نفس اللهيب الخفى

نفس اللهيب الخفى

20 0

الفصل الحادى عشر : بداية جديدة... ونفس اللهيب الخفي

بعد عشاء المطعم وتلك الرقصة الملتهبة، أصبحت لارا تشعر بضرورة إحداث تغيير في حياتها. كانت مشاعرها تجاه مراد تزداد عمقًا، وأدركت أن البقاء في المنزل بلا عمل سيجعلها أكثر عرضة للوقوع في شباك هذا الانجذاب المحظور. وفي خطوة جريئة نحو الاستقلالية، بدأت لارا تعمل في شركة أزياء ناشئة في أحد الأحياء الراقية بالقاهرة. كانت الشركة تتميز بديكوراتها الحديثة والمساحات المفتوحة التي تُحفز الإبداع، حيث تتناثر تصاميم الأزياء الأولية على طاولات العمل وتُعلّق الأقمشة الفاخرة على الشماعات. انغماسه في العمل ساعدها على تشتيت ذهنها قليلًا عن مراد، لكن صورته ونبرة صوته ظلت تلاحقها.

................

مرت بضعة أسابيع، وفي أحد الأيام، تلقت عائلة ملك دعوة إلى عزومة عائلية كبيرة في بيت مراد. كانت المناسبة هي الاحتفال ببعض الصفقات التجارية الناجحة التي أبرمها مراد ووالده. كانت لارا تعلم أن حضورها سيضعها مرة أخرى في مواجهة مراد، فبدأت تُحاول الرفض والتحجج بالانشغال في عملها الجديد.

"يا ملك، أنا عندي شغل كتير في الشركة اليومين دول وبرجع مرهقة ،صعب احضر العزومة." قالت لارا لملك وهي تحاول إقناعها.

"إزاي يا لارا؟ دي عزومة عائلية ومهمة. لازم تيجي معانا." قالت ملك، بدا عليها بعض الإصرار.

تدخل شهاب بك وسوزان، وهما جالسان في غرفة المعيشة الفخمة.

"لا طبعاً يا لارا، لازم تيجي معانا." قال شهاب بك بلهجة لا تقبل الجدل.

"مينفعش متكونيش موجودة في مناسبة زي دي."

"بالظبط يا حبيبتي." أضافت سوزان بنبرة حنونة.

"دي فرصة كويسة عشان تتعرفي على أهل مراد أكتر، وخصوصاً علا ودارين. وبعدين ملك محتاجة تكوني جنبها."

تنهدت لارا بيأس، مدركةً أن لا مفر.

"حاضر يا بابى، حاضر يا مامي. هاجي."

توجهت لارا إلى غرفتها، ووقفت أمام المرآة. كانت تشعر بمزيج من القلق والفضول. أي فستان ستختار هذه المرة؟ أي انطباع تريد أن تتركه؟ بعد تفكير، اختارت فستاناً أنيقاً باللون الأخضر الزمردي، بقصة بسيطة ولكنها تبرز رشاقتها وتلفت الأنظار بجمال لونه. أكملت إطلالتها ببعض الإكسسوارات الذهبية الرقيقة، وتركت شعرها منسدلاً على كتفيها، مُضفيةً عليها هالة من الأناقة والجاذبية. كانت تُدرك أنها تلبس هذا الفستان لسبب واحد... لترى نظرة مراد.

...................》》》《《《 ......................

وصلت عائلة ملك إلى فيلا عائلة مراد الفخمة. كانت الفيلا مزينة بشكل فاخر، تتخللها اللوحات الفنية الكبيرة والمفروشات الثمينة. الحديقة الخلفية كانت تُعد تحفة فنية بحد ذاتها، حيث تتناثر الأشجار المرتفعة، والورود النادرة، وبركة مياه صغيرة يسبح فيها البط، مما يُضفي جواً من الهدوء والجمال. امتلأت الفيلا بالضيوف الذين تبادلوا التحيات والابتسامات.

كانت العزومة صاخبة ومليئة بالأحاديث الجانبية. لارا كانت تُحاول أن تظل قريبة من ملك وسوزان، وتجنب الاحتكاك المباشر بمراد. لكن نظرات مراد كانت تتبعها أينما ذهبت. كانت نظراته تحمل خليطاً من الإعجاب، الشوق، وشيئاً من اللوم الخفي، كأنه يعاتبها على محاولاتها للابتعاد. فراس، الذي كان يتجول بين الضيوف، لم تفته تلك النظرات. ازدادت شكوك فراس بشكل كبير، وأصبح متأكداً أن هناك شيئاً ما بين أخيه ولارا.

"إيه رأيك في دارين يا فراس؟" قالت له علا، زوجته، وهي تلاحظ نظراته.

" شكلها حلو أوي النهاردة بالفستان ، تجنن ." وهى بتبص على بنتها الى بتجري بين الضيوف.

"شكلها حلو فعلاً." قال فراس، ولم يُعلق أكثر، لكن ملامح وجهه كانت تُعبر عن تفكيره العميق.

بعد فترة، ومع انشغال المدعوين بالحديث وتناول الطعام، اقترب مراد من ملك ولارا.

"إيه رأيكم نتمشى شوية في الجنينة؟ الجو حلو أوي بره." قال مراد، وعلى وجهه ابتسامة هادئة.

وافقت ملك على الفور: "فكرة حلوة يا مراد، أنا زهقت من القعدة.، والدوشة"

خرج الثلاثة إلى الحديقة الخلفية الواسعة. كانت الأضواء الخافتة تُنير الممرات، والهواء كان عليلاً. مراد وملك سارا جنباً إلى جنب، يتبادلان بعض الكلمات المقتضبة عن العمل والأحوال العامة. لارا كانت تسير خلفهما قليلاً، تُحاول أن تُبقي مسافة آمنة.

بينما كانوا يمرون بجانب مجموعة من شجيرات الياسمين العالية، توقفت لارا متظاهرةً بالإعجاب بالزهور.

"يااه، ريحة الياسمين هنا تجنن." قالت لارا بصوت مرتفع قليلاً، أملاً في أن تظل ملك ومراد يتقدمان.

تابع مراد وملك السير لعدة خطوات، ثم توقف مراد ونظر خلفه، فوجد لارا ما زالت واقفة عند الشجيرات. شعر مراد وكأن لارا تُحاول الهروب منه مرة أخرى. تبادلا نظرة خاطفة، ثم تابع مراد سيره مع ملك، بينما بقيت لارا واقفة مكانها، تراقب ظليهما وهما يبتعدان عنها في طريق الحديقة المتعرج.

شعرت لارا بمرارة، وكأنها تُعاقب نفسها على مشاعرها المحظورة. أرادت أن تبتعد، أن تهرب من هذا الوضع الذي يمزقها. لكنها كانت تعلم أن الهروب لم يعد ممكناً، فالحفل لم ينتهِ بعد، ومشاعرهما كانت قد خرجت عن السيطرة.

...................》》》《《《 ......................

في حديقة فيلا مراد الفخمة، حيث تنتشر الأشجار المرتفعة وتُضفي ظلالاً منعشة على الممرات المرصوفة، كان مراد يسير بجانب ملك، بينما كانت لارا تُحاول الابتعاد عنهما قدر الإمكان. ملك، التي كانت منشغلة بأفكارها الخاصة، لم تلاحظ التوتر الذي يحيط بالجو بين خطيبها وأختها.

"ملك، كنت عايز أتكلم معاكي في ميعاد الفرح" قال مراد وهو يُحاول جذب انتباهها.

"شايفة إمتى يكون مناسب ليكى ؟ عايز رأيك."

نظرت ملك إلى مراد بابتسامة باهتة.

"اللي تشوفه يا مراد. أنا معنديش مشكلة في أي معاد تحدده." كان صوتها خاليًا من الحماس، وكأنها تُجيب على سؤال روتيني.

شعر مراد ببعض الإحباط من ردها، لكنه حاول أن يُواصل الحديث، وكانت الفكرة التي تسيطر عليه هي رؤية لارا مرة أخرى.

"طيب، إيه رأيك نيجي نشوف الفيلا بتاعتي؟ عشان نبتدي في الديكورات بقى، ونلحق نخلصها."

لمعت عينا مراد وهو يقترح فكرة الفيلا، فقد كان يعلم أن ذلك سيجبر لارا على القدوم مرة أخرى، وبالتالي سيتمكن من رؤيتها . كانت الديكورات ذريعة مثالية له.

"تمام يا مراد، ممكن نشوفها الأسبوع الجاي." قالت ملك، وهي تنظر إلى هاتفها.

في هذه اللحظة، رن هاتف مراد. نظر إلى الشاشة، وبدا عليه الضيق.

"دي مكالمة شغل مهمة. ثواني وراجع."

"اوك، أنا هاسبقك على جوه." قالت ملك وهي تتجه نحو باب الفيلا، تاركة مراد وحده في الحديقة.

رد مراد على الهاتف، وبدأ يتحدث في مكالمته. بينما كان يتحدث، لمح لارا بعيداً في أحد ممرات الحديقة الجانبية. كانت تسير ببطء، وكأنها تائهة في أفكارها. لم يُفكر مراد مرتين، أغلق المكالمة بسرعة، وتوجه نحوها بخطوات سريعة.

أما عند لارا، فقد ابتعدت في الحديقة، متجهة نحو منطقة أكثر هدوءًا وانعزالاً. كانت تمشي على مهل، تُراقب الزهور وأوراق الشجر، لكن عقلها كان يدور في فلك مراد ومشاعرها المتضاربة. تذكرت كلامه في حلبة الرقص، ونظراته في المطعم، وكلماته التي حذرتها من ارتداء الفستان الأحمر مرة أخرى. شعرت بقلبها ينزف ألماً، وهي تُفكر في هذا الوضع المستحيل.

"ليه كل ده بيحصلي؟" همست لارا لنفسها، عيناها مغرورقتان بالدموع التي كانت على وشك الانهمار.

"ليه لازم أحس كده ناحيته ،،، ليه ؟"

بينما كانت تسير شاردة الذهن، غارقة في أفكارها ومشاعرها المتباينة، أحست فجأة بيد قوية تشدها من ذراعها، وتسحبها بقوة نحو غرفة صغيرة ملحقة بالحديقة. كانت هذه الغرفة تبدو أشبه بمخزن قديم، مظلمة، لا يوجد بها سوى بعض الأدوات الزراعية القديمة، ونافذة صغيرة بالكاد تُدخل ضوء القمر الخافت.

فُتح الباب وأُغلِق خلفها بسرعة، وكأنها محتجزة. شعرت لارا بالذعر، ورفعت رأسها لتلتقي بعيني مراد، الذي كان يقف أمامها مباشرة، وقد بدت عيناه مظلمتين ومُصممتين. كان وجهه قريباً جداً من وجهها، ويديه ممسكتان بذراعيها بقوة.

"مراد!" همست لارا بخوف، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.

"مقدرتش أستنى أكتر من كده يا لارا." قال مراد بصوتٍ خفيض، أنفاسه لاهثة، وكأن كلماته تخرج بصعوبة.

"مش قادر أعيش كده أكتر."

لم تكن لارا تتوقع هذا الموقف، ولا هذه الجرأة من مراد. كانت محتجزة بينه وبين الجدار، وتشعر بحرارة أنفاسه ودفء يديه على ذراعيها. عيناها كانتا تتبعان كل تعبير على وجهه، الذي بدا عازماً على قول ما يدور في خاطره.

...................》》》《《《 ......................

في الغرفة الصغيرة الملحقة بحديقة فيلا مراد، حيث الظلام يلف المكان ويكاد يخفي ملامح الوجوه، كانت لارا محتجزة بين مراد والجدار. دقات قلبها كانت تتعالى، وصوت أنفاسها المتقطعة هو كل ما تسمعه في هذا الصمت المطبق.

"مراد!" همست لارا بخوف، عيناها تتسعان في الظلمة، محاولة قراءة ما يدور في عيني مراد القريبتين جداً من وجهها. كانت يداها ترتجفان بين يديه اللتين أمسكتا بذراعيها بقوة، غير قادرتين على التملص.

"آسف... مش قادر." قال مراد بصوتٍ أجش، يعكس صراعاً داخلياً مريراً. كان صوته يحمل خليطاً من الألم واليأس والرغبة المكبوتة.

"مش قادر أبعد عنك يا لارا... كل يوم بيمر بيأكدلي إني بحبك."

اتسعت عينا لارا بصدمة. لم تكن تتوقع أن يُصرح مراد بمشاعره بهذه الطريقة، وفي هذا المكان، وبهذه اللحظة. شعرت بلسعة في قلبها، مزيجاً من الألم والسعادة الممنوعة.

"مراد... إنت بتقول إيه؟" قالت لارا بصوتٍ خافت، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها. "إحنا... إنت خطيب أختي...  مينفعش ....ده غلط! "

"عارف إنه غلط!" قال مراد، وشدد قبضته على ذراعيها.

"عارف إنه أكبر غلط... بس مش قادر. لما بشوفك قلبي بيتجنن. لما بكون جنبك، بنسى كل حاجة حواليا. كل تفكيري فيكي... في عيونك... في ضحكتك... في كل حاجة فيكي." كان كلامه يخرج باندفاع، كأنه نهر جارف لا يمكن إيقافه.

شعرت لارا وكأن الأرض تميد من تحت قدميها. كل كلمة من مراد كانت كسكين يغرس في قلبها، لكنها كانت سكينًا حلوًا ممزوجًا بالسم. كانت تشعر بالذنب والخيانة تجاه ملك، لكن في الوقت نفسه، لم تستطع إنكار المشاعر التي بدأت تتكون بداخلها تجاه مراد.

"مراد... لازم نبعد... لازم ننسى الكلام ده." قالت لارا بدموع بدأت تنساب على خديها.

"ده مش هيوصلنا لحاجة كويسة. دي حياة ملك... حياتنا كلنا هتتدمر."

لم يرد مراد، لكنه ظل يحدق في عينيها في الظلام، وكأنه يبحث عن إجابة، أو عن أمل خفي. كانت اللحظة مشحونة بالتوتر، والهمسات التي تبادلاها كافية لقلب الموازين.

في الوقت نفسه، داخل الفيلا المليئة بالضيوف والضحكات المصطنعة، كان فراس يراقب الأبواب والقاعة بعصبية خفية. رأى ملك تعود إلى الداخل، وعلى وجهها ابتسامة مجاملة للمدعوين.

"أهلاً يا ملك، فين مراد؟" سألها فراس وهو يقترب منها بفضول.

"بيعمل مكالمة بره وجاي ورايا." قالت ملك بلامبالاة، ثم توجهت نحو والدتها.

"تمام." قال فراس لنفسه، لكنه لم يطمئن. اتجه نحو علا زوجته، التي كانت تتحدث مع بعض السيدات في زاوية القاعة المضيئة بالثريات الكريستالية، محاولاً إخفاء توتره.

"مالك يا فراس؟ شكلك متوتر." قالت علا، وهي تلاحظ نظراته المتكررة نحو الباب الخارجي للحديقة.

"لا أبداً... بس مراد اتأخر بره. كان المفروض يرجع من مكالمة التليفون بسرعة.علشان الحفلة والناس" قال فراس وهو يلقي نظرة أخرى على الباب، وشعور غريب يساوره.

"يمكن بيتكلم مع حد تاني في الجنينة؟" قالت علا باقتراح بسيط، وهي لا تدرك مدى أهمية ملاحظة فراس.

"يمكن... يمكن." قال فراس، وكلمة "يمكن" كانت تحمل في طياتها الكثير من الشك والتساؤلات التي بدأت تتجمع في ذهنه كقطع الألغاز. كان قلبه ينبض بقوة، وهو يحاول أن يربط بين غياب مراد المتأخر ووجود لارا في الحديقة قبل لحظات. بدأ يشعر بأن هناك خيطاً رفيعاً، لكنه خطير، يربط بينهما.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مشاعر متضاربة

المؤلف Angel
2025/11/08 مكتملة
قائمة الفصول (30)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة