احتواء

احتواء

17 0

الفصل ٢٧: شكوك ... غيرة .... احتواء ... فضول

انتهى الغداء في مكتب مراد، لكن شعور الغيرة الذي انتاب لارا لم ينتهِ. حاولت أن تُخفيه قدر الإمكان، وألا تظهر لمراد أي علامات توتر. كانت تبتسم وتُجيب على أسئلته عن يومها، لكن عقلها كان مشغولاً بـ نور، مديرة التسويق الجديدة.

"يلا يا حبيبتي، أنا لازم أرجع الشغل بقى." قال مراد وهو ينهض من مقعده، ثم مال ليقبل لارا على رأسها.

"متتصوريش كنتي وحشانى أزاي النهاردة، ومبسوط إني شوفتك."

"وأنا كمان." قالت لارا، وهي تُجاهد لتبدو طبيعية.

"هستناك في البيت."

غادرت لارا مكتب مراد، لكنها لم تتوجه مباشرة إلى سيارتها. بدلاً من ذلك، توقفت للحظة عند مكتب موظفة الاستقبال.

"لو سمحتي... الأستاذة نور مكتبها فين؟" سألت لارا بنبرة عادية، محاولة أن تُظهر فضولاً طبيعياً.

"مكتبها في الدور الخامس يا فندم. هي بتشتغل على مشروع جديد مع الأستاذ مراد الفترة دي." قالت الموظفة بابتسامة.

شعرت لارا بلسعة غيرة أخرى. "مشروع جديد؟" تمتمت لنفسها وهي تتوجه نحو المصعد.

كانت تحاول أن تُقنع نفسها أن هذا أمر طبيعي في بيئة العمل، لكن شيئاً في داخلها كان يهمس لها بأن الأمر قد يكون أكثر من مجرد "شغل".

عادت لارا إلى المنزل، لكنها لم تستطع التخلص من التفكير في نور. للمرة الأولى، شعرت بالقلق تجاه علاقة مراد بامرأة أخرى. بدأت تُراجع تصرفاتهما في المكتب، وطريقة حديثهما، حتى ابتساماتهما. كانت تُدرك أن هذه المشاعر جديدة عليها، وأنها ناتجة عن حبها الكبير لمراد، وخوفها من أي شيء قد يُهدد سعادتهما.

في المساء، عندما عاد مراد إلى المنزل، استقبلته لارا بابتسامة دافئة كالعادة، وحاولت ألا تُظهر شيئاً مما يدور في بالها. تناولا العشاء، وتحدثا عن تفاصيل يومهما.

"الشغل ماشي كويس أوي اليومين دول." قال مراد بابتهاج، وهو يتحدث عن العمل.

"نور فعلاً إضافة قوية للفريق. أفكارها مبتكرة جدًا."

شعرت لارا بغصة خفيفة في حلقها، لكنها ابتسمت. "كويس إنك لقيت حد شاطر كده يشتغل معاك."

لاحظ مراد نبرة صوتها الهادئة. "مالك يا حبيبتي؟ فيه حاجة مضايقاكى؟" سأل مراد بقلق، فهو يُدرك جيداً أدق تفاصيل مشاعر لارا.

"لا أبداً... بس تعبانة شوية من الشغل." كذبت لارا، وهي تُحاول أن تُغير الموضوع. لم تكن تريد أن تُفسد عليه فرحته بعمله، أو أن تُظهر له غيرتها غير المبررة حتى الآن.

.................

طوال الأيام التالية، أصبحت لارا تُلاحظ مراد أكثر. لاحظت أنه أحيانًا يتأخر في العودة من العمل، ويقول إن لديه اجتماعات متأخرة مع "الفريق" أو "نور". كانت تحاول أن تُصدقه، لكن بذور الشك كانت قد زُرعت بالفعل في قلبها. لم تكن غيرة عمياء، بل كانت غيرة نابعة من حبها الشديد، ومن خوفها من تكرار أي ألم قديم.

لم تتوقف لارا عن زيارة مراد في الشركة بشكل مفاجئ، بحجة إحضار الغداء أو التحدث معه. في كل مرة، كانت تُحاول أن تُراقب التفاعلات بين مراد ونور، وتُحلل كل نظرة أو كلمة. لم تجد شيئاً مريباً بشكل واضح، لكن مجرد وجود نور بالقرب من مراد كان يُثير لديها شعوراً بعدم الارتياح. كانت تعلم أن عليها أن تتعامل مع هذه المشاعر الجديدة، وإلا فقد تُفسد سعادتها.

..................

استمرت الأيام، ومعها تزايد شعور لارا بالغيرة، بالرغم من محاولاتها لإخفائه. كانت تُجاهد لكي تُظهر لـ مراد أنها واثقة ومُطمئنة، لكن كل همسة عن "مشروع نور الجديد" أو "اجتماع متأخر" كانت تُثير عاصفة داخلها. بدأت لارا تُراقب حسابات مراد على وسائل التواصل الاجتماعي، وتُلاحظ تفاعلاته في العمل، وتبحث عن أي إشارة قد تُؤكد شكوكها أو تُبددها.

في إحدى الليالي، بينما كان مراد نائمًا بجانبها، لم تستطع لارا مقاومة الفضول. التقطت هاتفه بهدوء، وفتحته لتُلقي نظرة سريعة على رسائله. قلبها كان ينبض بقوة، تشعر بالذنب لأنها تتجسس عليه، لكن الغيرة كانت أقوى. لم تجد شيئًا مُريبًا في الرسائل العادية، لكنها لاحظت تكرار اسم نور في بعض رسائل العمل مع فراس أو بعض الموظفين الآخرين، مما زاد من قلقها.

في اليوم التالي، كانت لارا في المكتب الخاص بها. كانت تُحاول التركيز على تصاميمها الجديدة، لكن عقلها كان مشغولاً بمراد ونور. في هذه الأثناء، دخلت عليها زميلتها المقربة، 'دينا'.

"مالك يا لارا؟ شكلك مش على بعضك." قالت دينا وهي تُلاحظ شرود لارا.

ترددت لارا قليلاً، ثم قررت أن تُشارك دينا ما يُقلقها.

"حاسة إني غيرانة أوي يا دينا. مراد فى واحدة جديدة معاه الشغل اسمها نور... وشاطرة أوي، ودايماً بيتكلم عنها، وبيفضل يتأخر في الشغل معاها."

ابتسمت دينا بمودة. "ده طبيعي يا لارا. الغيرة دي حاجة صحية في أي علاقة، خصوصًا لما تكوني بتحبي الراجل ده أوي. بس المهم متخليهاش تسيطر عليكي."

"بس أنا حاسة إن فيه حاجة مش مظبوطة." قالت لارا، وعيناها تحملان القلق. "مش مرتاحة لوجودها حواليه."

"إيه اللي يخليكي مش مرتاحة؟ شفتي حاجة؟" سألت دينا بجدية.

تنهدت لارا. "لا... مفيش حاجة واضحة. بس مجرد الإحساس. وهو عمره ما كان بيتكلم عن حد كده."

نصحتها دينا: "طيب، متعمليش أي حاجة تندمي عليها بعدين. لو فيه حاجة، مراد بيحبك، وهيبان عليه. ولو مفيش، متدمريش ثقتكم ببعض بالشك. أحسن حاجة إنك تواجهيه. تتكلمي معاه بصراحة عن اللي بتحسيه."

.................

في هذه الأثناء، في شركة مراد، كانت نور تُجلس في مكتبها، وعلى وجهها ابتسامة خفية. كانت تُدرك تماماً تأثيرها على مراد، وطريقة حديثه عن إعجابه بأفكارها. كانت قد لاحظت نظرات لارا لها، وشعور الغيرة الذي بدا واضحاً في عينيها. لم تكن نور تحب مراد، لكنها كانت تُحب لفت انتباهه، والتقرب منه، لأسباب تتجاوز مجرد العمل.

"الأستاذة نور، الأستاذ مراد طالب ملف اجتماع بكرة في مكتبه." قالت سكرتيرة مراد.

"تمام." ردت نور بابتسامة. أمسكت بالملف، ثم أضافت بتعمد: "قوليله إني هاجي بنفسي عشان أشرح له بعض التفاصيل."

كانت نور تُخطط لزيادة وجودها حول مراد، ليس عن حب، بل رغبة في السيطرة، أو ربما تحقيق مكاسب شخصية ،كانت تستغل براءة مراد وثقته الزائدة في الآخرين، لتزرع بذور الشك في علاقاته.

في المساء، عاد مراد إلى المنزل متأخرًا مرة أخرى.

"نور كانت بتشرح لي تفاصيل المشروع الجديد. كانت قاعدة مهمة." قال مراد وهو يجلس بجانب لارا على الأريكة.

نظرت لارا إليه، وعيناها تُخفيان الكثير من التساؤلات. كانت تُدرك أن عليها أن تُصارح مراد بما تشعر به، قبل أن تُحول هذه الشكوك حياتهما إلى جحيم.

جلست لارا بجانب مراد على الأريكة، وقلبها ينبض بقوة. كانت تُدرك أن الصمت لن يُحل شيئًا، وأن الشكوك بدأت تلتهم سعادتهما. أخذت نفسًا عميقًا، ثم أمسكت بيد مراد.

"مراد... ممكن نتكلم في حاجة مضايقاني؟" قالت لارا بصوتٍ خفيض، بالكاد يُسمع.

لاحظ مراد نبرة صوتها الجادة، وتحول وجهه إلى القلق. "طبعًا يا قلبي. مالك؟ فيه إيه؟" أمسك بيدها بقوة، يُعطيها شعورًا بالأمان.

"أنا... أنا غيرانة عليك." قالت لارا، وكلماتها خرجت بصعوبة، وقد احمرّت وجنتاها خجلاً. "من نور."

اتسعت عينا مراد بذهول للحظة، ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، ابتسامة تحمل الكثير من الحنان والتفهم.

"غيرة؟ .... عليا أنا؟.... ومن نور؟"

"ما تضحكش عليا." قالت لارا ببعض الانزعاج.

"أنا عارفة إنها حاجة غريبة... بس أنا مش مرتاحة. دايماً تتأخر معاها في الشغل، ودايماً بتتكلم عنها، وهي... هي واثقة من نفسها زيادة عن اللزوم، وحاسة إنها بتحاول تقرب منك بطريقة ما." كانت كلماتها تخرج متقطعة، تُعبر عن كل ما كانت تُحاول كبته.

لم يضحك مراد. بدلاً من ذلك، سحب لارا إليه، واحتضنها بقوة. وضع رأسه على رأسها، وأخذ يُربت على ظهرها بحنان.

"يا حبيبتي... يا روحي... إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟"

"أنا عارفة إنك بتحبني." قالت لارا وهي في أحضانه، الدموع بدأت تتجمع في عينيها.

"بس أنا بخاف. بخاف أحس إن حد ممكن ياخدك مني. بخاف من أي حاجة ممكن تبعدنا عن بعض بعد كل اللي مرينا بيه."

رفع مراد رأسها، ونظر في عينيها مباشرةً.

"لارا... إنتي قلبي وحياتي كلها. مفيش أي حد في الدنيا دي يقدر ياخدني منك. نور دي مجرد موظفة شاطرة في الشغل، ومجرد زميلة. ولو بتكلم عنها كتير، عشان هي فعلاً بتساعدني في تطوير الشركة. وأي تأخير في الشغل بيكون عشان مصلحة الشغل وبس، لا أكتر ولا أقل. ولو حاسة إني قصرت معاكي، أنا آسف يا قلبي."

مسح مراد دموعها بأطراف أصابعه، ثم قبل جبينها بحنان بالغ.

"إزاي ممكن أفكر في أي حد تاني وأنتِ معايا؟ كل ثانية معاكي بالدنيا كلها. بلاقى نفسي معاكى.... أنتِ البيت. أنتِ النفس اللي بتنفسه."

شعرت لارا بكلماته تلامس قلبها بعمق. كانت نبرته صادقة، واحتوائه لها كان كل ما تحتاجه. لم يكن يستهزئ بمشاعرها، بل احتواها وتفهم مخاوفها.

"أنا آسفة إني شكيت." قالت لارا، وشعرت بالخجل من نفسها.

"أوعي تقولي كده تاني." قال مراد بابتسامة دافئة

. "غيرة الزوجة دليل حبها، وأنا بحب غيرتك عليا. بس الأهم إننا نتكلم. إنك متخبيش حاجة جواكي. أنا عايزك تحكيلي كل حاجة، حتى لو كانت شكوك بسيطة. إحنا خلاص واحد، ومفيش بينا أسرار."

احتضنته لارا بقوة، وشعرت بكل شكوكها تتلاشى أمام دفء حبه واحتوائه. كانت هذه اللحظة بمثابة درس لهما معًا: لارا تعلمت أن الحب الحقيقي يستلزم الثقة والصراحة، ومراد تعلم أن عليه أن يكون أكثر انتباهًا لمشاعر زوجته الحساسة، وأن يحتويها دائمًا.

....................

بعد مصارحة لارا له، بدأ مراد يُلاحظ تصرفات نور بوعي أكبر. لم يعد الأمر مجرد "مديرة تسويق شاطرة"، بل أصبح يرى نبرتها الواثقة الزائدة، نظراتها التي تتجاوز حدود المهنية أحيانًا، وطريقتها في التقرب منه أثناء شرح المشاريع. لم يكن مراد ليشك أبدًا في نفسه أو في حبه للارا، لكنه أدرك أن مخاوف زوجته لم تكن بلا أساس.

كان مراد حريصًا على طمأنة قلب لارا. في اليوم التالي لمصارحتهما، طلب من فراس أن يكون دائمًا موجودًا في الاجتماعات التي تضم نور. لم يذكر السبب صراحة، بل قال إن ذلك لـ "التنسيق هيكون أفضل ". فراس، بحدسه الذي لا يخونه، فهم الرسالة الضمنية ووافق على الفور.

مرت الأيام، وأصبحت لارا تُلاحظ التغيير في روتين مراد. عندما كانت تُفاجئه بزيارة في الشركة، كانت تجد فراس دائمًا يجلس في مكتب مراد خلال اجتماعاته مع نور. كانت تلمح ابتسامة فراس التي تُخفي الكثير، ونظرات مراد التي تُطمئنها.

في إحدى هذه الزيارات، دخلت لارا مكتب مراد، لتجده جالسًا مع نور وفراس يُناقشون عرضًا تقديميًا. بمجرد أن لمحها مراد، أضاء وجهه بابتسامة واسعة، ونهض من مقعده على الفور، تاركًا نور وفراس ليُرحب بزوجته.

"لارا!ايه المفاجئةالحلوة دى!" قال مراد بحماس، وهو يحتضنها بحب أمام الجميع، وكأنه يُعلن للعالم كله أن هذه المرأة هي كل ما يهمه.

نظرت لارا إلى نور، التي كانت تُحاول أن تُخفي انزعاجها، وإلى فراس الذي كان يبتسم لها ابتسامة ذات معنى. شعرت بقلبها ينتعش بالراحة. كان اهتمام مراد بها واضحًا، وحرصه على طمأنتها كان أبلغ من أي كلمات.

"جيت أطمن عليك ونتغدا سوا." قالت لارا، وقد زالت عنها كل آثار الغيرة التي كانت تلازمها.

"يا حبيبتي، ما كنتيش تتعبي نفسك." قال مراد، وهو يُمسك بيدها ويُجالسها بجانبه، غير مبالٍ بوجود نور أو فراس.

كانت تصرفات مراد هذه، وحرصه على إظهار حبه واهتمامه بلارا أمام الجميع، كافية لتبديد أي شكوك في قلب لارا. لقد أثبت لها أنه يرى ويُقدر مخاوفها، وأنه لن يسمح لأي شخص بالتدخل في سعادتهما.

بعد فترة وجيزة، وبسبب وجود فراس المستمر في اجتماعات نور، أدركت نور أن محاولاتها للتقرب من مراد لم تعد تجدي نفعًا. شعرت أن مراد أصبح أكثر حذرًا، وأن فرصتها في تحقيق أي مكاسب شخصية منه قد تضاءلت. قررت نور أن تُقدم استقالتها، بحجة أنها وجدت فرصة أفضل في شركة أخرى.

أبلغت سكرتيرة مراد باستقالة نور. شعر مراد بنوع من الراحة الخفيفة، فقد كان وجودها يُسبب توترًا غير مرئي في حياته مع لارا، على الرغم من أنه لم يكن يُدرك السبب الحقيقي لغيرة لارا في البداية.

في المساء، أخبر مراد لارا بخبر استقالة نور. شعرت لارا بسعادة غامرة، لكنها حاولت أن تُظهر هدوءًا.

"خير برضه إنها لاقت فرصة أحسن." قالت لارا بابتسامة واسعة، وقد أصبحت نظراتها لمراد صافية وخالية من أي قلق.

احتضنها مراد بحب. "أهم حاجة إنك مبسوطة ومرتاحة يا قلبي. مفيش أي حاجة في الدنيا تستاهل إنها تزعلك."

كانت هذه هي نهاية صفحة قصيرة من الغيرة في حياتهما، وتأكيدًا على قوة حبهما وثقتهما المتبادلة التي استطاعت أن تتجاوز أي عقبات، صغيرة كانت أم كبيرة.

.....................

بعد فترة من الهدوء والاستقرار في حياتهما الزوجية، حيث تلاشت شكوك لارا تمامًا بعد رحيل نور، قرر مراد أن يأخذ لارا في نزهة مسائية في أحد المراكز التجارية الفاخرة بالقاهرة. كان المكان يعج بالمتسوقين، والأضواء المبهرة تُضفي عليه جوًا من البهجة.

كان مراد يمسك بيد لارا بإحكام، يتحدثان ويضحكان، يستمتعان بوقتهما. لم يترك يدها لحظة، كان يتبادلان النظرات التي تفضح مدى الحب الذي يربطهما، وكلما مرّا بمتجر لملابس النساء، كان يُشير إلى فستان ويقول: "ده هيطلع عليكي يجنن!" فتخجل لارا وتضحك.

وبينما هما يسيران في الممر الرئيسي، لمحتهما ملك وهي تسير برفقة خطيبها أحمد. كانت ملك قد بدأت تشعر ببعض الاستقرار في علاقتها بأحمد، الذي كان يُبدي لها الكثير من الاحترام والاهتمام. لكن رؤية لارا ومراد معًا دائمًا ما كانت تُثير فيها شعورًا غريبًا.

"مراد ولارا!" قالت ملك، وكأنها تُخبر نفسها أكثر مما تُخبر أحمد. كانت تُراقب مراد وهو يمسك بيد لارا، وهو يُهمس لها بابتسامة، وتُرى لارا تضحك بخجل.

شعرت ملك بلسعة غيرة من نوع مختلف هذه المرة. لم تكن الغيرة على مراد نفسه، بل كانت غيرة على هذه الرومانسية الصاخبة، على هذا الحب الظاهر الذي لا يُبالي بالعيون، والذي لم تشعر به ملك قط في علاقتها بمراد.

لاحظ أحمد أن ملك قد توقفت عن السير، وتحددت نظراتها نحو الزوجين. تبع نظراتها، ورأى مراد ولارا في كامل انسجامهما. لاحظ كيف أن مراد لم يُفلت يد لارا لحظة، وكيف كانت نظراته تتبعها، وكأنه يُعبر عن كل حبه لها دون تردد.

"مين دول؟" سأل أحمد، وقد بدا الإعجاب في نبرة صوته.

"دي لارا أختي ومراد جوزها." قالت ملك، نبرتها تحمل بعض الحدة غير المبررة.

"ياااه! لسه شايفينهم من فترة قريبة في المطعم، وباين عليهم بيحبوا بعض جدًا." قال أحمد، وقد تأثر كثيرًا بهذا المشهد. كان يرى فيه نموذجًا للحب الذي يتمناه في حياته.

"بصي يا ملك، بصي مش بيهتم بأي حد حواليه وهو معاها. الرومانسية اللي بينهم دي... تحسي إنهم في عالم تاني خالص."

شعرت ملك بضيق في صدرها وهي تستمع لكلمات أحمد. كانت تخشى تحديدًا أن يتأثر أحمد بهذا النوع من العلاقة، أن يقارن علاقتهما بما يرى. كان مراد، بطبيعته، لا يُظهر مشاعره بهذه العلنية، بينما أحمد كان يُفضل التعبير عنها بهدوء واحترام.

"كل واحد بيعبر عن حبه بطريقته يا أحمد." قالت ملك محاولة الدفاع عن موقفها وعلاقتها، لكنها لم تستطع أن تُخفي الإحراج في صوتها.

في هذه الأثناء، لمح مراد لارا وملك وأحمد. ابتسم ابتسامة واسعة، ولوح بيده إليهما. "ملك! أحمد! أهلاً بيكم!"

توجه مراد ولارا نحوهما. "يا أهلًا وسهلًا. إيه الصدفة الحلوة دي؟" قال مراد وهو يصافح أحمد ويُقبل ملك على وجنتها.

"أهلاً بيكم." قال أحمد بحماس. "لسه كنا بنقول، إنتوا الاتنين بتجننوا، والحب اللي بينكم باين أوي."

نظرت ملك إلى لارا، ثم إلى مراد. شعرت بأنها مُحاصرة بين غيرة من نوع جديد، وضرورة الحفاظ على صورتها أمام خطيبها.

ابتسمت لارا خجلاً، وأمسكت بيد مراد بقوة. "ميرسي يا أحمد. وإنتوا كمان، ألف مبروك يا ملك على الخطوبة."

"الله يبارك فيكي يا لارا." قالت ملك، ثم نظرت إلى أحمد، وكأنها تُذكره بوجوده.

استمر الحديث لدقائق قليلة، وتبادلوا فيها أطراف الحديث عن خططهم المستقبلية. كان مراد، بطريقته المباشرة والمحبة، يُعبر عن سعادته بلارا، مما جعل أحمد ينبهر أكثر، بينما شعرت ملك بضغط يتزايد عليها، فقد كانت تُدرك أن خطيبها يبحث عن نوع من الحب والشغف الذي لم تتمكن هي من إظهاره بنفس طريقة لارا ومراد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مشاعر متضاربة

المؤلف Angel
2025/11/08 مكتملة
قائمة الفصول (30)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة