سهلة.. ربنا يسعدك يا حبيبتي." عقبت أروى بحب على حديث عمها السابق : _"الله يبارك فيك يا عمو.. وبعدين في إيه الأجواء دي أنا صحيح هتجوز أه بس دا ميمنعش إني هفضل أروى القصيرة اللي هتفضل تنط ليكم هنا كل شوية.." أجابها مالك بحنو دون أن يستغرق وقتًا : _"طبعًا يا أروى.. دا بيتك وإنتِ وأخوكِ اتربيتوا هنا من صغركم.. " ابتسمت أروي وأومأت له بخجل ليتوجه مالك بعينيه لابنته نور قائلًا بجدية وقليلٍ من الحنان : _"نور.. أختك هتتجوز.. إحنا ربيناكم كلكم مع بعض وكلكم اخوات.. لو في أي مشاكل وخلافات بينكم صلحوها دلوقتي عشان مينفعش أختك الصغيرة تسيبنا وإنتِ وهي في بينكم خلافات." تحدثت أروى تحاول رسم الضحكات في هذه الجلسة التي تحولت للجدية، خصوصًا بعدما لاحظت توتر نور : _"أيوة طبعًا إحنا اخوات غصبًا عنها.. ولا هي عشان فِرعة شوية لا طبعًا.. بعدين يا عمو مالك إحنا عارفين إننا إخوات من غير ما تقول.. ومفيش الكلام دا بيننا أصلًا.. صح يا فِرعة؟؟؟ " قالتها بمرح وهي تحيط رقبة نور بذراعها لتبتسم نور بتوتر مع إيمائةٍ خافتة، ليتابع مالك بعدما ارتسمت على وجهه ابتسامة رضى : _"حلو أوي.. في حاجة كمان عايز أكلمك فيها يا نور.. " انتبهت نور بكامل تركيزها لوالدها بينما تنحنحت أروى وأعطت عمها نظرات بمعنى أن تنسحب هي ليجيبها بهدوء وبساطة : _"لا يا أروى خليكِ عادي.. " ثم تابع : _"فرح أروى بعد أسبوع يا نور.. ومروان كلمني وقال إنه هييجي وكمان طلب إيدك مني." ____________________________________ بارت بريحة البرد🙂 تشييي🤧.. أسفة🙂 ڤـوت وكومنت لطيف شبهك لو البارت عجبك يا حبيبة عيوني❤🌻 تتوقعـوا الأحداث الجاية إيه👀؟ ومين حبيتـوا أكتر من الشخصيات الجديدة👀؟ وبـس، دمتم في رعاية الله❤🌻✨. -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم.
-مَليكـة مجْـدي إبرا