صلــوا على نبي الرحمة🤍🦋↻'. "لا أعلم لماذا قد يحبس الناس الكلمات الجميلة في قلوبهم، بينما لو نطقوها لأزهرت بساتين الورد في صدورهم وصدور أحبَّتهم." _نجيب محفوظ ___________________________________ _"يا غنى إسمعيني أرجوكِ.. " _"غنى إهدي لو سمحتِ بالله عليكِ" تحدثت غنى بحدَّة وقد تغلفت كلماتها بالدموع قائلةً : _"مالك إنتَ من ساعة ما عرفتني ومن قبل حتى ما أعرفك على إسراء كنت بتقول ليا على طول إني أختك الصغيرة فـَ لو إنتَ مش هتيجي تاخدني دلوقتي يا مالك إنتَ ولا أخويا ولا أنا عايزة أعرفك بعد كدا." أجابها مالك من الجهة الأخرى من الهاتف قائلًا : _"طب خلاص يا غنى أنا جاي أخدك أهو.. ممكن بس تديني خالد أكلمه لو سمحتِ؟؟؟ " _"إمسك مالك عايز يكلمك.. " أعطت غنى الهاتف لزوجها بغضبٍ وضيقٍ شديدين وانصرفت من أمامه هاربةً إلى غرفتهما تلملم ثيابها وثياب إبنتهما "وعد" ذات الأيام المعدودة وبعض الأشياء الأخرى التي تخص الرضيعة، بينما كان خالد يتحدث بانفعال قائلًا : _"يا مالك والله العظيم الموضوع كله سوء تفاهم وهي حتى مش سايبة لنفسها فرصة تسمعن... " قاطعه مالك مُنهيًا الحديث بقوله : _"خلاص يا خالد مش مهم دلوقتي هي كدا كدا متعصبة ومش هتقدر تسمعك.. أنا هاجي أخدها دلوقتي ولحد ما أوصل إنتَ حاول تتجنبها ومتحتكش بيها." أطلق خالد زفرةً بضيق ثم أردف : _"طيب يا مالك إعمل اللي تعمله." أغلق خالد المكالمة ليُلقي بجسده على الأريكة من خلفه بضيق وهو يلعن نفسه وهذه المدعوة مارلين.. (قبـــل عِــدَّة أشـهــــر...) _"مش عارفة يا مالك.. حاسة إن الفستان دا هيبقى أحلى عليها.. كمان لونه مبهج جدًا ومناسب لسنها.. أنا رأيي نجيب اللاڤندر لإسراء والسماوي لنور هيليق بيها جدًا." _"بصي يا شيرين أكيد إنتِ أدرى لإن أنا معرفش أصلًا أنهي فيهم اللاڤندر وأنهي فيهم الفسدقي وشغل البنات دا.. أنا مبفهمش في الألوان وإنتم الستات بتعرفوا الألوان عننا فـَ عشان كدا أنا هثق في زوقك." أردفت شيرين بفخر : _"طيب.. كدا خلصنا هدية إسراء ونور بكل نجاح هنعمل إيه في هدية الولدين بقى؟؟؟ " _"مش عارف والله، بيني وبينك.. أنا أصلًا قلقان من الموضوع دا.... حاسس إن إسراء فرحانة أوي من ساعة ما عرفنا إنها حامل في توأم وخايف يطلع السونار غلط عشان متكونش إتعشمت.. إنتِ عارفة هي إشترت هدوم كتير وحاجات كتير للبيبي ولما عرفت إنهم توأم نزلت تاني واشترت من كل حاجة إتنين." _"إن شاء الله ربنا ميكسرش بخاطرها، وبعدين عايزة أفهمك يا مالك إن الحماس اللي هي فيه دا مش بسبب إنها هتجيب توأم لأ خالص طب ما أنا كنت متحمسة زيها كدا وأكتر كمان في حملي في أروى وحسن.. الفكرة في إن غريزة الأمومة هي اللي بتحركها والحماس دا شيء طبيعي. " _"أنا بس مش عايزها تزعل عشان حاجة زي كدا." _"متقلقش إسراء أكيد فاهمة إن الحاجات دي كلها أقدرا وإن دايمًا ربنا بيختار الأحسن لينا..، بص تعالا نشوف المحل دا شكله كدا لسة فاتح جديد." _"طيب إستني نجيب الفساتين الأول؟؟؟.." _"أه صحيح نسيت.." _"نسيتي إيه؟!! أومال إحنا بقالنا ساعة بنختار في ألوان إيه وملففاني وراكي في المول كله محل محل ليه؟؟؟ دا أنا لو جوزك مش هتلففيني اللف دا كله !!! " أردفت شيرين وهي تحك شعرها ببلاهة : _"خلاص بقى نسيت عادي محصلش حاجة.. " _"ربنا يصبرك يا مصطفى يا أخويا أنا عرفت الواد شعره بقا أبيض ليه.. عجزتي الواد بردي يا شيخة منك لله... " أنهى مالك كلماته الأخيرة وهو يرفع سبابتيه عاليًا ليفاجأ بالأخرى تسحبه من قميصه خلفها تقوده بمللٍ نحو الكاشير مع قولها : _"طب يلا يا خفيف الدم خلينا نخلص من أم الشغلانة المهببة دي. " ، وبالفعل ابتاع مالك الفساتين التي اختارتها شيرين وخرجا متجهين لمهمتهما الأخيرة وهي هدايا الأطفال، وبعد الكثير من البحث والتفكير العميق تحدثت شيرين وهي تمسك بيديها وساداتٍ صغيرة وناعمة : _"طب بص دول؟؟؟ شكلهم حلو، مفيدين، ناعمين جدًا... هااا إيه رأيك؟؟؟ " _"يا شيرين إسراء حرفيًا جابت كل حاجة، يعني جابت المخدات والهدوم والشرابات والطواقي والرضعتين والكريمات والزيوت والبطاطين والسرير دا حتى شبكة الناموس جابتها!! " أعادت شيرين قول مالك الأخير بصوتٍ عالٍ في غير تصديق : _"شبكة الناموس؟!!! " أجاب مالك مؤكدًا : _"أيوة والله زي ما بقولك كدا.. أنا لقيت في مرة علبة مقفولة ومتغلفة فبسألها عادي إيه دي لقيتها بتقول الناموسية بتاعت العيال.. " _"حلو لفظ العيال دا... بس مش لايق عليك خالص يا.. أبو العيال. " قالتها شيرين بطريقةٍ تعمدت بها أن تغيظ مالك الذي رمقها بغيظٍ وحنق قائلًا بصوتٍ مُرتفع : _" ربنا يصبـرك على مـا بلاك يا مصطفـى يا أخويا . " بعد العديد من الوقت والبحث المعمق وأخيرًا قد توصلا للشيء -الوحيد- الذي قد نسيت إسراء شراءه بالفعل ألا وهو حمالات الأطفال.. تحدثت شيرين بفخر وسعادة ليس وكأنها انتصرت على وحشٍ أسطوري : _"أخيرًا!! دول بقى فيهم كل الأسباب اللي تخليك تشتريهم.. مريحين، وعمليين جدًا، ألوانهم محايدة تنفع للولاد والبنات، خاماتهم حلوة، وأهم حاجة إن دول الحاجات الوحيدة اللي مراتك الداهية دي نسيت تجيبها." _"تعرفي إنك تنفعي تشتغلي مندوبة مبيعات؟؟؟ " _"عشان بقدر أقنع اللي قدامي بسرعة صح؟" _"لا عشان بترغي كتير.. " ولم تكد شيرين أن تنطق حرفًا حتى أشار لها مالك بيده أن تصمت ثم أخرج هاتفه الذي صدح رنينه ليجد الشاشة مضيئة بإسم وصورة مروان.. تحدث مالك بطبيعية بعد أن استجاب لإتصال مروان وقد تخيل أنه يتصل به لأمرٍ يتعلق بإعادة إبنته من المدرسة قائلًا : _"ألو يا مروان إنتَ جبت نور؟؟؟ " أتاه رد مروان من الطرف الأخر بهدوء مثيرٍ للريبة : _"مالك... ينفع أقولك على حاجة بس متتخضش. " صمت مالك للحظات كذلك مروان ظل صامتًا حتى تحدث يتأكد ما إن كان مالك لايزال معه أم لا قائلًا : _"إنتَ روحت فين؟؟؟ " _"أنا معاك بس بحاول أتخيل أسوء سيناريو ممكن يحصل.. ما أنا مبشوفش بعد مكالماتك غير النكد والبلاوي،.. عايز إيه إخلص. " تنحنح مروان بحرج قبل أن ينطق بتوتر : _"مراتــــك بتولــــد ... " وفي لمح البصر كان مالك يركض كالقطار متناسيًا شيرين التي تقف في المول لا تعي شيئًا مما يحدث.. _________________________________ في ذلك الوقت وفي مكانٍ اخر كانت فريدة تجلس في مكتبها أمام إحدى المريضات تُدعى "مارسيليا".. فتاة في الرابعة والعشرين من عمرها تعاني من اضطرابات التوتر،لم يدم الحوار بينهما أكثر من بضع دقائق قبل أن تنسحب مارسيليا هاربة.. طلبت فريدة فنجانًا كبيرًا من القهوة ذات السكر الكثير وأثناء إحضار السكرتيرة قهوتها انتبهت فريدة لهاتفها الذي يُضيئ بإسمه الذي تقسم أنه إن رأى هذا الإسم لقتلها.. ضحكت عند الخاطرة الأخيرة قبل أن تجيب ملقيةً على مازن التحية بصوتها الذي تحاول كتم ضحكاته ليبادر الأخر بالقول : _" إيه صوتي بيزغزغك أوي كدا؟؟؟ " تنحنحت فريدة تنقي صوتها قبل أن تعقب قوله قائلةً : _"لا يا حبيبي ولا حاجة دا أنا كنت بتكلم مع واحدة مريضة عندي وضحكتني... " _"دلوقتي حبيبي هاا؟؟؟ بعد إيه بقى... مش كنتِ مش طايقة تسمعي صوتي إمبارح يا دكترة؟؟؟ " خرجت كلمات مازن السابقة مُعاتبة في هيئة مزاح لتردف فريدة القول مدعيةً البراءة : _"مين أنا؟؟؟ لا يا راجل حرام عليك.. أنا مكنتش طايقة أسمع صوتك؟؟؟ تلاقيك فهمت قصدي غلط يا عم.. " أتاها رد مازن مُستنكرًا طريقتها في مخاطبته : _"عم؟؟؟ يا شيخة إلهي يجيلك عمى الدبب.. إيه عم دي؟؟؟ متجوز سرسجية ولا أكونش متجوز واحد صاحبي أنا؟؟؟.." لترد عليه فريدة بحنق : _"طب تصدق أنا غلطانة إني رديت عليك من الأول؟؟؟ سلا.. " _"إستني إستني..خلاص متقفليش. " _"عايز إيه يا مازن؟؟؟ ولا إنتَ بتتصل تعكر مزاجي وخلاص؟؟؟ " _"فريدة حبيبتي براحة مش كدا أنا كنت بهزر، مش قصدي واللّٰـ .. " لم تسنح له الفرصة أن يكمل ما بدأه من حديث عندما قاطعته فريدة والحنق والغيظ ينبعان من حنجرتها : _"بلا فريدة بلا زفت بقى.. ودلوقتي بقيت حبيبتك؟؟؟ حبتك الجرادة.. " أضاف مازن بعد أن انفجر ضاحكًا على زوجته سريعة الغضب قائلًا : _"الجرادة دي اللي هي إنتِ يا حبيبتي... " عاد للضحك مُجددًا وقهقهاته تتعالا بعد أن ازدادت عصبيتها..، أخذ أنفاسه يحاول تمالك ضحكاته ثم مسح عينيه من أثار الضحك وبادر بالحديث : _"خلاص والله أسف.. يا فريدة ما إنتِ عارفة إنك أغلى حد في عنيا فيها إيه بقى لما أهزر معاكِ شوية يا غلاي. " صمتت فريدة والبسمة تعلو وجهها بعد أن نجح مازن بجدارة لتسمعه يستكمل الحديث قائلًا : _"طب خلاص يا ست الكل حقك عليا.. وعلى العموم كله يهون عشان خاطر الزبون. " قالها وهو يغمز كما لو كانت تستطيع رؤيته لتتحدث هي بعد أن انطلقت ضحكتها التي تذيب نياط قلبه قائلةً : _"كدا أنا اللي سرسجية برضو؟؟؟ " _"يخرب بيت ضحكتك دبحتني ... صحيح نسيتيني أنا كنت بتصل عليكِ ليه كنت عايز أقول لك ... " لتقاطعه فريدة بدهشة وبذور غضبٍ طفيف على وشك النمو : _"إيه دا لحظة!! ثواني ثواني يعني إنتَ أصلًا متصل عشان تقولي حاجة مش عشان وحشتك وعايز تتطمن عليا؟؟؟ " _"هي إسراء طفحت عليكِ ولا دي هرمونات حمل ولا إيه؟؟؟ " ضحكت هي بعدما استفاقت لنفسها ليتابع هو بجديةٍ مُصطنعة : _"كنت عايز أعرفك إن البنك وافق على القرض.." _"بجد يا مازن؟؟؟ ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يوفقك وتعمل المستشفى اللي بتحلم بيها يارب وأشوفك أنجح واحد إنتَ ومصطفى يارب" _"ومالك يا فريدة.. " _"ومالك يا حبيبي.. ربنا يفرح قلبه ويباركله في نور وعياله اللي جايين في السكة وربنا يوفقكم كلكم ويسعدكم دايمًا يارب.. " _"تعرفي؟؟ أنا فرحان أوي يا فريدة وحاسس كإن الدنيا ابتدت تضحك لينا كلنا... " _"ربنا يديم فرحتك يا حبيبي ومشوفكش زعلان أبدًا يارب.. بقول إيه معلش هقفل دلوقتي شيرين بتتصل بيا. " _"ماشي يا قلبي لا إله إلا الله.. " _"محمدٌ رسول الله. " استمرت شيرين بالإتصال على فريدة بشكلٍ متواصل لتجيب فريدة بحنق بعد أن أغلقت مع زوجها : _"في إيه يا شيرين!!! إيه نازلة على دماغي زن زن زن مش عارفة أكلم الواد كلمتين حلوين على بعض!!! " _"يا حلاوتك يا أختي؟؟؟ البت إسراء في العمليات بتولد وإنتِ هنا بتتمرقعي إنتِ وسي السيد بتاعك؟؟؟ إنتم عايزين تجننوني هو دا وقته ؟؟!!! " اعتدلت فريدة على مكتبها بشكلٍ مستقيم إثر الصدمة لتردف بغير تصديق : _"أنا سمعت صح؟؟؟ إسراء بتولد؟؟؟ إزاي دي لسة بدري على معاد الولادة!!!" _"لا مش بدري إنتِ نسيتي إنها في الشهر السابع؟؟؟ إنجزي يا فريدة وتعالي ليا أنا في الڤيلا دلوقتي المفروض أكون بجهز شنطة الولادة بس مش عارفة أحط فيها إيه؟؟؟ " _"يا سلام يعني إنتِ اللي عندك ولد وبنت مش عارفة وأنا هعرف؟؟؟ " _"وأنا إيش هيعرفني يا فريدة دي دولت الحرباية (أم مصطفى وفريدة) هي اللي كانت بتحضرها وكانت بتسيب نص الحاجات وتجيب حاجات غريبة ملهاش لازمة في الكون.. " _"ما تتلمي يا شيرين هي مين دي الحرباية؟؟؟ إنتِ اتهبلتي؟؟؟ " _"هو دا وقته يا فريدة إخلصي وتعالي، وبعدين متنكريش إنها فعلًا حماة حرباية وكمان معقربة... " _"طب أنا جيالك في السكة أهو ونبقى نشوف موضوع ماما دا بعدين.. أه صحيح إتصلي بالبت غنوة تيجي معانا برضو. " ________________________________ في الغرفة ذات الستائر الزرقاء استيقظت إسراء أخيرًا لتجد نفسها وحيدةً على سريرٍ ناعم مرتديةً ملابس غريبة الملمس لا تنتمي لها.. حاولت النهوض لكن عظام جسدها الضعيف المُنهك لم تساعدها على ذلك ظلت هكذا دقائق معدودة حتى فتح باب الغرفة لتطل منه أوجه كُلًا من شيرين وغنى وفريدة وقد احتللن الغرفة بفزعٍ شديد أفزع إسراء الراقدة على سريرها تشعر بالصداع يكاد يفجر رأسها. حاوطتها الفتيات يجلسن فوق رأسها يطمئنن أنفسهنَّ عليها.. مرَّ بعض الوقت حتى جائت إحدى الطبيبات تطمئن على حالة إسراء هشة البنية قائلةً بالفرنسية : _"مساء الخير عزيزتي كيف أصبحت حالك؟" لم تدرك إسراء أنها تتحدث بالمصرية العامية حينما تحدثت ردًا على الطبيبة : _"راسي وجعاني أوي.. " ارتسمت معالم الدهشة على ملامح الطبيبة كما لو أنها لم تكن تعلم سابقًا بتواجد لغاتٍ أخرى غير الفرنسية، أعادت فريدة صياغة ما قالته إسراء بالفرنسية لتجيب الطبيبة وهي تهز رأسها بتفهم : _"هذا أمرٌ طبيعي لا داعي للقلق فهذا بسبب التخدير النصفي.. في أسوأ الأحوال يستمر الشعور بهذا الصداع لمدة 24 ساعة كحدٍ أقصى. " إقتربت الطبيبة من المحلول المُعلق بجانب سرير إسراء والمتصل بيدها عن طريق (كانولا) تفرغ محتوى إبرةٍ ما في المحلول ثم تابعت : _"هذه المحاليل لتقوية جسدك.. ستشعرين ببعض الألم قليلًا فجسدك الهزيل هذا كان يحمل طفلين قويين للغاية.. تهانينا الحارة لكِ ولوالدهما.." وما إن أنهت الطبيبة كلماتها حتى تفاجأت بالثلاث فتيات يتقافزن في صخب فرحًا كالقرود الصغيرة إذا احتفلت، بينما إسراء إكتفت برسم إبتسامةٍ واسعة على ثغرها... ابتسمت الطبيبة لهُنَّ جميعًا ثم تحركت نحو إسراء بعد أن أفسحت لها فريدة وغنى المجال لتتقرب من الراقدة على الفراش وتقيس حرارتها،... تحدثت الطبيبة قائلةً والرضى يتخلل نبرات صوتها : _"جميل للغاية.. حالتك ليست بهذا السوء فقط إستمري بالإستلقاء والتمدد هكذا، وأيضًا يجب تناول الكثير من السوائل في الساعات المُقبلة، وانا سأتي لتقفدكِ من وقتٍ لآخر.. " أومأت لها إسراء بينما شكرتها فريدة والفتاتين بحرارة. انسحبت الطبيبة بابتسامةٍ بشوشة تاركةً المجال للفتيات أن يجلسنَّ سويًا يثرثرن ويشغلن إسراء كي تتناسى ألام رأسها وجسدها.. حتى عاد مروان ومالك بعد قليلٍ من الوقت، دلف مروان بصحبة صاحبه مُلقيًا التحية على الفتيات ثم على إسراء بالأخص، مُهنئًا ومُباركًا لها ثم استأذن للخروج وبرفقته الفتيات تاركين الزوجين معًا بعض الوقت. جلس مالك على الكرسي المجاور لسرير زوجته ومدَّ يديه ليضم كفها يغمرها بحُبِّ الوجْد.. ظل مُمسكًا بيدها بعد أن انحنى مُقبّلًا إياه بكل حب ثم قام من مقعده ليستقر على رأس زوجته تتغلغل أصابعه في خصلات شعرها الشقراء، فهو يعلم أن هذه الحركات الدائرية تريحها وبشدة... لا يفعل شيئًا ولا ينطق بشيءٍ سوى أنه يبستم ابتسامةً حنونة ولا ينفك يطالعها والحب يتدفق من عيناه كان يخشى أنه إذا تكلم فسدت سعادته.. يريد لهذا الشعور أن يستمر داخله للأبد، لا يريد أي شيءٍ يُعكِر صفـو هذا القلب الشغوف القابع بين ضلوعه، يشعر كما لو كان قلبه النابض هذا ليس سوا منديلٍ قماشيٍ ناصع البياض مُطرزٌ بخيطٍ من الذهب لترتسم عليه نقوشٌ ذهبية تضفي لملامح المنديل النقي ملامح أخرى بهيجةً وبديعة تدخل السرور على قلب الناظر إليه ومن يمسكه.. ودَّ لو يظل صامتًا يتأمل زوجته الجميلة ذات العيون العسلية التي تبدو للناظر من بعيد كما لو كانت صفراء شديدة اللمعان.. لولا صوتها الهامس الذي قاطع تأمله وهي تقول بصوتٍ مُجهَد : _"مُبارك يا حبيبي" أتاها رد مالك الذي لازال يطالعها بتأمل : _"مُبارك لينا يا روحي.. " صمت قليلًا ثم قال ولازال يداعب خصلاتها الذهبية قائلًا بمزاح : _"ولاد الكلــ'ــب طالعين الإتنين حلوين شبه أمهم.. إلا ما حد فيهم عبرني وجبر بخاطري حتى.. " _"إنتَ شفتهم؟؟؟ " أجابها مالك بصوتٍ هادئ للغاية وهناك دمعةٌ هاربة تفر من عينه لتشق طريقها على وجهه : _"أه.. شفتهم.. " تابعت إسراء بتلهفٍ واشتياق : _"عاملين إزاي؟؟؟.. أقصد.. شكلهم يعني... " قاطعها مالك واضعًا سبابته على شفتيها فجأة لتصمت ويضيف هو بنبرةٍ استثنائية تعبث بنبضات قلبها : _"ششش.. مش وقته دلوقتي، بحبك. " ______________________________ في اليوم التالي كانت فريدة برفقة إسراء في المشفى طوال النهار بينما كان الجميع مُنهمكين في التجهيز للحفلة التي أجمعوا على إقامتها لإسراء وللإحتفال بقدوم الصغيرين "فيان و كيان" الفردان الجديدان لهذه العائلة الغريبة.. تم تقسيم المهمات ليأخذ كل فردٍ منهم المهمة التي تتناسب مع مواعيد عمله حيث كان خالد المسؤل عن جلب الحلوى بينما كان مازن غارقًا طوال اليوم في صناعة العصائر وإعداد المشروبات، تولَّت غنى أمر الوليمة وقامت نور بمساعدتها، شيرين المسئولة عن نظافة وترتيب الڤيلا هي وابنتها أروى .. حتى حسن شارك في هذه الأعمال بمساعدته لوالده مصطفى وعمه مالك اللذان وقع عليهما الإختيار لتزيين المكان وليكونا مسئولين عن الإضاءة... أخر من تبقى هو مروان الذي أتى مُتأخرًا عن الموعد ولم يتبقى له من المهمات سوى إرسال الدعوات للمدعوين يُمْعِن الجميع في أعمالهم بسعادة ونشاط منتظرين عودة إسراء والطفلين على أحر من الجمر.. مضت ساعات وجميعهم منهمكين كلٌ في عمله الخاص، أتى مروان أخيرًا بعد أن انتهى من أمر إرسال الدعوات، دلف مروان إلى الصالون حيث كان مصطفى يضبط زوايا بعض مصابيح الإضاءة ليجلس بتأفف والغصة تأكل داخله..جلس صامتًا يتذكر كلماتها له..هل حقًا قالت هذه الكلمات من قلبها؟؟؟هل يوجد أحد فاقدٌ للثقة بنفسه لهذه الدرجة؟لدرجة أنه يشعر بأنه مجرد خطأ غير محسوب ولا يمكن أن يحب ويبادل نفس المشاعر؟؟؟..أم أنها قالت هذا الحديث المُر فقط كي لا تحرجه؟؟؟هل يعقل أنها لا تبادله نفس مشاعره؟؟؟كيف لا بعد كل ما حدث بينهما طوال هذه الفترة؟؟؟فمنذ لقائهما الأول وهناك توافقٌ بينهما لا يمكن لأحد أن يعجز عن رؤيته..كيف لا تحبه وهي من عانقته من تلقاء نفسها حينما زل لسانه واعترف بحبه لها دون إرادةٍ منه لما رأها للوهلة الأولى بعد أن ظل يدور شوارع باريس ليلة كاملة باحثًا عنها؟؟؟كيف لا تحبه وهي من احتمت في أحضانه من أمطار الشتاء؟؟؟ كيف لا تحبه وهي من توسدت ذراعه طول الطريق للبيت؟؟؟ شعر فجأة بنيرانٍ تتأجج داخله وحرارة عويناته تزداد ارتفاعًا... فرك وجهه بألمٍ والوَصَب يتجلى على جسده كله، أخفى وجهه بين كفيه يحاول السيطرة على نفسه لكن كان عقله لا ينفك يفكر في ما قالته مرارًا وتكرارًا حتى شعر لوهلةٍ أن كلماتها تقع على مسامعه مرةً أخرى.. تقع على مسامعه وقع القذائف النارية على رأس أسرةٍ صغيرة في منزلهم الصغير الذي لم يعد سوى ركام.. تغلغل حديثها في قلبه كتغلغل السهم في جسد المحارب الشامخ على غفلة... الصرخات القادمة من أعماقه تتعالا بينما جسده يزداد شموخًا.. كان لا يرغب أن يرى أحد ما بداخله من حرائق..كان عقله يسمع تاوهات قلبه الذي ما انفك يصدر صرخاتٍ مُتعالية، صامتة في آنٍ معًا.. حتى استسلمت مقاومته وانهدم أخر جدارٍ دفاعيٍ له لتسقط دمعةٌ هاربة بحرائقه على وجهه ترسم خطواتٍ خلَّفها أثر الوجع على محياه.. تحرك صوب حمام الضيوف والذي كان أقرب الحمامات للصالون ليغسل وجهه بعنف حتى احمرت أنامله.. خرج وهو يجفف وجهه مُحاولًا ادعاء أن لا شيء به، لكنه فشل فشلًا ذريعًا حينما استطاع حسن ذو العشر سنوات كشف محاولته الخائبة في إخفاء ما به..ظل حسن يطالع مروان في فضول بينما كان مصطفى ينادي حسن ليساعده في أحد الأمور.. لم يجب حسن لأيٍ من ندائات مصطفى وكأنه لم يسمع أيًا منها مما لفت انتباه جميع من بالقصر فيما عدا غنى ونور اللتان انهمكتا في أعمال المطبخ ومازن الذي ذهب لشراء مياهٍ غازية، التفت جميع من بالبيت يطالعون حسن الذي أطال التمعُن في مروان ويبدو أن عيني مروان الحزينتين أصابتا حسن بالعدوى حيث انتقلت معالم الحزن لوجه ذلك الصغير نقي القلب الذي حركته غريزته الطفولية اللطيفة أن يترك ما بيده من أدوات ويخطو خطواتٍ سريعة نحو مروان، وقف أمامه ثم أشار بيده الصغيرة لمروان علامة معناها أن يقترب.. إنحنى مروان جالسًا على ركبتيه ليصبح وجهه في مقابلة حسن الذي ما إن جلس مروان حتى انتشل رأسه يحتضنها باحتواءٍ طفولي مُربتًا على خصلات مروان بهيئتها الكيرلي الملتوية ذات اللون الأسود قائلًا بحنان وحُبٍّ طفوليين مميزيين للغاية بلثغته الطفولية : _"متزعلش يا عمو مـ(غ)ـروان عشان خاطـ(غ)ـري.. " وقف الجميع يطالعون ما يحدث باستغراب وقد انتبهوا لهيئة مروان الـ"مبهدلة" بينما تحدث مروان بتعجب وصوتٍ هادئ خمول للغاية قائلًا : _"ليه بتقول كدا يا حسن يا حبيبي؟؟؟ إنتَ فاكرني زعلان؟؟؟ " _"إنتَ شكلك زعلان يا عمو مـ(غ)ــروان.." ترك حسن رأس مروان ليعود مروان لوضعية جلوسه.. بينما أمسكت كفوف حسن الصغيرة وجه مروان ثم شرد قليلًا ثم وفجأة ألقى بنفسه في أحضان مروان بعنف يحتضنه بقوة مع قوله : _"عمو مـ(غ)ــروان أنا بحبك أوي وميـ(غ)ــرضينيش إنك تكون زعلان.. إضحك علشان خاطـ(غ)ــري... أ(غـ)رجوك !!.. " إبتسم مروان بكل صدق ثم بادل حسن العناق مُخفيًا وجهه في جسد حسن الصغير في مُحاولةٍ بائسة لتمويه بحَّة صوته ثم قال : _"متخافش يا حبيب عمك مروان، أنا مفيش حاجة مزعلاني أنا بس تعبان من الشغل" خرج حسن من أحضان مروان يقول والسرور يضيء وجهه : _"بجد؟... يعني إنتَ فـ(غ)ــرحان مش زعلان؟؟؟ " ربت مروان على شعره ثم وهو يرسم بعضًا من البسمات الصادقة مع قوله : _"أه يا قلبي... " صمت قليلًا ثم تابع مُداعبًا حسن : _"بس تعرف يا حسن؟.." إلتفت له حسن بترقب وعويناتٍ صغيرةٍ مفتوحة مُستمعًا لمروان الذي استكمل المقال : _"تعرف يا حسن إيه الحاجة اللي ممكن تخليني أكون كويس والتعب ده يمشي؟؟؟" أجابه حسن بلهفة وعويناتٍ مُتسعة وفم قد انفرجت أساريره بابتسامةٍ مُتلفهة ببراءة : _"إيه؟؟؟ " مروان بابتسامة : _"حاجتين.. حضن كبيييير أويي من حد يكون بيحبني جدًا جدًا جدًا.." حسن بفرحةٍ وأملٍ وليد : _"بيحبك قد البحـ(غ)ــر وسمكاته؟؟؟ " ضحك مروان ثم تابع : _"أه يا حسن حد بيحبني قد البحر وسمكاته" اتسعت بسمة ذلك الحسن اللطيف ليردف بصراخ من فرط حماسته وهو يقذف بنفسه كالصاروخ مُحيطًا مروان بذراعيه الصغيرتين : _"أنا بحبك قد البحـ(غ)ـر وسمكاته !!! " ظل حسن يشدد من هذا العناق الذي كان مروان في أمس الحاجة إليه بالفعل.. كان في أمس حاجة لهاتين الذراعين اللتان تضمان أجزاء قلبه المتفرقة... إنتهى حسن من معانقة مروان ليردف بعدها بحماس : _"إيه الحاجة التانية عشان أعملهالك؟؟؟ " _"لو قلت لك على الحاجة دي هتساعدني فيها مهما كانت يا حسن؟؟؟ " صمت حسن قليلًا ثم قال ببراءة : _"طالما الحاجة دي هتخليك فـ(غ)ـرحان هعملها أه...، بس بشـ(غ)ـرط وحيد.. إن الحاجة دي متكونش عيب أو حـ(غ)ـرام، لو هي حاجة عادية هساعدك فيها يا عمو بس لو حاجة مش حلوة هنصحك ومش هخليك تعملها عشان تبقى شطور زيي. " احتضنه مروان ثم قبل رأسه قائلًا : _"والله يا حسن أنا مش محتاج لحد غيرك في حياتي بجد.. " ربت مروان على رأس الصبي ثم نهض أمام أنظار الجميع مُخبرًا إياهم أنه سيذهب للمستشفى ليحضر فريدة وإسراء، وافقه الجميع على هذا الإقتراح، ذهبت شيرين تحضر الفستان لتعطيه إياه ليعطيه لإسراء كي ترتديه بالإضافة إلى بعض المجوهرات ومساحيق التجميل، فعند قدومهم سيكون الضيوف وصلوا بالفعل. وبالفعل اخذ مروان الأشياء من شيرين دون اعتراض وذهب مُستقلًا سيارته الخاصة. بعد مرور بعض الوقت ومروان يقود سيارته حتى وصل للمشفى التي تقبع بها إسراء.. أخرج هاتفه ليهاتف فريدة ويعلمها أنه قد وصل، كذلك ليستعلم منها عن رقم الغرفة التي نقلت لها إسراء ليلة البارحة، أخبرته فريدة برقم الغرفة التي كانت في الطابق الثاني، صعد مروان الدرجات بملل ثم بدأ يبحث عن الغرفة ذات رقم 17 وبعد أن وجدها دلف إليهما بعد أن أذنتا له بالدخول. وما إن فُتح باب الغرفة حتى انقض مروان على الطفلين يأكلهما أكلًا ويداعبهما بلطف، أخذ يحمل الطفلين في آنٍ معًا كلٌ على ذراع ويداعبهما بخديه في وجهيهما الصغيرين بحبٍ مُرهَف، لطالما أحبَّ مروان الأطفال ولطالما بادله الأطفال نفس المشاعر.. ربما هناك هالة من نقاء تحاوطه لا يراها سوا الأطفال فقط لأنهم ببساطة وحدهم من يمتلكون تلك الهالة السحرية.. لا يعلم لما لكن ربما كانت هذه المشاعر وهذا الحب الموجَّه له هو نوعٌ من أنواع التعويض عمَّا فاته من طفولته. ابتسمت كُلًا من فريدة وإسراء على هذا المشهد الجميل لمروان الطفل الصغير ذو العشرين خريفًا فقط يحتضن طفليه الصغيرين أصحاب الساعات المحدودة والقليلة قالت إسراء بممازحة : _"حاسب عليهم يا مروان أنا تعبانة فيهم" خرجت ضحكات فريدة بينما أتى رد مروان : _"أحاسب عليهم؟؟ ده انا هاين عليا أكلهم إيه الحلاوة دي؟؟؟الله أكبر يعني ربنا يحمهم ويبارك فيهم يارب هما الإتنين ويقر عينك إنتِ ومالك بيهم يارب." آمنت إسراء تليها فريدة بتأثر، إقترب مروان من إسراء وجلس جواراها ثم قال : _"بجد ما شاء الله تبارك الرحمن جُمال جدًا اللهم بارك، شكلهم حلو أوي.. " صمت للحظة ثم تابع : _"بس الإتنين شُقر ونفس لون البشرة ونفس الملامح إحنا هنفرق بينهم إزاي كدا؟؟؟ " ضحكت إسراء ثم قالت : _"بص كويس كدا.. إللي على دراعك اليمين دا عيونه عسلي شبهي دا فيان.. واللي على دراعك الشمال دا عيونه خضرا شبه مالك دا كيان. " _"أسمائهم مميزة أوي مين إختارها إنتِ ولا مالك؟؟؟ " أجابته إسراء : _"لا دول إختيار مالك.. أنا كل اللي كنت عايزاه يكونوا إسمين مُميزين ومعناهم حلو ويكونوا شبه بعض، هو قعد يفكر بعدين قال بقى نسميهم فيان وكيان واتقفنا عليهم." _"حلوين أوي يا إسراء.. " _"ربنا يخليك يا مروان.. أنا بجد معرفش أشكرك إزاي.. " أردف مروان بتساؤل وهو يداعب الرضيعين : _" تشكريني؟ تشكريني على إيه؟؟؟ " _"على وجودك جنبي في الوقت المناسب.. مين عارف يمكن لو مكنتش إنتَ ونور موجودين كان ممكن يحصل ليا وللولدين حاجة و.. " أمسك مروان يدها قائلًا : _"بعد الشر يا إسراء متقوليش كدا.. وبعدين دا واجبي أصلًا مينفعش تشكريني عليه. " ابتسمت إسراء بامتنان له كذلك فريدة بتأثر، وقف مروان يهدهد الطفلين اللذين بدئا بالتثاؤب ثم وضعهما في السرير برفق تاركًا قُبلةً قوية على وجهيهما، إلتفت لفريدة ثم قال : _"خدودهم تتهبر." أضافت فريدة توافقه : _"حصل جدًا... " عقبت إسراء على حديثهما مُدَّعيةً الغضب : _"جرا إيه إنتَ وهي إنتم عايزين تاكلوا عيالي ولا إيه؟؟؟ " أجابها مروان بشهوةٍ وانتشاء : _"أنا لو عليا عايز أقطعهم بوس الأول بعدين أكلهم." نظرت له إسراء بشك ثم قالت وهي تشير بإصبعها نحوه قائلةً بلهجة صعيد مصر الحبيب : _"كانك مش مظبوط ياض.. " انفجر ثلاثتهم ضحكًا وتعالت قهقهاتهم.. عم الصمت فجأة وجلسوا يسترجعون أنفاسهم التي أنفقوها في الضحك.. قامت إسراء من سريرها بمساعدة فريدة لتجرب الفستان الذي أتاها به مروان ثم خرجت بعد دقائق... جلست على الفراش مُجددًا وجلست فريدة على الكرسي المُجاور لها تساعدها في ترتيب شعرها حتى انتبهت فريدة لمروان الذي كان شاردًا في عالمٍ أخر... فقط يطالع الأرضية بعينين مغرورقتين بالدموع.. أشارت فريدة لإسراء بنظرةٍ حملت معنى "إنظري إلى حاله" اعتدلت إسراء في جلستها ثم بادرت بالحديث قائلةً : _"مالك يا مروان في حاجة مضايقاك ولا إيه؟؟؟ " عقب مروان ولايزال بصره مُتسمر في مكانه : _"ليه بتقولي كدا ؟؟؟ شكلي متضايق؟؟؟ " أجابته فريدة : _"لا شكلك مش متضايق... شكلك تعبان. " _"صوتك موجوع أوي يا مروان مالك؟؟؟ إحكيلنا ولا مش بتثق فينا؟؟؟ " صمت مروان ثم أردف وقد تراجع بظهره للخلف مُستندًا على طرف السرير من خلفه مُبتسمًا باستهزاء وقد ظهرت الدموع الحبيسة داخل عينيه للفتاتين : _"مش حكاية كدا..يعني... المسألة مش مسألة ثقة بس...مش قادر...، مش عايز أتكلم في الموضوع دا عشان لو اتكلمت.. " تفوهت إسراء بقلق : _"الموضوع دا ليه علاقة بنور؟؟؟ " فرت دمعةٌ من طرف عينه بعد أن ازداد احمرار وجهه وأنامله التي انغلقت لتشكل قبضةً صلبة... استمر بصمته هذا ثم قال وكأن فكرةً طرأت على رأسه فجأة ليسئل فريدة : _"فريدة هو ممكن حد يكون مُقتنع فعلًا إنه مش مُناسب لأي حد وإن محدش ممكن يحبه؟؟؟ " صمتت فريدة ثم أجابت : _"أه وارد جدًا على حسب مستوى ثقته في نفسه وتقدير الذات عنده... بس ليه بتسأل؟؟؟ " لم يجد مروان مفرًا من أن يقُصَّ عليهم ما حدث لتردف إسراء بسرعةٍ و دون تفكير : _"بطَّل عبط يا مروان متبعدش عنها... " أضافت فريدة : _"أنا كمان بأيد الكلام دا يا مروان بلاش تسيبها وإنتَ عارف المشكلة اللي هي بتعاني منها.. هي فاقدة للثقة في نفسها بسبب عوامل كتيرة أهمهم شكلها وشكل جسمها اللي كان بيخليها تتعرض للإنتقادات من كل اللي حواليها.. لازم ترجعلها ثقتها في نفسها تاني ومتكونش سبب في أذاها إنتَ كمان... " نظر مروان لفريدة وعلامات الجهل ترتسم على وجهه ليستمع لمقاطعة إسراء الحديث قائلةً : _"أيوة يا مروان.. أي نعم أنا معرفش في علم النفس والحاجات دي بس اللي أعرفه إن اللي بيحب حد مبيسيبهوش وبيبعد عنه كدا من البداية... وهي لو لقت إنك إتخليت عنها بسهولة إنتَ كدا هتكون بتأكد ليها إنها وحشة وإنها متتعاشرش زي ما هي بتفكر.." صمتت لبرهة ثم استكملت قولها وقد هدأت من صوتها : _"لو بتحبها فعلًا يا مروان متبعدش عنها وتسيبها.. " _"أنا فعلًا بحبها يا إسراء... بس أنا مش مستوعب إزاي هي قالتلي كدا؟؟؟ إزاي بعد كل التصرفات اللي أكدت ليا إنها بتحبني أتفاجئ إنها مش عايزاني كدا؟؟؟ " أردفت إسراء : _"مين قالك إنها مش عايزاك؟؟؟ هي ممكن تكون خايفة بس أو مش عارفة تحدد مشاعرها تجاهك؟؟؟ " _"ما هي دي المشكلة؟!! إنها لسة صغيرة ودا اللي مخوفني.. أنا متأكد وعارف إني مشدودلها بجد وإن مشاعري ناحيتها حقيقية.. بس خايف أكون بظلمها معايا... " أردفت فريدة : _"إسمع كلام إسراء يا مروان.. نور مش صغيرة نور عقلها كبير.. وحتى لو هي مش بتحبك على الأقل تكون حاولت عشان متحسش بالذنب بعد كدا وتفضل موجوع طول عمرك وحاسس بالندم. " أردف مروان برفضٍ تام لحديث الفتاتين : _"لا لا أنا مش هعمل كدا... مش هظلم عيلة صغيرة معايا حرام عليا... لا لا أنا هنساها وهبعد.. وهي كمان هتنسى كلامي وهتتعامل عادي. " فريدة بعدم رضى عن ما قاله مروان : _"غلط يا مروان..مفيش حاجة تقتل المشاعر وتقضي على علاقتك بأي حد مهما كان ومهما كُنت بتحبّه قد "التجاهل و البرود"أصلك هتعمل تقيل عليه لمُجرّد إنك فاهم إنك لما تتقل حبّة تزيد محبّة والأفكار العقيمة اللي زي دي وتعامل اللي قدامك بالقطّارة هتبُص فجأة مش هتلاقيه ولا هتعرف توصّلُه من تاني... المشاعر والثقة الاتنين زي "الروح" ولما بيروحوا لا بيرجعوا ولا بيفضل منهم أي حاجة غير السيرة.. ومهما حاولت من جديد هتفشل لإن مفيش روح بترجع بعد طلُوعها." ________________________________ في هذه الأثناء كان من بالقصر يعملون دون كللٍ أو ملل وفي المطبخ وقفت نور وغنى تكدنَّ تنهين عملهن لتسأل نور في شرود : _"خالتو غنى.. " همهمت غنى دون أن تلتفت ثم تابعت نور : _"هو إنتم كلكم إتعرفتوا ببعض إزاي؟؟؟ وإيه سر العلاقات القوية اللي بينكم دي؟؟؟ " إبتسمت غنى مُجيبةً وهي تنتهي من تقطيع حبيبات الطماطم : _"بصي يا صغننة.. أنا و باباكِ كنا زمايل في الجامعة أنا اصلًا خريجة أداب فرنساوي زي باباكِ، هو كان في أخر سنة ليه وأنا كنت لسة في أول سنة وكان بيساعدني لحد ما بقينا نتكلم وكدا.. وأنا عرَّفته على خالد وإسراء عيال خالاتي الإتنين خالد خريج حقوق وإسراء خريجة تجارة، وهو عرَّفنا على مازن ومصطفى صحاب عُمره... مصطفى كان في أخر سنة ليه في كلية الهندسة ومازن كان في أول سنة ليه زيي بس في كلية هندسة بس بعدها بسنة قرر إنه يغير الكلية ويتنقل للطب، آحنا ساعتها مكناش عارفين ليه وكنا مُعترضين إنه يهدر تسع سنين من عُمره في الجامعة بس.. لكن بعد كدا عرفنا وهو كان عنده حق بصراحة... " _"طب هو مكانش خايف وهو بيسيب حاجة هو بيحبها في لحظات ويغير الحاجة دي عشان حاجة تانية مش مضمونة.. " _"أكيد كان خايف.. بس هو لو مكانش واجه خوفه دا واتصرف بحكمة كان ممكن يضيع منه البنت اللي حبَّها طول عُمره وساعتها هيكون خسر حاجات كتيرة أكبر وأهم.. " _"حاجات زي إيه؟؟؟ " _"غير إنه كان ممكن يخسر حبيبته فهو كان هيخسر ثقته في نفسه ويخليه متردد قبل ما ياخد أي خطوة في حياته بعد كدا، كان ممكن يخسر راحة باله لما يحس بالندم طوال الوقت على حاجة هو تردد ومعملهاش.. " _"طب وإنتِ؟؟؟" _"هاتيلي الجبنة الرومي والمبشرة يلا عشان أخلص السلطة.. " ناولتها نور ما طلبت مع ملاحظتها : _"إتفضلي... زودي الزيتون عشان بابا بيحبه كتير في السلطة." _"من عنيا... أه نرجع لموضوعنا عايزة تعرفي إيه عني يا صغننة؟؟؟ " _"يعني....، مش عارفة إذا كان ينفع أسئلك السؤال دا ولا لأ... " أردفت غنى بنبرةٍ ودودة مُسالمة : _"قولي يا صغننة ومتقلقيش، إعتبريني أختك الكبيرة اللي نفسها تنصحك ومتتردييش في أي وقت تسأليني عن أي حاجة" ابتسمت نور وأطلقت أنفاسًا خافتة براحة ثم قالت متسائلة : _"طب وإنتِ كنتِ بتحبي خالد؟؟؟ " ابتسمت غنى ثم أردفت بشرود : _"عاوزة الحق؟؟؟.... أنا طبعًا بحب خالد هو وحبيبي وحبيب عيوني، إنما لو بتتكلمي على قبل الجواز فأنا نفسي مكنتش قادرة أحدد.. كل اللي كنت أعرفه إني كنت بكون مبسوطة وأنا معاه ومبسوطة من غيرته عليا وكنت بفرح لما أحس إنه بيخاف عليا وعلى زعلي،...بس ليه بتسألي الأسئلة الغربية دي صحيح؟؟؟ " صمتت نور قليلًا ثم تنهدت وكأنها تحاول إخراج الكلمات والأفكار التي تدور بعقلها دفعةً واحدة لتقول بعد ترددٍ طويل : _"خالتو غنى.. هو إزاي الواحد يعرف إنه بيحب حد ؟؟؟ " ابتسمت غنى وسكنَت قليلًا مما أثار ريبة نور، استدارت غنى لتواجه نور ثم أمسكت بكلتا يديها وهي لا تنفك تنظر لعينيها الخضراوتين قائلةً : _"لما تحسي إن مهما كان حواليكِ إيه بس مفيش حاجة تقدر تخوفك وإنتِ معاه.. لما تحسي إن أمان الدنيا كلها في كفة وأمانه هو في كفة تانية خالص.. لما تفكري فيه قبل ما تنامي وأول ما تصحي.. لما تفكري فيه وإنتِ رايحة تقفي قدام ربنا وطول ما إنتِ ساجدة لربك.. لما تحسي إنه مسك قلبك وقعد يحفر فيه وحط بذور جواه وفضل يرعاه ويهتم بيه لحد ما كبَّر جواه ورد جميل.. لما تبدأي تلاقي إن كل حاجة حلوة حواليكِ بتبدأ بأول حرف من إسمه.. لما تحسي إن حد دخل إيده جوا عضمك وشال قلبك من مكانه كل ما تسمعي سيرته في الكلام.. لسعة البرد اللي تجري في جسمك لما يندهلك بإسم بتحبيه.. ساعتها بس تعرفي إنك بتحبيه. " أغمضت نور عينيها بهدوء تتذكر.. ومع كل إضافةٍ تضيفها غنى تشعر بقلبها يرتجف في أرضه.. لا تدري السبب ولا يمكنها كبحَ لجامه وتثبيته في موقعه..تحاول لكنها لا تستطيع.. هدَّأت أخيرًا من روع ذاك النابض بشِدَّة لتتابع وقد بدأت الدموع تتجلى في عينيها وبدأ صوتها بالتحشرج قائلةً : _"أيوة بس... " حثتها غنى على التحدث قائلةً بنبرتها الودودة المعهودة : _"متقلقيش يا صغننة..تقدري تتكلمي معايا براحتك، وأنا أوعدك إن محدش هيعرف بأي حاجة هتتقال دلوقتي.." هنا وانفجرت نور بكل ما تحمل من أفكارٍ وكلماتٍ مُبعثرة وقد أطلقت العنان لخيول عينيها للفرار على خارطة وجنتيها مُجهشةً في البُكاء : _"بس أنا ليه خايفة؟؟؟.. خايفة أوي.. خايفة من كل حاجة.. أنا أصلًا بخاف من كل حاجة.. بخاف أتعود على وجود حد ويمشي، بخاف أحكي إللي جوايا وأندم.. " _"متخليش خوفك للحظات يندمك سنين.. وخليكِ عارفة إن محدش هيعرف يحكم على الشخص دا غيرك، وطالما إنتِ واثقة فيه يبقى متفكريش في أي حاجة تانية أو أي رأي تاني. " مسحت دموع نور الهابطة بأناملها ثم تابعت : _"علشان كدا خليكِ عارفة إن محدش هيفهم الشخص أو يثق فيه قدك إنتِ لإنك إنتِ اللي عارفاه واتعاملتي معاه بنفسك." تنهدت نور بخوف وهي تضغط على قلبها الذي لا زال ينبض بقوة، صدح صوت مالك الذي دلف للمطبخ توًا وهو يقول : _"إحنا خلاص خلصنا إنتو إيه الأخبار عندكم محتاجين أي مساعدة؟؟؟ " كادت غنى تجيبه لولا أن قال هو مُسرعًا وقد لاحظ يد نور الموضوعة على قلبها بالإضافة إلى وجهها المُتعرق : _"مالك يا نور !! فيكِ حاجة؟؟؟ " تداركت غنى الأمر مُجيبةً مالك بسرعة : _"لا مفيش حاجة متقلقش.. الحكاية كلها إن بنتك دلوعة شوية ومش حِمل وقفة مطابخ" تحدث مالك رافعًا أحد حاجبيه : _"مش فاهم يعني إيه؟؟؟ مقولتيليش مالها برضو؟؟؟ " _"ملهاش يا سيدي هي بس فرهدت شوية من سخونية الجو هنا.. " تحدث مالك مُشيرًا لنور : _"طب خلاص إطلعي إرتاحي شوية وأنا هكمل بدالك." تدخلت غنى في الحديث قائلةً : _"لا تكمل إيه إحنا خلاص خلصنا.. انا بس هكمل السلطة اللي معايا دي وإنتَ خدها واطلعوا اقعدوا برة براحتكم.. " أمعن مالك النظر لها ثم أردف : _"متأكدة إنك مش محتاجة مساعدة في أي حاجة طيب؟؟؟ " أومات غنى مؤكدةً له ما تقوله لينسحب هو من المطبخ مع ابنته نور التي أصبحت هي محور كونه، وبرغم حصوله مؤخرًا على أطفالٍ من صُلبه.. أبناء حقيقيون إلا أنه لا يمكن له أن يحب أحدًا كما يحبها هي أو أن يمارس أُبوَّته الكاملة على أحدٍ غيرها، فهي أول من أحيَّت قلبه شبه الساكن بكلمة "بابا" التي تخرج من بين شفتيها هي خصيصًا.. لا يعلم أين هي حدود حبه البريء لها، ولا يوَّد أن يعلم أين تقع، بل يود أن يظل هكذا وأن تظل هي ابنته ومُهجة قلبه التي بلغ حبه لها حد الأُفق. جلس مالك يُداعِب ابنته بعد أن عاد مازن وانتهى الجميع من أعمالهم وجلسوا سويًا ينالون قسطًا من الراحة قبل أن يبدأ كل شخصٍ منهم بالاستعداد لاستقبال الضيوف المدعوين، يتسامرون ويتبادولن الأحاديث والنكات حتى صاح حسن وهو ينظر إلى والديه بغضبٍ طفولي واضعًا كلتا يديه في خصره قائلًا : _"كدا مش عدل بجد !! واللي بيحصل دا ظلم !! " إنتبه له الجميع ليردف مصطفى مُتسائلًا بدهشة على حديث صغيره : _"هو إيه دت اللي ظلم يا حسن؟؟؟ " قال حسن بحنقٍ شديد وهو يقفز مكانه بغضب : _"ليه إنتم مش بتحبوني زي ما عمو مالك بيحب نوغ (نور) بقى كدا ظلم !! " انطلقت الضحكات من كل الأركان بينما تحدث مصطفى بجديةٍ كبيرة : _"إنتَ شايف إن أنا وماما مش بنحبك يا حسن؟؟؟ " صمت حسن قليلًا ثم عقب : _"لا بتحبوني بس بتحبو أغوى (أروى) أكتـ(غ)ـر مني !!! " قالت شيرين بكللٍ من هذا الطفل متقلب المزاج : _"يابني أنا مش فاهمة إنتَ دلوقتي غيران من نور ولا غيران من أروى ولا غيران على عمك مالك ولا إيه؟؟؟ " قفز حسن بغضبٍ مُجددًا ثم صاح وهو يشير بإصبعه على نور ومالك اللذان يُتابعان في صمت تزامُنا مع قوله : _"يعني هو عمو مالك لازم يحبها هي أوي كدا؟؟؟... " تابع وقد تلونت نبرة صوته اللطيفة بالغيرة والحزن : _"بصي حتى!! دا بقى بيحبها أكتر مني أنا وأغوى (أروى)!!! " تدخل مالك موجهًا حديثه لحسن يمازحه بنبرةٍ جامدةٍ بعض الشيء : _"ولا ملكش دعوة بالبنت!!! " صدم حسن من حديث مالك لينظر لوالديه وأثر الصدمة لا يُمحى من على وجهه، عاود النظر لمالك بخيبة أمل وحسرة وكأنما يقول له (كيف تجرأت على خيانتي ؟!)، حاول مالك كتم ضحكاته بينما توجهت عوينات حسن لنور التي اقتربت من مالك لتجلس مُلاصقةً له، نظرت نور لمالك بحب ثم قالت أثناء ارتمائها بين ضلوعه : _"أنا بحبك أوي أوي أوي يا بابا." شدد مالك عليها العناق وقد أردف وهو يربت على حجاب رأسها ذو اللون الأخضر الفاتح: _"وأنا بحبك أكتر يا نور، دا إنتِ تفاحة قلبي يا نور. " شهق حسن بفزع وقد اغرورقت عويناته بعبرات الغيرة لتقوم نور بمشاكته وهي تخرج له لسانها علامةً على إغاظته، ما إن رأى حسن الحركات التي تقوم بها نور حتى ازداد غيظه ليردف وهو يقترب منها بغيظٍ ضاق به : _"بص يا بابا بتغيظني إزاي!! أنا هضغبها (هضربها) لو غاظتني تاني." أوقفه مالك موضعه وصاح به بحدَّة : _"ولا !! تضرب مين ياض إنتَ، إنتَ إتهبلت ؟!!ولا ملكش دعوة بالبنت ياض !! " قالت شيرين بيأسٍ من أفعال ابنها الذي لن يكبر أبدًا : _"حسن عيب كدا، إحترم نفسك دي أختك الكبيرة برضو" حسن بلامبالاة : _"لا يا ماما دي مش أختي !! أغوى(أروى) بس هي أختى !! " تحدث مصطفى بغضبٍ قائلًا : _"حســن يا زفت رد على مامتك عدِل، مفيش حاجة إسمها لأ لما أمك تقول حاجة تقول حاضر، وبعدين مينفعش اللي إنتَ بتقوله كلكم هنا إخوات ومينفعش تضرب حد من إخواتك سواء صغير أو كبير.. " قاطعه حسن بإجابته وكأنه لم يكن يستمع لحديث والديه السابق قائلًا : _"أيوا هضربها عشان تستاهل عشان هي بتغيظني" قالها حسن وهو يقترب بغضب من نور التي احتمت خلف ظهر مالك والذي صاح هو بشيءٍ من الجدية : _"دا عند أمك يا حسن!!، إنتَ إتجننت بجد ولا إيه ياض؟، مصطفى ربي إبنك دا وحوشه من قدامي قبل ما أشوطه برجلي أخليك تروح تجيبه من إسنكدرية عند طنط دولت! " سقطت دموع حسن وهو يصيح بغضب في مالك الذي قام بخيانته : _"بقى كدا؟؟؟ هتديني بالشلوت عشان خاطغ (خاطر) نوغ(نور)؟؟؟ طيب..، متتكلمش معايا تاني عشان أنا مخاصمك ليوم الدين! " قالها ثم خرج صاعدًا لغرفته هو وأخته الكبرى يبكي بحرقة مُتجاهلًا نداءات الجميع له وكأن العالم أصيب بالصمم منذ لحظة بكاءه. قال مصطفى بيأس معتذرًا : _"معلش يا جماعة إحنا أصلًا مش عارفين نربيه.. حاولنا كتير والله بس مفيش فايدة تقريبًا إستنزفنا كل مجهودنا في أروى وجينا لحد عنده ومقدرناش... " ضحك الجميع لتتحدث شيرين وهي تتنهد بتعب : _"أوقات بحس إن حسن عنده هرمونات بنات نكدية.. والله العظيم كل شوية بحالة، دا لسة من شوية كان بيلعب وبيتنطط زي القرد وقبلها كان بيحضن مروان ودلوقتي بيعيط من غيرته على مالك.. الواد دا مش طبيعي بجد" انفجر الجميع ضحكًا لتتحدث غنى برقة قائلةً لمالك : _"بس والله العظيم حرام عليك يا مالك اللي عملته في الواد دا.. يعني يكون هو بيحبك تقوم إنتَ مزقع له كدا؟؟؟ " مالك بابتسامة : _"هطلع أصالحه دلوقتي.. أنا بس حبيت أعمل كدا واخد معاه موقف عشان ميتجرأش إنه يضايق نور في أي وقت. " تحول بعيونه لعيون نور ثم قال وهو يغمز لها : _"أي خدمة يا عم." إبتسمت نور إبتسامةً حملت من الحب والسعادة ما جعل مالك يبادلها نفس الإبتسامة، إنتهت الجلسة بقيام كل فردٍ منهم للاستعداد للحفل قبل مجيء الضيوف، ارتدت شيرين ملابس كاجوال بسيطة بينما ارتدت غنى فستانًا واسعًا بعض الشيء مُراعاةً لذلك الجنين الذي قد أخذ حجمه يتزايد بوضوح عكس فريدة التي لم يكن ظاهرًا عليها أنها حامل وبنفس الشهر مع غنى، ارتدى حسن وأروى الملابس الجديدة التي ابتاعتها لهما والدتهما شيرين وهي عبارة عن تيشيرت باللون الزيتي وبنطال باللون البيج الفاتح لحسن، وذات اللون البيج لأروى على هيئة تيشيرت نقشت عليه فراشةٌ سوداء مع تنورةٍ بيضاء من الدانتيل لتبدو أروى في غاية الرقة والجمال، حيث تناسبت ملابسها مع لون بشرتها الخمرية وشعرها القاتم الذي صففته لها شيرين على هيئة ظفيرتين جانبيتين.. ارتدى الرجال ملابس كاجوال أنيقة جدًا لتعطيهم مظاهر مميزة وفخمة دون الحاجة للرسميات.. قليلٌ من الوقت ليصل مروان برفقة إسراء وفريدة والصغيرين استقبلهم الجميع بالترحاب والتهاني الحارة، جلست إسراء على أريكة الصالون وبجانبها كُلًا من فريدة ومالك وكُلٌ منهما يحمل بين ذراعيه طفلٌ من الطفلين، إلتف الجميع حول الطفلين عدا مروان الذي، وبمجرد ظهور نور أمامه بفستانها الطويل، السماوي اللون المزخرف بزهور من اللون الكشميري وهو مزيج من اللون الوردي الفتاح واللون الأرجواني الناعم، وحجابها الأسود العميق الذي أضفى لمسةً من الرُقي والأناقة على الكشمير، ظل مُحدقًا فيها بعض الوقت وقد أفغر فاهه ببلاهةٍ ودون إدراكٍ منه.. وأخيرًا أدرك ما يقوم به قلبه الأخرق ليهرب مُنزويًا للشرفة بعض الوقت حتى يعيد تهيئة رئتيه للتنفس من جديد والتحكم بأنفاسه.. في الداخل كان الجميع يتهافتون على الصغيرين يود كُلٌ منهم أن يحملهما، قالت غنى وهي تتناول فيان من يد فريدة : _"بسم الله ما شاء الله، تبارك الخلَّاق، ربنا يبارك لكم فيهم ويسعدكم بيهم يارب. " أمن الجميع دعائها، قالت شيرين بحبٍ بالغ : _"ربنا يقر أعينكم بيهم يارب ويجعلهم ذرية صالحة، إيه بقى حكاية الأسماء المميزة دي بقى عشان عندي فضول أعرفها. " ابتسم مالك ثم قال مُجيبًا على تساؤلها : _"فيان دا إسم إغريقي قديم معناه الحب والحنان أو الشخص الحنون، وكيان إسم مُشتق من كلمة الكينونة يعني أصل الوجود، فإسم كيان يدل على الجمال والأصل الطيب.. إسراء كانت عايزة أسماء شبه بعض ومميزين وفي النهاية توصلنا لفيان وكيان. " عقب عليه خالد : _"ربنا يفرحك بيهم يا مالك وتشوفهم أحسن ناس إن شاء الله" صاح حسن الذي كان يراقب الطفلين بانبهار مُشيرًا لكيان : _"بصو !! إلحقو دا بيتاوب زينا !!! " قالت إسراء ببهجة والأرهاق بادٍ على صوتها : _"أيوا يا حبيبي عشان عايز ين... " قاطعها صياح حسن مرةً أخرى وقد صرخ بفرحةٍ وانبهار قائلًا : _"ماما ! دا بيبصلي !!.. دا عنده عيون زينا !!" _"عيون زينا؟!! إومال إنتَ فاكره عنده إيه يعني يا حسن؟ عيون بوتجاز؟؟؟ " كان هذا قول مالك ليردف حسن وقد أعرض عنه قائلًا : _"متتكلمش معايا إتكلم مع نور.. عشان أنا مخاصمك ليوم القيامة" مالك بإندهاش : _"يوم القيامة ؟!! " حسن بقطع مُتحاشيًا النظر لمالك : _"أيوة زي ما سمعت يا عمو مالك.. لغاية يوم القيامة. " مالك وهو يناول خالدًا الصغير كيان : _"إمسك كدا يا خالد عشان أشوف الراجل الزعلان دا. " تناول خالد الصبي وهو يُكبِّر ويذكر اسم الله بحب، أضاف مالك مُعقبًا باستعطاف على حديث حسن السابق وهو يقربه إليه : _"بقى كدا يا حسن؟؟؟ مكنتش متخيل إنك تقدر تخاصمني؟؟؟ طب أهون عليك؟؟؟ " أعرض حسن ولم يُجبه ليتحدث مصطفى بجمود : _"عيب كدا يا حسن، رد على عمو مالك لما يكلمك." أشار له مالك أن لا بأس وأن يتركه على راحته، صمت مصطفى وظل مالك يداعب حسن الصغير حتى ينال الرضى من هذا العفريت اللطيف، بعد قليلٍ من الوقت بدأ الضيوف بالمجيء وبدأت الأعداد بالتزايد، بدأ الإحتفال وبدأت الأجواء تزداد صخبًا وعمت الفرحة المكان.. كان الجميع مُعجبًا بالطفلين الملائكيين شديدا الجمال ذوا الملامح الخلابة والبشرة ناصعة البياض ولوني عيونٍ مميز أحدهما عسلي والأخر أخضر وشعرٌ أشقر لامع مائلٌ إلى الذهبي، كانا ملاكين صغيرين بحق.. وقف "جوزيف" برفقة مروان يتضاحكان ويتبادلان أطراف الكلام، لمح جوزيف نور فأشار لها بابتسامةٍ عريضة، تقدمت نور نحوهما مُبتسمةً ليبادر جوزيف القول : _"مساء الخير أنستي، كيف حالك؟؟؟ " لتجيبه نور بابتسامةٍ ودودة : _"أنا بخير شكرًا لك، وأنت كيف تسير أمورك؟؟؟ " _"أنا على خير ما يُرام، ليبارك الرب أخويك الصغيرين، سعيدٌ للغاية أنكِ بخير" أردفت نور بملامح بشوشة : _"هذا بفضلك، لم تتسنى لي الفرصة لأشكرك بنفسي عن موقفك النبيل ذلك..شكرًا لك جوزيف على إنقاذي يومها لا أعلم ما الذي كان يمكن حدوثه لولا تدخلك. " أومأ لها جوزيف بتواضع ثم تابع : _"لا عليكِ كان هذا واجبي.. وأيضًا أنا من أراد شكركِ على تذكركِ لي.. أخبرني السيد مالك أنكِ من طلبتي دعوتي للحفل". _"هذا أقل تعبيرٍ عن إمتنانـ... " لم تكمل نور كلمتها الأخير بسبب قطرات العصير التي سُكِبَت من كأس مروان عليها إثر مباغتة "ماري" له حينما قفزت عليه تحتضنه من ظهره مما تسبب بتناثر ذرات العصير على فستان نور مُشكِّلةً بُقعًا داكنة أخذت في التزايد بعدما كانت في البداية قطراتٍ صغيرة.. _"عزيزي مارو !! إشتقت لك كثيرًا !! " دفعها مروان بلا إراديةٍ منه ثم صاح قائلًا دون أن يلتفت : _"هييي ! إبتعدي !!!" تراجعت الفتاة للخلف بدهشةٍ من ردة فعله، لم يكلف مروان نفسه عناء الإلتفات لرؤية الفتاة كل ما انشغل به هو نور وفستانها الذي تلطخ ببعض قطراتٍ من العصير، أخرج بعض المناديل من جيب بنطاله وحاول تنظيف تلك البُقع لكنها لم تُمحى، نظر لها بقلق ثم تحدث بارتجاف : _"أنا أسف... مكانش قصدي والله العظيم.. أنا بس.. " قالت نور بهدوء لتتدارك الموقف : _"حصل خير متضايقش نفسك.. أنا هدخل دلوقتي أنضفه جوا محصلش حاجة يعني.. " وبالفعل انصرفت نور بسرعة ولم تُعط لمروان فرصة الرد عليها، ذهبت نور وقامت بتنظيف فستانها سريعًا كما قالت، صحيحٌ أنها أزالت أثار بقع العصير إلا أنه لازالت تتواجد بعض النقاط الصغيرة التي يمكن ملاحظتها إن تم التدقيق بالثوب،خرجت نور مُجددًا تحاول أن ترسم ابتسامةً بلاستيكية على ثغرها لكنها فشلت بالأمر بمجرد رؤية الفتاة نفسها تعاود التقرب من مروان الذي ذهب ليقف برفقة مالك وفريدة ومازن، كادت تتجاهلهم أثناء توجهها للشرفة لولا صوت مالك الذي جاء مُناديًا لها، أطلقت نور زفرةً عميقة ثم توجهت له بابتسامتها البلاستيكية التي اتقنت اصطناعها الفترة الأخيرة، ظلت واقفةً معهم تستمع لأحاديثهم التي لم تُثر اهتمامها على الإطلاق، لاحظ مالك الضيق والملل على وجهي كُلًا من نور ومروان، كان مروان شاردًا يفكر بألمٍ خفي، كذلك نور التي شردت بصوت أفكارٍ يداهمها لتفيق على قول المدعوة ماري-والتي اتضح أنها صديقة مروان السابقة- : _"لطالما كان مارو يحدثني عنك سيد مالك، سرني بشدة أن ألقاك، وفي هكذا مُناسبةٍ سعيدة. " رد مالك بسعة صدر وبشاشة : _"هذا لطفٌ منكِ آنسة ماري، ولقد تشرفنا بقدومك اليوم. " أردفت ماري بلطف مُستكملةً حديثها السابق : _"سعيدةٌ من أجلك صدقني، أتمنى أن يكون لدي أطفالٌ يشبهون أطفالك لكن لربما يكون هذا مُستحيلًا، أتمنى أن ينعما بحياةٍ سعيدة وأن تفخر بهما دائمًا. " ابتسم لها مالك ثم ضم نور إليه وقال مُعرفًا : _"هذه نور ابنتي البكرية وتفاحة قلبي" نظرت لها ماري بعمق تحت أنظار الجميع ثم قالت بلكنةٍ لئيمة : _"تشرفت بكِ عزيزتي، تبدين جميلةً للغاية، تشبهين أباكِ أيضًا. " شكرتها نور بكلماتٍ مُقتضبة، استأذن منهم مالك ليجيب إسراء التي لا تنفك تنادي باسمه. ذهب مالك وبرفقته فريدة، مُخلِّـفًا وراء ظهره مازن ومروان يقفان مع نور وماري،مدت ماري يدها لمصافحة نور قائلةً بلؤم : _"أنا أدرس التصوير في سنتي الثانية في الجامعة، وأنتِ عزيزتي؟؟؟ لأي جامعةٍ انضممتي؟؟؟ " ارتبكت نور واسود وجهها ليتدخل مروان في الحديث بحِدّة قائلًا وقد احتضن يد نور بأنامله بعد أن وقف بجانبها ليصبح في مواجهة ماري : _"هذا ليس من شأنك ماري.. اهتمي بشؤنك الخاصة رجاءً. " عقبت ماري بتعجب : _"أنا لم أرتكب شيئًا خاطئًا فقط وددتُ التعرف عليها أكثر وسألتها عن عمرها هل أخطأت في هذا عزيزي؟؟؟ " كانت تتعمد الضغط على أخر كلماتها لتغيظ نور التي لم تبالي بالأمر، بل أجابت بلامبالاة : _"14...14 عامًا ماري،تشرفت بمعرفتك" ماري بذهولٍ مُتعمَد : _"14!! أوه عزيزتي تبدين أكبر من ذلك بكثير.. لابُد أنكِ تُعانين من هذا الأمر.. " مروان بحِدّة وقد بدأ يستشعر انزعاج نور الخفي : _"عُذرًا، ولكن هل يمكنني معرفة سبب تدخلك بهذا الموضوع؟؟؟ " صدت ماري رده بحدة هي الأخرى قائلةً ببرودٍ مُصطنع : _"عُذرًا مارو حبيبي.. هل يمكنني معرفة سبب تدخلك في أحاديث الفتيات؟؟؟.. " عادت ببصرها لنور ثم تابعت ما كانت تقوله : _"ماذا كنت أقول؟.. أه نعم.. أعتقد أنه بسبب نمط ملابسك.. هيا عزيزتي أثق أنه يمكنكِ أن تبدين أجمل بكثير إذا توقفتي عن ارتداء هذا النمط من الفساتين الطويلة وحجاب الرأس هذا.. أنظري حتى أمك (تقصد إسراء) لا ترتديه" تدخل مروان بغيظٍ قائلًا : _"ماري !! وللمرة الأخيرة أحذرك من التدخل في أمورٍ لا تعنيكِ، ثم إن شمس أجمل الفتيات في كل حالاتها وأوقاتها " ماري بتعجب : _"شمس؟؟ من هي شمس أوليست نور؟؟؟ " _"نعم اسمها نور.. أنا من أدعوها بشمس لأنها ومنذ مجيئها لفرنسا وقد أصبحت شمسًا أخرى لعالمي. " دلف بعدها مروان للشرفة ساحبًا بيده نور التي بدى التأثر من حديث ماري على محياها جليًّا. نظرت ماري في أثرهما والغيظ ينهش لُبَّها، تحرك مازن نحو زوجته فريدة غير آبهٍ بتلك التي تحترق في أرضها، ذهب مازن لزوجته التي انضمت لحديث شيرين وإسراء ومالك وبعضٌ من الضيوف ليستأذن الجميع أن يحدثها على انفراد ثم أخذها جانبًا، تسائلت فريدة عن سبب فعلته هذه وسبب تلك الإبتسامة المرتسمة على محياه أجاب مازن تساؤلات زوجته الحبيبة : _"أنا كلمت خالد من شوية في الموضوع بتاعنا وهو خلاص هيبدأ يمشي في الأوراق الرسمية من بكرة. " صاحت فريدة مُردفةً بحماسٍ شديد : _"بجد يا مازن؟؟؟ بجد يا حبيبي معقولة بالسرعة دي؟؟؟ " احتضنها مازن بفرحةٍ عارمة تزامنًا مع قوله : _"أخيرًا يا قلبي بجد... أنا فرحان أوي، وبصراحة كدا مش شايف إن في داعي نأخر الموضوع. " بادلته فريدة العناق ثم قالت بحب : _"ربنا يفرح قلبك دايمًا يا حبيبي وميحرمنيش من وجودك معايا.. " احتضن مازن كفيها بحبٍ عارم ثم تابع حديثه بعد أن ترك عليهما ختمًا خاصًا به وهو عبارةٌ عن قبلتين عاشقتين : _"ولا يحرمني من وجودِك يا وش السَعد عليا إنتِ.." ابتسمت له فريدة بحب ثم أردفت بسرعة : _"خلاص عيب بقى عشان الناس" قطب جبينه ثم أردف يدَّعي الحنق : _"هو إنتِ ليه محسساني إني شاقطك من على الدائري... إنتِ مراتي وكمان كام شهر هتبقي أم عيالي في إيه؟؟؟ " رفعت فريدة حاجبيها تتعجب تصرفاته ثم تابعت : _"أيوة بس مش قدام الناس !!" ليجيب مازن ببلاهة : _"هو إيه اللي مش قدام الناس هو أنا متجوزك عُرفي.. ولا أكونش أنا متجوزك من ورا أخوكِ وأهلك مثلًا؟؟؟.. " هزت فريدة رأسها بيأسٍ منه ثم قالت : _"إنتَ مفيش فايدة منك أبدًا يا مازن، عُمرك ما هتتغير." أردف مازن وهو يغمز لها تزامُنًا مع قوله : _"وإنتِ برضو مفيش منك فايدة أبدًا يا فريدة هتفضلي طول عُمرك حلوة كدا..." تابعت فريدة تحاول مواراة الخجل عن عينيه : _"يووه!! إنتَ كدا هتعطلني،.. أنا هروح أقعد معاهم برة !" ارتفع صوت ضحكات مازن في المكان ثم طالع أثرها بابتسامةٍ خبيثة ثم قال بصوتٍ عالٍ نسبيًا : _"ماشي.. على العموم كله يهون عشان خاطر الزبون. " ________________________________ وفي الشرفة حيث جلس مروان بجانب نور على الأريكة الخشبية يحاول بدأ الحديث معها لكن لا يستطيع، تدور بداخله صراعات كثيرة لا يعلم عنها أحد.. ظل صامتًا منذ دلفا معًا إلى الشرفة حتى كسرت نور الصمت قائلةً : _"مروان؟.. " همهم لها مروان بينما يُمعن النظر لها وكأنه يُملي عينيه منها خشية أن تتبخر أمامه في لمح البصر. رفعت هي قدميها تضمهما لصدرها، تلفُ ذراعيها حولهما وكأنها تحتضن نفسها، ثم أردفت بصوتٍ هادئٍ خمول : _"هو أنا بجد شكلي مش حلو؟؟؟.... يعني أنا مش جميلة زي باقي البنات زي الناس ما بيقولوا فعلًا؟؟؟.. " لم يستغرق مروان ثوانٍ ليقول لها بثبات : _"عاوزة الحقيقة؟؟؟ " هزت نور رأسها وهمهمت مؤكدةً بإصرار رغم الرعشة التي احتلت قلبها لبرهةٍ من الزمن لتجده يقول لها بصوتٍ غمرته الحنية والحب : _"أنا مش هقدر أفيدك في سؤال زي دا.. أصل إزاي أحدد إنتِ حلوة زي باقي البنات ولا لأ وأنا أصلًا عينيا مبتشوفش غيرك؟؟؟ " شعرت بالدماء تتدفق لوجهها لتُنبت على وجنتيها ورود الخجل.. ظل مروان ينظر لها ولحالتها الخجولة تلك والبسمة تستمر في الإتساع شيئًا فشيئًا بينما كانت عيناه ترميان بسهام عشقه وسط ميدان قلبها فاضحةً أمره أمامها. همَّت بالتكلم لولا فكرةٌ أتتها مباغتةً إياها جعلتها تتراجع عن ما كانت ستقوله لولا صوت مروان الذي أتاها مُبادرًا : _"إتكلمي.. " نظرت له نور وعلامات الدهشة تحتل تعابيرها..لتتسائل في حيرةٍ وتيه : _"إيه ؟!! " تابع مروان بهدوء يستحثها على التكلم : _"إتكلمي.. كنتِ عايزة تقولي حاجة دلوقتي وبعدين سكتتِ.. سكتتِ ليه يا شمسي إتكلمي.. ومتخبيش عليا حاجة.. " صمتت قليلًا تفكر ثم أطلقت تنهيدةً قوية أخرجت ما بجوفها من حيرةٍ وتردد ثم أردفت بعد لحظاتٍ من الصمت : _"أنا لاحظت حاجة.. إنتَ دايمًا بتبقى مركز معايا ومع تفاصيلي التافهة.. حتى وإحنا واقفين معاهم كنت واخد بالك مني ومركز معايا، إنتَ ركزت في كلامي وفي نبرة صوتي، خدت بالك من خوفي، ودايمًا بتعمل حساب لمشاعري وقلقي وبتحاول تبقى دايمًا فاهم مشاعري المُعقدة، ودايمًا بتقدرها... مروان هو إنتَ بتعاملني حلو كدا ليه؟؟؟ " أجابها مروان مبتسمًا دون الحاجة للتفكير في ما سيقول : _"عشان إنتِ قاسية على نفسك.. فلو كنتِ مبتحبيش نفسك أنا هحبهالك.. " إغرورقت عيناها بالدموع ثم أخفضت وجهها أرضًا في مُحاولةٍ منها لإخفاء عبراتها التي تساقطت على وجنتيها كحبات اللؤلؤ.. ظل مُحدقًا فيها بحب وهي تجاهد لوئد تلك الابتسامة التي احتلت شفتي الفتاة ليشُن مروان أخر حركاته الهجومية في هذه الحرب راميًا أخر سهمٍ له مُناديًا إياها بصوته الرخيم : _"شمسي؟.. " ومع خروج هذه الأحرف من بين شفتيه إنهدم أخر دفاعات نور لتعقب وقد أجهشت في البكاء : _"أنا محدش يقدر يستحملني ويستحمل طباعي... إنتم بس لحد دلوقتي محدش شاف طباعي الوحشة عشان أنا بحاول أخفيها.. " _"ليه بتحكمي عليا إني مش هقدر أستحملك من قبل حتى ما تديني فرصتي يا شمس؟؟؟ إنتِ كدا بتظلميني.." _"إسمعني يا مروان..يمكن اتغيرت مع ناس كتير أو بمعنى أصح مبقتش زي الأول، بس دا ميمنعش إني ببعد من أقل سبب، نفسيتي مش كويسة، أه عايشة بضحك وبهزر بس أنا دايمًا جوايا حزن واكتئاب مش عارفة أخرج منهم، مبحبش أحكي مالي لإني أكتر الوقت مش ببقى عارفة..، بس ببقى تعبانة ومخنوقة، كل فترة بتيجي تغير حاجة فيا، مش بهتم بوجود حد حتى أقرب الناس ليا، ومبيبقاش فارق معايا مين بيسأل ومين لأ لإني على طول مكتفية بنفسي، برغم إن نفسي دي هي أكتر حاجة تعباني في الدنيا، بس أنا بفضَّل عدم الكلام مع حد، أصلًا محدش هيستحمل تقلباتي المزاجية ولا أسلوبي اللي بيبقى غصب عني باردة ورخمة شوية، هتستحملني؟ مرة إتنين بس هتيجي تالتة هتزهق حتى لو أنا حاجة كبيرة في حياتك، بحب وجود الناس حوليا بس لقيت إن محدش هيستحملني.. فَبقيت ببعد." عقب مروان بلا مُبالاةٍ لما قالته نور توًّا وكأنه لم يستمع لأيًا من حديثها السابق قائلًا : _"ملكيش دعوة إنتِ بس وأنا هستحملك.. وهبقى في ضهرك دايمًا في أي وقت، وأي حكاية أنا هكون معاكِ أول سطر فيها.. " أضافت نور، ولسببٍ ما غير معلوم كانت يداها وجسدها بالكامل يرتجف لكنها لم تآبه وتابعت : _"أيوا بس.. أنا مش عايزة أزعلك ومش عايزاك إنتَ كمان تزعلني.. وإنتَ أصلًا مش هتستحملني لو زعلتك... " قاطعها مروان بالرد الحاسم الذي كان بمثابة الضربة الأخيرة : _"عيب عليكِ والله لما تقولي الكلام دا ليا بجد ، دا أنا أشيلك العُمر كله واستحملك، دا أنا استحملت بلاوي ومصايب مش هقدر استحملك يا بت إنتِ، وبالعكس إنتِ مش تعباني خالص بالعكس أنا بكون فرحان لما أوصلك من المدرسة وإنتِ بتحكيلي وبتشتكيلي من الدنيا وفرحان إني بشيل معاك مشاكلك.. وأنا مشاكلي وتعبي كله بيروح أول مابتطمن عليكِ وأعرف إنك لسة مستمرة وبتحاولي، ولو فيه حد المفروض يعتذر فهو أنا عشان مش قادر أقدملك أي مساعدة غير كلام بس، والفترة دي هنعديها سوا وهنطلع منها ناس جامدين جدًا. " _"مروان... " أجابها مروان بشكٍ بعد أن صمت لبرهةٍ وهو يرفع أحد حاجبيه قائلًا : _"نعم يا شمسي؟.. " _"أنا حاسة إني بحبـك." __________________________________ بس بقى كفاية بارت طويل وأحداثه لطيفة نجمة لطيفة زي قلبك يا حبيبي🤎☁↻'. ودمتم سالمين🤎☁ ⊁'. -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم.
-مَليكـة مجْـدي إبرا