نار تحت الرماد

نار تحت الرماد

18 0

الفصل الرابع عشر: نار تحت الرماد

كانت جولة تفقد الفيلا تستمر، ومع كل خطوة، كان التوتر بين لارا ومراد يزداد خفاءً وشدة. لارا كانت تُحاول جاهدة الحفاظ على مهنيتها، تُقدم الأفكار وتُجيب على أسئلة مراد عن الديكورات، لكن وجوده القريب، ونظراته العميقة، كانت تُربكها. ملك، كعادتها، كانت تتصفح كتالوجات الديكورات بلامبالاة، وتُعلّق بضع كلمات ثم تعود لانشغالها بهاتفها، تاركةً مراد ولارا في فقاعتهما الخاصة.

"أعتقد إن المكتب ده محتاج مكتبة كبيرة مدمجة في الحيطة." قال مراد للارا، وهو يُشير إلى أحد الجدران في غرفة المكتب الواسعة. كان صوته يحمل نبرة هادئة، لكن عينيه كانتا تتبعان كل تفصيل في وجه لارا.

"ممكن نعملها بتصميم مودرن، مع إضاءة خفية تدي شكل حلو بالليل." قالت لارا، وهي تُدير وجهها لتنظر إلى الجدار، مُحاولة تجنب التقاء عينيها بعينيه.

اقترب مراد أكثر، ووقف بجانبها مباشرة.

"طب إيه رأيك في اللون ده؟" قال، وهو يُشير إلى عينة لون في كتالوج كان يحمله. يده لمست يدها عن غير قصد أثناء إشارته، وشعرت لارا بقشعريرة تسري في جسدها، فسحبت يدها بسرعة.

لم يُعلق مراد على حركتها، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، وكأنه استمتع بهذا التوتر الخفي.

"لارا، أنتِ بجد عندك ذوق فريد." قال مراد، ونبرة صوته كانت تحمل إعجابًا خالصًا لم يستطع إخفاءه.

في هذه الأثناء، رفعت ملك رأسها من هاتفها، وألقت نظرة سريعة عليهما.

"إيه يا جماعة، خلصتوا ولا لسه؟ أنا جعت." قالت ملك بابتسامة خفيفة، وكأنها تُذكرهم بوجودها.

ابتعد مراد عن لارا ببطء، وعادت لارا لتركز على الكتالوجات.

بعد انتهاء جولة الفيلا، توجه الثلاثة إلى أحد المطاعم لتناول الغداء. كانت الأجواء في المطعم أكثر رسمية من عشاء النيل السابق. خلال الغداء، حاولت لارا أن تُبقي الحوار عاماً، تُشارك في الحديث مع ملك ومراد حول الديكورات والخطط المستقبلية للفيلا، لكنها كانت تشعر بنظرات مراد تلاحقها طوال الوقت.

عند نهاية الغداء، وقبل أن يغادروا، التفتت ملك إلى لارا. "لارا، بما إنك خلصتي شغل البيت النهاردة، إيه رأيك تيجي معايا المول؟ عايزة أشتري كام حاجة."

"معلش يا ملك، أنا عندي ميعاد في الشركة لازم أرجعه دلوقتي." قالت لارا، وهي تستغل وظيفتها الجديدة كذريعة للابتعاد. كانت تُحاول بشتى الطرق تقليل الاحتكاك بمراد.

نظرت ملك إلى مراد، ثم إلى لارا. "تمام، خلاص يبقى أروح لوحدي."

"أنا ممكن أوصلك يا ملك." قال مراد، وهو ينظر إلى لارا بنظرة تحمل معنى خفياً، كأنه لا يريد منها لابتعاد.

بعد أن ودعت لارا ملك ومراد، ركبت سيارة أجرة عائدة إلى شركتها، وقلبها يخفق بقوة. كانت تُدرك أن قرارها بالعمل لم يكن فقط للابتعاد عن المنزل، بل للابتعاد عن مراد ومحاولة السيطرة على مشاعرها. لكن كل لقاء كان يزيد النار اشتعالاً.

في المساء، عاد مراد إلى فيلته، ليجد فراس ينتظره في غرفة المعيشة، وعلى وجهه علامات الجدية.

"ها يا مراد، إيه الأخبار؟" سأل فراس مباشرة، دون مقدمات.

تنهد مراد وألقى بنفسه على الأريكة.

"زي ما هي يا فراس. مفيش جديد. ملك زي ما هي، ولارا بتحاول تبعد."

"وإنت؟" سأل فراس، وعيناه ثابتتان على مراد.

"إيه اللي حصل في الفيلا النهاردة؟"

ابتسم مراد ابتسامة باهتة.

"لارا ذكية جداً في شغلها. عندها رؤية وتفاصيل مكنتش أقدر أشوفها." كان مراد يتحدث عن لارا بإعجاب واضح، وهو ما زاد من قلق فراس.

"مش بتكلم عن شغلها يا مراد." قال فراس بحدة.

"بتكلم عن اللي حصل بينكوا. قدرت تسيطر على نفسك؟"

صمت مراد للحظة، ثم قال بصوتٍ خفيض: "مش بقدر يا فراس. كل ما بحاول أبعد، بقرب أكتر. هي عاملة زي المغناطيس."

تنهد فراس بيأس.

"طيب، والحل إيه دلوقتي؟ أنا بجد بقلق عليك وعلينا كلنا. الموضوع ده لو اتكشف، حياتنا كلنا هتدمر."

"عارف." قال مراد.

"وأنا مش هقدر أكمل في الخطوبة دي. لازم أكلم بابا تاني. لازم أخليه يقتنع."

"تمام." قال فراس.

"بس لما تتكلم معاه، لازم تكون حاسم. ومتجيبش سيرة لارا خالص. قول إنك مش مرتاح لملك، وإن مفيش تفاهم بينكوا. وده هيكون أهون سبب في الظروف دي."

وافق مراد برأسه، وهو يعلم أن النصيحة صحيحة، لكن تنفيذها سيكون أصعب مما يتخيل.

.................

في اليوم التالي، في منزل عائلة شهاب بك، كانت لارا منهمكة في عملها بالشركة. رن هاتفها، وكانت ملك هي المتصلة.

"لارا، إيه رأيك نيجي نشوف فيلا مراد تاني الأسبوع الجاي؟ فيه كام حاجة كده عايزة أرجع أشوفها تاني." قالت ملك.

شعرت لارا بقلبها ينقبض. "مش عارفة يا ملك، أنا عندي شغل كتير الأسبوع ده."

"إزاي بس؟ ما إنتِ اللي بتفهمي في الحاجات دي." قالت ملك ببعض الإلحاح.

"هحاول يا ملك، هشوف ظروفي وأرد عليكي." قالت لارا، وأنهت المكالمة.

ألقت لارا هاتفها على المكتب بتعب. كانت تشعر بأنها محاصرة. كل محاولاتها للابتعاد كانت تُقابل بظروف تُجبرها على العودة والاقتراب. كانت تُدرك أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر طويلاً دون أن تنفجر كل الأسرار وتُحدث دماراً كبيراً. الحب الممنوع كان ينمو كشجرة سامة، وجذوره تتوغل في أعماق قلوبهم.

..................

في صباح اليوم التالي، قرر مراد مواجهة والده مرة أخرى. توجه إلى مكتب رشيد، الذي كان غارقًا في قراءة بعض الأوراق. كانت الأجواء في المكتب جادة، يملؤها عبق الأوراق والقهوة، وتنعكس أشعة الشمس الذهبية على الأثاث الخشبي الثقيل.

"بابا، عايز أتكلم معاك في موضوع الخطوبة تاني." قال مراد بصوتٍ حاسم، وقد عقد العزم هذه المرة على أن يكون واضحاً.

رفع رشيد رأسه، ونظر إلى ابنه بنظرة ملؤها التعب. "إيه تاني يا مراد؟ مش اتفقنا إنك تدي لنفسك فرصة؟"

"أنا أديت لنفسي فرصة، ولفترة طويلة." قال مراد بهدوء.

"بس أنا مش مرتاح يا بابا. مش هقدر أعيش مع ملك. مفيش تفاهم بينا، ومفيش أي حاجة مشتركة تجمعنا." كان يحاول أن يلتزم بنصيحة فراس، وألا يأتي على ذكر لارا.

"يا بني، التفاهم بيجي مع العشرة." قالت مديحة، والدة مراد، التي دخلت المكتب في تلك اللحظة، وقد سمعت جزءاً من الحديث.

"وملك بنت كويسة، ومن عائلة محترمة. إيه اللي نقصها؟"

"مش نقصها حاجة، هي كويسة جداً." قال مراد، وهو يحاول جاهداً أن يُخفي سبب عدم راحته الحقيقي.

"بس هي مش البنت اللي أقدر أكمل معاها حياتي. أنا آسف يا بابا، أنا مش هقدر أكمل في الخطوبة دي."

تنهد رشيد بضيق، ثم نظر إلى ابنه بنظرة حادة.

"الكلام ده ميتسمعش يا مراد. الخطوبة دي لازم تتم. مينفعش نرجع في كلامنا دلوقتي. دي عائلات دخلت في بعضها، وفي كلام اتقال."

"بس يا بابا..." حاول مراد الاعتراض.

"مفيش بس." قال رشيد بحسم، وقاطع ابنه.

"الخطوبة دي هتكمل. وإنت لازم تتقبل ده. وهتروح تشوف الفيلا مع ملك الأسبوع الجاي، وهتخلص الديكورات، وهتتجوزوا."

شعر مراد بالإحباط الشديد، فوالده لم يُعطِه أي فرصة للنقاش. خرج من المكتب وهو يشعر بالعجز، فبدا الأمر وكأنه قدر لا يمكن الهروب منه.

في ذات الوقت، في منزل عائلة شهاب بك، كانت لارا تُحاول إيجاد مبرر مقنع لرفض دعوة ملك لزيارة الفيلا مرة أخرى. كانت تجلس في غرفة المعيشة مع ملك، التي بدأت تُظهر بعض الانزعاج من تردد لارا.

"لارا، أنتِ مالك من ساعة ما رجعنا؟" سألت ملك بحدة خفيفة، وقد ألقت هاتفها جانباً.

"ليه مش عايزة تيجي معايا الفيلا؟ إيه اللي حصل؟"

شعرت لارا بتوتر شديد. "مفيش حاجة يا ملك. أنا بس عندي شغل كتير. ومش عايزة أغيب عن الشركة أكتر من كده."

"بس أنا محتاجة رأيك بجد. أنتِ ذوقك حلو، ومراد بيثق في رأيك." قالت ملك، وهي تحاول إقناعها.

في هذه اللحظة، دخلت سوزان، والدة لارا وملك، إلى الغرفة. "إيه يا بنات؟ مالكوا متعصبين كده ليه؟"

"لارا مش عايزة تيجي معايا الفيلا تاني يا ماما." قالت ملك، وهي تُشير إلى لارا.

"ليه يا لارا؟" سألت سوزان باستغراب.

"دي فرصة كويسة ليكي عشان تشوفي بيت اختك اللي هتتجوز فيه بعد كده."

شعرت لارا بضغط كبير من والدتها وأختها. لم تستطع إيجاد مبرر آخر.

"تمام يا ماما، هاجي." قالت لارا بتنهيدة استسلام.

نظرت ملك إلى لارا بابتسامة خفيفة، ثم عادت إلى هاتفها. أما لارا، فشعرت باليأس. كانت تعلم أن هذه الزيارة ستُعيدها إلى الدوامة نفسها، وأن عليها أن تُقوي قلبها وتُسيطر على مشاعرها بأي ثمن.

..................

مرت الأيام، وجاء موعد الزيارة الثانية لفيلا مراد. وصلت لارا وملك إلى الفيلا، التي كانت تبدو أكثر حيوية هذه المرة، حيث كانت هناك بعض عينات الأقمشة والأرضيات تُعرض في الأرجاء. كان مراد ينتظرهما، وعلى وجهه ابتسامة هادئة، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق خاص عندما رأى لارا.

تظاهرت لارا بالانشغال بالكتالوجات والديكورات، وتجنبت قدر الإمكان أي تواصل مباشر مع مراد. لكن مراد كان مصمماً على الاقتراب منها.

"لارا، إيه رأيك في الأرضيات دي؟ شايفاها مناسبة لغرفة المعيشة؟" سأل مراد، وهو يُشير إلى عينات الأرضيات، وقد اقترب منها بحيث أصبح كتفه يلامس كتفها.

شعرت لارا بالتوتر الشديد، وحاولت الابتعاد قليلاً. "أعتقد إن اللون الفاتح هيكون أحسن، عشان يعطي إحساس بالاتساع."

بينما كانا يتحدثان، كان فراس قد قرر زيارة مراد في الفيلا. دخل فراس بهدوء إلى الفيلا، ورأى مراد ولارا يقفان قريبين جداً من بعضهما البعض، يتحدثان بهدوء، بينما ملك كانت منهمكة في تصفح هاتفها بعيداً عنهما.

تجمد فراس في مكانه. كانت هذه هي اللحظة التي طالما توقعها وخشيها. نظرات مراد للارا، وقربه منها، وإهمال ملك لكل ما يدور حولها. كل شيء كان واضحاً. شرخ كبير بدأ يتسع في جدار الصمت الذي يحيط بهذا الحب الممنوع.

اقترب فراس ببطء منهما، وعلى وجهه علامات الجدية.

"إيه يا جماعة؟ مركزين أوي في الديكورات ولا إيه؟" قال فراس بنبرة هادئة، لكنها كانت تحمل في طياتها الكثير من التساؤلات.

التفت مراد ولارا بصدمة، وابتعدا عن بعضهما البعض بسرعة. كانت نظرة فراس حادة، وتُخبرهما بأنه رأى ما يكفي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مشاعر متضاربة

المؤلف Angel
2025/11/08 مكتملة
قائمة الفصول (30)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة