الفصل ٢٩: زفاف ملك... وغيرة مراد المتجددة
مرت بضعة أشهر على خبر حمل لارا. مضت الفترة الأولى من الحمل ووحمها خف، وبدأت لارا تشعر بتحسن ملحوظ.
زادتها أشهر الحمل القليلة جمالًا ونضارة، فبالرغم من زيادة وزنها قليلاً، إلا أن الحمل لم يكن ظاهرًا عليها بشكل واضح بعد، بل أضفى عليها توهجًا خاصًا جعلها أكثر جاذبية. هذه التوهج، بالإضافة إلى حب مراد المتزايد واهتمامه الشديد، زاد من غيرته عليها بشكل ملحوظ. كان يخشى عليها من كل عين، ويزداد تعلقه بها مع كل يوم يمر.
في هذه الأثناء، حان موعد زفاف ملك وأحمد. كان الحفل مقامًا في فندق كبير، وحضره الأهل والأصدقاء من العائلتين. كانت الأجواء مبهجة، والموسيقى تملأ القاعة، والجميع يتبادلون التهاني.
حضرت عائلة مراد بأكملها: رشيد ومديحة، وفراس وعلا، وبالطبع مراد ولارا. كانت لارا ترتدي فستانًا أنيقًا من اللون الزهري الفاتح، يُبرز جمالها الهادئ، وتُشع ثقة وسعادة. مراد كان بجانبها، يمسك بيدها طوال الوقت، يوضح مدى عشقه لها وغيرته عليها.
بينما كانت لارا تتحدث مع بعض صديقاتها بعيدًا قليلاً عن مراد الذي كان يُسلم على بعض المدعوين، استغل معتز (أخو أحمد) الفرصة.
كان معتز قد لمح لارا في كتب الكتاب، وأُعجب بها بشدة دون أن يعرف من هي. هذه المرة، رآها وحدها، ولم يستطع مقاومة فرصة الاقتراب منها.
اقترب معتز من لارا بابتسامة واثقة. "مساء الخير يا آنسة. انا شفتك فى كتب الكتاب ، انا معتز اخو العريس ، وانتى ."
شعرت لارا بالضيق من نبرته الجريئة. "مساء النور. معلش ممكن تعدينى." قالت لارا ببرود، محاولة إنهاء المحادثة بلباقة.
"أكيد يا قمر " قال معتز، وهو يبتسم بتحدٍ، ويقف في طريقها، يُعيق حركتها وكأنه لا يريدها أن تُغادر.
"ممكن بس نتعرف."
"لو سمحت، ممكن تعدينى؟" قالت لارا بنبرة أكثر حزمًا، وقد بدأت تشعر بالانزعاج الشديد.
في هذه اللحظة، كان مراد قد أنهى حديثه مع المدعوين، وبدأ يبحث بعينيه عن لارا. عندما لمح معتز وهو يقف أمام لارا ويُضايقها، تغيرت ملامح وجهه على الفور. اشتعلت عيناه بالغضب، وتصلبت عضلات فكه. تقدم مراد بخطوات سريعة وواثقة نحو لارا ومعتز.
"في حاجة ؟" قال مراد بصوتٍ هادئ لكنه يحمل تهديدًا مبطنًا، وهو يقف بين لارا ومعتز، ويضع ذراعه حول خصر لارا، يجذبها إليه بقوة.
تفاجأ معتز بظهور مراد المفاجئ، لكنه حاول أن يُحافظ على هدوئه.
"كنت بتعرف على الآنسة ." قال معتز بابتسامة مصطنعة، وهو يُحاول التذاكي.
نظر إليه مراد بنظرة باردة، ثم ضغط على ذراع لارا بقوة، وكأنه يُعلن ملكيته لها.
"آه... الآنسة دي... الآنسة دي مراتي." كانت كلماته واضحة وحاسمة، كالسيف الذي يقطع أي محاولة للتجاوز.
شعر معتز بالإحراج الشديد، وتغير لون وجهه. في هذه اللحظة، اقترب سليم وفراس ويحيى بسرعة، وقد لاحظوا التوتر في الأجواء.
"إيه يا مراد، في إيه؟" قال سليم بهدوء، محاولًا تهدئة الموقف قبل أن يتفاقم، خاصة في فرح ملك.
"مفيش يا سليم. الاستاذ كان بيتعرف على الانسة لارا." قال مراد بحدة، عيناه لا تزالان ثابتتين على معتز.
همس فراس لمراد بهدوء: "أهدا يا مراد، مش عايزين نبوظ فرح ملك."
في هذه اللحظة، لاحظت علا التوتر، واقتربت من لارا.
"لارا، اعملي نفسك أغمى عليكي!" همست علا بسرعة، وعيناها تُشيران إلى مراد.
نظرت لارا إلى علا بدهشة. "إيه؟"
"اسمعي الكلام! الفرح هيبوظ! دي الحاجة الوحيدة اللي هتوقفه." قالت علا بحسم، مُدركة أن مراد قد يتهور في غضبه.
لم تفكر لارا كثيرًا. أغمضت عينيها، ومال جسدها فجأة بين ذراعي مراد، وكأنها فقدت وعيها مرة أخرى.
"لارا!" صرخ مراد بقلق، ونسي كل ما حدث مع معتز. انشغل بها تمامًا. حملها بين ذراعيه على الفور، متجهًا نحو أقرب مكان للراحة، والجميع من حوله ينظرون بذهول وقلق. كان تصرف لارا السريع هو الوحيد الذي أنقذ الموقف من انفجار كان وشيكًا.
هرع مراد بـ لارا بين ذراعيه خارج قاعة الزفاف، وقلبه يكاد يخرج من مكانه من شدة القلق. فراس وسليم ويحيى تبعوه بسرعة، بينما توقفت الموسيقى للحظات في القاعة، وعمّ همس بين الحضور الذين تساءلوا عما حدث.
في غرفة جانبية هادئة بالفندق، وضع مراد لارا برفق على أريكة. كانت لا تزال مغمضة العينين، لكن وجهها بدأ يستعيد لونه قليلاً.
"لارا! لارا ردي عليا يا حبيبتي!" قال مراد بصوتٍ مرتجف، وهو يربت على وجهها بخفة.
"إيه اللي حصل يا مراد؟" سأل سليم بقلق، بينما كانت علا تُحضر بعض الماء.
فتحت لارا عينيها ببطء، ونظرت إلى مراد، ثم إلى علا وابتسمت ابتسامة خفيفة.
"أنا كويسة يا مراد... بس حسيت بدوخة خفيفة." قالت لارا، وهي تُحاول أن تُطمئنه وتُخفي ما فعلته.
شعر مراد بالراحة، لكنه ظل يُطالعها بقلق. "إيه الدوخة دي يا لارا؟ لازم نشوف دكتور فورًا."
"لا لا، أنا كويسة دلوقتي والله." قالت لارا، وهي تجلس ببطء.
"يمكن عشان زحمة الفرح وكنت واقفة كتير."
كان فراس يُراقب لارا وعلا بنظرة ذات معنى، وكأنه فهم ما حدث. ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم نظر إلى مراد الذي كان لا يزال قلقًا.
"متخافش يا مراد، لارا كويسة. يمكن بس محتاجة ترتاح شوية. تعالى نرجع الفرح عشان ملك وأحمد."
في هذه الأثناء، كان معتز يقف في مكانه، يشعر بالإحراج والغضب. لم يتوقع أن يُفضح موقفه بهذه الطريقة، أو أن تكون "الآنسة" التي ضايقها هي زوجة مراد. اقترب منه أحمد، وقد بدا عليه الغضب.
"إيه اللي عملته ده يا معتز؟" قال أحمد بصوتٍ خفيض، يملؤه اللوم.
"إزاي تتصرف كده في فرح أخوك؟ وإزاي متعرفش إن دي اخت ملك !"
شعر معتز بالخجل. "أنا آسف يا أحمد. مكنتش أعرف إنها مراته. أنا شفتها في كتب الكتاب وعجبتني، ومكنتش فاكرها متجوزة."
"مش دي الطريقة اللي تتعامل بيها مع الناس يا معتز." قال أحمد بحدة. "مراد ده راجل محترم، ومينفعش اللي عملته ده. أتمنى تكون اتعلمت درس كويس النهارده."
بعد أن تأكد مراد من أن لارا أصبحت بخير، عاد بها إلى القاعة. حاولت لارا أن تتماسك وتبدو طبيعية، لكن مراد لم يترك يدها للحظة. استقبلهما سوزان وشهاب وملك بقلق.
"لارا، إنتي كويسة يا بنتي؟" قالت سوزان وهي تقترب منها، وعلامات القلق على وجهها.
"أه يا مامى، أنا كويسة." قالت لارا بابتسامة خفيفة، وهي تنظر إلى مراد الذي كان يُطالعها بحب وقلق.
مرت بقية ليلة الزفاف بهدوء نسبي. حاول الجميع نسيان ما حدث، والتركيز على فرحة ملك وأحمد. مراد لم يُفلت لارا من جانبه للحظة، وكانت نظراته تُراقب أي شخص يقترب منها، بينما كان معتز يُحاول أن يختفي من الأنظار قدر الإمكان، وقد تعلم درسًا لن ينساه.
في نهاية الحفل، ودّع مراد ولارا ملك وأحمد. "ألف مبروك يا ملك." قالت لارا، وهي تحتضنها بحرارة. "يارب تكوني أسعد واحدة في الدنيا."
"الله يبارك فيكي يا لارا. ومبروك ليك كمان يا مراد." قالت ملك، وقد بدت عليها السعادة الحقيقية، وشعرت بنوع من الارتياح لأن الأمور قد هدأت.
بينما كان مراد ولارا يغادران الفرح، نظر مراد إلى لارا وابتسم. "إيه الست دي؟ بتنقذ الموقف في أي وقت." قال مراد وهو يقرص خدها بخفة.
ابتسمت لارا بخجل. "كانت فاكرة إنك هتضرب معتز."
"كنت هعملها، بس أنتِ لحقتيني. والمهم دلوقتي إننا نرجع بيتنا ونرتاح."
.....................
عادت لارا ومراد إلى فيلتهما، وقلبيهما يفيضان بالحب والترقب. كانت حادثة معتز مجرد سحابة صيف عابرة في سماء سعادتهما، لم تُفسد فرحة الزفاف أو تُلقي بظلالها على قصة حبهما. توجهت لارا فورًا لتغيير ملابسها، بينما كان مراد يُعدّ لها كوبًا من اللبن الدافئ، كانت تشعر بالتعب قليلا،.
"أنتِ كويسة يا حبيبتي؟" سأل مراد بلهفة، وهو يُقدم لها الكوب، ثم جلس بجانبها على الأريكة، يُمسك بيدها.
"فى حاجة تعباكى ، نروح للدكتور؟"
ابتسمت لارا.
"يا مراد، أنا كويسة. مفيش أي حاجة تقلق. اليوم بس كان طويل ووقفت كتير ." نظرت إلى بطنها بحنان، ثم إلى مراد بعينين تلمعان بالحب.
"المفروض أهتم اكتر بالبيبى ده."
ضحك مراد بصوت عالٍ، ثم احتضنها بقوة. "اهتمى بيه! وأنا اللي ههتم بيكي . مش عايزك تشيلي أي هم."
بدأت حياة مراد ولارا تأخذ منحى جديدًا مع اقتراب موعد قدوم طفلهما الأول. خصصا غرفة في الفيلا لتكون حضانة، وبدأت لارا تُصمم ديكوراتها بنفسها، تختار الألوان الهادئة والأثاث المناسب. كانت كل لمسة تُضيفها تحمل معها الكثير من الحب والأمل للمستقبل. مراد كان يُشاركها كل تفصيلة، يُبدي رأيه، ويُجلب لها كل ما تتمناه، وكأنه يُحقق أحلام طفولته هو الآخر.
"تفتكر هيكون ولد ولا بنت يا مراد؟" سألت لارا ذات مساء، وهما يُجهزان سرير الطفل الصغير.
ابتسم مراد، وقربها منه.
"اللي يجيبه ربنا يكون أحلى حاجة في الدنيا. المهم يجي بالسلامة ونربيه كويس." كانت كلماته تُعبر عن تجربتهما مع الماضي، ورغبتهما في بناء مستقبل أفضل لطفلهما.
على الصعيد المهني، استمر مراد في توسيع شركاته. أصبح فراس أكثر انخراطًا في إدارة بعض المشاريع الجديدة، مما خفف العبء عن مراد، وسمح له بقضاء وقت أطول مع لارا ورعاية حملها.
أما لارا، فبالرغم من تعب الحمل، كانت تواصل عملها في تصميم الأزياء، وقد بدأت تُفكر في تصميم خط أزياء خاص للأطفال، مستوحى من هذه التجربة الجديدة.
كانت العلاقة بين عائلتي مراد ولارا قد تحسنت بشكل كبير. زارت سوزان وشهاب لارا في الفيلا عدة مرات، وكانت سوزان تُبدي اهتمامًا كبيرًا بصحة لارا وحملها.
ملك وأحمد كانا يزوران الزوجين أيضًا، وكانت ملك قد بدأت تتقبل وضعها بشكل أكبر، وتُركز على حياتها الزوجية مع أحمد، الذي كان يُقدم لها كل الحب والدعم.
كانت الحياة بالنسبة لمراد ولارا قد أصبحت مستقرة ومليئة بالبهجة. لقد تجاوزا العديد من العقبات والصراعات، وخرجا منها أقوى وأكثر حبًا. كان هذا الطفل القادم هو تتويجًا لقصة حبهما، وبداية لعائلة جديدة تُبنى على أسس من الصدق والأمانة والحب المطلق.
Angel