الفصل الأول: شمس الغروب ودفء العائلةو اسرار
بعد سنوات من الغياب، جلست لارا في سيارة الأجرة، تراقب من النافذة كيف كانت شمس الغروب تلقي بظلالها الذهبية على القاهرة. قلبها ينبض بلهفة، وعيناها تتجولان في الشوارع التي تغيرت ملامحها ولم تتغير روحها. عندما توقفت السيارة أخيرًا، رفعت بصرها نحو فيلا شهاب بك. لم تكن مجرد فيلا، بل كانت تاريخًا يفوح منه عبق الذكريات. الحجر الأبيض الذي يكسوها كان يلمع تحت أشعة الغسق، والنباتات المتسلقة تتدلى من شرفاته كستائر خضراء، بينما أشجار النخيل الباسقة تتمايل بلطف، كأنها تحييها في ترحيب صامت.
تنفست لارا بعمق. كان الهواء يحمل رائحة الياسمين المنبعثة من الحديقة، ممزوجة بعبق تراب القاهرة الذي اشتاقت إليه. فتحت الباب، وقبل أن تضع قدمها على الأرض، فتح باب الفيلا على مصراعيه.
كانت سوزان تقف هناك، بملامحها الدافئة وعينيها اللتين تلمعان بالدموع. في اللحظة التي رأت فيها لارا، اندفعت نحوها كمن يخشى أن تضيع منه. احتضنتها بقوة، ورأس لارا يختبئ في دفء كتفها.
"حمد الله على السلامة يا روح قلبي... البيت نور بيكي." همست سوزان، وصوتها يرتعش من الفرحة. "كنت عارفة إنك هترجعي في يوم زي ده، والشمس بتودع اليوم عشان تستقبلك."
لم تستطع لارا النطق بكلمة، فقط احتضنتها بقوة أكبر. شعرت بعبق عطر سوزان المألوف، ورائحة الياسمين التي التصقت بملابسها. "وحشتيني أوي يا ماما، كل حاجة هنا وحشتني."
خرج شهاب بك، بوقاره المعهود وابتسامته التي أزاحت عن وجهه كل علامات التعب. كان يرتدي جلبابًا أنيقًا، وفي عينيه مزيج من الفخر والارتياح.
"أهلاً ببنتي المصممة!" قال بصوت جهوري. "نورتي بيتك يا لارا، أخيراً."
"البيت منور بيكو يا بابا." أجابت لارا، وابتسامتها لا تفارق وجهها.
في تلك اللحظة، ظهر الإخوة الثلاثة من خلفه. سليم، ببدلته السوداء الأنيقة، كان يتقدم بخطوات واثقة لكنها مليئة بالشوق. يحيى، بقميصه الخفيف، يهرول نحوها بحماس. وأخيرًا ملك، التي كانت تقف بهدوء، لكن عينيها كانتا تراقبان المشهد بتأثر واضح، وعلى شفتيها ابتسامة خفيفة نادرة.
اندفع سليم ليحتضنها بقوة. "يا بنتي! مش مصدق. كنت فاكرك هتنسي القاهرة وتفضلي في أوروبا." قال مازحًا. "فاكرة لما كنا بنلعب هنا في الجنينة وإنتي بتصممي فساتين للعبك؟ كنتي من دلوقتي بتتمرني."
"أكيد فاكرة." ضحكت لارا، وعيناها تلمعان بدموع السعادة. "كل زاوية هنا ليها ذكرى، وكل شجرة ليها قصة."
"أخيراً يا لارا!" صاح يحيى بحماس. "القاهرة كانت ظلمة من غيرك. عاملينلك مفاجأة كبيرة جوه، إنتي تستاهليها."
نظرت لارا إلى ملك، التي كانت تقف بعيدًا بعض الشيء. اقتربت منها واحتضنتها بحنان. شعرت بصلابة كتفيها تحت ذراعيها، وبنبرة من التوتر في جسدها.
"وحشتيني يا ملك." همست لارا.
"وأنا كمان يا لارا." ردت ملك بصوت هادئ، ثم أضافت بنبرة خفيفة من القلق: "يارب تكوني مبسوطة إنك رجعتي، وتلاقي اللي كنتي بتحلمي بيه هنا."
.........................
انتقل الجميع إلى غرفة المعيشة، حيث كانت الأضواء الخافتة للثريا الكريستالية تخلق جوًا من الهدوء. رائحة البخور الممزوجة بعبق الزهور كانت تملأ المكان. جلست لارا بين سوزان وشهاب ، وشعرت وكأنها تعود إلى ملاذ آمن، إلى حضن لم يغادرها أبدًا.
دخلت هايدي، زوجة سليم، بفستان أزرق أنيق، وتتبعها حلا، خطيبة يحيى، بفستان صيفي مبهج.
"حمد الله على السلامة يا لارا." قالت هايدي بابتسامة دافئة. "مبروك التخرج، كلنا فخورين بيكي."
"إزيك يا لارا؟" قالت حلا بحماس، وعيناها اللامعتان تعكسان سعادتها. "يحيى بيحكي عنك كتير كإنك أسطورة، وأخيرًا شفناك على الطبيعة."
بدأ الحديث يتدفق بسلاسة، حكت لارا عن تصميمها لأول فستان لها، وعن تحديات الدراسة في الخارج، بينما تحدث الإخوة عن العمل. فجأة، تحول الحديث إلى ملك وخطبتها القادمة.
"يعني يا ملك، لسه مش عايزة تديه فرصة؟" سألت سوزان بلطف، بينما كانت تضع يدها على كتف لارا.
ملك، التي كانت تحتسي كوبًا من الشاي، توقفت فجأة. وضعت الكوب على الطاولة بهدوء، لكن الصوت الخفيف الذي أحدثه كان عاليًا في صمت الغرفة. تنهدت بعمق، وكأنها تجمع قواها.
"يا ماما، إنتي عارفة رأيي. أنا مش مقتنعة بيه." قالت بهدوء لكن بنبرة حازمة.
"يا بنتي، الراجل كويس ومن عيلة كويسة..." بدأ شهاب بك محاولاً إقناعها.
لكن ملك قاطعته. "يا بابا، أنا عارفة إنه كويس ومحترم، لكن... أنا مش حاسة إني عايزة أتخطب له."
نظر إليها الجميع بدهشة. كانت هذه المرة الأولى التي تتحدث فيها بهذا الوضوح.
"يا ملك، إنتي هتخسري إيه لو اديتيه فرصة؟" قال سليم، محاولًا التخفيف من حدة الموقف. "شوفي أنا وهايدي، الحب جه بعد الجواز."
"الحب ممكن يجي بس مش دايماً." ردت ملك بنبرة خافتة، وتجنبت النظر إلى عيون لارا.
نظرت لارا إلى أختها، شعرت بوجود جدار خفي بين ملك والعائلة، وأن هناك شيئًا أكبر من مجرد الرفض. نظرت لارا إلى عيني ملك، ورأت فيهما مزيجًا من القلق والخوف، ربما شعورًا بالذنب.
"ملك، إنتي ليكِ الحق تاخدي قرارك براحتك." قالت لارا بصوت هادئ، تمد يدها لتمسك بيد ملك. "دي حياتك إنتِ، ومحدش يقدر يضغط عليكي. إيه اللي مضايقك بالظبط؟"
توقف الحوار، ونظرت العائلة إلى ملك ولارا. يبدو أن لارا بكلماتها البسيطة قد فتحت بابًا لم يتمكن أحد من فتحه من قبل.
Angel