الفصل السابع: صراع الكلمات.....والمشاعر
في مكتب ملك بشركة شهاب بك، حيث الأجواء الهادئة تنبعث من الأثاث المكتبي الفاخر ذي الألوان الداكنة واللوحات الفنية الحديثة على الجدران، وبينما كانت الشمس الذهبية تتسلل عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة، تاركةً ظلالًا خفيفة على الأرضية اللامعة، كان التوتر يسيطر على الأجواء بين لارا ومراد. بعد موقف غرفة القياس الذي لم يكن بالحسبان، حاولت لارا جاهدة تجنب مراد، لكن القدر كان له رأي آخر.
كانت لارا تحاول المغادرة، وخطواتها سريعة نحو الباب، بعد أن تركت ملك المكتب لإحضار الأوراق. "أنا هروح أشوف سليم." قالت لارا بصوتٍ خافت، مُحاولة إنهاء الموقف.
لكن مراد لم يسمح لها بالهرب هذه المرة. "استني!" قال مراد بصوتٍ حاسم، وتقدم نحوها بخطوات سريعة، حتى وصل إليها قبل أن تفتح الباب. أمسك بذراعها برفق، لكن بإصرار، مانعاً إياها من المغادرة.
نظرت لارا إليه، وعيناها تلمعان بالدموع التي حاولت كبتها. لم تكن دموع حزن، بل مزيجًا من الإرباك، الغضب،و خوفا من ان قلبها لا يزال يتجاوب مع لمسته و ربما شيء آخر لم تستطع تسميته. "لو سمحت يا مراد سيبني!" قالت لارا بصوتٍ مرتجف، محاولة فك يدها من قبضته، لكنه كان ممسكًا بها بقوة هادئة.
اقترب مراد منها أكثر، وعيناه تحملان خليطًا من المشاعر التي بدت عليه لأول مرة. كان وجهه يعكس حيرة واضحة، كأنه يصارع شيئًا بداخله. "مش قادر... مش عارف." تمتم مراد بصوتٍ خفيض، وكأنه يتحدث إلى نفسه، وليس إليها. " كل لما بشوفك كل حاجة بتتغير ، مبقتش عارف نفسي".، كانت أنفاسه قريبة جدًا من وجهها، وشعرت لارا بقوة مشاعره المتضاربة التي كانت تخرج منه.
كانت المسافة بينهما تكاد تكون معدومة، والتوتر بلغ ذروته. لارا كانت تشعر بدفء يده على ذراعها، وبأنفاسه اللاهثة، وبتأثيره الذي لا يمكن إنكاره عليها. في تلك اللحظة، كانا منغمسين تمامًا في فقاعتهما الخاصة، وكأن العالم من حولهما قد اختفى.
فجأة، اخترق الصمت صوت ملك من الخارج. "مروة، الورق ده فين؟" كان صوتها واضحًا وهي تتحدث مع السكرتيرة في الممر الخارجي للمكتب.
كأن جرس إنذار دق في أذهانهما، ابتعد مراد عن لارا بسرعة، وخطت لارا خطوتين إلى الوراء. عادت المسافة الفاصلة بينهما، وعادت معها الحواجز التي كانت قد انهارت للحظات. تحول الارتباك إلى خوف من أن تكون ملك قد رأتهما. نظرت لارا إلى مراد، ثم إلى الباب، ووجوههما تعكس صدمة الموقف المفاجئ.
دخلت ملك المكتب، حاملة في يديها بعض الملفات، وعلى وجهها علامات الإجهاد. "آسفة على التأخير يا مراد، بس الورق كان صعب ألاقيه." قالت ملك، وهي تضع الأوراق على مكتبها، وقد لاحظت أن الأجواء غريبة، وأن وجه لارا كان محمرًا قليلاً، لكنها تجاهلت ذلك عمدًا.
نظرت لارا إلى ملك، ثم إلى مراد الذي كان يحاول استعادة رباطة جأشه، وبدت عليها ملامح عادية بقدر الإمكان. شعرت لارا بضرورة المغادرة على الفور قبل أن ينكشف أي شيء.
"أنا همشي دلوقتي يا ملك، عندي حاجات عايزة أعملها في الفيلا." قالت لارا بصوتٍ يحاول أن يبدو طبيعيًا قدر الإمكان.
"تمام يا لارا، أشوفك بالليل." قالت ملك وهي منهمكة في ترتيب الأوراق.
مرت لارا بمراد وهي تخرج من المكتب، وحاولت تجنب النظر إليه، لكنها شعرت بنظراته تلاحقها. ترك الموقف الأخير أثره العميق في نفسيهما. مراد لم يعد يفهم نفسه، ولارا أصبحت في صراع أعمق بين مشاعرها وواقعها. "كيف لي أن أشعر بهذا؟" تساءلت لارا في حوار داخلي حزين. "هذا الرجل خطيب أختي... هذا خطأ كبير."
..............
حان موعد شراء الشبكة، ذلك اليوم الذي يُعدّ علامة فارقة في أي خطوبة. في أحد أرقى محلات المجوهرات في المنطقة ، الذي يزدان بالواجهات الزجاجية اللامعة والفاترينات المضيئة التي تعرض قطعاً فنية من الألماس والذهب، اجتمعت العائلتان.
من جانب ملك، حضرت سوزان، وهايدي ، وحلا، وسليم الذي كان يتابع الموقف بهدوء، ولارا التي كانت تحاول جاهدة أن تبدو طبيعية. ومن جانب مراد، حضرت والدته السيدة مديحة ، وفراس ، وعلا زوجته، وابنتهما الصغيرة دارين التي كانت تتجول بفضول بين الفاترينات.
كان الجو العام يُفترض أن يكون مفعماً بالبهجة والسعادة، لكن تحت السطح، كانت هناك تيارات خفية من المشاعر والتوتر. ملك كانت تتعامل مع الموقف ببرود ظاهر، تبتسم ابتسامات خفيفة وتومئ برأسها موافقة على اختيارات مراد دون حماس. مراد كان يحاول التركيز على الشبكة المعروضة، لكن نظراته كانت تزيغ أحياناً لتلتقي بعيني لارا، مما يُولّد شرارة خفية بينهما. لارا بدورها، كانت تحاول تجنب النظر إليه، لكن كل لمحة خاطفة كانت تُشعل ناراً داخلها، تذكرها بلقاءاتهما الأخيرة وموقف المكتب.
فراس، كان يراقب الموقف باهتمام بالغ. لاحظ شرود مراد ونظراته المتكررة نحو لارا، كما لاحظ توتر لارا الواضح كلما اقترب منها مراد أو تحدث إليها. ازدادت شكوك فراس بشكل كبير، وبدأ يربط بين الملاحظات التي جمعها والتغيير في سلوك أخيه.
"إيه رأيك في الطقم ده يا ملك؟" سألت والدة مراد، وهي تشير إلى طقم ألماس فخم.
نظرت ملك إليه ببرود: "حلو يا طنط، اللي تشوفوه."
تدخل مراد: "إيه رأيك يا لارا؟ شايفاه مناسب لملك؟"
نظرت لارا إلى الطقم، ثم إلى ملك، وحاولت أن تجعل صوتها طبيعياً قدر الإمكان: "جميل أوي يا مراد، هيليق على ملك جداً."
لاحظ فراس هذا التبادل ونظرة مراد المنتظرة لرأي لارا، ثم نظرة لارا المتوترة. تنهد فراس بصمت، متأكداً أن هناك شيئًا غير عادي يحدث بين أخيه واخت خطيبته.
بعد بعض النقاشات والاختيارات، تم الاتفاق على الشبكة، ووُضعت في علبة مخملية أنيقة، كأنها تخفي بداخلها ليس فقط المجوهرات، بل والعديد من الأسرار والمشاعر .
...................
اقترب موعد حفل الخطوبة أكثر فأكثر، وجاء وقت البروفة الأخيرة لفستان الخطوبة. توجهت ملك ولارا إلى بوتيك الفساتين الراقي الذي اختارته لارا سابقاً. كانت الأجواء داخل البوتيك هادئة، لا يوجد سوى ملك ولارا وعدد قليل من عاملات المتجر.
ارتدت ملك فستان خطوبتها الكشميري الفخم، ووقفت أمام المرآة الكبيرة في غرفة القياس. كان الفستان يُناسبها تماماً، ويُظهر جمالها الأنيق. لارا كانت تُساعدها في تعديل بعض التفاصيل الصغيرة، وتُشجعها بابتسامات خفيفة.
"الفستان حلو أوي عليكي يا ملك." قالت لارا بصدق. "هتكوني زي الأميرة."
ابتسمت ملك بابتسامة باهتة: "اه .... كويس."
بينما كانت ملك منهمكة في البروفة، توجهت لارا إلى إحدى غرف القياس الجانبية لترتدي فستانها الخاص بالخطوبة، وهو الفستان الأزرق الداكن الذي كان محور ذلك الموقف المحرج مع مراد. بمجرد أن ارتدت الفستان، عادت إليها ذكرى مقابلة البروفة مع مراد بكل تفاصيلها. تذكرت نظراته الحادة، كلماته التي حملت نبرة غيرة واضحة، وقبلته الأخيرة على يدها. شعرت بقلبها يدق بعنف، وتوردت وجنتاها.
"الفستان ده ضيق، ما يتلبسش." ترّدد صوت مراد في أذنيها، وشعرت وكأنه يقف خلفها الآن. تذكرت كيف كان قريباً منها، وكيف تجرأت هي على تحديه.
شعرت بقلبها يدق بعنف، وتوردت وجنتاها، لم تستطع لارا أن تتجاهل هذا الشعور. الفستان الذي كان يبدو مثالياً، أصبح الآن يذكّرها بلحظات من التوتر والشعور الممنوع. قررت لارا على الفور أنها لن ترتدي هذا الفستان في الخطوبة.
خرجت لارا من غرفة القياس، وذهبت إلى ملك التي كانت لا تزال أمام المرآة.
"ملك، أنا محتاجة أختار فستان تاني ليا." قالت لارا.
نظرت ملك إليها باستغراب: "ليه يا لارا؟ الفستان الأزرق كان عليكي يجنن، وشكله تحفة."
"لا، حاسة إنه مش مناسب." قالت لارا، وهي تحاول أن تبدو مقتنعة بما تقوله، وتُخفي السبب الحقيقي وراء قرارها. "عايزة حاجة مختلفة، يمكن لون تاني."
لم تعلق ملك كثيراً، فكما هي لم تهتم كثيراً باختيار فستانها، لم تكن لارا تتوقع منها أن تهتم كثيراً باختيار فستانها. بدأت لارا تتصفح الفساتين المعلقة، وتبحث عن فستان جديد، وهي تعلم أن كل قطعة قماش يمكن أن تحمل وراءها قصة، وربما صراعاً جديداً.
Angel