صلـوا علـىٰ نبي الـرحمـة🤍🦋. ---------------- وكما هي عادة الحياة فلطالما مرَّ الزمن مرور الكرام، لا يُطيُل الزيارة ولا يُعجِل من الرحيل، بل يجعل لكل شيءٍ ميعادٌ مُحدد، الكثير من الأيام والقليل من الحياة، وأثناء مغادرة الوقت التزمت الحياة الصمت ، وكذلك نحن البشر التزمناه. التزم هو الصمت، كان الحزن يملأ أيامه، الكسرةث والخيبة، ظهرتا على ملامِحه وعينيّه المُنهكتين اللتان أنهكتهما رؤية وجهه الشاحب الذي تعرض للعنة الشباب في المرآة، إلتفت هنا وهناك بحثًا عن بصيص نورٍ لحياته المُظلمة في وسط أركانٍ سوداء مظلمة في زوايا قلبه. صنع لنفسه قائلًا: وداعًا لنصفِ الحزن ونصف الوحدة، وداعًا لنصف البشر الذين سببوا عائقًا في طريقي، وداعًا للقلق الدائم والإنتظار على أمل الوصول لنتيجة... ربَّما هكذا ستنحلُّ العُقدة و الآن سوف أجاهد و سأنتظر الأشياء الجميلة أن تأتي لحياتي... أنتظر. --------- مرَّت الأسابيع ساحبةً خلفها الشهور.. إنتهى الشتاء العصيب ومع بداية فصل الربيع حلت نسماتُ عبيرٍ في قلوب أصدقائنا لتُنبت شتلاتٍ من الورود البرية حيث كانت شظايا الجليد التي خلفتها رياح الشتاء الحزينة.... مرت ثلاثة أشهر بأيامها وأوقاتها المُبهجة منها والعصيبة.. كانت القصص تتوالى والأيام تدور يومًا لصالحهم ويومًا عليهم، كان الجميع في حالة تقلب وعدم إتزان يفرحون ويحتفلون تارةً ويتشاجرون تارةً أخرى ولم تنسَ الحياة أن تلقي على كاهلهم بعض العقبات أيضًا... بات مروان مُقربًا من نور أكثر وباتت نور هي حلم مروان الساطع، ذاك الحلم الذي كلما اقترب من تحقيقه ارتجفت يداه وكلما ابتعد عنه ارتجل قلبه.. لعله كان خائفًا من التقرب منها للفارق العمري بينهما، لكن ما أخافه أكثر هو أن يبتعد عن تحقيق حلمه بها يومًا ما وأن يطول طريق السعي حتى يسبقه شخصٌ أخر وينتشلها من أحلامه الوردية التي كانت هي محورها... كان فريدة ومازن كثيران الشجارات ولطالما هرب مازن من منازعتها، وفي العديد من المرات كانت فريدة تذهب للمبيت برفقة شيرين وإسراء في ڤيلا عائلة الدالي.. كانت شجاراتهما مستمرة ودائمة لكنها ورغم ذلك لم تزعزع من حبهما الأبدي لبعضهما البعض... فعُقب كل شجارٍ يتصالحان بسرعة وكأن شيئًا لم يكن..، وفي كثير من المرات التي تذهب فيها فريدة لبيت مالك كان مازن يتركها تبقى هناك عدة ساعات حتى تنفس عن غضبها وحزنها وكي تقضي بعض الوقت مع شيرين وإسراء لعل جلستهن تحسن من مزاجها ثم يذهب لها في وقتٍ مُتأخر من الليل قائلًا للجميع جملته الشهيرة بمرحه المعهود : "معلش يا جدعان هستأذنكوا في مراتي تبات معايا لو معندكوش مشاكل.. مبعرفش أنام غير وهي مخمودة جنبي.. قصدي وأنا واخدها في حضني." ثم يقبل جبينها ويعتذر لها أنه أغضبها، حتى لو كانت هي المُخطئة لكنها لطالما أحب مصالحتها فهي حبيبته التي رأها تكبر أمامه منذ ريعانها.. كان حبهما في تزايدٍ دائم، كذلك الزوجين خالد وغنى اللذان تأقلما على بعضهما مع مرور الوقت.. أيضًا شجاراتهما لم تكن قليلة لكن سرعان ما يتصالحان قبل أن يسمحا للغضب أن يحفر مسافاته بينهما.. في الواقع كان الجميع يعيشون الحياة بتفاصيلها المعتادة، يومٌ يتسامرون وأخرٌ يتشاجرون، لكن وفي النهاية فالقلوب لأصحابها تحن وتأوي. وفي صباح أحدٍ مُشرق يجلس مالك في مكتب فريدة ينتظرها بعد أن استأذنته بالذهاب لقضاء أمرٍ ما في دقائق معدودة. كان يجلس شاردًا يحتسي قهوته الصباحية وبيده بعض أقلام التدوين ودفترٌ ذو غلافٍ جلدي موضوعٍ أمامه على طاولةٍ صغيرة، وأثناء سباحته في نهر أفكاره العميق أطل عليه وجه فريدة ذو الإبتسامة العملية قائلةً : _"إتأخرت عليك؟ " هز رأسه مومئًا بالنفي لتردف هي متحدثةً بغموض : _"طب تعالى معايا.. " _"أجي معاكِ فين؟؟؟ " إلتفتت له فريدة وقد توسعت عيناها ولازالت البسمة المرتسمة على ثغرها مُعطيةً إياه نظرةً أن اتبعني فقط وستعرف. تبعها مالك خروجًا من غرفة المكتب الذي عادةً ما يمكثون فيها لنهاية الجلسة.. توجهت به فريدة نحو غرفةٍ لم يدخلها سابقًا.. بدت له في البداية كغرفةٍ كبيرةٍ بعض الشيء لكنه سرعان ما أدرك أنها كانت أشبه بقاعة محاضرات.. نظر للوحة المُعلقة والمقاعد المصفوفة أمامها والسبعة الجالسين عليها -الذين لم يسبق له رؤيتهم- ثم أعاد نظره لفريدة التي تقف بجانبه وعيناه تحملان نظرة الحيرة، لتردف فريدة موضحةً له الأمر قائلةً : _"عمري أبدًا ما كنت أتخيل إن على مدار الـ3 شهور اللي فاتو إنك هتقدر تجاهد نفسك كل الطريق ده... إحنا قطعنا شوط طويل لمدة 3سنين وحصدنا النتيجة خلال 3 شهور وده إنجاز، وأنا فخورة بيك جدًا." أجابها مالك وقد ازدادت حيرته : _"طب وبعدين يعني؟؟؟ إنتِ كدا حيرتيني أكتر، أنا مش فاهم حاجة بجد !!.. " _"بص يا سيدي إنت وأخويا وجوزي صحاب واخوات يعني كدا كدا إنت لازقلي ومش هعرف أهرب منك.. بس على الأقل ممكن أهرب منك لو قلتلك إن باقي من الـ20% حوالي 2% وإنهاردة هيخلصو الإتنين% دول عشان أقدر أقولك إتفضل مع السلامة ومش عايزة أشوف وشك في العيادة عندي هنا تاني." نظر لها والذهول يرتسم على ملامحه بغير تصديق ليهتف محاولًا استيعاب ما ترمي إليه فردة بحديثها قائلًا : _"قصدك إيه يعني؟؟.. لحظة لحظة... قصدك إن أنا كدا خفيت؟؟؟ " _"أه يا مالك" _"إزاي؟؟؟ بالسرعة دي؟؟؟ بجد.. قصدي.. يعني مش هسمع أصواتهم تاني؟!!! " إبتسمت فريدة بسمةً واسعة وقد لمعت حبات اللؤلؤ في عينيها من فرط سعادتها فقد ربحت التحدي وفازت به بجدارة... نظرت لمالك الذي لا يزال ينظر حوله بريبة غير مصدق لما تقوله ورغم ذلك.. فقد أشع وجهه نورًا لم يسبق لها أن رأته من قبل، شعرت فريدة لوهلةٍ وكأنَّ ما قالته لتوها قد أعاد له حياته وزاده عُمُرًا فوق عُمره، أو ربما أعاد سنين عمره الفائتة.. لا تعلم كل ما تعلمه أنها، ولأول مرة شعرت بإنجازٍ حقيقيٍ قد فعلته في حياتها. فركت وجهها لتذكر نفسها بالمفترض فعله الان ثم عادت للحديث بجدية ناظرةً له وهو يقف أمامها مُتسمرًا قائلةً له بطريقةٍ عملية : _"على العموم فاضل لنا جزء.. وده أصغر وأهم جزء دلوقتي لازم نقضي عليه وبقوة عشان لو محصلش ده ممكن في المستقبل تحت أي صدمة وأي ظروف نفسية في إحتمال مش قليل إن الأعراض تبدأ تظهر تاني، وعشان كدا بقولك إن دي هتبقا أخر وأهم مرة نتقابل فيها في عيادتي عشان كدا بطلب منك تنفذ كل اللي هطلبه منك بكل تركيزك مستعد؟؟؟ " أجابها مالك بحماسٍ شديد دون أن يستغرق وقتًا في الرد : _"مستعد جدًا....مهما كان اللي هتقولي عليه أنا مستعد. " اتجهت فريدة تجلس على أحد المقاعد بجانب السبعة أشخاص الذين قد نسي مالك وجودهم بالفعل، نظر لها مالك بعدم فهم لتردف هي بالتوضيح : _" دلوقتي ركز يا مالك في كل اللي هقوله لك السبع أشخاص اللي قاعدين قدامك دول هما سبع شخصيات مهمين جدًا وكل شخص منهم له دور كبير جدًا في المجتمع وفي الوسط بتاعه والمحيط اللي هو عايش فيه، وكلهم كانوا مرضى فُصام زيك بالظبط وكانوا بيعانوا من الفصام زيك بالظبط..، دلوقتي هما بخير وقدروا يتمموا علاجهم بقالهم سنين وقدروا يتخطوا كل المشاكل اللي كانت بتحصل لهم، إنتَ دورك دلوقتي إنك تكلمهم على مشكلتك وتعرفهم بنفسك وتحكي ليهم كل حاجة وهما هيتناقشوا معاك والمفروض إنت تديهم حلول وتنصحهم إزاي يتعاملوا مع مريض الفصام ومن خلال طريقة كلامك ولغة جسدك هنقدر نحدد إذا كنت إنت بخير ولا إذا كان في مشكلة صغيرة تانية." أنهت فريدة حديثها ليبادر بالحديث الشخص الجالس بجوارها تمامًا وقد كان أطول الحاضرين، جسده ضخم البنية، ذو أكتافٍ عريضة وشعرٌ أسودٌ لامع به بعض الخصلات الرمادية، بدى على صوته الكِبَر.. ربما كان في العقد الرابع أو الخامس من عمره، تحدث بنبرةٍ ودودة موجهًا حديثه لمالك قائلًا : _" ازاي حضرتك يا أستاذ مالك؟ تحب تعرفنا بنفسك؟؟؟ " تبدلت ملامح مالك في هذه اللحظة من الحماس الشديد للتردد الشديد وقد ظهر خوفه واضحًا للجميع، كانت فريدة تسجل كل ما يحدث من انفعالات وحديث بواسطة الكاميرا الخفية التي تحملها في جيبيها الأمامي دون أن يدري أحد فقد أرادتها لتتأكد من سير هذه المقابلة وبيدها حملت دفترها الصغير وقلمها الرصاصي تسجل انفعالات مالك على هيئة جداول مملوءة بالأرقام التي درستها هي في الجامعة وكل رقمٍ منها يرمز لشيء مُعيَن، نظر لها مالك بترددٍ وخوف كطفلٍ ينتظر دعم أمه في حفل المدرسة. تعمدت فريدة التغافل عنه وأشاحت بصرها جهة الدفتر... هي لا تريد التدخل في هذا الحوار، واليوم تحديدًا تريده فقط هو من يقود الأمر برمته لترى النتيجة النهائية لعملها طوال الثلاث سنوات المُنصرمة. أعاد مالك النظر للذي حدثه قبل قليلٍ ليجده لا زال يحثه على الحديث، استجمع مالك شجاعته مُتذكرًا نصائح فريدة التي كانت تلقيها على مسامعه مرارًا وتكرارًا على مدار الأشهر الثلاثة الماضية ثم أغمض عينيه يتنفس بقوةٍ حتى كاد صوت أنفاسه يصل لهم جميعًا...، وبعد عِدَّة ثوانٍ جاهد حتى يخرج صوته سليمًا قائلًا مُعرِفًا بنفسه : _"مساء الخير... كله هنا بيفهم عربي صح؟؟؟ " _"إي أخي كلنا فاهمينك تابع لو سمحت. " كان هذا حديث أحد الجالسين والذي يبدو عليه من لهجته وهيئة ملابسه أنه لم يكن مصريًا أو فرنسيًا.. خمن مالك أنه من إحدى دول الشام لذا اطمئن أن الجميع سيفهمه وأخذ يتنفس ويطلق أنفاسه براحةٍ أكبر ثم فرك وجهه بخفةٍ واتجه يقف أمام اللوحة المُعلَّقة ثم تابع مُستكملًا الحديث : _" تمام.. في البدايهة أحب أشكركم جدًا على وقتكم ده.. وتاني حاجة أحب أعرفكم بنفسي.. أنا مالك... مالك سعيد الدالي، بعد كام شهر هيكون عندي 37 سنة أنا من عيلة كبيرة ومعروفة في مصر وفي فرنسا.. عيلة الدالي. وعيلة الدالي عيلة مصرية أصلها فرنسي." تحدث الرجل الكبير مِجددًا بجدية شديدة قائلًا : _"تشرفنا يا مالك.. مالك ممكن تكلمنا عن المشكلة اللي كنت بتعاني منها؟؟؟ " تحدث مالك وهو يبتلع ريقه ثم أجاب : _"فُصـام" صمت مالك عند كلمته الأخيرة ليتسائل الرجل الشامي : _"طيب أخي شو يعني فُصام؟؟؟ عرفنا عنه أكتر إذا بتريد" أطلق مالك زفرةً طويلة ثم تراجع للخلف ليقف أمام اللوحة مباشرةً ممسكًا القلم بيده وهو يرتب الكلمات في رأسه ثم قال شارحًا : _"الفُصـام أو الـ(ـشيزوفرينيا) ده مرض ذُهاني بينتج غالبًا عن الإضطرابات النفسية.. " فتح غطاء القلم ثم استدار وكتب على السبورة بخطٍ عريض (الشيزوفرينيا). ثم عاد لهم متابعًا الحديث قائلاً بتمرس : _"مريض الفصام بيتسم بسلوك إجتماعي غريب وغير طبيعي بالمرة وكمان فشل في تمييز الواقع،... ومن بعض الأعراض الشائعة بين اللي بيعانوا من مشاكل الفصام هي الوهام واضطراب الفكر والهلوسة السمعية وكمان بيبقا عندهم إنخفاض كبير جدًا في المشاركة الإجتماعية والتعبير العاطفي، وبيبقا عندهم إنعدام إرادة... " صمت قليلًا يعيد ترتيب أفكاره ثم قال وهو يكتب ما ينطقه بخطٍ مُنمَق على السبورة من خلفه : _"غالبًا مرضى الفُصام بيكون عندهم مشاكل نفسية تانية زي إضطرابات القلق والإضطراب الإكتئابي وإضطراب تعاطي المُخدرات، وفي العادة الأعراض بتظهر بشكل تدريجي وبتبدأ في مرحلة البلوغ، وبتستمر لفترات طويلة." قالت فريدة وقد تحولت ملامحها للهدوءٍ والجدية مُردفةً : _"كويس جدًا يا أستاذ مالك.. دلوقتي تقدر لو سمحت تشرحلنا بالتفصيل عن المرض ده وأعراضه؟؟؟ " ومجددًا أخذ مالك نفسًا عميقًا ثم أخذ يخرجه بهدوء وعاد للحديث قائلًا : _"الهلاوس من أهم الأعراض، وبالرغم من كدا فـَ هي مش موجودة لكل المرضى، وكمان مبتبقاش موجودة طول فترة المرض بشكل مستمر أو منتظم.. ونقدر نقول إن في أحيان كتير الهلاوس دي بتقوى وبتضعف، بشكل أدق.. بتظهر و تختفي وده بيبقا على حسب درجة تطور المرض، والهلاوس دي سهل جدًا تصيب كل الحواس، وإحنا هنا بنتكلم عن الهلاوس السمعية والبصرية والحسية وهلاوس الشم والتذوق. " قام أحد الجالسين من مقعده -والذي لم يكن قد شارك في الحديث قبلًا- وتوجه نحو مالك يمد يده له بزجاجة مياه مُبتسمًا له بود.. كان رجلًا ذو لحيةٍ خفيفة وأهدابٍ كثيفة يرتدي ملابس متواضعة وخاتمًا في إبهامه. حدق مالك في وجه الرجل بوجهٍ شبه خالٍ من التعابير ثوانٍ قليلة ثم إبتسم له مالك بودٍ مُماثل ثم تناول منه الزجاجة وارتشف بعض المياه الباردة وأمطر بها وجهه المُنهك.. فعلى الرغم من ثبات وقوة مالك في هذه اللحظات إلى أن هذا الثبات والقوة فقط للعيان أما عن داخله فقد كان المشهد برمته صعب.. كان كلما تذكر ما عاناه في الماضي بسبب هذه الأعراض اللعينة اجتاحته كثفٌ من السواد تجعله يشتعل أسفًا على حاله.. كانت فريدة وحدها من ترى هذا الصراع بداخله فهي من رتبت لتلك المقابلة وكل شيءٍ بها، كل ما سيُقال وكل الأسئلة التي ستطرح.. حتى زجاجة المياه الباردة هي من رتبت لها أيضًا.. كانت تود معرفة ردود أفعاله الطبيعية دون أي تزييفٍ أو ادعاءٍ للمثالية. عاد الرجل المُلتحي لمقعده ثم قال بصوتٍ أجش وقد زال أثر الإبتسامة من على وجهه : _"أستاذ مالك من كلام حضرتك نفهم إن الذهان هو أهم الأعراض اللي بتميز الفصام هل فيه أعراض تانية غيره ؟؟؟ " قال مالك مُجيبًا على سؤال الرجل بتأكيد : _"أه طبعًا..، زي ما حضرتك قلت إن الذهان أو الإنفصال عن الواقع هو العلامة المعتادة للفصام ،وعلى الرغم من كدا بس برضو في أعراض تانية كتير زي فقدان الإهتمام وفقدان الشهية وكمان مشاكل في الكلام ، والإكتئاب وتقلبات مزاجية.. وصعوبة التذكر... " صمت مالك ينظر للأرض بشرود عند كلمته الأخيرة وهو يتذكر المواقف التي كان يتعرض لها بسبب نسيانه الكثير من الأمور،... تذكر نسيانه لعيد ميلاد إسراء وما حدث يومها عندما اصطدمت سيارته بتلك الصغيرة التي ظهرت أمام سيارته من العدم لتصبح محور كونه ومنبع سعادته لتجلس مُتربعةً في القطعة اليسرى من صدره.. تلقائيًا ودون أن يشعر أخذ يرسم إبتسامةً في غاية الجمال على محياه ومُجددًا عادت له تلك الإشراقة البهية. تنهد طويلًا يتذكر ابنته الجميلة رقيقة المشاعر وشعر فجأة بأنه يرغب لو كانت أمامه الآن ليمعن النظر لملامح وجهها الجميلة التي تتشابه معه كثيرًا ويضمها إلى أحضانه بحنانٍ مميز لا يشعر به إلا من أجلها خصيصًا. _"كلمنا أكتر عن تجربتك الخاصة والظروف اللي وصلتك للأعراض دي وإنت في سن صغير يا أستاذ مالك. " كان هذا سؤال الرجل الكبير ذو الشعر الأسود.. كان هذا السؤال هو أخطر سؤالٍ يمكن أن تسأله لشخصٍ لم يتصالح بعد مع ماضيه وحياته والظروف التي وضعه القدر تحتها... لا أحد يعلم كيف ستكون ردة الفعل الصادرة من مالك، كانوا جميعًا خائفين من رد فعله وأكثرهم قلقًا فريدة. كانت قلقةً عليه فمن المُحتمل جدًا أن يرجع في لحظة لنقطة الصفر.. إنه الآن في أهم لحظة في رحلة علاجه النفسي وليس أمامه سوى طريقين.. إما أن يجيب على هذا السؤال وإما أن ينهار ويفقد السيطرة على عقله.. وإذا حدث الأمر الثاني وتعرض مالك لإنتكاسة فقد يكون هذا أسوء سيناريو يمكن حدوثه بالمعنى الحرفي. * * * * *Flash back* *منــذ ثلاثــة أشهــر* في إحدى المستشفيات في باريس حيث يرقد مالك في العناية المركزة، يقف كُلًا من مصطفى ومازن وخالد برفقة نور وغنى في الردهة ينتظرون أي أخبارٍ عن مالك الذي سقط مغشيًا عليه وفمه مليءٌ بالزبد والدماء بعد ان ظل يتخبط في الغرفة صارخًا بغضبٍ على شياطين هواجسه التي أرقت نومه ونغصت عليه حياته بأكملها ليسقط صريعًا على الأرض. في هذه الأثناء كانت فريدة وصلت بصحبة مازن ليفاجأ كلاهما بمصطفى يحمل مالك ويتجه به للسيارة ونور تتبعه، ركضا نحو السيارة بذُعرٍ شديد ليشير لهم مصطفى أن يدلف الجميع للسيارة بسرعة فلا وقت للحديث الآن. تحدث مازن بمجرد صعودهم وتشغيل مصطفى لمحرك السيارة قائلًا بفزع : _"في إيه يا مصطفى إيه اللي بيحصل ده؟؟؟ " تحدث مصطفى بتوتر وعصبية وقد انطلقت السيارة : _"معرفش يا مازن معرفش! إحنا كلنا كنا نايميين ومحصلش أي حاجة، فجأة صحينا على صوت زعيق جامد وتكسير وتخبيط في الحيطان وهو كان عمال يصرخ ويضرب دماغه زي المجانين، إسراء حاولت تهديه كان ممكن يعمل فيها حاجة لولا شيرين بعدتها من قدامه وأنا حاولت أهديه كتير وحاولت أسيطر عليه بس كإن عصبيته دي إدتله قوة 10 رجالة. " صمت يبتلع ريقه ثم تابع القول : _"كل اللي كان بيقوله أنا معملتش حاجة، هاتولي فريدة، سيبني وابعد عني، أنا مليش دعوة هارون الدالي هو السبب، إبعدو عني كلكم وسيبوني في حالي" أردف مازن بسرعة وقد عقد حاجبيه وهو يفرك رأسه بتشويش : _"لحظة لحظة.. إيه العك اللي بيتقال ده أنا مش فاهم حاجة؟؟؟ " توجهت أنظار الجميع لفريدة لتجيب هي بانفعال : _"محدش يبص ليا وإنسوا اللي في دماغكم ده عشان مش هيحصل. " أضاف مازن بانفعال وحنقٍ : _"هو إيه اللي مش هيحصل يا فريدة إنجزي وقولي لو تعرفي اللي بيحصل لمالك ده ليه ويعني إيه الكلام اللي أخوكي بيقوله ده؟ !!! " _"مش هيحصل يا مازن ومستحيل إني أقول أي حاجة تخصه بدون موافقته وده حقه." قال مصطفى وقد أوقف السيارة أمام المستشفى قائلًا لهم : _"إنتم هتتخانقوا دلوقتي هو ده وقته؟؟؟ مازن إنزل شيل مالك معايا وإنتِ يا فريدة إنتِ ونور إتصلوا بمروان وخالد عرفوهم." بالفعل نزل مازن ومصطفى بسرعة يحملان مالك على أكتافهما متجهان به لبابٍ كتب فوقه (غرفة الطوارئ) وخلفهما فريدة ونور. بعد بعض الوقت وصل خالد برفقة زوجته غنى، أخذا يركضان في ممرات المشفى حتى وصلا لغرفة الطوارئ التي كان مصطفى والأخرين يقبعون أمام بابها المغلق.. ظل الجميع يتسائلون فيما بينهم بحيرة أبرزهم قول مازن لفريدة بصراخ وقد فقد أعصابه وبدأت الدموع تشق طريقها على خديه : _"إنطقي يا فريدة قولي مالك ماله! " _"مينفعش يا مازن أرجوك إفهمن... " لم تكمل فريدة حديثها ليمسكها مازن من كتفيها بغضبٍ وبكاءه قد أعماه عن الرؤية صارخًا بترجي : _"أخويا جوا يا فريدة محدش عارف ماله غيرك.. يا فريدة اتكلمي بالله عليكي. " قال أخر كلماته وهو يجهش بالبكاء كطفلٍ صغير تقدم خالد يفصل بينه وبين فريدة ويحاول تهدئته قائلًا : _"إهدى يا مازن مينفعش اللي بتعمله ده إحنا في مستشفى... " كاد مازن أن يفتح فمه حتى وجد مصطفى قريبًا منهما يتحدث بخفوتٍ قائلًا : _"مازن حاول تسيطر على نفسك شوية عشان نور واقفة تتفرج عليك" انتبه مازن وكأنما تذكر نور فجأة لينظر لها هو وخالد ليجداها تقف بجانب الباب تنظر للجميع من بعيد دون التدخل بشؤنهم وعلامات الإضطراب على جسدها كله.. كان وجهها يستمر في الإحمرار وكانت تطالع الوجوه بتجهمٍ وملامح باهتة وعينين دامعتين.. أشار خالد لغنى برأسه جهة نور بمعنى أن تنظر لحالها كيف أصبح. إلتقطت غنى مقصد زوجها لتذهب جوار فريدة هامسةً في أذنها : _"فريدة تعالي نقف مع نور عشان شكلها مش كويس أبدًا ومينفعش ننهار كلنا قدامها. " بالفعل فركت فريدة وجهها ثم ذهبت هي وغنى تجاه نور، قالت فريدة وقد أمسكت بيد نور : _"نور تعالي اقعدي متقفيش كدا." سحبت نور يدها بقوةٍ من يد فريدة دون ان تنطق حرفًا واحدًا جعل هذا التصرف فريدة تفتح عويناتها بتعجب وتنظر لغني لتومئ لها غنى أن لا بأس ثم حاوطت كتفي نور قائلًا لها : _"نور يا حبيبتي متقليقيش بابا بخير بس تعالي اقعدي هنا على الكراسي لو سمحتِ." استجابت نور لحديث غنى دون أي كلمة أو إيماءةٍ حتى.. فقط انتزعت منها يدها واتجهت صوب المقاعد بهدوء وتجهم كما لو كانت جثة متحركة.. وصل مروان بعد قليل ركضًا وما إن وصل للردهة حتى ظل يطالعهم فردًا على حدى يحاول أن يتبين أي شيءٍ مما يحدث لكن يبدو أن لا أحد يعلم ما يجري هنا. ذهب لخالد الذي يجلس جوار مازن يحاول أن يخفف عنه وسلم عليه ثم تسائل عن الأوضاع الآن وعن حال مالك والقلق يتخذ وجهه مسكنًا ليجيب خالد : _"منعرفش لسة حاجة هو دخل الطوارئ ومن ساعتها الباب مقفول ومحدش عرفنا حاجة." أضاف مروان متسائلًا : _"طب وإسراء؟؟؟ " _"إسراء مع شيرين وعيال مصطفى في البيت.. بقولك يا مروان... " نظر له مروان باهتمام يتطلع ما سيخبره به خالد ليستمع لحديث الثاني : _"روح اقعد مع نور عشان شكلها مش مطمنني فريدة وغنى حاولوا يتكلموا معاها بس شكلها مش بخير.. حاول تهديها وتطمنها. " أردف مروان مُعقبًا قول خالد بانفعال يحاول كبح دموعه ومنعها من الإنهمار قائلًا : _"أطمنها إزاي يا خالد وأنا مش قادر حتى أطمن نفسي!! " ربت خالد على كتفه قائلًا : _"معلش يا مروان حاول أنا عارف إنك خايف بس هي لسة صغيرة وأكيد خايفة أكتر منك.. " تنهد مروان وأشار لخالد بإيماءةٍ يائسة ثم توجه للمقاعد وجلس بحانب نور لا يدري كيف يخفف عنها وهو لا يقدر أن يخفف على نفسه... جلس بجوارها ينظر لها ولحالها السيء مُتعجبًا كيف تحول حالها هكذا في بضع دقائق..استجمع بعض الكلمات ولم يستطع كتم اضطرابات صوته أثناء قوله لها : _"شمسي... إنتِ بخير؟؟؟ متخافيش أبوكِ هيبقا بخير." لم يجد ردًا منها، هي حتى لم تنظر له.. كل ما فعلته هو رفعت قدميها على الكرسي تضمهما لصدرها وتحاوطهما بذراعيها.. صمت مروان قليلًا يلاحظ عيناها اللتان تتحركان في الأرجاء ببطيءٍ غريب ليتابع كلامه : _"شمس إنتِ كويسة؟؟؟ " أجابته نور بكلماتٍ مُقتضبة وبؤبؤ عينيها يزداد توسعًا ويتحرك ببطئٍ شديد : _"أنا خايفة أوي يا مروان" أطلق مروان تنهيدةً طويلة ثم التفت يمسك يدها بحنوٍ بالغ ثم قال بنبرةٍ لم يستطع إخراجها سليمة : _"متخافيش يا نور إن شاء الله كل حاجة هتكون بخير، ومالك قوي وميتخافش عليه و.." _"بس أنا خايفة عليه يا مروان! " هكذا قاطعته نور ليردف هو وقد أجهش بالبكاء فاقدًا السيطرة على دموعه يردد من بين شهقاته : _"وأنا كمان خايف عليه يا نور!!.. " نظرت له نور بدهشة وعيناها جاحظتان وما هي إلا لحظات حتى بدأت في البكاء هي الأخرى دون توقف ليعلو صوت بكائهما ويلفتا أنظار الجميع.. بعد مرور بعض الوقت خرج أحد الأطباء من الغرفة ليندفع نحوه الجميع بذعر، بدأ مصطفى يسأله عن حال رفيقهم الذي يتسطح على الفراش في داخل قسم الطوارئ لكن الطبيب لم يفهم مصطفى الذي تحدث بالإنجليزية.. تسلم مازن الموقف وبدأ يحدث الطبيب نيابةً عن مصطفى ليجيب الطبيب قائلًا : _"يبدو أن حالته العصبية سيئة للغاية إرتفع ضغط دمه بشِدَّة ويجب علينا نقله للعناية المركزة." _"أرجوك أطلعنا على حالته أنا وأحد أصدقاءه أطباء ويمكننا المساعدة إذا لزم الأمر" قالها مازن بانفعال ليجيبه الطبيب بصرامة : _"أرجوك سيدي.. إن أردتم المساعدة فعليكم بالمغادرة الآن وجودكم يسبب توترًا في المشفى، وبالنسبة لصديقكم فكما قلت سيكون تحت الرعاية المشددة.. يجب علينا تدارك الأمر بسرعة للتقليل من إحتمال إصابته بسكتةٍ دماغية إثر ارتفاع ضغط الدم أكثر لذا أتمنى ان تأخذ جماعتك وتذهبوا للكافيتيريا الآن." صمت الجميع يستوعبون ما قاله الطبيب للتو لتنطق فريدة قائلةً بعدم تصديق : _"سكتة دماغية !!.. " _" نــــــــــــور !!!! " كان هذا صراخ مروان الذي لفت أنظار الجميع إليه ليفاجئوا بنور تسقط مغشيًا عليها... ---------- _"قلقتيني عليكِ... " كانت هذه الكلمات هي أول ما يقع على مسامع نور التي استيقظت لتجد نفسها في غرفةٍ مُحاطةٍ بالبياض، فتحت عينيها بصعوبةٍ لتشعر بذلك الذي يحتضن كفها ويضمه لصدره مُلقيًا على مسامعها كلماته السابقة الغارقة بصوته المتشدق بالحنان والطمأنينة المغمورة بالشَغَف. _"أنا مصدعة أوي... " أجابها مروان وهو يقترب ليعدل من وضع وسادتها قائلًا بحنان : _"معلش ده بس من الإجهاد.. شوية وهتفوقي الدكاترة علقوا لك محاليل، شوية صغيرين وهتكوني بخير... " إنتهى من تعديل وضعية الوسادة ليلحظ مدى قربه منها.. لم تكن هي استعادت كامل وعيها بعد مما بث الجرأة في أوردته ليقترب منها أكثر طابعًا قُبلة خفيفة على خدها بحبٍ بالغ.. تراجع بسرعةٍ وقد أدرك فداحة ما فعله للتو ليشعر بالحرج من فعلته تلك. إستمع لهمساتها المُجهدة تقول بصعوبة : _"بابا مالك فين؟؟؟ " طمئنها مروان والبسمة تغزو وجهه قائلًا بهدوء : _"متخافيش يا نور.. باباكِ بخير ومستنيكِ.. قلتلك أبوكِ ميتخافش عليه." أغمضت هي عيناها بهدوءٍ تام وقد ارتسمت معالم الرضى والطمأنينة على وجهها ثم غطت في نومٍ عميق غافلةً عن ذلك الذي يراقبها بصمت في هدوءٍ وسعادة. ---------- _"وحشتني.. " قالتها وهي تخفي وجهها في كتفه بحزن ودموعها تكاد تنهمر على وجنتيها ليطمئنها هو بصوته الهادئ قائلًا لها : _"متخافيش يا روح بابا أنا كويس وقوي عشان بنتي مش ناسي كلامها، وهفضل كدا عشان بنتي.. " أحنت نور جزعها تستند برأسها على قدميه المفرودتان على فراش المستشفى الأبيض مُخفيةً وجهها في الغطاء.. ظل مالك يربت على رأسها بحب مُتابعًا قوله : _"بنتي اللي لو طلبت عنيا هديهالها..، بنتي اللي عمال أفكر فيها كل شوية..، بنتي اللي بستحمل عشانها العلاج.. " _"بس أنا مش مستريحة.. حاسة إن فيك حاجة؟؟؟ " _"حتى لو في حاجة مخبيها عليكِ إعرفي إن ده لمصلحتك.." دخل مازن ومصطفى في هذه الأثناء لتعتدل نور في جلستها ماسحةً أثر العَبرات المُتراكمة في مُقلتيها، تحدث مازن مُمازِحًا نور : _"مش عيب عليكِ تبقي طويلة كدا وبتعيطي على الحلوة والمُرة زي عبلة كامل؟؟؟ " شعر مازن بالحرج يعتريه بعدما توقع منها أن تضحك لكنها صمتت وصمت من بالغرفة جميعًا، ربت مصطفى على كتفها قائلًا : _"نور بعد إذنك إطلعي شوية عايزين مالك في كلمتين. " أمائت له نور ثم خرجت بهدوء مُغلقةً الباب خلفها، وما إن استدار مازن مُعطيًا وجهه لمالك حتى تلقى مازن كلمات مالك القاسية : _"متتكلمش مع نور كدا ومتهزرش معاها في موضوع الجسم والشكل تاني. " _"مالك أنا... أنا مكانش قصدي أنا بس.. " تنفس مالك بغضب ليتدخل مصطفى يحاول تهدئة مالك قائلًا : _"معلش يا مالك هو مبياخدش باله في الهزار.. بس الأمور بسيطة وعلى العموم محصلش حاجة يعني.. " قاطعه مالك بحنق : _"لا حصل يا مصطفى.. مش شايف هي اتضايقت وزعلت إزاي؟؟؟ " _"معلش يا مالك هو هيعتذرلها ويفهمها إنه كان بس بيهزر بس لما يلاقي فرصة مناسبة.. إهدى إنتَ وروق عشان العصبية مش كويسة ليك.. " مرت بعض الدقائق ومازن ومصطفى يثرثران بلا توقف وهدفهما هو التغيير من الحالة المزاجية لرفيقهما حتى أتت الفتيات جميعًا.. بعد قليلٍ من الوقت إنضمت لهم شيرين و بصحبتها نور وأروى وحسن ليضيفوا للجلسة الكثير من المرح والضحكات المتناثرة في هواء السعادة خالقين أجواءً عائلية مميزة مغمورة بالحب والوِّد، فالجميع الآن بخيرٍ وسعيد.. إسراء إطمئنت على زوجها الحبيب الذي تحسنت حالته كثيرًا عن اليوم الذي يليه، كُلًا من مازن ومصطفى يشعران بالسعادة العارمة.. كيف لا؟ وقد اطمئنا على ضلعهما الثالث وصديق الأيام الخوالي، كان الجميع جالسًا بسعادة عدا مروان الذي لم يتواجد برفقتهم، فقد اختفى بمجرد استعادة نور لوعيها بعد أن اطمئن على حال رفيقه. --------- _"بس أنا مش فاهم ده حصل ليه من الأساس؟؟؟ " _"ده كان رد فعل طبيعي من عقلك الباطن علشان إنتَ واجهت الحقيقة وافتكرت كل حاجة حصلت و واجهت نفسك بإنك ملكش ذنب في أي حاجة فكان أمر طبيعي إن عقلك الباطن يضطرب وقتها وكان لازم إنه يواجه الصدمة من أول وجديد.... زي الشخص اللي تعرض لصدمة مُعينة في حياته وفقد بعدها الذاكرة.. الشخص ده أول ما ذاكرته بترجعله عقله بيتفاجيء بالحقيقة اللي كان رافضها رفض تام في البداية وبعدين مع الوقت بيضطر يقبلها ويتأقلم عليها لإن ببساطة مفيش حل تاني قدام العقل الباطن. " أومأ لها مالك دلالةً على تفهمه لتتابع فريدة القول : _"وعلى العموم لو بصينا لنص الكوباية المليان هنشوف إن عقلك رجع يتقبل الحقيقة تاني وإن فرص خطة العلاج الجديدة أحسن كتير لو بدأنا من دلوقتي وإنتَ عقلك لسة تحت أثر الصدمة." وهكذا زاد عزم مالك على الإنتهاء من أمر هذا الوهم الذي نغص عليه حياته سنواتٍ عِدَّة مُقررًا القضاء عليه وللأبد مهما كلفه الأمر. * * * * *End flash back * _"كلمنا أكتر عن تجربتك الخاصة والظروف اللي وصلتك للأعراض دي وإنت في سن صغير يا أستاذ مالك. " ساد الهدوء لثوانٍ والجميع ينتظر بترقب إجابة ذلك المالك مغمض العينين حتى كسر مالك ذلك الصمت القاتل بقوله وابتسامته البلاستيكية المزيفة : _"طبعًا.. " صمت قليلًا ثم تابع بنبرةٍ إزدادت قسوة وقد إرتد أخيرًا عن قناع الود المزيف الذي كان يكتسيه : _"زي ما سبق وقلت في البداية، أنا مالك سعيد الدالي.. وبسبب الظروف العائلية الخاصة كنت بتعرض للتعنيف الدائم طول حياتي، إتعرضت للإختطاف وأنا في بداية سنين المراهقة وفضلت في دار أيتام لعدة شهور.. بعدين حضرت موت أبويا اللي مكانش ليا يد فيه ومع ذلك الكل حمِّلني المسؤلية، بعدها شهدت على أكبر ظلم ممكن يشوفه الإنسان وشفت أكتر حد بحبه بيتقتل قدام عيني بدون أي ذنب.. ولما حاولت أتكلم الكل بقا يسكتني ولما حسوا إني ممكن أتكلم في وقت من الأوقات إفتروا عليا وحبسوني في مستشفى الأمراض العقلية عشان أتنقل لمستوى أعلى من الظلم والعذاب هناك.. شفت حاجات كتيرة في حياتي والدنيا لطمت فيا وش وضهر وعجزت بدري، اتعلمت من أخطائي وعلى العموم.. فأنا أيقَنت إني كويس جدًا، مش مُهم للناس، المُهم إني كويس لنفسي، وعارف إني مبأذيش، عارف إني عُمري ما كنت وحش مع حد؛ ممكن مش أحسن حاجة، ومُمكن أكون مش الشخص المُفضل لأي حد، ممكن أكون مُمل، حتى ممكن أكون مش مهم، وممكن يكون عدم وجودي عادي، والأكيد إني مش أحسن حاجة في حياة حد، بس انا أحسن حاجة لنفسي، وراضي بيا، وعارف إن لو حد خدلي خطوة واحدة بس أكيد هيكون كسبان، وده تقريبًا كفاية." شرع الجميع في الصفيق بحرارة وابتسامتٍ عريضة قد ارتسمت على وجوههم، وكما فرحة طالب توجيهية قد أدرك المرتبة الأولى في حفل التخرج كان هذا حال مالك الذي شعر ولأول مرة منذ أمدٍ بعيد أنه يتنفس بحرية وأن أنفاسه تستطيع الدخول والخروج دون أن يحول بينها وبين رئتيه الذابلتين عائق،وأن دخول الهواء وخروجه خفيفٌ عليه حد المُتعة ... ---------------- توالت الأيام يومًا يتبعه الأخر لتستمر الحياة وانتهاء فصل الشتاء لتختفي السماء الشاتية ذات الدموع الغزيرة وتبدأ النباتات بالتنفس من جديد مع بداية ربيعٍ مُشمس.. قد تبدو هذه نهاية سعيدة لقصتنا، لكن لم يحن موعد الختام فلا يزال هناك الكثير من الأحداث الممتعة والمبهجة والمثيرة التي تصيب هذه العائلة الغريبة حتى يحين موعد وداعنا.. عاد مالك للڤيلا برفقة شيرين التي صاحبته أثناء ذهابه لأحد المكتبات الكبيرة بغية البحث عن عدة كتب أرادتها شيرين بشدة، كذلك انتهزها مالك فرصةً لتساعده شيرين في شراء بعض الهدايا لأسرته الصغيرة بمناسبة اقتراب موعد وضع إسراء لطفليهما القادمان عما قريب، إنتهت شيرين من اختيار الكتب التي بحثت عنها في الكثير من المناطق ولم تجدهم.. كانت فرحةً بشدَّة فبصحبتها لمالك تعلمت الكثير عن اختيار الكتب والكُتاب الذين تقرأ لهم..بالإضافة إلى الكتاب الذي لم يكن مسموحًا بنشره بعد حتى موعدٍ محدد لكن وباستغلال مالك لعلاقاته في هذا المجال استطاع أن يبتاع الكتاب لشيرين التي غدت سعيدةً جدًا بهذا الكتاب القيِّم. وعلى التوازي كان مروان في طريقه لمدرسة نور ليصطحبها بعدما علم أن مالك سينشغل عنها اليوم.. ظل ينتظر أمام مدرستها بعض الوقت حتى خرجت بعد انطلاق الجرس الذي صدح صوته بعنف مُعلنًا انتهاء اليوم الدراسي مُحررًا الطلاب من قيودهم المدرسية. خرجت نور من المدرسة ووخضراوتيها تحومان في الأرجاء بحثًا عن شخصٍ ما، وما إن رأت مروان يقف أمامها حتى أعرضت عنه مُشيحةً بوجهها للجهة الأخرى تستمر في البحث ليبادر مروان القول وقد فهم سبب تصرفها : _"باباكِ مش هييجي.. " عقبت هي قوله السابق بلكنةٍ حادة : _"المفروض عمو مصطفى يجيي ياخدني مش إنتَ. " _"أيوة بس عمك مصطفى جاله دور برد الصبح وحتى مقدرش ينزل شغله، عشان كدا أنا جيتلك. " _"لأ أنا مش همشي معاك.. أنا هتصل بخالد ييجي يروحني. " تجاهلت نور اعتراضاته ومحاولات إقناعها وهي تخرج هاتفها من الحقيبة المكتظة بالكتب والدفاتر، ظلت تتصل بخالد وتعيد الإتصال به مرارًا وتكرارًا لكن لا مُجيب.. حتى نفذت بطارية هاتفها الذي لم يكن مشحونًا بما يكفي معها بقية اليوم. إلتفتت مُجددًا لمروان ثم تحدثت بنحقٍ وضيقٍ شديدين : _"خلاص إمشي إنتَ.. أنا هعرف أروح لوحدي." إلى هنا ويكفي.. إنطلق غضب مروان المكبوت من هذه العنيدة التي ظلت طوال الأشهر الثلاثة المنقضية تتعمد تجنبه ليتحدث بعنف وقد ارتفعت طبقات صوته بعض الشيء : _"هو إيه اللي أنا هعرف أروح لوحدي إنتِ عبيطة يا بت !، بت إنتِ شغل الهبل ده أنا مش ناقصه، أنا أصلًا فيا اللي مكفيني.. وحبتين الدلع اللي مالك معودك عليهم دول تعمليهم عليه هو أنا أصلًا مش فاضيلك وجاي أروحك تأدية واجب بس مش أكتر.. " لتردف هي بغضبٍ مماثل لغضبه : _"خلاص سيبني أنا مطلبتش منك توصلني أصلًا.. وبعدين خلاص يا أستاذ نجيب سويرس متزعلش نفسك كدا أنا بعفيك من الواجب ده.. إتفضل يلا شوف مصالحك اللي أنا معطلاك عنها وإبقا سلملي على العميد وإنت بتعمل الماستر يا رايق !! " ضغط مروان على أسنانه بقوة وهو يرمي الكلمات بغيظ شديد : _"يابت ! يابت هبطحك على نفوخك أجيب أجلك يا بت إحترمي نفسك ده إنتِ راسك كلها قد كف إيدي !! " صدمت هي من رده لوهلة ثم تابعت وهي تقف على أطراف أصابعها ناظرةً له بعينان مُتحديتان : _"طب جرب واعملها كدا.. وأنا أخلي أبويا يدبحك !!" عقب مروان حديثها الأخير وقد أخفض من صوته قائلًا بمداعبة : _"طب متبصيش ليا جامد كدا عشان عينيكِ الخُضر دول بيضعفوني.. " _"...؟! " تسمرت نور مكانها ولا شيء سوا معالم الذهول والتشويش يرتسمان على محياها ليضيف هو بعدما استوعب ما قاله توًا : _"إيه في إيه؟؟؟ " صمتت نور تنظر له بتعجب.. كيف يتحدث بطبيعية هكذا ويدعي أن لا شيء غريب بالأمر؟؟؟، وللحظاتٍ كانت تحسده على ثباته وتلقائيته.. دارت في رأسها العديد من الأفكار المُختلطة وهي لا تزال تنظر له وعيناها جاحظتان بتعجبٍ شديد : _"إنتَ إزاي كدا بجد؟؟؟ " تلاشى غضبه رويدًا رويدًا وقد رفع حاجبه بتعجب لا يفهم مقصدها قائلًا بحيرة : _"كدا ده اللي هو إزاي يعني؟؟؟ " أشاحت نور ببصرها عنه ثم قالت بقلة اهتمام وهي تستدير مُتخذةً أولى خطواتها تجاه المنزل : _"فصيل. " تبعها مروان بخطواتٍ سريعة ضاحكًا ببشاشة : _"معلش بقا نصيبك.. " _"إنتَ بجح. " أجاب غامزًا بخبث : _"برضو نصيبك.. " أجابت هي بعصبية لا تعي مقصده الماكر : _"هو إيه اللي نصيبي نصيبي.. كل شوية تقول نصيبي، نصيبي إيه معلش عشان مش فاهمة؟؟؟ " تحدث مُدَّعيًا البرائة واضعًا كلتا يداه في جيوبه قائلًا : _"نصيبك يعني إن واحد بجح وفصيل يوصلك.. معلش بقا إستحملي في ميزان حسناتك إن شاء الله." صمتت وصمت هو بدوره..استمرا في المسير بصمت نحو (ڤيلا مالك الدالي) لتقاطع نور الصمت بسؤالها : _"مروان هو أنا ينفع أسئلك سؤال بس بشرط إنك ترد بصراحة؟؟؟ " نظر لها مروان باهتمام وهو يهز رأسه بإيجاب لتتابع هي بحرج : _"مروان هو أنا بجد تقيلة عليك فعلًا زي ما بتقول كدا ؟؟؟ " توقف مروان عن المسير فجأة عاقدًا حاجبيه ليردف مُعقبًا : _"بطَّلي هبل. " اعترتها ملامح الإحباط الشديد ليتابع هو بعد أن صمت لحظاتٌ قليلة : _"يا شمس إنتِ أخف حاجة على قلبي." أنهى كلماته السابقة ناظرًا بطرف عينيه لها... إنفرجت أساريره مُتبسمًا بعد أن رأى حبيبات الفراولة الحمراء تنبُت على وجنتيها الخجلتين، صمت قليلًا -وكانا بالفعل يقفان أمام بوابة المنزل- ، ثم تابع يسئلها وقد شعر بشيءٍ ما يجول في خاطرها طوال الطريق : _"مالك يا شمس؟؟؟ " _"أنا؟؟؟ مفيش حاجة سرحت عادي... " أوقفها ممسكًا يديها بحنوٍ بالغ ليضيف قائلًا بإصرار : _"أيوة كنتِ سرحانة في إيه قوليلي؟؟؟ وإلا هحس إني مُتطفل.. ده حتى حرام أبقا بجح وفصيل ومتفطل في نفس اليوم؟ " أطلقت ضحكاتٍ خافتة ليضيف هو بسعادة : _"أيوا كدا خلي الدنيا تنور يا شيخة...، هااا قولي بقا كنتِ سرحانة في إيه؟؟؟ " _"كنت بفكر إن....، مش مهم خلاص.. مش عايزة أتقِّل عليك عشان أنا عارفة إن كل واحد فيه اللي مكفـ..." لم يعطها مروان الفُرصة لتكمل أخر حروفها قبل أن يقف قبالتها ممسكًا بكلتا كفيها يردف، بانفعالٍ وضيق شاعرًا وكأن كل كلمةٍ تخرج من بين شفتيه تزيح حِملًا ثقيلًا من على فؤاده : _"أنا إيه اللي مكفيني؟؟؟ إيه اللي مكفيني يا نور؟؟؟ إفهمي بقا !! إفهمي إنك أغلى ما ليا، إفهمي إني بحبك بجد !!، إفهمي إنك مش أختي زي ما هما بيقولوا وإني مبشوفكيش كدا !!، إفهمي إني بغير !!، إفهمي إني بتضايق !!... بتضايق لما بشوفك بتتكلمي معاهم كلهم عادي وأنا على طول بتتعمدي تتجنبيني وتتجاهليني" وما إن أنهى كلماته حتى شعر بيديها ترتجفان بين يديه وقد أحاطت البرودة بأناملها.. ظل يطالعها بترقب بينما الأخرى قد أخفضت رأسها أرضًا ولم تعقب ببنت شفة.. طال الصمت ومروان يتمنى لو تنشق الأرض مبتلعةً إياه أو أن تأتي رياحٌ عاتية تبخره لذراتٍ مُتطايرة في الهواء.. ظل صامتًا يراقبها بتوتر حتى شعر بقطراتٍ باردة تهبط على أنامله.... أمسك ذقنها بفزع رافعًا رأسها له ليصعق برؤيته عويناتها الخضراء تغلفها الدموع المتراكمة داخل مقلتيها الصافيتين وتعابير وجهها المتألمة ليصيح هو بذعر : _"مالك يا شمسي ؟!!! " عقبت نور بألمٍ ينهش لُبَّها وهي تبتعد متراجعةً للخلف : _"أنا مش شمس حد !! إنتَ ليه على طول بتناديني بكدا وأنا مسميش كدا أنا إسمي نور عادي.. ولو إنتَ بتتكلم بجد فعلًا فـَ أنا أسفة.. أنا مينفعش أكون مناسبة لحد انا عايشة مع نفسي بصعوبة أصلًا." تحدث مروان بفجع والحسرة لا تنفك تنهش قلبه المكلوم والحشرجة باديةٌ في صوته : _"لأ يا نور إنتِ شمسي وأنا مش قابل أسفك عشان إنتِ ملكيش حق تحددي بدالي، أنا شايف إنك مناسبة ليا ملكيش دعوة إنتِ.. " قربَّها إليه وقد قبض على معصمها بسرعةٍ ليغلق قبضتها الناعمة ويضعها فوق موضع قلبه قائلًا بحسرة : _"ليه يا نور كدا؟؟؟ ليه تبقي سبب في الوجع ده كله بعد ما كانت مجرد بصتك ليا بتداويني..؟؟؟ " صمتت نور وهي تكاد تجزم أنها تستمع صراخ قلبه وتكسره.. ساد الصمت في المكان إلا من صوت صرخات إسراء التي نبعت من داخل المنزل فجأة ليخرج الإثنان مما كانا فيه على استغاثاتها المتوالية... ---------------- في الغرفة ذات الستائر الزرقاء استيقظت إسراء أخيرًا لتجد نفسها وحيدةً على سريرٍ ناعم مرتديةً ملابس غريبة الملمس لا تنتمي لها.. حاولت النهوض لكن عظام جسدها الضعيف المُنهك لم تساعدها على ذلك ظلت هكذا دقائق معدودة حتى فتح باب الغرفة لتطل منه أوجه كُلًا من شيرين وغنى وفريدة وقد احتللن الغرفة بفزعٍ شديد لـ..... ----------------- ڤـوت عشان تشجعوني أكمـل🌟❤>>> أسفة على التأخيـر بس الإنسان بقا مُستهلك نفسيًا وجسديًا والله.. لو لقيت تفاعل حلو هنزل بارت جديد في أقرب وقت❤🌻>>>> وبس دمتم في رعاية الله❤🌻>>> - ڪ'.مليـڰة يـٰ زوق💙⊁'.
-مَليكـة مجْـدي إبرا