الفصل الثالث عشر : عاصفة الاعتراف
ساد صمت ثقيل غرفة مراد، الكلمة التي نطق بها كادت أن تكسر حاجز المستحيل. "آه". كانت إجابة مراد على سؤال فراس، اعترافاً صادماً لم يكن أحد يتوقعه، خاصة بهذه السهولة. فراس نظر إلى أخيه بصدمة، ثم تلاها شعور بالأسى والحيرة. كان يعلم مدى تعقيد الموقف، ومدى خطورة هذه المشاعر على الجميع.
"مراد... إنت فاهم إيه اللي بتقوله ده؟" قال فراس بصوتٍ خفيض، كأنه يخشى أن يسمعه أحد.
"دي اخت خطيبتك... دي أختها! دي كارثة!"
ألقى مراد بجسده المنهك على حافة السرير مرة أخرى، ووضع رأسه بين يديه.
.
"عارف إنها كارثة يا فراس. عارف أكتر منك كمان." كان صوته مليئًا بالمرارة.
"بس مش بإيدي. مش عارف إيه اللي حصلي من ساعة ما رجعت لارا. كل حاجة اتغيرت."
جلس فراس بجانبه، ووضع يده على كتفه. "إمتى ده حصل؟ وإزاي؟"
رفع مراد رأسه، وعيناه تحملان نظرة بعيدة.
"من أول ما شفتها. فيه حاجة فيها شدتني. ذكائها، خفة دمها، طريقة كلامها، حتى طريقة تفكيرها... كل حاجة فيها مختلفة. وحاولت أقاوم، والله حاولت. بس كل يوم كنت بقرب منها أكتر، وكل يوم بتأكد إني مش عايز ملك، أنا عايز لارا."
تنهد فراس بعمق. "طيب، وإيه الحل دلوقتي؟ إنت عارف إن ده مستحيل. ملك، والعيلتين... الموضوع ده هيقلب الدنيا."
"مش عارف يا فراس. ده اللي بيخليني هتجنن." قال مراد بيأس.
"عشان كده كنت عايز أنهي الخطوبة. عشان مكملش في الغلط ده. بس بابا وماما مصممين."
"ولارا؟ هي كمان بتحبك؟" سأل فراس، وعيناه ثابتتان على مراد.
صمت مراد للحظة، ثم أومأ برأسه ببطء.
"أعتقد آه. على الأقل فيه حاجة بينا. فيه كيميا... فيه انجذاب. وهي كمان بتحاول تبعد، بس مش بتقدر."
شعر فراس بصدمة مضاعفة. وجود مشاعر متبادلة يجعل الموقف أكثر تعقيدًا.
"وهي تعرف إنك عايز تنهي الخطوبة؟"
"لأ." قال مراد.
"مكنتش عايزها تحس بأي ضغط. كنت عايز أخلص الموضوع الأول، وبعدين أشوف إيه اللي ممكن يحصل."
وقف فراس، وبدأ يتمشى في الغرفة بعصبية.
"لازم نلاقي حل للمصيبة دي يا مراد. حياة ملك مش لعبة. ومشاعر الناس مش هزار."
"أنا عارف كل ده يا فراس. عشان كده بتكلم معاك." قال مراد.
"إنت أخويا الوحيد اللي أقدر أثق فيه. إيه الحل؟"
توقف فراس ونظر إلى مراد.
"الحل مش هيكون سهل، وهيزعل ناس كتير. بس أهم حاجة دلوقتي إن محدش تاني يعرف. لازم نفضل هاديين لحد ما نعرف نعمل إيه."
وافق مراد برأسه. "تمام. بس أنا مش هقدر أكمل في الخطوبة دي. مش هقدر أخدل ملك أكتر من كده، ولا أخدل نفسي."
...................
في الجانب الآخر من المدينة، داخل غرفة لارا، كانت الدموع قد جفت على وجنتيها، لكن ألم القلب ظل قائماً. استجمعت قواها وقامت من السرير، اتجهت نحو النافذة المطلة على حديقة الفيلا. كان القمر يرسل ضوءه الخافت، يضيء المكان ببريق شاحب.
"أنا حبيته." كررت لارا الكلمات لنفسها بصوتٍ مسموع، هذه المرة كان الصوت يحمل يقينًا لا لبس فيه. لم تعد قادرة على إنكار هذه الحقيقة. كانت تحبه، وهذا الحب كان ينبض داخلها بقوة لا تُصدق، بالرغم من كل الظروف المستحيلة.
تذكرت موقف العشاء، همسات مراد، نظرته، وقبلته. كل تفصيل كان يُعيد لها المشهد، ويُعمق من إحساسها بهذا الحب الممنوع. شعرت بالخوف من المستقبل، من رد فعل عائلتها، ومن حقيقة أن ملك هي أختها. كيف يمكنها أن تواجه أختها بهذه المشاعر؟ وكيف يمكن لمراد، خطيب ملك، أن يحبها هي؟
"يا ترى هو بيحبني بجد زي ما أنا بحبه؟" تساءلت لارا في حيرة.
"ولا دي مجرد لحظة ضعف؟"
لم تستطع لارا أن تجد إجابات. كان قلبها يصرخ بحقيقة واحدة، بينما عقلها يرفضها بشدة. شعرت بأنها تقف على حافة الهاوية، وأن أي خطوة خاطئة ستؤدي إلى دمار لا يمكن إصلاحه.
فجأة، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة، وكانت ملك هي المتصلة. ترددت لارا للحظة، ثم أجابت.
"لارا، أنتِ نمتي؟" قالت ملك بصوتٍ يبدو عادياً.
"لا، لسه صاحية. في حاجة يا ملك؟"
"كنت بفكر... إيه رأيك نيجي نشوف فيلا مراد الأسبوع الجاي زي ما اتفقنا؟"
قالت ملك. "عايزة أخلص موضوع الديكورات ده بسرعة."
شعرت لارا بلسعة في قلبها. مجرد ذكر الفيلا يعني فرصة أخرى للقاء مراد، وفرصة أخرى لتعميق هذه المشاعر المحظورة.
"تمام يا ملك، اللي تشوفيه." قالت لارا محاولة أن تبدو طبيعية.
أغلقت لارا الهاتف، وتنهدت بعمق. كانت الأيام القادمة تحمل الكثير من التحديات، وكان عليها أن تجد طريقة للتعامل مع هذا الحب الذي نما في قلبها، ومع الواقع القاسي الذي يُحاصرها من كل اتجاه.
....................
في صباح اليوم التالي، استيقظ فراس مبكراً. كان عقله منشغلًا بحديثه مع مراد الليلة الماضية. توجه إلى المتراس المطل على حديقة الفيلا الخلفية، حيث الهواء العليل وضوء الشمس الذهبي يضفيان هدوءًا خادعًا على المكان. أخرج هاتفه وأجرى مكالمة.
"صباح الخير يا مراد... عامل إيه؟" قال فراس بصوتٍ خفيض، متأكداً أن والديه لم يستيقظا بعد.
"صباح النور يا فراس... مش كويس أوي الحقيقة." رد مراد بصوتٍ متعب.
"اسمع، أنا فكرت كتير في اللي قولتهولي. ومفيش غير حل واحد للموضوع ده، وهيكون صعب على الكل." قال فراس بجدية.
"إيه هو؟" سأل مراد بلهفة.
"لازم الخطوبة دي تتلغي، وبسرعة." قال فراس بحسم.
"مش هينفع تكمل في علاقة زي دي وإنت بتحب واحدة تانية، وخصوصاً إنها أختها. ده ظلم لملك وليك وللارا كمان."
صمت مراد للحظة، ثم قال: "أنا عارف يا فراس، بس بابا وماما مصممين. وأنا خايف أعمل كده وأخسر كل حاجة."
"مش هتخسر حاجة. أنت بتنقذ نفسك وملك من كارثة أكبر." قال فراس بإصرار.
"إحنا لازم نلاقي طريقة نقنع بيها بابا وماما إن الموضوع ده مينفعش. أنا ممكن أساعدك، بس لازم أنت تكون واضح في موقفك."
"طيب إزاي؟" سأل مراد، وقد بدأت بصيص أمل يظهر لديه.
"هنتكلم في الموضوع ده بعدين. المهم دلوقتي إنك متعملش أي حاجة تانية تزود الطين بلة. ولازم تسيطر على نفسك وعلى مشاعرك لما لارا تكون موجودة. لغاية ما نعرف نحل الموضوع ده." قال فراس، محاولًا أن يُسيطر على الموقف.
"فاهم." قال مراد بتنهيدة.
"ملك كلمتني الصبح، وعايزة نيجي نشوف الفيلا بتاعتي عشان الديكورات الأسبوع الجاي. وقالت إن لارا هتيجي معاها."
تنهد فراس. "تمام... خليك هادي جداً. ومتحاولش تعمل أي حاجة غلط. أنا هكون مركز معاك ومع ملك ولارا."
أنهى فراس المكالمة، وهو يشعر بثقل المسؤولية. كان يعلم أن هذه الخطة ستُحدث ضجة كبيرة، لكنه كان مقتنعًا بأنها الحل الوحيد.
على الجانب الآخر، في فيلا عائلة شهاب بك، استيقظت لارا وهي تشعر بالتعب الشديد، لكن قرارها كان قد حُسم. "أنا حبيته". هذه الكلمة كانت تتردد في ذهنها، لكنها قررت أن تُخفي هذه المشاعر وتتعامل مع الموقف بحذر شديد.
..............
بعد يومين، جاء الموعد المحدد لزيارة فيلا مراد. ملك ولارا وصلتا مع السائق إلى الفيلا الفخمة التي كانت لا تزال تحت التجهيز للديكورات. كانت الفيلا واسعة جداً، ذات تصميم معماري حديث، لكنها كانت شبه خالية من الأثاث، مما أضفى عليها جواً من الصمت والترقب. الجدران كانت مطلية باللون الأبيض، والنوافذ الزجاجية الكبيرة كانت تسمح بدخول ضوء الشمس بكثافة.
كان مراد ينتظرهما في بهو الفيلا الواسع. بمجرد أن رأى لارا، لمعت عيناه للحظة، لكنه حاول أن يُسيطر على تعابير وجهه قدر الإمكان، متذكرًا تحذير فراس. لارا بدورها، كانت ترتدي ملابس عملية ومريحة، وحاولت أن تبدو مهنية تماماً، متجنبةً أي نظرة مباشرة إليه.
"أهلاً بيكم، نورتوا الفيلا." قال مراد بابتسامة مصطنعة، وهو يُصافح ملك ثم لارا باقتضاب.
"أهلاً بيك يا مراد." قالت ملك ببرودها المعتاد.
"إيه رأيك يا لارا في المساحات؟ نقدر نعمل فيها شغل حلو أوي." قال مراد، وهو يحاول أن يبدأ الحديث بشكل مهني، لكن نظراته كانت تزيغ نحوها.
"المساحات هايلة فعلاً، وفيها إمكانيات كتير." قالت لارا، وهي تُركز على الجدران والأرضيات، محاولةً تجنب النظر في عينيه.
"أعتقد إن اختيار الألوان والإضاءة هيكون له دور كبير هنا."
بدأ الثلاثة في التجول في الفيلا. ملك كانت تتصفح بعض الكتالوجات التي أحضرها مراد للديكورات، وتُعلق ببعض الملاحظات السطحية. أما لارا، فكانت تُقدم اقتراحات عملية ومفصلة، وتتحدث بحماس عن الأفكار التي يمكن تطبيقها في كل غرفة. كان مراد يستمع إليها بانتباه شديد، ويُعجب بآرائها، ووجد نفسه ينجذب إلى حديثها وشغفها.
"طيب، إيه رأيك في اوضة النوم الرئيسية؟ محتاجة إيه في رأيك؟" سأل مراد لارا، متجاهلًا وجود ملك التي كانت تبدو منشغلة بهاتفها مرة أخرى.
نظرت لارا إلى الغرفة الواسعة، وحاولت التركيز على الجانب العملي.
"أعتقد إنها محتاجة تصميم هادي ومريح، مع لمسة فخامة. يمكن ألوان ترابية، وإضاءة دافئة."
بينما كانت لارا تتحدث بحماس، اقترب مراد منها أكثر، وعيناه تتبعان كل حركة من حركاتها. شعرت لارا بقربه، وبدأ التوتر يتسلل إليها مرة أخرى.
Angel