الفصل الخامس عشر: العيون تتكلم... وصمت يمزق
تجمدت الأجواء في فيلا مراد لحظة دخول فراس، كانت نظراته حادة كحد السكين، تخترق مراد ولارا اللذين ابتعدا عن بعضهما البعض بصدمة. ابتسامته الباهتة لم تخفِ التوتر الذي يعتمل داخله. فراس كان قد اعترف له مراد بحبه للارا في الفصل السابق، لذا كانت هذه النظرة تحمل تأكيدًا وتوبيخًا صامتًا.
"إيه يا جماعة؟ مركزين أوي في الديكورات ولا إيه؟" قال فراس بنبرة هادئة، لكنها كانت تخفي عاصفة من التساؤلات والشكوك التي تحولت الآن إلى يقين.
ملك، التي كانت لا تزال غارقة في عالم هاتفها، لم تُلاحظ التوتر الذي خيّم على المشهد. رفعت رأسها بلامبالاة.
"أهلاً يا فراس، كويس إنك جيت. الديكورات دي عايزة دماغ رايقة."
حاول مراد استعادة رباطة جأشه.
"فراس! أهلاً يا حبيبي. إيه اللي جابك؟" قال مراد، محاولًا تغيير الموضوع، لكن عيونه كانت تتبادل نظرات سريعة مع لارا، نظرات تحمل الخوف والارتباك.
لارا، التي شعرت وكأن الأرض انشقت وابتلعتها، حاولت أن تبدو طبيعية قدر الإمكان.
"أهلاً يا فراس." قالت بصوتٍ خفيض، وهي تتجنب النظر في عينيه.
اقترب فراس منهم ببطء، وتركيزه كله كان منصبًا على مراد ولارا.
"جيت أشوف العريس وأبارك له على الفيلا. وشفتكم مركزين أوي، قولت أشوف إيه اللي بيحصل." كان كلامه يحمل تهكمًا خفيًا لم يفهمه إلا مراد ولارا.
انتقل فراس بنظره من مراد إلى لارا، ثم عاد إلى مراد.
كان صمته أبلغ من أي كلمات. مراد فهم الرسالة، وشعر بحرارة الخجل تتسرب إلى وجهه. لارا شعرت بأن كل الأقنعة قد سقطت، وأن سرها أصبح مكشوفًا أمام عيني فراس الحادتين.
بعد فترة وجيزة، ومع محاولات ملك المستمرة لإشراك مراد في الحديث عن الديكورات، بينما كان ذهنه مشغولًا تمامًا، شعر فراس بضرورة أن يتحدث مع أخيه على انفراد.
"مراد، عايزك في كلمة بره." قال فراس فجأة، وبنبرة لا تقبل الجدل.
تفاجأ مراد بطلب أخيه المفاجئ، لكنه لم يجد سبيلًا للرفض.
"تمام يا فراس. ثواني يا ملك."
خرج فراس ومراد إلى الحديقة الخلفية للفيلا، حيث الأشجار الكثيفة تُوفر بعض الخصوصية. كانت الأجواء في الحديقة هادئة، لا يسمع سوى أصوات الطيور المتناثرة، لكن صمت فراس كان يملأ المكان بالتوتر.
"إيه اللي كنت بتعمله ده يا مراد؟" قال فراس بصوتٍ منخفض، لكنه كان مليئًا باللوم والغضب المكتوم.
"مش اتفقنا إنك هتسيطر على نفسك؟ أنا شايف بعيني إيه اللي بيحصل. ملك كانت غرقانة في الموبايل بتاعها، وإنت ولارا كنتوا قريبين أوي من بعض وبتتكلموا في عالم تاني! "
تنهد مراد بيأس.
"مش بقدر يا فراس. الموضوع أكبر مني. هي مش بتروح عن بالي لحظة. وكل ما بحاول أبعد، بحس إني بتشد ليها أكتر."
"ولارا؟ هي كمان مش بتحاول تبعد؟" سأل فراس بنبرة حادة، مُطالبًا مراد بالصراحة.
"بتحاول... بتحاول كتير." قال مراد، وعيناه تحملان خليطًا من الشوق والألم.
"بس برضه... مش بتقدر."
شعر فراس بإحساس ثقيل يضغط على صدره. كان يعلم أن هذا الحب الممنوع سيُدمر حياة الجميع.
"طب وإيه الحل دلوقتي؟ الكلام مع بابا مجبش نتيجة، وإنت مش قادر تسيطر على نفسك. والموضوع ده مينفعش يفضل مخفي كتير."
"مش عارف يا فراس." قال مراد بيأس، ثم نظر إلى أخيه بنظرة مليئة بالعجز.
"أنا حاسس إني في ورطة ومش عارف أخرج منها."
في داخل الفيلا، كانت لارا تحاول أن تُخفي ارتباكها أمام ملك. قلبها كان يخفق بشدة، وعقلها يُردد نظرة فراس التي فضحت كل شيء. شعرت أن فراس قد فهم كل شيء، وأن الأسرار لم تعد خيدة.
"مالك يا لارا؟ وشك مخطوف كده ليه؟" سألت ملك، التي رفعت رأسها فجأة عن هاتفها، وكأنها لاحظت شيئًا أخيرًا.
"مفيش حاجة... أنا بس مرهقة من الشغل." قالت لارا، وهي تُحاول أن ترسم ابتسامة باهتة على وجهها.
لم تُعلق ملك كثيرًا، وعادت لانشغالها بهاتفها. أما لارا، فكانت تتمنى لو تستطيع الهروب من هذا الموقف بالكامل. كانت تدرك أن الأيام القادمة ستحمل معها الكثير من المواجهات، وأن حبل الأسرار بدأ ينقطع.
...................
بعد تلك المواجهة الصامتة في فيلا مراد، وانسحاب فراس ومراد إلى حديقتها الخلفية، كانت الأجواء لا تزال مشحونة بالتوتر. فراس، بعد أن تأكدت شكوكه، شعر بثقل المسؤولية. كان يعلم أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، وأن الصمت سيؤدي إلى كارثة أكبر.
"مراد، الموضوع ده مينفعش يفضل كده." قال فراس بصوتٍ حاسم، وهو ينظر إلى أخيه الذي كان يجلس على كرسي خشبي، وعيناه شاردتان في الأفق.
"بابا مش هيوافق إنك تنهي الخطوبة دي لو قولت إنك مش مرتاح بس. لازم يكون فيه سبب قوي، وسبب ميجبش سيرة لارا."
رفع مراد رأسه، وقد بدت عليه علامات اليأس. "طب أعمل إيه يا فراس؟ مش لاقي أي حل."
"الحل واحد، وصعب، بس لازم يحصل." قال فراس، وقد اتخذ قراره.
"تبقى لازم تكلم ملك... قولها إنك مش قادر تكمل معاها... وإنكوا بعاد عن بعض، مفيش تفاهم حقيقي. ركز على النقطة دي. على إن العلاقة بينا مش هتنجح، وإنكم مختلفين جداً."
اتسعت عينا مراد بصدمة. "أكلم ملك؟ كده مرة واحدة؟"
"أه." قال فراس بإصرار.
"إنت اللي لازم تتكلم معاها. هي خطيبتك. ولازم تكون صريح معاها، بس في حدود. متدخلش لارا في الموضوع ده نهائي. قول إنك حاسس إنكم مش لبعض، وإن قرار الخطوبة كان متسرع، وإنك مش عايز تظلمها أكتر من كده. كل ما هتتأخر، كل ما الموضوع هيتعقد أكتر."
تنهد مراد بعمق. كان يعلم أن فراس على حق، وأن هذا هو الحل الوحيد المتبقي. لكن فكرة مواجهة ملك كانت تُربكه بشدة. كان يشعر بالذنب تجاهها، بالرغم من أن قلبه لم يكن معها أبدًا.
"طيب... وإيه اللي هيحصل بعد كده؟ أهل ملك؟ وأهلنا؟" سأل مراد بقلق.
"لما ملك توافق، وقتها ممكن بابا يتقبل الموضوع أكتر." قال فراس.
"لو ملك هي اللي حست إن العلاقة مش هتمشي، هيكون الموضوع أسهل بكتير. وبعدين، ساعتها نتكلم مع بابا وماما. المهم الخطوة الأولى."
صمت مراد، وغاص في التفكير. كانت فكرة مواجهة ملك مرعبة، لكنها كانت السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق الذي يُعذبه.
في المساء، وبعد عودة ملك ولارا إلى فيلتهما، كانت الأجواء هادئة نسبياً. لارا صعدت إلى غرفتها مباشرة، محاولةً الابتعاد عن أي احتكاك يزيد من توترها.
جلست لارا في غرفتها، تتصفح بعض الرسومات الخاصة بمشروعها الجديد في شركة الأزياء. كانت تحاول أن تُركز، لكن صورة مراد، ونظرة فراس، وكلمة "حبيبتى" كانت تتردد في ذهنها بلا توقف. شعرت بذنب ثقيل يضغط على قلبها. كانت تُدرك أنها أصبحت جزءًا من هذه المعادلة المعقدة، وأن مشاعرها تجاه مراد لم تعد مجرد وهم.
"لازم أبعد عنه... لازم أبعد عنه." همست لارا لنفسها، وهي تُمسك رأسها بين يديها. كانت تعلم أن هذا الحب لا يمكن أن يكون له مستقبل، وأنه سيُدمر كل شيء حولها.
في تلك اللحظة، رن هاتف ملك في غرفتها المجاورة. سمعت لارا صوت ملك وهي تتحدث بصوتٍ خفيض، ثم علا صوتها قليلاً، وبدا عليها الانزعاج.
"إيه اللي بتقوله ده يا مراد؟" قالت ملك بصوتٍ مرتفع بعض الشيء.
"إيه اللي حصل فجأة؟"
شعرت لارا بقلبها ينقبض. هل يتحدثان عن الخطوبة؟ هل قرر مراد أن يُنهي الأمر؟ رفعت لارا رأسها، وشدت أذنيها، محاولة سماع المزيد، لكن صوت ملك خفت مرة أخرى، ولم تعد تسمع سوى همهمات غير واضحة.
ظلت لارا غارقة فى توتر ملحوظ . كانت تُدرك أن قراراً مصيرياً قد يكون على وشك الحدوث، وأن حياتها، وحياة ملك، وحياة مراد، على وشك أن تتغير إلى الأبد.
Angel