لا أعتقد أن هناك أحدٌ يحتاج أن نُخبِره: ليلة سعيدة، عقلي موقنٍ أنه وبمجرد حلول المساء واستقرار المرء على سريره يُدرك الإنسان كم يحتاج كلٌ منا لشخصٍ يُعانق قلبه🫂🫀! -مَليكـة مجْـدي إبراهيـم. __________________________________ _"متخافيش يا نور هي بخير أنا متأكد. " _"أنا مش هقدر استحمل أشوف بابا زعلان.. " _"ششش.. متقلقيش" _"عذرًا سيدي هل أنت زوج المريضة؟؟؟ " كان هذا أحد الأطباء الذين كانوا بصحبة إسراء في قسم الطوارئ ليجيب عليه مروان بالفرنسية : _" لا أنا شقيق زوجها وهذه ابنتها.. " أشار إلى نور ثم تابع حديثه للطبيب : _" هل يمكنك أن تخبرنا ما بها؟؟؟ " ليرد عليه الطبيب بآليةٍ مقتضبة : _"رجاءًا لا تقلقا نحن فقط نريد إعلامكما أنه من المحتمل دخول المريضة لغرفة العمليات في غضون دقائق، بإمكانكما الانتظار في الأماكن المخصصة للزيارات. " ألقى جملته تلك في وجهيهما كقنبلةٍ مُسيلةٍ للدموع ليردف مروان بتوتر وقد ازداد قلقه : _"العمليات؟؟؟ لماذا؟؟؟ هل حالتها خطيرة لتدخل العمليات؟؟؟ " ثم وبدون تفكير أخرج مروان من جيبه بطاقته الشخصية وأراها للطبيب مع قوله : _"أرجوك أطلعني على حالتها؟؟؟ أنا طبيب جراح وأعرف المريضة منذ زمن لذا إن كان هناك ما يمكنني تقديمه.... " قاطعه الطبيب : _"شكرًا سيدي أنتَ تعرف القوانين، فقط نحتاج منكما بعض الهدوء والاتصال بزوج السيدة إسراء... دخولها للعمليات ليس مؤكدًا بعد هذا مجرد إحتمال نتمنى أن لا نضطر لفعلها." قالها وانصرف دون إبداء أي تعابير على وجهه ليترك نور تغرق في بكائها حتى انفلتت أعصابها وسقطت أرضًا، أمسك بها مروان مُسانِدًا لها يحاول تهدئتها بقوله : _"إهدي يا نور.. متخافيش هي بخير صدقيني.. يا نور عياطك مش هيعمل لها حاجة ومش هيفيدها." لم تتوقف نور عن البكاء، ضمها مرةً أخرى لصدره ثم أردف مُضيفًا وقد تحشرج صوته يحاول تمالك نفسه هو الآخر : _"إدعيلها.. إدعيلها بدل ما تعيطي.. إنتِ كدا هتتعبي نفسك ومش هتقدميلها حاجة.. إدعي يا نور" ومن بعيد، تعالى صوت ركض خالد و مالك القادمان من نهاية الردهة يلهثان، حتى وصلا لمروان ونور التي لا زالت تبكي بين ذراعيه، لم يلتفت أحدٌ لذلك الأمر فقد كانوا منشغلين بأمر إسراء. وبعد زمنٍ قد جاوز الساعتين خرج نفس الطبيب الذي تحدث مع مروان في المرة السابقة، نزع قفازاته وقناع وجهه الطبي ثم نظر لهم بتمعن وأطلق زفرةً خافتة ثم طلب من مروان القدوم معه قائلًا : _"من فضلك سيدي هلا ترافقني قليلًا." رد مروان بترددٍ وهو يشير بإصبعه تجاه مالك : _"إنه زوجها.. " _"أعلم سيدي لكنها سياسة المستشفى، أنتَ من أحضرت المريضة لذا فإنك من يتحمل مسؤليتها مهما كانت صلة القرابة بينكما.. " رافقه مروان بعد أن أومأ له مالك بالموافقة ليتبع الطبيب مبتعدين عن مسامع الآخرين، تحدث الرجل بنفس آليته وبروده مُخبرًا مروان بالأمر، وفجأة لاحظ الجميع تغير ملامح مروان من القلق والتوتر ليضيء وجهه بشاشةً وسعادة غير موصوفة، كمن أتاه الفرج من الله بعد طول صبرٍ ورضى على الإبتلاء. قدّم مروان الشكر الحار للطبيب واستأذنه ليذهب للبقية وبمجرد أن وقف أمام الجمع القلق حتى صاح بمالك قائلًا بحماسٍ شديد وصوتٍ لفت أنظار المشفى كاملًا : _"مُبارك يا جماعة المصريين هيزيدوا واحد!!" لم يستوعب أحدٌ ما قاله مروان لتوه من شدة الصدمة.. حتى استفاق كُلًا من نور وخالد اللذان صرخا بصخبٍ وقفزا من الفرحة والسرور الشديدين شاركهما مروان الذي احتضن نور مجددًا، بينما مالك لايزال لا يستوعب الأمر.. بل بالأحرى لا يصدق الأمر، هل صار له ابن؟؟؟ كمروان ونور؟؟؟ لا.. أحاسيسه مختلفة هذه المرة، يشعر بدغدغةٍ في قلبه.. هذا ابنه هو! ابنٌ من صُلبه!! بدأ فكره يتشتت بين أمورٌ عِدّة.. هل سيكون المولود فتاة أم ربما صبيًا؟؟؟ ماذا سيسميه؟؟؟ يجب أن يختار أسماءًا أصيلة ولها وقعٌ مميز كي يتفق مع إسراء على إسمٍ ما،.. ربما سيذهب الآن لشراء بعض المجلدات التي تحتوي أسماء المواليد، حسنًا وليشتري أيضًا ملابس لحديثي الولادة.. لكن بأي لونٍ أزرق أم أحمر؟؟؟ سيختار حسب نوع المولود.. يجب أن يوفر له تعليمًا عالي المستوى.. وغرفةً خاصة به أيضًا، والألعاب .. مهلًا؟مهد الأطفال كيف نسيه! والجوارب كي لا يبرد أو يصاب بالزكام، سيشتري الكثير من الجوارب... ترى كيف سيكون شكله هل سيشبهه أم يشبه إسراء؟؟؟ دارت الكثير من الأمور في رأس مالك في خلال ثوانٍ لا تُعد، ومع كل تفصيلةٍ تخص ذلك المولود الذي لم يأتي بعد للحياة كان خفقان قلبه يزداد، للحظةٍ شعر أن رئتيه ستنبت لهما جناحين وتهجرانه. أعاده لأرض الواقع شعوره بألم ضربةٍ على كتفه الأيمن.. _"مبارك يا حبيبي، يتربى في عِزّك يا حبيب أخوك." كان هذا الصوت هو صوت خالد لا ينخفض أبدًا من فرط سعادته، ارتفع صخب صوته أكثر وهو يهتف بشكلٍ أثار الفوضى في المستشفى قائلًا : _"خالو خالد!!! خلاص بقيت خالو خالد!!! يا ناااااس بقيت خالو خالد بدل خالد بس." أتى أفراد الأمن على صراخ خالد الهستيري، ليعتذر منهم مروان ثم يقبض على خالد ويخرسه قائلًا : _"إنت يا مغفل؟! عارف عقوبة إزعاج مرضى في مستشفى خاص في فرنسا هنا إيه؟!!" مسحت نور وجهها ثم ذهبت صوب مالك الجالس على الأرض يستند على الحائط وما زال حائرًا وكأنه في عالمٍ آخر، احتضنته وقبّلت رأسه ثم قالت مُداعبةً تحاول إخفاء ما تفضحه عيناها : _"أنا عارفة إن اللي جاي دا سواء كان ولد أو بنوتة إنك هتحبهم أكتر مني.. أنا مش زعلانة من كدا بس متبقاش تنساني... وخليني أنا بنتك الأولى حتى لو هتحبهم هما أكتر. " قالتها وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مُنكسرة عكست ما بداخلها من خوفٍ وفرح مختلطين ليستفيق مالك من غيبوبته على نظراتها المُترجية وضحكتها الخالية من أي ضغائن أو غيرة ليقول بعد أن دام صمته لفترةٍ وجيزة : _"كفاية كلامك ووجودك يا غبية." ثم تابع بعد أن أخذها لأحضانه : _"قلت لك قبل كدا.. مهما حصل مش هطلعك من حضني. " _________________________ _"خير يا مروان في إيه؟؟؟ " _"إنتِ في العيادة صح؟؟؟ " _"أه بس.. مال صوتك؟؟؟ " _"أنا أسف.. بس ممكن أجيلك دلوقتي؟؟؟ " _"تعالى هستناك.. بس قولي هو فيه حاجة حصلت؟؟؟ في حد حصل له حاجة؟؟؟ " صمت مروان ولم يجب.. لم يكن في حال يسمح له بالرد.. وعلى الجانب الآخر من الهاتف تستمع فريدة لغصته المكتومة ولأنفاسه غير المنتظمة لتقول بعد أن ازداد قلقها : _"مروان... إنتَ كويس؟؟؟ " أغلق مروان المكالمة بينه وبين فريدة ثم ألقى جسده بعنفٍ على الفراش، مُخفيًا وجهه بكّفيه اللذان تشربا الكثير من ملوحة العبرات المُتساقطة على وجهه. _ ____________________________ _"مش قادر يا فريدة.. مش قادر ومش عارف إذا كان هييجي عليا يوم وهقدر فعلًا ولا هفضل كدا على الوضع دا، أنا بخاف.. وبخاف جامد. " ناولته فريدة كأسًا من الماء ثم قالت له بعد أن أخذ يسترجع أنفاسه التي بعثرها البكاء : _"خايف من إيه؟؟؟ " أردف مُجيبًا على سؤالها دون تفكير : _"بخاف على قلبي.. وبخاف على زعلي، أنا الوحيد اللي عارف زعلي بيعمل فيا إيه وبيخليني عامل إزاي عشان كدا مش عايز أي حاجة ممكن تزعلني.. " _"وإنتَ ليه فرضت إن اللي إنتَ عايزه دلوقتي ممكن يزعلك بعدين؟؟؟ " _"عشان في فروقات كتير بيني وبينها... " أطلق كلماته بعصبيةٍ وحنقٍ شديدين دون أن يمررها على عقله سلفًا ليعم الصمت للحظات ثم تتابع فريدة : _"نور..؟ " نظر لها مروان بطرف عينه في مُحاولةٍ منه لتلاشي نظراتها التي ظن أنها ستكون أشبه بنظرات اللوم و الإحتقار أو ما شابههما. لكن ما بدى على فريدة من معالم مُتفهمة خيَّب ظنون مروان، لتتابع هي قائلةً بنبرةٍ تعمدت إخفاضها : _"طب وإنتَ شايف إيه الأسباب اللي ممكن تخلي نور تزعلك مستقبلًا مثلًا؟؟؟" _"كل حاجة.. أنا ونور مختلفين في كل حاجة." _"الإختلاف يا مروان عُمره ما كان سبب للفراق بين الناس..، بالعكس ربك زرع الإختلاف بين الناس عشان يجمعهم مع بعض عشان يقدروا يكملوا بعض." _"مش حكاية كدا بس... أنا فعلًا خايف، ومن ناحية تانية نور لسة صغيرة، صغيرة على إنها تفكر بالطريقة دي ولو حبتني فعلًا فَـ دا هيكون مجرد وهم مراهقة مش أكتر وشوية وهيروح مع حب حقيقي بالنسبالها لما هي بنفسها تبدأ تلاحظ الفروق دي." _"الفرق اللي بينك وبين نور 6 سنين تقريبًا نفس الفرق اللي بين مالك وإسراء.. وبعدين إنتَ نسيت إن باباك كان أكبر من مامتك بـ18 سنة يا مر.. " لم تكد تنهي جملتها حتى لاحظت تغير ملامح مروان للهيئة التي لم تشجعها على الخوض في ذكر والديه لتتنحنح بحرجٍ، كادت أن تستكمل الحديث لولا أن قاطعها هو بحزمٍ شديد مُتجاهلًا ما قالته في النهاية قائلًا : _"إسراء لما حبت مالك كانت كبيرة وتقدر تحدد إختياراتها وتبقى مسؤلة عنها، مكانتش عيلة صغيرة. " _"نور مش صغيرة، نور عقلها كبير ويوزن عقولنا كلنا.. والدليل على كدا إن برغم الإختلاف الشاسع بيني وبين غنى قدرت تتكيف مع كل واحدة فينا.. الدليل على كدا برضو إنها من بين كل الناس هي الوحيدة اللي غيرت مالك وقدرت تتعامل مع حساسيته المفطرة وغيّرتها." تابعت حديثها بعد ترددٍ لم يدم لتردف : _"وغيرتك إنتَ كمان" نظر لها مروان بعدم فهم مُتسائلًا دون تعقيب لتسترسل فريدة : _"مروان إنتَ مش شايف الفرق اللي أنا شايفاه بين مروان اللي شفته واتعاملت معاه من سنتين ومروان اللي قاعد قدامي. " ____________________________ وعلى التوازي كان مالك وإسراء يشعران بالحيرة والتردد في أمرهما.. ماذا سيفعل الآن؟ هو مضطرٌ للعودة لمصر لتفقد ما يحدث هناك فقد أتاه منذ قليل رسالة على بريده الإلكتروني من قِبَل إحدى دور النشر والتوزيع المُتعاقدة مع مالك بأنه صدرت مُخالفات قانونية على كتابه الجديد وغير مسموح لأي دار نشر بنشره قبل أن يتم تصحيح الأمور، يمكن لهذا الأمر أن يُعطل نشر الكتاب لدرجةٍ كبيرة كما أن هذا الكتاب جزء من مخطط كبير في رأس مالك لا يمكن التخلي عنه لذا فإن الحل الوحيد الماثِل أمامه هو أن يعود مصر وينظر في أمر هذه المُخالفات. دخلت غنى شقة مروان برفقة خالد الذي ما إن خطى للداخل حتى هرعت نور تختبيء في إحدى الغرف حتى وضعت حجابها على رأسها ثم خرجت وقد حمدت الله أنه لم ينتبه إليها ثم خرجت مُجددًا وجلست بجانب مالك الذي احتل أحد المقاعد، جلس كُلًا من خالد وغنى على الأريكة بجانب إبنة خالتهما إسراء، وجّه خالد إعتذاره لنور على دخوله المفاجيء هكذا دون سابق إنذار لتوميء هي له بأن لا بأس. ق صَّ عليهم مالك مشكلتهم خرج كُلٌ منهم بحلٍ لكن لم تجدِ أحد الحلول نفعًا، الأمر صدقًا مُعقد فقد أمهلته دار النشر فترةً زمنيةً مُعينة كي يتم حل هذه المُشكلات وإلا فلن يمكن نشره، كذلك فإن أمر تأجيل نشر الكتاب قد يفسد الكثير من مخططات مالك لذلك فإن أسرع وأفضل حل هو عودة مالك لمصر والانتهاء من أمر هذا الكتاب، في النهاية لم يجد أحد حلًا آخر لذا وافقه الجميع على أمر السفر هذا، لكنه اعترض على ذهاب إسراء معه فإن ما حدث لها من نزيفٍ مُفاجيء كان بسبب بذلها الكثير من المجهود في الفترة الأخيرة ولم تكن تعلم بأمر الحمل، وافقه على موقفه كُلًا من غنى وخالد.. أتاهم صوت مفتاح الباب مُعلنًا دخول مروان ليجد خالد وغنى في منزله رحب بهما بفتور وترك المفاتيح على المنضدة المُجاورة للباب، خلع حذائه وما إن خطا للداخل حتى لاحظ أمرًا غريبًا في تجمعهم ولاحظوا هم بدورهم جسده الهزيل وملامحه المُرهَقة ليُبادِر هو بالسؤال : _"خير.. في حاجة ولا إيه؟؟؟ " كانوا جميعًا ينظرون له كمن ينظر لجريدةٍ مليئة بسطورٍ قد كُتبت بالهيروغليفية.. مُندهشين، تأكلهم الحيرة والقلق.. وإحقاقًا للحق.. كان مروان كالشباب اللذين يقضون ليلتهم في إحدى الملاهي الليلية بين خمرٍ ورقصٍ ومشاجرات، وكانت ملابسه في حالةٍ من الفوضى، كان هزيل الجسد على غير طبيعته وقد شحبَ وتحول بالكامل للون الرمادي، لم يجب أحدٌ على تساؤله مما كان به من فوض عارمة عدا خالد الذي أجابه وهو لاينفك يطالعه بتلك الطريقة : _"مالك مُضطر يرجع مصر يخلص مشاكل في الكتاب الجديد بتاعه و... " صمت لبُرهةٍ ثم تابع : _"مروان هو إنتَ ليه عامل كدا؟؟؟ " قالها خالد وقد فتح ثغره ببلاهةٍ بعض الشيء، لم يفهم مروان ما يرمي إليه خالد بادله نفس نظرة البلاهة تلك لتشير له غنى بالجلوس، ربما لم يكن مروان مُدركًا لحاله لكن الجميع قد رأى جسده الواهي يترنح بعدم اتزان. تقدمت غنى نحوه بسرعة وهي تحمل كُرسيًا كي يجلس عليه مُشيرةً له أن اجلس. وما إن جلس على الكرسي الذي كان قريبًا لمجلس إسراء بعض الشيء حتى بدأت هي في السُعال بلا توقف من رائحته الفواحة قائلةً بتذمر من بين سعلاتها : _"إنت ريحتك سجاير ودخان كدا ليه ولا أكنك كنت بايت في غُرزة" قام من جانبها بسرعة وعاد للخلف بظهره مُستندًا على الجدار، ليوجه حديثه و عينيه صوب إسراء بلهجة تنبيه : _"أه بس إنتِ هتسافري إزاي وحملك خطير؟؟؟ " تجيبه مُردفةً بعد أن عادت بظهرها للخلف : _"أه ما أنا مش هسافر معاه وهقعد مع غنى وخالد" وسرعان ما تحولت عينيه الذابلتين إلى عينين ذاتا نظرةٍ حادة وهو يضيقهما نظرًا لنور قائلًا بنبرةٍ هادئة : _"وانتِ؟؟؟.. " _"وأنا؟... وأنا إيه ؟ " _"هتروحي مع مالك ولا هتفضلي هنا؟؟؟ " إزداد في سؤاله السابق حِدةً وغضبًا، لتهز رأسها وقد اقتربت أكثر من مالك واحتضنت ذراعه كطفلةٍ تخشى ترك والدها في أول يومٍ لها في الروضة، وبدون مبررات كان مالك على نفس الهيئة كمن يأبىٰ أن يترك صغيرته وسط الأطفال الغرباء وحدها حتى أتى صوت مروان الرخيم الذي بدى في صيغة رجاء : _"خليكِ هنا... طالماهو مش هيتأخر هناك وهييجي على طول، كمان عشان إنتِ قربتي تبدأي دراستك." _"أنا عايزة أروح مع بابا.. " أتاه ردها ليجيب هو بفتور وهو يتحرك صوب غرفته: _"طيب... " _______________________________ _"إيه يا حبيبي فيك إيه.. " قالها وهو جالسٌ بجانب مروان المُستلقي على وجهه فوق السرير، دافِسًا وجهه داخل المرتبة، يتدلا ذراعه من أعلى السرير في منظرٍ كما لو كان جثة مُلقاةً.. لم ينبث ممروان ببنت شفة ليقترب منه مالك بقلقٍ أكثر جابِرًا مروان على الجلوس، اعتدل مروان في مجلسه ليتابع مالك وهو ينظر بألم لحالة مروان المُزرية.. حتى لو ظن الحميع أن ما به من اثر ما أصاب جسده لكن هاتين السوداوتين وما بهما من أثرٍ خلّفته الدموع لا يمكن أن تخفيا عن مالك.. ظل مالك ينظر له نظرات ترجٍ أن يخبره ما به لعله ينقذ صغيره من وحوش الحُزن التي تحوم حوله، لكن مروان تفادى نظرات مالك له بالنظر على ملائة السرير دون تعقيب، استمر الصمت لدقائق عِدّة حتى كسر سؤال مالك الصمت مُكررًا قوله بنبرة من أوشك على البكاء وقد تحشرج صوته المبحوح : _"فيك ايه؟؟؟ حاسس بإيه؟ احكيلي مالَك ومتوجعش قلبي عليك؟؟؟ " لازالت رأس مروان منخفضة مع إغلاق عينيه واستسلامهما لتفر منهما عبراته المتساقطة بغزارة.. أغمض مالك عينيه لا يقوى على مشاهدة دموع من هو أغلى شخصٍ لديه وأول من تولى رعايته وشعر تجاهه بالمسؤلية. اختطفه بين أحضانه كما اعتاد ان يفعل معه وهو صغير. يربت على ظهره بصمتٍ بينما الآخر أجهش بالبكاء وبعد مرور بعض الوقت حاول مروان التراجع والجلوس باستقامة، لم يعطه مالك الفرصة بل جذبه لأحضانه واستمر في عناقه بقوةٍ أكبر ،هذا العناق الدافئ الذي افتقده مروان وبشِّدة، ولسببٍ ما يجهله.. ارتسمت بسمةٌ طفيفة على ثغره لا يعرف مصدرها، توقف عن البكاء وشرد بذاكرته لذاك اليوم الذي بكا به مُطولًا بين ذراعي مالك.... (قبل سنواتٍ مضت..) _"يا حبيبي قول ليا بس فيك إيه إنتَ من ساعة ما جيت من المدرسة وإنتَ مبطلتش عياط." كانت تلك كلمات مالك الذي يحتضن مروان ذو الإحدى عشر عامًا ليردف مروان من بين شهقاته وهو يبكي بقهرٍ وقلة حيلة : _"اتتريقوا عليا... محدش بيبطل يتتريق عليا." _"ليه يا مروان؟؟؟ مين اللي بيتتريقوا عليك دول؟؟؟ مين اللي زعلك وأنا عايش يا مروان؟؟! " _"العيال بتوع إعدادي.. بيتتريقوا على كلامي.." _"وانتَ سمعت لهم يا مروان؟؟؟ مش أنا قلت لك إن التأتأة دي مش حاجة وحشة ومش مرض.. واللي عنده تأتأة دا مش إنسان وحش، وبعدين ما إنتَ بتتكلم معايا عادي أهو.. إنتَ بس بتتردد شوية في الكلام لما يبقى حواليك ناس كتار لكن إنتَ مش وحش خالص يا مروان، وليك عليا يا عم لأجي معاك بكرة وأربيلك العيال اللي مشافتش تربية دي وشوف لو حد هيقدر يقول عليك نص كلمة بس أنا هعمل فيه إيه. " أخرج مالك تلك الكلمات من فمه وهو يحتضن وجنتي مروان بكفيه لينهيها بضمه مروان لأحضانه بحبٍ شديد ثم أضاف لحديثه السابق : _"إنتَ مش وحش خالص يا مروان.. إنتَ أجمل حد أنا شوفته في حياتي." _"مالك.." _"نعم يا مروان؟ " _"هو بجد ربنا رحم أهلي مني عشان كدا ماتوا وأنا فضلت يتيم؟؟؟ " قالها مروان الصغير وحنجرته تكاد تصرخ من الألم الذي مزقها بسبب تغلغل الدموع لعيني الفتى، انتفض مالك كمن أصيب بصعقٍ كهربائي بعد أن أصابته الكلمات في مقتل... أمسك السبّة التي كادت تخرج من لسانه في حق هؤلاء المراهقين وأهاليهم الذين لم يتكلفوا بتعليمهم شيئًا عن الأخلاق بصعوبة، حاول تمالك نفسه أمام مروان ثم أخذ يستجمع كلماته ويرتبها مُعقبًا : _"إسمع يا مروان.. مش معنى إن ربنا سبحانه وتعالى أخد منك حاجة إن هو زعلان منك.. واحد ينشأ أبوه مش موجود ولا أمه مش موجودة مش معناه إن ربنا أنشأه وهو زعلان منه فأخد منه أغلى حاجة، دي حصلت مع سيدنا محمد ﷺ وأعطى ربنا الرعاية والعناية في قلوب اللي حواليه.. " صمت لبُرهةٍ ثم تابع مُسترسلًا بقول الله تعالى : ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيـْكَ مَحَبَّـةً مِّـنِّي﴾ ثم تابع شارحًا لمروان : _"وهنا يا مروان في مُعتقد مهم أوي قاله إبن عطاء الله، قال : "العطاء من الخلق حِرمان، والمنع من الله إحسان. " عارف يعني إيه؟؟؟ يعني لما قلبك يتعلق بعطاء الخلق تبدأ تخاف لحسن الخلق دول يسيبوني، أو يموتوا، وأنا ناسي إن عطائهم أصلًا بإيد ربنا فلو شفت العطاء من الخلق يبقى دا إسمه Insecure attachment (تعلق غير آمن) لإن الخلق ممكن يسيبوك بأي حاجة.. إما بالهجر وإما بالموت لكن إذا رأيت العطاء من الله تسكن، وإذا رأيت المنع من الله عايزك تعرف إنه منع لمصلحتنا، فالعطاء من الخلق حرمان لو شفته منهم..، والمنع من الله برضو علشان مصلحتي.. فالمنع من الله إيه يا مروان...؟؟؟ " أجابه مروان وقد سكن في حضن مالك وهدأت أنفاسه مُجيبًا : _"إحسان... المنع من الله إحسان" _"شاطر يا حبيبي." قالها وهو يشدد العناق على مروان الذي شعر بهالةٍ من السكينة تحيط لُبَّه بشكلٍ غير مسبوق، وكأن عناق مالك لم يكن لجسده بل لقلبه. ... خرج مروان من ذكرياته وهي لايزال ساكنًا بين ضلوع من رباه ليقول وهو يسترجع قوته من مصدر أمانه الوحيد : _"مالك..؟ " _"نعم يا حبيبي" _"فاكر لما كنت بعيط وأنا صغير عشان العيال كانوا بيضايقوني وإنتَ كنت بتحضنني كدا برضو؟؟؟ " _"أه.. بس ليه بتسأل دلوقتي؟؟؟ " _"كان في حاجة عايز أقولهالك ساعتها بس مقولتهاش." _"وعايز تقول دلوقتي؟ " _"أه.. ساعتها كنت عايز أقولك إني مهما حصل مش هنسى أي حاجة إنتَ عملتها ليا.. ومش هنسى إنك الداعم الأول ليا، وكنت بتستحملني دايمًا وأنا صغير..شكرًا أوي أنا بحبك جدًا " _"أنا بشيل أبواب حديد على ضهري مش هعرف أشيلك إنتَ يا عيل يا صغير؟؟؟ " قالها لتنطلق ضحكات حملت من الخفة والود ما كان قادًا على تلوين الدنيا بالوردي. ________________________________ إسراء في قسم الشرطة برفقة غنى تبكي بعنف وتحدث أحد الضباط بصعوبة بين شهقاتها، وغنى تحيط كتفيها تحاول أن تساندها بينما في مكان أخر أخذ كُلاٍ من فريدة ومازن وخالد سيارتي فريدة ومروان بالإضافة إلى سيارة مالك يبحثون في المستشفيات عن نور التي لا يُعرف لها طريق منذ ليلة أمس ، لم يتبقى سوا مالك ومروان اللذان ذاهبا يبحثان في الأماكن العامة ركضًا على الأقدام. كان الجميع يُعاني من الجنون الذي انتشر بينهم عندما اختفت نور فجأةً من وسطهم أثناء احتفالهم بخبر حمل إسراء الذي ألقى على قلوبهم فرحةً لم يلقوا مثلها منذ زمن في أحدى أكبر حدائق باريس سميت بحديقة لوكسمبورغ والتي كانت مزدحمة بسبب الإحتفالات المصاحبة لقدوم فصل الشتاء التي تقيمها فرنسا بأكملها. بعد أن اصطدمت كرة أحد الأطفال الذين يلعبون في المكان المزدحم والمكتظ بالذين نزلو من بيوتهم بغية الإحتفال بظهر نور التي وقعت إثر اصطدام الكرة بظهرها وتعثرها بثوبها الطويل ،وما إن وقفت ونظرت حولها لم تجد مالك والأخرين الذين كانوا برفقتها، تلفتت حولها بخوفٍ وقلق فلم ترهم من شدة الإزدحام ، وكأنها بعدما أصبحت وحيدة أدركت مدى ازدحام المكان حقًا..بدأ التوتر والخوف ينخران عقلها وبسرعة بدأت تركض في كل الإتجاهات باحثةً عن جماعتها لكنها كانت تجهل مغادرتهم للحديقة بعد أن شعروا بالازدحام بدأ يبدو مزعجًا ،مُقررين الذهاب لإحدى الحدائق الصغيرة التي لم يعتد الكثير على التردد عليها غافلين عن تلك الفتاة التي تنقصهم. دقت عقارب الساعة لتعلن عن بدء الحادية عشر مساءً ولا تزال الشوارع مزدحمة وقد بدأ مالك ومروان ومازن بالبحث عن نور بينما خالد ذهب ليوصل الفتيات إلى المنزل،أوصل ثلاثتهن إلى شقته هو وغنى ثم أجرى مكالمة هاتفية مع مازن يتأكد إن ما كانوا وصلوا لها أم لا، انتهت المكالمة على أن يبحث مروان ومازن سويًا عن نور في الحديقة الصغيرة وميداين الإحتفال بينما سينتظر مالك قدوم خالد من أجله بالسيارة ليبحثا معًا في حديقة لوكسومبورغ ،وقد حدث بالفعل. أصبحت الساعة الثانية عشر لولا تحرك عقرب الدقائق الذي جعلها في تمام 12:40 بعد منتصف الليل ونور جالسة على مقعدٍ في إحدى ميادين الإحتفال، لقد قلّت أعداد المتزاحمين وضوضائهم لولا بعض السُكارى والشباب الذين يسيرون برفقة فتيات من نوع اللاتي تؤمنن في معتقداتهن الخاصة أن العُري هو أحدث صيحة من صيحات الموضة، ورغم حجابها وملابسها الفضفاضة إلى أن الكثيرين من الشباب المارين أمامها متعمدين إزعاجها إما بعنصريتهم الواضحة تجاه الإسلام والحجاب وإما بقذاراتهم وكلماتهم الدنيئة التي يلقونها على مسامع هذه القطة الضالة ،كانت نور تتجاهل تصرفاتهم جميعًا فهي لا تريد توريط نفسها مع أحد السُكارى ليلًا في ميدانٍ عام وهي وحيدة فيما عدا ذلك القذر قوي البنية الذي أمسك بمعصمها جاذبًا إياها نحوه متلفظًا بأسوء ما يمكن أن يُلقى على مسامع فتاة لتدفعه هي عنها بعزم ما تملك من جهد وهي ما تنفك تصرخ ، ولم تكد تدير جسدها لتركض بعيدًا عن ذلك المتوحش حتى وجدته يقيد ذراعيها لخلف ظهرها بيدٍ واحدة وبالأخرى يقيد خصرها ويرفعها عن الأرض بضعة إنشات، لا زالت تصرخ وتبكي بأعلى طبقات صوتها ، والتي أدركت وجودها للتو ، لدرجة أن الرجل قد شعر بتأذي أذنيه ليحكم قبضته على ساعديها فتتلوى الفتاة بين يديه من الألم .. وما كادت تعيد الكرة في الصراخ والإستنجاد بأحد حتى وجدت نفسها تُلقى على الأرض بعنفٍ شديد إثر الضربة التي تلقاها مُقيّدها على رأسه ليسقط أرضًا وتسقط هي معه، نزلت الضربة الثانية على رأس الرجل تليها الثالثة والرابعة ليغيب الرجل عن الحياة فإذا بيدٍ تُمد لنور الساقطة على الأرض لا تقدر على الحراك. رفعت رأسها لترى فتى يبدو عليه في 19من عُمره تقريبًا أشقر الشعر، اختلطت عويناته لتدمج بين اللونين الأخضر والعسلي لتبدو كهيئة الأحجار الكريمة. يمد لها يده بينما ترددت هي كثيرًا.. هل تثق به؟؟ لكن لا خيار أمامها، أمسكت بيده فعلًا وسرعان ما أخذها وركض بسرعةٍ تكاد تضاهي سرعة الحصان، حسنًا هي هنا كادت أن تصرخ مُجددًا حتى تفاجأت بالفتى ينعطف جهة اليمين ليدخل بها في زقاقٍ ضيق لا يتسع لأن يمر اثنين بجانب بعضهما، استمر في التشبث بيدها وهو يسحبها خلفه ولما شعر منها ببعض المقاومة توقف مُستديرًا لها قائلًا بفرنسيةٍ مُنمقة : _"أرجوكِ لا تخافي.. لن أؤذيكِ حسنًا؟ صدقيني لا يوجد لدي مصلحة من إيذائك، فقط ثقي بي.. " نظرت له نور تحاول أن تستبين ملامح الكذب أو الصدق في وجهه وعينيه، لكن يبدو حديث الفتى صادقًا، ولا حل أمامها سوى الوثوق به. _________________________________ في حلول العاشرة صباحًا عاد الأربعة شُبان إلى شقة خالد وغنى بعد أن ظلو طوال الليل يبحثون عن نور في الأرجاء لكن كان بحثهم بلا جدوى ليجدو كُلًا من فريدة وغنى مستيقظتين وقد ارتدتا ثيابهما للخروج ليباشر مازن بالسؤال : _"إنتم نازلين فين؟؟؟ " أجابته فريدة قائلةً : _"رايحين العيادة أنا كلمت ناس أعرفهم يدوروا عليها في المستشفيات ولو حد وصل لها هيبلغوني هناك و.." _"وانتم قلتوا لمين إنكم رايحين؟؟؟ " هكذا قاطعها مازن وعينيه محمرتان وبشدة ثم تابع بعد أن صمتت فريدة بتفاجئ من رد فعله : _"هو إنتِ شايفة إن احنا ناقصين لف ودوران ووجع قلب؟؟؟ يعني إيه أبقى عارف إن مراتي في بيت خالد وقاعد طول الليل أدور على بنت أخويا اللي مش عارفين طريقها وأرجع ألاقي مراتي مختفية ونزلت من غير ما تقول ليا أو تعرفني هي راحت فين؟؟؟ " كانت كلماته تخرج مع ارتفاع صوته شيئًا فشيئًا حتى أوقفه خالد واضعًا يده على كتفه، قائلًا : _"خلاص يا مازن مش وقته دلوقتي الكلام دا، خلينا في نور الأول." تنهد مالك وأردف سائلًا : _"إسراء فين؟؟؟ " أجابته فريدة : _"إحنا فضلنا طول الليل صاحيين مش قادرين ننام وهي كمان واتحايلنا عليها تنام ساعة عشان البيبي والحمل وهي مرضيتش، ولسة غنى منيماها قبل ما انتم ما توصلوا حالًا" عقب كلامها بحديثه : _"طب كويس.. خليها نايمة أنا كنت قلقان عليها لحسن تتعب أو تتوتر" أردف خالد موجهًا حديثه لزوجته : _"غنى خليكِ إنتِ مع إسراء عشان تخلي بالك منها وانتِ عارفاها لو صحيت وملقتش حد حواليها ممكن تتجنن وتنزل تدور على نور لوحدها وهي مش المفروض تتحرك.. " _"حاضر" قالتها غنى بطريقتها التي تُذيب قلب خالد ليبتسم لها ثم يتذكر وجود الشباب فيهتف بهم قائلًا : _"وانتم كمان أحسنلكم تناموا ساعة عشان تقدورا تكملوا تدوير لإن بالمناظر دي مش هتقدروا تلاقوها وانتو تعبانين كدا." أبدى مروان رفضه تمامًا قائلًا وهو يتحرك من مكانه : _"لا مش هينفع، بعد إذنك يا خالد معلش لو تشوفلي هدوم من عندك وهستأذنك أدخل أخد دُش عشان أفوق وأطلع أدور على نور، لكن مش هينفع أقعد أستريح وهيا برا" أردف مازن قائلًا : _"بس يا مروان خالد عنده حق، إنتَ كنت في المستشفى من كام أسبوع ومنمتش من امبارح وشكلك تعبان جدًا عشان خاطري يا أخي إرتاح شوية." أجابه مروان بحزم بدون وعيٍ منه : _"مازن أنا مش هرتاح ونور بعيدة عن عنيا.. أنا راحتي في وجودها هي." نظر له الجميع فتنحنح قائلًا : _"خالد هتجيبلي هدوم ولا أمشي؟؟؟ " أشار له خالد بعينيه فيما معناه أنه سيحضر له الملابس ثم دخل غرفته وأحضر بعض الثياب لهم جميعًا، ونظر مروان لمالك الذي لم يبدي رأيه على حديث أيٍ منهم فوجده قد أخفا وجهه بكلتا يديه فلم يكلمه فهو يعلم ما يشعر به مالك، وبالفعل اتى لهم خالد بثيابٍ جديدة وتحمم كُلٌ منهم وذهبوا لمتابعة البحث وذهبت برفقتهم فريدة أما عن غنى فظلت مع إسراء، حتى بلغت الساعة الثانية عشر ظهرًا لتستيقظ إسراء بفزع.. حاولت غنى تهدئتها لكنها لم تفلح وأصرت إسراء على الذهاب والبحث عن نور معهم، اتصلت غنى بخالد تعلمه بالأمر وقد وصلت إسراء حد البكاء والصراخ كالمجانين وهي تتخيل نور في الشارع بمفردها ليلةً كاملة في مدينةٍ لم تعتد عليها بعد، ليخبرها خالد أن تدعها تخرج وتبحث عن فقيدتهم بشرط أن ترافقها غنى وتحرص على سلامتها وسلامة طفلها. _______________________________ استيقظت نور على طرق الباب مفزوعة، ميّزت صوت "جوزيف" الذي تحدث من خلف الباب قائلًا بلغته الفرنسية : _"أنستي أحضرت لكِ بعض الطعام، هل يمكنني الدخول؟؟؟ " هتفت نور بتوتر شديد : _"لا! إنتظر إياك والدخول! " التفتت بجانب السرير حيث وضعت حجابها، لتنتشله وتلفه على رأسها بسرعةٍ وبعناية حتى لا تظهر منه أي خصلة، وقفت وعدّلت هندامها ثم اتجهت صوب الباب وفتحته ببطيءٍ شديد ليطل منه وجه جوزيف وابتسامته الخجول قائلًا وقد لاحظ علامات النوم البادية على وجهها : _"أسفٌ إن كنت أزعجتك.." قاطعته نور قائلةً دون أن تنتبه للغة التي تتحدث بها : _"هي الساعة كام دلوقتي؟؟؟ " رمقها جوزيف بعدم فهم وقد ارتسمت على وجهه علامات التعجب مما قالته توًا ليردف : _"معذرةً ؟!!! " انتبهت الآن فأعادت سؤالها بالفرنسية : _"عفوًا، كنت اتسائل عن الساعة.. " _"إنها الواحدة ظُهرًا" _"إيه؟؟؟؟؟؟!! " صرخت بها نور بعد أن شهقت كعادة السيدات المصريات ثم قالت بتوتر وهي تلوم نفسها : _"الساعة واحدة الظهر!! يالهوي أنا إيه اللي عملته دا!!! أنا إزاي نمت كل الوقت دا زمانهم بيدوروا عليا!!! " قاطعها جوزيف قائلًا يحاول طمئنتها وقد خمّن السبب وراء توترها : _"لا بأس، فاليوم هو الأحد وأغلب الأماكن مغلقة بسبب الصلاة، يمكنني إيصالك إلى أي مكانٍ تريدينه أثناء الصلاة كي لا يزعجك أحد." (يقصد صلاة المسيحيين في الكنائس يوم الاحد) ثم تابع وهو يناولها رغيف خبزٍ مدهونٍ بالزبدة وتفاحتين : _"تفضلي.. أسف، أعلم أنه ليس أفضل فطور لكن هذا ما استطعت احضاره من الكنيسة." أخذتهم نور من يده وعلامات الرضا تغزو وجهها وبدون أي كلمة بدأت في تناول طعامها بجوعٍ شديد جعله يبتسم أن طعامه البسيط قد نال رضاها. بعد أن انتهت من طعامها غاب عنها قليلًا وذهب ليجلب شيئًا ما وظلت هي بمفردها تستذكر ما حدث ليلة أمس..، فبعد أن أنقذها جوزيف، الذي علمت فيما بعد أنه طالب جامعي في سنته الأولى ويعمل بالكنسية أغلب وقته من ذلك القذر الذي كاد يفعل بها ما هو أسوأ من أن يقتلها، إتجها راكضين لنهاية زقاقٍ ضيق حيث تفاجأت نور بسُلمٍ حديديٍ صغير مُعلق على أحد جانبي الممر ليصعد عليه جوزيف بسلاسة وخِفة وكأنه متأكد مما يفعل، أما عن نور فقد ترددت في الصعود لولا نداء جوزيف عليها وقد وصل منتصف السلم تقريبًا فرفعت فستانها الطويل بعض الشيء وعلقت يديها على جانبي السلم كما رأت جوزيف يفعل مُتسلقةً ذلك السلم المعدني الصديء، لتجد نفسها على سطح كنسيةٍ كاثوليكية. جلس جوزيف على الأرض يلتقط أنفاسه وكذلك هي جلست مُستندةً على السور بعيدًا عن مكان جلوس جوزيف بعض الشيء، أشار لها بإصبعه نحو غرفةٍ فوق السطح، فتحها لها فدخلت هي وكاد يدخل خلفها لولا نظرتها الحادة له بأن يبقى بعيدًا. حسنًا ليس لمجرد أنه أنقذها من يد مختل أن تأمنه وتثق به، فهو لايزال غريبًا عنها ولا يجب أن تضع ثقتها به. تراجع جوزيف خارج الغرفة بمجرد أن نظرت له وأضاف مُعتذرًا : _"أعتذر صدقيني لم أقصد السوء، لم أفكر سوا بأن أريكِ الأشياء هنا.. لكن لا بأس سأترككِ ترتاحين، ليلة طيبة." قال كلماته تلك وأغلق الباب من خلفه دون أن ينتظر منها ردًا، وبمجرد أن سمعت نور صوت خطواته يبتعد عن الغرفة حتى أغلقت الباب بالمفتاح وخلعت حجابها وغطت في نومٍ عميق.. قاطع شرودها طرقه على الباب مجددًا لتفتح له وتنظر لما يحمل بيده.. إنها ثياب الراهبات، أراها إياها وهو يوضح : _"هبطت أمطارٌ غزيرة ليلة أمس في حلول الرابعة صباحًة تقريبًا.. هناك بعض مسامير السلم تعرضت للصدأ لذا لم يعد إستخدامه أمنًا حتى تتم صيانته والسبيل الوحيدة للنزول الآن هو أن نخرج من باب الكنسية" نظرت له وللملابس بيده بعدم فهم ليتابع موضحًا : _"في فرنسا الأمور ليست كما في الدول العربية، لا يمكنكِ دخول الكنيسة بملابس المسلمين سيعتبرون هذا تدنيس لدور عباداتهم. " همهمت نور دلالةً على تفهمها، أخذت الملابس من يديه فهم هو بالخروج وأغلق الباب من خلفه بعد ان أعلمها أنه سينتظرها بالخارج. إرتدت نور ثياب الراهبات وبسبب شكلها السابق لعمرها الحقيقي لم يلحظ أحد ذلك، هبطا للأسفل لتجد نور نفسها في قاعة الكنيسة الرئيسية حيث كان القسيس يتلو الترانيم على الحاضرين تقدم جوزيف نحوه وبيده نور التي تمتم لها : _"فقط افعلي كما سأفعل." وقف جوزيف أمام القسيس وانحنى ليقبل يده، كذلك فعلت نور ليبستم القسيس قائلًا لهما : _"ليبارك الرب بكما" ثم تابع وهو ينظر لجوزيف متسائلًا : _"من هذه الفتاة عزيزي جوزيف؟ " ليعقب جوزيف مُسرعًا : _"إنها الأخت ڤيرونيكا، قريبة والدتي لكنها قرابةً بعيدة" ابتسم القسيس ومسح على رأس نور قائلًا : _"في حفظ الرب يا ابنتي" _____________________________ وعلى التوازي كانت إسراء وغنى في قسم الشرطة وإسراء غير قادرة على السيطرة على دموعها حتى صدح رنين هاتف من حقيبتها.. لم تستوعب الأمر لبرهة فهي متأكدة أنها تركت هاتفها في شقة غنى إذًا هاتف من الذي يرن في حقيبتها؟؟؟ فُتحت عيناها بشدة عندما تذكرت أن هذا هاتف نور! نعم لقد أعطته لها بالأمس وهم في الحديقة لتضعه في حقيبتها كي لا يسقط منها.. تسائلت غنى قائلةً : _"إسراء ما تردي تليفونك بيرن." أجابتها إسراء وهي تمسح دموعها وتحاول تنظيم تنفسها : _"دا مش تليفوني.. تليفوني في البيت دا تليفون نور! " لتجيبها غنى بلهفة قائلةً : _"طب ردي بسرعة يمكن تكون هي! " أجابت إسراء المتصل لتستمع لصوت نور الهاديء كعادتها على عكس لهفتها وهي تتحدث قائلةً : _"نور! إنتِ فين يا حبيبتي؟؟؟.. إنتِ كويسة؟؟؟ بجد؟ طب إنتِ فين دلوقتي وهنجيلك؟؟؟... طب هاتيه...." ثم غيرت طريقة حديثها لتبدأ الحديث بالفرنسية مُخاطبةً جوزيف : _"الو.. نعم سيدي.. أين انتما إذن؟؟؟.... حسنًا سوف أخبر والدها... حسنًا.. شكرًا جزيلًا لك سيدي شكرًا جزيلًا... حسنًا سوف نأتي حالًا، أرجوك انتبه لطفلتي... أشكرك مجددًا." أغلقت إسراء المكالمة وهي تتنفس الصعداء ثم قالت ردًا على غنى التي لم تكف عن التساؤلات : _"هي دلوقتي في شارع **** قريب من كنيسة كبيرة اسمها كنيسة Sacr-Coeur (القلب المقدس) مع واحد اسمه جوزيف، هيستنوا مالك." أردفت غنى بلهفةٍ قائلة : _"طب يلا بسرعة كلميه مستنية إيه؟!! " _"..... الهاتف المطلوب مغلق أو غير مُتاح هذه رسالة مُسجلة، شكرًا" _"تليفونه مقفول..! " _"كلميه تاني يا إسراء.. أو أقولك كلمي مروان هو أكيد هيبقى معاه" _"طيب برن عليه أهو.. ألو ايوة يا مروان مالك معاك؟؟؟ " أجابها مروان والحزن تشدق في صوته : _"لا مش معايا... في حاجة ولا إيه؟؟؟ " أجابته إسراء بصدمة : _"مش معاك؟ أومال فين؟؟؟ " _"مش عارف إحنا اتقسمنا وكل واحد راح في حتة لوحده في إيه يا إسراء قلقتيني؟؟؟" _"مروان مفيش وقت روح **** بسرعة عند كنيسة القلب المقدس عارفها؟؟؟ " _"أيوة عارفها، بس ليه في ايه حصل؟؟؟ " _"روح هناك نور مستنياك مع واحد فرنسي إسمه جوزيف" بدت الفرحة على صوته للعلن اثناء قوله : _"بتقولي إيه؟!! بجد؟!!، انا رايح حالًا، كلمي الباقي خليهم يرجعوا.. " _______________________________ في المكان المُتفق عليه، وفي غضون 20 دقيقة كان مروان في المكان المُتفق عليه. يتفرس الوجوه علّه يرى ملاكه الصغير بينهم حتى لمحها على بعد يقارب الثمانية أمتارٍ تقريبًا في ثياب راهبة! ورأى بجانبها شابٌ يبحث بعينيه عن شخصٍ ما على الأغلب فإنه يبحث عنه هو. توجه صوبها بخطواتٍ تطوي الزمن طيًا، حتى صار ما يفصل بين جسده وجسد نور سوا بعض السنتيمترات... نظر لها بعينين تفيضان عشقًا، ثم ضم رأسها لصدره دون أن ينطق بكلمة وكأنما استعاد جزء قلبه المفقود وعاد إليه في هذه اللحظة ودون وعيٍ منه همس في أذنها من شدّة فرحته بصوتٍ حنون : _"أنا بحبك أوي." وقع اعترافه على أذنيها وقع الصاعقة.. لم تدري بما تجيب؟ شعر مروان بالحرج مما قاله لتوه ليتفاجأ بذراعي ملاكه الصغير تضمانه برقةٍ وحنان. ______________________________ يتجدد موعدنا إن شاء الله مع المزيد من التفاصيل والخيوط المفقودة، ودمتم سالمين♥ مليڰة مجدي♥
-مَليكـة مجْـدي إبرا