شرارة في الخفاء

شرارة في الخفاء

17 0

الفصل الثانى العاشر: شرارة في الخفاء.  ..... و "اه"

في الغرفة الصغيرة المظلمة الملحقة بحديقة فيلا مراد، حيث تداخلت رائحة التراب العتيق مع عبير الياسمين القادم من الخارج، كان التوتر يسيطر على كل شيء. كلمات مراد الصادقة عن حبه كانت تتردد في أذني لارا، وتُحدث دوامة من المشاعر داخلها. شعرت بضعف شديد، وكأنها تفقد توازنها.

"مراد!" همست لارا بصوتٍ بالكاد يسمعه، عيناها تتسعان في الظلام.

"ها؟" رد مراد، وعيناه لا تفارقان وجهها، كأنه يرى فيها عالماً خاصاً به.

"لازم نخرج... إحنا اتأخرنا، ممكن بيدوروا علينا." قالت لارا، محاولةً استجماع قواها، ففكرة أن يكتشفهما أحد كانت مرعبة.

شعر مراد ببعض المنطق في كلامها، وكأن صوت العقل بدأ يعود إليه ببطء.

"عندك حق." قال مراد، ثم رفع يده برفق ليمسك بوجنتيها، وقرّب وجهه من وجهها. شعرت لارا بدفء أنفاسه، ثم طبع قبلة كبيرة وعميقة على جبينها. كانت قبلة حانية، تحمل الكثير من الشوق، وكأنها وعد خفي أو اعتراف بالذنب الممزوج بالحب.

"كل حاجة هتتحل... تمام؟" قال مراد بصوت خفيض، وعيناه ثابتتان في عينيها، كأنه يستمد منها القوة.

شعرت لارا بدوار خفيف، وتأثرت بالقبلة والكلمات.

"تمام..." تمتمت بصوتٍ خفيض يكاد لا يُسمع.

"لا امسكي نفسك يا لارا." قال مراد بقلق، وقد لاحظ شحوب وجهها.

"أومال هنخرج إزاي؟"

حاولت لارا أن تستعيد وعيها الكامل، وتدارك الموتر. "لا أنا كويسة." قالت، وهي تُحاول أن تظهر قوتها.

"طب تعالى نخرج." قال مراد، ثم فتح الباب بحذر، وخرجا من الغرفة المظلمة إلى فضاء الحديقة الرحب، حيث تتراقص الأضواء الخافتة على الأشجار والورود.

بمجرد خروجهما، اتجه مراد نحو أقرب كرسي حجري في الحديقة، الذي كان يقع تحت شجرة باسقة تُلقي بظلالها على المكان. أجلس لارا عليه برفق، ثم جلس بجانبها، محافظاً على مسافة بسيطة بينهما.

"بقيتي أحسن؟" سأل مراد بصوتٍ حنون، وعيناه تتفحصان وجهها بحثاً عن أي علامة تعب.

تنهدت لارا. "اه... ادخل أنت. أنا هستنى شوية هنا." قالت لارا، وهي تُحاول أن تتجنب الدخول معه في نفس اللحظة حتى لا يلاحظهما أحد.

وقف مراد، ثم نظر إليها بعمق، وعلى وجهه ابتسامة هادئة.

"ماشى يا حبيبتي." قال مراد، وكلمة "حبيبتي" خرجت منه بعفوية، وكأنها تعبر عن مشاعره الحقيقية دون قصد.

اتسعت عينا لارا بصدمة، ونظرت إليه بدهشة. لم تكن تتوقع أن يناديها بـ "حبيبتي"، خاصة بعد كل ما حدث.

لاحظ مراد صدمتها، فابتسم ابتسامة خفيفة، وكرر الكلمة بثقة أكبر هذه المرة:

"طبعاً حبيبتي." قالها وكأنه يصر على مشاعره، رافضاً أن يُخفيها عنها.

لم ينتظر لارا أن تقول أي شيء آخر، فقد كان الموقف أكبر من أي كلمات.

شاهدت مراد وهو يمشي بخطوات هادئة نحو الفيلا، بينما هي ظلت جالسة على الكرسي، غارقة في صدمتها، وكلمة "حبيبتي" تتردد في أذنيها، تُشعل ناراً جديدة في قلبها.

في الوقت نفسه، داخل الفيلا المكتظة بالضيوف، كان فراس قد بدأ يشعر بقلق بالغ من تأخر مراد. كان يتجول في الصالون، يلقي نظرات متكررة نحو الباب الخارجي الذي يؤدي إلى الحديقة.

"لا، أنا هروح أشوفه." قال فراس لنفسه بصوتٍ مسموع، وقد نفد صبره.

"إزاي يتأخر على ضيوفه كده في عزومة بيته؟ فيه حاجة غلط."

في اللحظة التي اتجه فيها فراس نحو الحديقة، فتح باب الفيلا ودخل مراد. كان مراد يحاول أن يبدو طبيعياً، لكن عيناه كانتا تلمعان بشكل غريب، وابتسامة خفيفة لم تفارق شفتيه.

"إيه يا فراس؟ رايح فين؟" قال مراد، محاولاً إظهار بعض اللامبالاة.

"كنت جاي أشوفك يا أخويا. اتأخرت ليه كده؟" قال فراس، وقد لاحظ المظهر الشارد على مراد، واللمعة الغريبة في عينيه. لم يعلق فراس أكثر، لكن شكوكه تضاعفت، وبدأ يربط بين تأخر مراد ووجود لارا في الحديقة. كان يعلم أن هناك سرًا كبيرًا يُخبئه أخوه.

...................》》》《《《 ......................

انتهى الحفل الصاخب في فيلا مراد، وودع الضيوف بعضهم البعض بعد ليلة مليئة بالضحكات المصطنعة والنظرات المتبادلة. كانت الأجواء في المكان قد بدأت تهدأ تدريجياً، وأصوات الموسيقى قد خفتت، لتترك وراءها صمتاً ثقيلاً.

في غرفة المعيشة الفخمة، التي كانت تزدان بتحف أثرية ولوحات فنية راقية، جلس مراد ووالداه، رشيد ومديحة، بالإضافة إلى أخيه فراس. كان التعب بادياً على وجوههم بعد يوم طويل، لكن مراد كان يحمل فوق عاتقه ثقلاً أكبر، ثقل مشاعره المتضاربة وقراره الذي كان على وشك الإفصاح عنه.

"بابا، ماما... أنا عايز أتكلم معاكوا في موضوع مهم." قال مراد بصوتٍ جاد، وعيناه تحملان إصراراً لم يعتادا عليه.

نظرت مديحة ووالده إليه بقلق. "خير يا مراد؟" سألت مديحة.

"أنا عايز أنهي الخطوبة." قال مراد بصراحة، وكأن كلماته كانت قنبلة انفجرت في الغرفة.

ساد الصمت للحظات، ثم قاطع فراس الصمت:

"ليه يا مراد؟ إيه اللي حصل؟" كان فراس يدرك جيداً أن هناك شيئاً أعمق من مجرد عدم الارتياح .

"مش مرتاح... حاسس إن مفيش تفاهم بينا. ملك دايماً بعيدة وكأننا في عالمين مختلفين." قال مراد، محاولاً إيجاد مبررات مقنعة لوالديه، بينما الحقيقة كانت أعمق من ذلك بكثير.

تنهد رشيد بضيق. "أنا شايف إنك تدي لنفسك فرصة يا بني. يمكن تقربوا من بعض أكتر. حاولوا تخرجوا لوحديكوا. انشغلوا بترتيب الفيلا وديكوراتها... يمكن تلاقوا نقطة تفاهم." كان رشيد يحاول التفكير بمنطق وعقلانية، محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

"بس أنا مش شايف أي أمل." قال مراد بمرارة، وعيناه تحملان نظرة يأس.

"يا بني، ملك كويسة وعائلتها كمان كويسة." قالت مديحة، محاولة تهدئة ابنها. "دي فرصة متتعوضش."

تدخل فراس، وعيناه مثبتتان على مراد.

"بس يا ريت تخرجوا لوحديكوا ها؟ يمكن تعرفوا تتفاهموا." قال فراس،

وكانت كلماته تحمل معنى خفياً، كأنه يوجه رسالة مشفرة لأخيه.

نظر رشيد إلى فراس باستغراب: "قصدك إيه يا فراس؟"

رمق فراس مراد بنظرة ذات معنى، وكأنه يقول: "أنت فاهم قصدي كويس، مش كده؟". ثم قال بصوتٍ أكثر وضوحاً:

"أقصد إن دايماً لارا معاهم... يمكن مش بيعرفوا يتواصلوا لوحدهم."

نظر مراد إلى فراس بنظرة حادة، وكأنه يقول له: "ملكش دعوة بيها." كانت النظرة تحمل غضباً خفياً، وتحذيراً واضحاً.

تفاجأ فراس من نظرة أخيه. كانت نظرة مراد تُظهر مدى اهتمامه بلارا، ومدى استعداده لحمايتها. "إيه ده؟ علاقتهم وصلت لإيه عشان يكون مهتم بيها كده؟" تساءل فراس في ذهنه، وقد تأكدت شكوكه تماماً.

"إذا كان كده، أنا هكلم شهاب باشا إن ملك ومراد يتقابلوا لوحدهم عشان يتفاهموا." قال رشيد، وهو يرى أن هذا هو الحل الأمثل.

"لا يا بابا!" قال مراد بسرعة، وبدا عليه بعض الارتباك.

"لارا مش بتضايقنا... دي حتى بتحاول تسيبنا لوحدنا دايماً." كان مراد يحاول نفي أي شبهة حول لارا، وحمايتها من أي شكوك قد تُثار.

"تمام يا بني... زي ما تشوف." قال رشيد، وهو يُلاحظ تردد مراد وتناقضه في الحديث، لكنه قرر أن يترك الأمر له في الوقت الحالي.

وقف رشيد ومديحة، واتجها نحو غرفتهما للراحة، تاركين مراد وفراس وحدهما في الغرفة.

"مراد، لازم نتكلم." قال فراس بجدية، وهو يُشير إلى الأريكة.

تنهد مراد بضيق، ووقف متجهاً نحو الباب. مد فراس يده ليوقفه، لكن مراد كان قد اتجه بالفعل نحو غرفته.

"مش وقته يا فراس... مش وقته." قال مراد، وترك أخاه غارقاً في شكوكه المتزايدة.

...................》》》《《《 ......................

في الوقت نفسه، في فيلا عائلة شهاب بك، التي كانت قد هدأت تماماً بعد انتهاء الحفل، وصلت ملك ولارا. كانت الأضواء خافتة، والهدوء يسيطر على الأجواء.

"تصبحوا على خير." قالت لارا لملك وهي تُسرع الخطى نحو غرفتها، لم تنتظر رداً، بل كانت رغبتها الوحيدة هي الانفراد بنفسها.

ركضت لارا إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. ألقت بجسدها على السرير، ووضعت يدها على قلبها الذي كان يدق بعنف، ثم رفعت يدها الأخرى لتلمس جبينها، في المكان الذي طبع عليه مراد قبلته. ابتسامة خفيفة، ممزوجة بدموع الفرح والألم، ارتسمت على شفتيها.

"أنا حبيته." همست لارا لنفسها، والكلمة خرجت منها بصوتٍ خافت، كأنها اعتراف أخير لنفسها بعد صراع طويل. كانت هذه هي الحقيقة التي حاولت إنكارها طويلاً، لكنها الآن أصبحت واضحة ومؤلمة.

كانت لارا تواجه عاصفة مشاعرها بمفردها. ألقت بنفسها على السرير، كانت غارقة في دوامة من الأفكار. كلمات مراد: "أنا بحبك"، و"حبيبتي"، كانت تتردد في أذنيها كأغنية ممنوعة، بينما دفء قبلته على جبينها ما زال يطاردها. شعرت بقلبها ينقبض ألمًا، ليس فقط من مشاعرها تجاه خطيب أختها، بل من الذنب الذي بدأ يلتهمها.

"أنا حبيته... أنا حبيته." همست لارا لنفسها مرارًا، والكلمات تخرج بصعوبة، كأنها تعترف بسر عظيم للمرة الأولى. تذكرت كل لحظة قضتها مع مراد: ابتساماته، نظراته، لمساته الخاطفة، كلها كانت تُشعل نارًا لم تكن تدري بوجودها من قبل.

"إزاي ده يحصل؟ إزاي أحس كده ناحية خطيب ملك؟ دي أختي!" كانت تتساءل في يأس، بينما دموعها بدأت تبلل وسادتها.

لم تستطع لارا النوم تلك الليلة. كانت تتخيل كيف ستكون الأمور لو أن مراد لم يكن خطيب ملك، وكيف كان يمكن أن تتطور علاقتهما بشكل طبيعي. لكن الواقع كان قاسياً، ويذكرها دائمًا بالخط الأحمر الذي لا يمكن عبوره. شعرت أنها محاصرة بين نار الحب الذي بدأ يشتعل، وعار الخيانة الصامتة، وواجبها تجاه عائلتها.

............ ...............  》》》

في فيلا مراد، لم يكن الوضع أفضل بكثير. بعد أن تركه مراد، ظل فراس جالسًا في غرفة المعيشة، غارقًا في أفكاره. كان يحاول ربط كل الخيوط: شرود مراد، نظراته المتكررة للارا، دفاعه عنها، ورفضه إنهاء الخطوبة رغم عدم ارتياحه لملك. كل هذه العلامات كانت تُشير إلى حقيقة واحدة مؤلمة.

"لارا..." تمتم فراس باسمها، وعيناه ضيقتان. " ممكن...؟ لأ، مستحيل." كان يحاول أن يرفض الفكرة، لكن الأدلة كانت تتراكم. كان يعلم أن أخاه ليس متهوراً عادةً، وأن هذا التغير المفاجئ في سلوكه لا يمكن أن يكون مجرد توتر خطوبة.

لم يستطع فراس كبت قلقه أكثر. قام من مكانه واتجه نحو غرفة مراد. طرق الباب بهدوء، ثم دخل دون انتظار إذن، ليجد مراد جالساً على حافة سريره، ووجهه بين يديه، يبدو عليه الإرهاق الشديد.

"مراد، لازم نتكلم." قال فراس بصوتٍ جاد، وأغلق الباب خلفه.

رفع مراد رأسه، ونظر إلى أخيه بنظرة متعبة. "قولتلك مش وقته يا فراس."

"لأ وقته." قال فراس بصرامة.

"إيه اللي بينك وبين لارا يا مراد؟"

صُدم مراد من سؤال فراس المباشر، وتجمد في مكانه.

"إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ مفيش حاجة." قال مراد محاولًا إنكار الأمر، لكن صوته كان ضعيفًا وغير مقنع.

"كفاية كذب يا مراد!" قال فراس بصوتٍ عالٍ بعض الشيء، وقد نفد صبره.

"أنا ملاحظ كل حاجة. نظراتك ليها، دفاعك عنها، رفضك لإنهاء الخطوبة عشانها، حتى لما كانت معانا في العزومة كنت مش على بعضك."

نهض مراد ووقف أمام فراس، وقد بدا الغضب على وجهه. "إنت بتخرف بتقول إيه؟ دي أخت خطيبتي."

"أنا عارف إنها أخت خطيبتك!" قال فراس، وقد اقترب من مراد.

"بس عنيك بتقول حاجة تانية خالص. وحاسس إنها بتبادلك نفس المشاعر. إيه اللي حصل النهاردة في الجنينة لما اختفيتوا سوا؟"

لم يرد مراد، لكن ملامح وجهه تغيرت، وبدا عليه الارتباك الشديد. الصمت الذي ساد الغرفة كان أبلغ من أي كلام.

"متنكرش يا مراد. متقلش مكنتش معاها ، انتوا الاتنين اختفيتوا سوا " قال فراس بنبرة هادئة، وقد رأى أن أخاه قد انهار أمام الحقيقة.

"انت بتحب لارا؟"

رفع مراد عينيه، ونظر إلى فراس بعمق. كان الصراع بين الإنكار والاعتراف واضحًا في عينيه. ثم، تنهد بعمق، وكلمة واحدة خرجت منه بصعوبة، كأنها حمل ثقيل:

"آه."

كانت هذه الكلمة كافية لتهز أركان الغرفة. الصمت عاد مرة أخرى، أثقل من ذي قبل. فراس نظر إلى أخيه بصدمة، ثم ببعض الحزن على الموقف المعقد الذي وجدوا أنفسهم فيه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مشاعر متضاربة

المؤلف Angel
2025/11/08 مكتملة
قائمة الفصول (30)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة