زواج

زواج

18 0

الفصل ٢٣: زواج ...... وبداية جديدة

اتسعت عينا لارا وهي تستمع إلى قرار رشيد ومراد بإتمام الزواج في المستشفى بهذه السرعة. كانت الفكرة مفاجئة، لكنها لم تكن خائفة بقدر ما كانت تشعر بالامتنان لوجود مراد وأهله بجانبها. ومع ذلك، كان هناك شرط واحد لديها.

"بس أنا عايزة بابا يكون وكيلي." قالت لارا بصوتٍ خفيض، لكنه حمل تصميمًا واضحًا.

"مش هتجوز غير بموافقته."

صُدم مراد ورشيد من طلب لارا. كانا يتوقعان أن تكون لارا قد قطعت كل روابطها مع عائلة شهاب بك بعد كل ما حدث.

"لارا... إنتِ متأكدة؟" سأل مراد، وعيناه تحملان القلق. "بعد كل اللي عملوه فيكي؟"

"أنا عارفة اللي حصل يا مراد." قالت لارا، وعيناها تحملان مزيجًا من الألم والحب القديم لوالدها.

"بس مهما حصل، هو أبويا. ومش عايزة أبدأ حياة جديدة من غير موافقته. عايزة أحس إنه لسه بيحبني وبيخاف عليا."

نظر رشيد إلى ابنه، ثم إلى لارا. أدرك أن هذا الطلب ليس مجرد رغبة، بل هو حاجة نفسية عميقة للارا لتشعر باكتمالها، ولتُغلق صفحة الماضي بطريقة تُرضي قلبها الجريح.

"تمام يا لارا." قال رشيد بهدوء، وهو يُدرك صعوبة الموقف. "مراد، اتصل بباباها واديها الموبايل."

أومأ مراد برأسه، وأخرج هاتفه. تردد للحظة، ثم اتصل بـ شهاب . كان يعلم أن هذه المكالمة ستكون مختلفة تمامًا عن مكالمة رشيد.

رن الهاتف عدة مرات قبل أن يُجيب شهاب ، وصوته لا يزال يحمل آثار الغضب والإرهاق. "أيوة يا مراد. إيه تاني؟"

"لارا عايزة تكلمك يا عمي شهاب." قال مراد بجدية، ثم وضع الهاتف على وضع مكبر الصوت ووضعه بالقرب من لارا.

ساد صمت قصير، ثم جاء صوت لارا الخافت من الهاتف. "بابا..."

صُدم شهاب بك من سماع صوت لارا. لم يتوقع أن تتصل به بعد كل ما حدث. "لارا؟ إنتِ كويسة يا بنتي؟" قال شهاب ، وقد خفت حدة صوته قليلًا، وظهرت عليه علامات القلق الأبوي الحقيقي.

"أنا كويسة يا بابا الحمد لله." قالت لارا، ودموعها بدأت تتجمع في عينيها. "أنا عايزة أقولك حاجة."

"قولي يا حبيبتي." قال شهاب، صوته أصبح أكثر ليونة.

"أنا هتجوز مراد." قالت لارا، وكلماتها خرجت بصعوبة. "بس مش هتجوز غير بموافقتك. وعايزاك تكون وكيلي."

ساد صمت طويل على الطرف الآخر من الخط. كان شهاب يستوعب طلب ابنته. كان يعلم أن هذا يعني الاعتراف بزواجها من مراد، والتخلي عن محاولة إعادتها إلى المنزل. كان هذا اعترافًا ضمنيًا بكل ما حدث..

"لارا... إنتِ متأكدة من قرارك ده؟" قال شهاب ، صوته هذه المرة كان حزينًا ومترددًا.

"أنا متأكدة يا بابا." قالت لارا بثبات. "أنا تعبت من كل حاجة. مراد هو الوحيد اللي واقف جنبي دلوقتي. وهو بيحبني."

تنهد شهاب تنهيدة عميقة، تنهيدة حملت استسلامًا ممزوجًا بالألم. كان يعلم أنه خسر لارا، لكنه لم يستطع أن يرفض طلبها الأخير.

"طيب يا لارا." قال شهاب بصوتٍ خفيض، بالكاد يُسمع. "أنا موافق. وهاجي أكون وكيلك."

شعرت لارا بدموع الفرح تمتزج بدموع الألم. كانت هذه الموافقة بمثابة إغلاق لصفحة مؤلمة، وبداية لصفحة جديدة، وإن كانت مليئة بالتحديات.

.................

في غرفة لارا بالمستشفى، كانت الأجواء مشحونة بمزيج من التوتر والأمل. بعد مكالمة شهاب بك وموافقته المترددة، بدأت التحضيرات لخطوبة وزواج سريع في نفس المكان. كان رشيد، والد مراد، قد غادر لإحضار المأذون والشهود، بينما ظل مراد بجانب لارا، يمسك بيدها، يطمئنها ويمنحها القوة.

"متقلقيش من أي حاجة يا حبيبتي." قال مراد، وهو يمسح على شعرها برفق. "كل حاجة هتكون كويسة. أهم حاجة إنك هتكوني في أمان ومعايا."

ابتسمت لارا ابتسامة باهتة. كانت تشعر بالضعف الجسدي، لكن قلبها كان مليئًا بمشاعر متناقضة: الخوف من المجهول، والأمل في بداية جديدة، والامتنان لوجود مراد بجانبها.

بعد فترة ليست طويلة، عاد رشيد ومعه المأذون، رجل دين وقور، وشاهدان من إدارة المستشفى، كانا قد وافقا على الحضور إكرامًا لرشيد. دخلوا الغرفة، وتبعهم فراس الذي كان يراقب كل شيء بصمت، وهو يُدرك حجم هذه اللحظة.

في هذه الأثناء، وصل شهاب إلى المستشفى.

كان وجهه شاحبًا، وعيناه تحملان الكثير من الحزن والاستسلام. دخل الغرفة، ووقفت عائلة مراد احترامًا له. نظر شهاب إلى لارا، ثم إلى مراد، ثم إلى رشيد. كانت نظراته مليئة باللوم، لكنه لم ينطق بكلمة.

جلس المأذون، وبدأ في إجراءات عقد القران. كانت الأجواء رسمية، لكنها كانت مليئة بالعواطف المتضاربة. لارا كانت تنظر إلى والدها، شهاب ،الذي كان يجلس بصمت، وعلى وجهه تعابير الألم. كانت تتمنى لو أن الأمور كانت مختلفة، لو أن هذا اليوم كان يوم فرح خالص، لكنها أدركت أن هذا هو قدرها.

عندما جاء دور شهاب ليكون وكيلًا لابنته، تردد للحظة. نظر إلى لارا، ثم إلى مراد، ثم إلى رشيد. تنهد تنهيدة عميقة، وبصوتٍ خفيض بالكاد يُسمع، قال: "زوجتك موكلتى ...لارا شهاب.... على كتاب الله ..."

" وأنا قبلت زواج موكلتك......"

كانت هذه الكلمات بمثابة إعلان رسمي عن نهاية حقبة وبداية أخرى. شعر مراد بفرحة غامرة، بينما شعرت لارا ببعض الراحة الممزوجة بالحزن.

أكمل المأذون مراسم العقد، ثم أعلن: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."

وقع مراد ولارا على العقد، ثم وقع الشهود. أصبحت لارا رسميًا زوجة مراد.

بعد انتهاء مراسم الزواج، تقدم مراد نحو لارا، وأمسك بيدها وقبلها بحنان.

"مبروك يا حبيبتي." قال مراد بصوتٍ مليء بالحب.

"الله يبارك فيك يا مراد." قالت لارا، وابتسامة خجولة ارتسمت على شفتيها.

تقدم رشيد نحو لارا وقبل رأسها بحنان أبوي.

"مبروك يا بنتي. نورتي عيلتنا." كانت كلماته دافئة، وأشعرت لارا بالأمان.

ثم تقدم فراس وهنأهما. "مبروك يا مراد. مبروك يا لارا."

ظل شهاب واقفًا بصمت، لم يتقدم لتهنئة ابنته. كانت عيناه تحملان الكثير من المشاعر المعقدة: الحزن، الغضب، والاستسلام. لم يستطع أن يتقبل هذه النهاية، لكنه لم يجد أمامه خيارًا آخر.

بعد فترة وجيزة، غادر شهاب المستشفى بصمت، تاركًا لارا مع زوجها الجديد وعائلته. كانت هذه هي المرة الأولى التي يغادر فيها دون أن يحاول إقناع لارا بالعودة معه.

نظر مراد إلى لارا، ثم إلى والده. "دلوقتي لارا هتخرج على بيتنا يا بابا."

"تمام يا ابني." قال رشيد. "بس لازم نطمن على حالتها الأول. والدكتور قال إنها محتاجة ترتاح يومين كمان للمتابعة."

تنهد مراد. كان يريد أن يأخذ لارا بعيدًا عن كل هذا التوتر، لكنه أدرك أن صحتها هي الأهم.

...............

مر يومان في المستشفى، كانت فيهما لارا تتعافى ببطء، تحت رعاية مراد ووالديه رشيد ووالدته التي جاءت خصيصًا لتطمئن عليها. كانت الأجواء في الغرفة هادئة ومختلفة تمامًا عن التوتر الذي كان يسودها في الأيام الأولى. عائلة شهاب بك لم تزُر لارا بعد مراسم الزواج، مما منح لارا مساحة للتعافي بعيدًا عن أي ضغوط إضافية.

في صباح اليوم الثالث، دخل الطبيب إلى غرفة لارا، وابتسامة خفيفة على وجهه. "الأستاذة لارا، حالتك مستقرة تمامًا دلوقتي. تقدر تخرج من المستشفى في أي وقت."

شعر مراد ولارا بفرحة غامرة. كانت هذه اللحظة التي ينتظرانها بفارغ الصبر.

"أخيرًا!" قال مراد، وعيناه تلمعان بالسعادة، وهو يمسك بيد لارا.

نظرت لارا إليه، وابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيها، ابتسامة لم يرها مراد منذ فترة طويلة. "أخيرًا يا مراد." قالت لارا، وصوتها يحمل كل معاني الراحة والأمل.

بدأت الممرضات في تجهيز أوراق خروج لارا. ساعدها مراد في ارتداء ملابسها، كان حريصًا على كل حركة، وكأنه يتعامل مع أغلى ما يملك. كانت لارا تشعر بدفء اهتمامه، وكأنها تُولد من جديد.

في الخارج، كان رشيد ووالدة مراد ينتظران بفارغ الصبر. بمجرد أن خرج مراد ولارا من الغرفة، تقدمت والدة مراد واحتضنت لارا بحنان بالغ.

"حمد لله على سلامتك يا بنتي.." قالت والدة مراد، وكلماتها كانت كالموسيقى التي تداوي جراح لارا.

"الله يسلمك يا طنط." قالت لارا، وعيناها مليئتان بالامتنان.

احتضن رشيد لارا أيضًا، ثم وضع يده على كتف مراد بفخر. "يلا بينا يا ولاد. على البيت الكل مستنيكوا."

غادر مراد ولارا المستشفى، تاركين خلفهما كل الألم والأسرار التي شهدتها جدرانه. كانت الشمس ساطعة في الخارج، وكأنها تُعلن عن بداية فصل جديد في حياتهما.

في السيارة، كانت لارا تنظر من النافذة، تتأمل الشوارع التي بدت لها مختلفة تمامًا. لم تعد تشعر بالوحدة أو الخوف. كان مراد يجلس بجانبها، يمسك بيدها، وابتسامة هادئة على وجهه.

"مصدقتش إن اليوم ده هييجي." قالت لارا، صوتها يحمل نبرة من عدم التصديق.

"وأنا كمان." قال مراد.

"بس الأهم إنه جه. وإنك دلوقتي في أمان. وإنك مراتي."

ابتسمت لارا، وشعرت بدفء كلماته. كانت تعلم أن الطريق أمامها لن يكون خاليًا من التحديات، خاصة مع عائلة شهاب، لكنها كانت مستعدة لمواجهة أي شيء طالما أن مراد بجانبها.

وصلوا إلى فيلا عائلة مراد. كانت فيلا أنيقة ودافئة، تشعر فيها لارا بالراحة فورًا. استقبلتها والدة مراد بحفاوة، وكأنها ابنتها التي طال غيابها.

" اهلا بيك .. نورتى." قالت والدة مراد، وهي تُمسك بيدها وتُدخلها إلى الداخل.

"يارب ترتاحي هنا وتنسي كل اللي فات."

نظرت لارا إلى مراد، ثم إلى والديه. شعرت وكأنها وجدت عائلتها الحقيقية أخيرًا. كانت هذه هي البداية الحقيقية لحياة جديدة، حياة مبنية على الحب، الصدق، والأمان.

............

بعد الترحيب الحار من رشيد ووالدة مراد مديحة، شعرت لارا وكأنها دخلت ملاذًا آمنًا. كانت الفيلا تُشع بالدفء، والضحكات الخفيفة لـ فراس ووالديه تُشعرها بالراحة التي افتقدتها طويلاً.

"معلش يا جماعة، هستأذنكم هطلع لارا أوضتي...ترتاح" قال مراد بابتسامة واسعة، وقد لمح الخجل في عيني لارا، ورأى الدفء في نظرات والديه.

قبل أن تُبدي لارا أي اعتراض أو خجل، مد مراد ذراعيه حول خصرها وحملها بسرعة بين ذراعيه، كالعريس الذي يحمل عروسته لتوها.

شهقت لارا بخفة، وشعر الخجل يتلون وجهها بلون وردي جميل. "مراد!" همست باسمه، محاولة أن تُمسك بكتفيه.

"قلبه." رد مراد بصوتٍ خفيض، يملؤه الحب، وهو يضحك بخفة. لم يهتم لنظرات والديه وابتساماتهما، أو لضحكة فراس التي علت من خلفهما. كان كل ما يهمه هو لارا.

صعد مراد السلالم بخطوات سريعة، ولارا بين ذراعيه، حتى وصل بها إلى غرفته. كانت الغرفة واسعة، ذات ألوان هادئة تجمع بين البيج والبني الفاتح، وتطل نافذتها الكبيرة على حديقة الفيلا الخضراء. مكتبة خشبية أنيقة تملأ أحد الجدران، وسرير كبير ذو غطاء فاخر يسيطر على وسط الغرفة. كانت الغرفة تُشبه مراد تمامًا: مرتبة، أنيقة، وتُشع بهدوء.

أنزلها مراد براحة على الأرض. "اتفرجي على أوضتك." قال مراد بصوتٍ دافئ، وهو يراقب عينيها وهي تتأمل المكان بذهول.

سارت لارا بخطوات بطيئة، تتفحص كل ركن في الغرفة. كان كل شيء فيها يعكس شخصية مراد. لم تتخيل يومًا أنها ستكون جزءًا من هذا المكان، أو أنها ستكون له.

بينما كانت تتفرج، اقترب منها مراد بهدوء من الخلف، وحضنها من ظهرها، ثم وضع رأسه بين رقبتها وشعرها، يتنفس عبيرها.

"أخيرًا..." همس مراد بصوتٍ عميق، يملؤه الرضا والراحة.

"أخيرًا في بيتي... في أوضتي... في قلبي."

شعرت لارا بدفء حضنه، وبكل كلمة قالها. كان هذا هو الأمان الذي طالما بحثت عنه. أغمضت عينيها، واستسلمت للحظة. كل الألم الذي مرت به، كل الأسرار التي كُشفت، كل المواجهات العاصفة، كلها تلاشت أمام هذا الشعور بالسكينة. لم يعد هناك ماضي يطاردها، فقط مراد، وبيتها الجديد، وبداية حياة لم تكن تتخيلها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مشاعر متضاربة

المؤلف Angel
2025/11/08 مكتملة
قائمة الفصول (30)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة