الفصل ٢٢: صدام ... و قرار سريع
بعد ليلة عصيبة في العناية المركزة، استقرت حالة لارا بما فيه الكفاية لتُنقل إلى غرفة عادية في المستشفى. كان صباح اليوم التالي يحمل في طياته هدوءًا مشوبًا بالتوتر، استعدادًا للمواجهات التي لا مفر منها.
وصلت عائلة شهاب بك بأكملها إلى الغرفة فور علمهم بنقل لارا. شهاب ، الذي كان لا يزال يعاني من آثار ارتفاع ضغط الدم، أصر على المجيء. دخلوا الرواق المؤدي إلى غرفة لارا، وتبعهم مراد وفراس. توقف مراد عند باب الغرفة، ناظرًا من خلال الزجاج الشفاف، بينما دخلت عائلة شهاب إلى الداخل.
كانت الغرفة هادئة، وأضواء النهار تُضفي عليها إشراقة خافتة. لارا كانت ممددة على السرير، رأسها لا يزال ملفوفًا بضمادة بيضاء كبيرة، وملامحها شاحبة، لكن عينيها كانت مفتوحتين.
اندفعت سوزان أولاً نحو السرير، وعيناها مليئتان بالدموع، ووجهها يحمل تعابير الأم القلقة. "لارا حبيبتي... عاملة إيه دلوقتي؟" قالت سوزان، صوتها يرتعش وهي تُمسك بيد لارا برفق.
نظرت لارا إلى سوزان بعينين باردتين، خالية من الدفء الذي اعتادته سوزان. لم تكن هناك تلك النظرة الطفولية المحبة التي كانت تكنها لارا، بل نظرة تحمل مرارة الألم والخيبة.
"حبيبتك؟" قالت لارا بصوتٍ خفيض، لكنه حمل سخرية واضحة، أذهلت سوزان وكل من في الغرفة.
"أنا الحمد لله... شكرًا على سؤالك يا مدام سوزان."
تجمدت يد سوزان في يد لارا. الكلمات كانت قاسية كصفعة، ونبرة الصوت حملت رفضًا قاطعًا. اتسعت عينا سوزان بصدمة من الطريقة التي تحدثت بها لارا، وفهمت أن لارا لن تنسى أو تسامح بسهولة ما حدث.
.
نظرت ملك، سليم، ويحيى إلى لارا بصدمة. لم يتوقعوا هذه الحدة في رد فعلها. كانت كلمات لارا بمثابة إعلان واضح لانفصالها العاطفي عن العائلة.
سليم شعر بلسعة ندم إضافية من نظرات لارا الباردة، بينما ملك شعرت بالذنب والخجل. شهاب بك، الذي كان يقف متأهبًا، لاحظ برود لارا وغضبها.
ظل مراد يقف عند الباب، يراقب المشهد من الخارج. كانت كلمات لارا، رغم قسوتها، قد أثلجت صدره. لقد أدرك أن لارا لن تعود لتكون "الفتاة الضعيفة" التي يضحى بها من أجل الآخرين. هذه المرة، كانت لارا تُعلن عن وجودها، وتضع حدودًا جديدة لعلاقاتها.
..............
تجمّدت سوزان مكانها، يدها ما زالت ممسكة بيد لارا، لكنها شعرت وكأن لارا قد سحبت يدها روحها منها. الألم والخيبة انعكسا على وجه سوزان، بينما كان الصمت الحاد الذي ساد الغرفة أبلغ من أي كلمات. ملك، سليم، ويحيى تبادلوا النظرات، وشعروا جميعًا بحدة الموقف. كلمات لارا الباردة كشفت الشرخ العميق الذي أصاب العائلة.
لم تُفلت سوزان يد لارا فورًا. حاولت أن تُحافظ على رباطة جأشها، وإن بدا ذلك مستحيلاً.
"لارا... إنتِ بتتكلمي كده ليه؟ إحنا أهلك... إحنا اللي ربيناكي." قالت سوزان بصوتٍ حاول أن يكون هادئًا، لكنه كان مليئًا بالرجاء والألم.
"أهل؟" قالت لارا، وابتسامة مريرة ارتسمت على شفتيها.
"الأهل مبيضحوش ببناتهم عشان يحموا أسرار ولادهم التانيين. الأهل مبيشوفوش ولادهم بين الحياة والموت ولسه بيخبوا الحقيقة ، للاهل ما يضربوش اختهم ويدخلوها المستشفى .. ويتهموها ....." كانت كلماتها كالسهام الموجهة مباشرة إلى قلب سوزان، وإلى ضمائر سليم ويحيى.
شعر سليم بلسعة قوية من هذه الكلمات. كان وجهه مشوبًا بالندم، وحاول أن يتقدم ليتحدث، لكن شهاب بك تدخّل في هذه اللحظة.
"كفاية كده يا لارا." قال شهاب بصوتٍ حازم، وقد اتخذ قراره بأن يسيطر على الموقف. كانت نظراته باردة، تحمل غضبًا مكتومًا تجاه لارا، ولكن أيضًا تجاه سوزان.
"مش ده الوقت ولا المكان للكلام ده. إنتي تعبانة ومحتاجة ترتاحي."
نظر شهاب إلى سوزان وأولاده.
"يلا بينا. لارا محتاجة ترتاح."
حاولت سوزان الاعتراض، "بس يا شهاب..."
"يلا بينا!" قال شهاب بك بنبرة لم تقبل الجدل.
لم يكن أمامهم خيار سوى الانصياع. ألقت سوزان نظرة أخيرة على لارا، نظرة تحمل مزيجًا من الألم واليأس، ثم استدارت وغادرت الغرفة، وتبعها ملك وسليم ويحيى، الذين لم يُجرؤوا على النظر إلى لارا مباشرة. تركوا لارا وحدها في الغرفة، وخرجوا ليواجهوا مراد الذي كان يقف عند الباب.
مراد كان يراقب المشهد من الخارج، وكل كلمة قاسية خرجت من لارا كانت تثلج صدره، وتؤكد له صواب قراره. بمجرد أن خرجت عائلة شهاب، واجههم مراد بنظرة تحدٍ.
نظر شهاب إلى مراد بنظرة حادة.
"الكلام ده بينا وبين بعض يا مراد، ملوش لزوم ان حد بره يعرفه. ولارا هتفضل بنتي، وهترجع بيتها أول ما تخف."
"لأ يا عمي شهاب." قال مراد بصلابة.
"لارا مش هترجع البيت ده تاني. دي مبقتش مجرد مشاعر بيني وبينها. ده مبدأ. هي اتظلمت كتير، ومحدش هيقدر يأذيها تاني طول ما أنا موجود."
تحول وجه شهاب إلى اللون الأحمر من الغضب.
"إنت بتعلّي صوتك عليا في المستشفى؟ إنت فاكر نفسك مين؟"
تدخل فراس الذي كان يقف خلف مراد.
"اهدوا يا جماعة. صوتكم عالي. ده مستشفى." حاول فراس أن يُهدئ من حدة التوتر التي كادت أن تنفجر.
"أنا بقولك للمرة الأخيرة يا مراد. لارا هتخرج معايا أنا من المستشفى." قال شهاب، وعيناه تطلقان شراراً، ثم استدار وغادر مع عائلته تاركاً مراد وفراس وحدهما.
دخل مراد إلى غرفة لارا مرة أخرى. وجدها تنظر إلى السقف، وعيناها مليئتان بالحزن. جلس مراد بجانبها، وأمسك بيدها.
"أنا آسف على اللي حصل دلوقتي يا حبيبتي." قال مراد بهدوء.
"بس كان لازم يسمعوا الكلام ده. كان لازم يعرفوا إنك مش هتسكتي على اللي حصل."
ابتسمت لارا ابتسامة باهتة، لكن هذه المرة كانت ابتسامة انتصار خافت. "متقلقش عليا يا مراد. أنا كويسة."
"أنا عارف إنك كويسة." قال مراد وهو يُمسد على شعرها برفق.
"المهم دلوقتي إنك ترتاحي. وعايزك تعرفي حاجة، مهما حصل، أنا جنبك ومش هسيبك. لما تخرجي من هنا، مش هترجعي البيت ده تاني أبداً. هتيجي تعيشي في بيتي، مع أهلي..و مش هتتحركي من هنا يا قلبي... غير وأنتِ مراتي."
اتسعت عينا لارا بصدمة من كلمات مراد الأخيرة. "مش هتتحركي من هنا يا قلبي... غير وأنتِ مراتي."
كانت هذه الكلمات وعدًا وتحديًا في آن واحد. وعدًا لها بالحماية والأمان، وتحديًا لعائلة شهاب بك التي كانت تُريد استعادتها.
"وانا موافقة يا مراد." قالت لارا بصوتٍ خافت، وقد بدت عليها علامات الإرهاق، لكن تصميمها كان واضحًا في عينيها.
"متقلقيش من اى حاجه يا حبيبتي." قال مراد وهو يضغط على يدها برفق، مؤكدًا لها أنه لن يتراجع عن قراره.
كان فراس قد دخل الغرفة بعد خروج عائلة شهاب بك، وسمع آخر كلمات مراد.
"مراد! اعقل! ما ينفعش!" قال فراس، محاولًا إقناع أخيه بالتفكير المنطقي. كان يعلم أن هذا القرار سيفتح عليهم أبواب جهنم مع عائلة شهاب بك.
"لأ هينفع." قال مراد بصلابة، وعيناه لا تزالان مثبتتين على لارا. ثم التفت إلى فراس.
"اتصل ببابا ييجي، وقله يكلم شهاب بيه."
فهم فراس أن مراد قد اتخذ قراره النهائي، وأنه لا مجال للجدال. تنهد فراس وخرج من الغرفة ليتصل بوالده، مدركًا أن الأيام القادمة ستحمل الكثير من التوتر والمواجهات.
عاد مراد ليجلس بجانب لارا، يمسك بيدها ويربت عليها بلطف. "أنا آسف إني حطيتك في الموقف ده، بس كان لازم يعرفوا إنك مش لوحدك."
نظرت لارا إليه بامتنان. "أنا مش آسفة على أي حاجة. أنا تعبت من الخوف ومن الأسرار. أنت الوحيد اللي كنت جنبي بجد."
"وهفضل جنبك." قال مراد، صوته يحمل عزمًا لا يتزعزع.
شعرت لارا بدفء غريب يسري في قلبها. كانت كلمات مراد بمثابة مرهم لجروحها العميقة. كان يمنحها القوة التي كانت تفتقدها طوال حياتها.
............
بعد قليل، وصل والد مراد، رشيد، إلى المستشفى. كان وجهه يعكس القلق، لكنه كان مستعدًا لمواجهة أي شيء من أجل أبنائه. دخل الغرفة، وألقى نظرة على لارا، ثم على مراد.
"مراد، إيه اللي حصل ده؟" سأل رشيد، صوته هادئ لكنه يحمل الكثير من الأسئلة.
شرح مراد لوالده ما حدث بالتفصيل، وكيف أن لارا ليست ابنة سوزان، وأن سليم قد اعتدى عليها. صُدم رشيد من حجم الأسرار التي كُشفت.
"ولارا مش هترجع معاهم يا بابا." قال مراد بحزم.
"أنا هتجوزها. وهتيجي تعيش معانا."
نظر رشيد إلى لارا، ثم إلى مراد. رأى في عيني ابنه تصميمًا لم يره من قبل. تنهد رشيد، ثم قال: "طيب، أنا هتصرف. هكلم شهاب."
خرج رشيد من الغرفة، تاركًا مراد ولارا وحدهما مرة أخرى. أمسك مراد بيد لارا بإحكام.
"متقلقيش من أي حاجة." قال مراد.
"أنا جنبك. ومش هتتحركي من هنا غير على بيتي."
ابتسمت لارا، هذه المرة ابتسامة حقيقية، تحمل بعض الأمل. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، لكنها لم تعد وحدها.
.....................
خرج رشيد من غرفة لارا، والتوتر بادٍ على وجهه. أمسك بهاتفه واتصل بـ شهاب. كان يدرك أن هذه المكالمة ستكون حاسمة، وأنها ستُحدد مصير العائلتين وعلاقة مراد بـ لارا.
"أهلاً يا شهاب." قال رشيد، محاولًا أن تكون نبرته هادئة قدر الإمكان.
"أهلاً يا رشيد." جاء صوت شهاب بك من الطرف الآخر، يحمل الكثير من الغضب والإنهاك.
" كويس انك اتصلت ، لانى كنت هكلمك ،ياريت تبلغ مراد يبعد عن لارا؟"
"يا شهاب، أهدى بس. مراد عايز يتجوز لارا." قال رشيد، ثم أضاف بصراحة
صمت شهاب بك للحظة، ثم انفجر غضبًا.
"وانا مش موافق؟"
"مراد بيحب لارا يا شهاب، ولارا كمان بتحبه. وده اللي خلى مراد ينهي الخطوبة مع ملك." قال رشيد بثبات، ثم تابع:
"ودلوقتي لارا رافضة ترجع بيتكم تاني. ومراد قرر إنه هيتجوزها."
جاء رد شهاب بك سريعًا وصارمًا: "مستحيل! أنا مش هوافق على الجواز ده يا رشيد! لارا بنتي، وهترجع بيتي أول ما تخرج من المستشفى."
"لأ يا شهاب، لارا مش هترجع بيتكم تاني. ده قرارها هي، وهي اللي طلبت ده . ولارا مش لوحدها يا شهاب، لارا دلوقتي هيكون ليها أهل يسندوها. احنا هنكون أهلها." قال رشيد بنبرة لم تقبل الجدل.
"ومراد مصمم على الجواز ده. وأنا وأمه موافقين."
"إنت بتوافق على فضيحة زي دي يا رشيد؟" قال شهاب بك بغضب.
"إزاي ابنك يتجوز البنت اللي كانت في يوم من الأيام أخت خطيبته؟ والناس هتقول إيه؟"
"الناس هتقول اللي هي عايزاه يا شهاب. المهم إننا بنعمل الصح. بنصلح اللي حصل. وملك نفسها كانت عايزة تنهي الخطوبة،." قال رشيد، كاشفًا آخر الأوراق.
ساد صمت طويل على الطرف الآخر من الخط. ثم جاء صوته متعبًا: "الموضوع ده كبير يا رشيد. ومحتاج كلام. أنا تعبان دلوقتي."
"تمام يا شهاب. لما تهدأ، نتكلم على رواقة. بس لازم تعرف إن لارا مش هترجع معاكم." قال رشيد، ثم أنهى المكالمة.
دخل رشيد مرة أخرى إلى غرفة لارا. كان مراد بجانبها، يمسك بيدها. نظر رشيد إلى ابنه نظرة فهم وتأييد.
"إيه الأخبار يا بابا؟" سأل مراد بلهفة.
" شهاب موافقش طبعا." قال رشيد بهدوء.
"بس أنا وضحت له إن لارا مش هترجع معاهم تاني، وإنك هتتجوزها. وإحنا معاك في القرار ده يا مراد."
شعرت لارا بدموع تترقرق في عينيها. كانت كلمة "إحنا معاك" من رشيد بمثابة حضن دافئ، تأكيد على أنها وجدت سندًا حقيقيًا.
"بس إزاي ده هيحصل بالسرعة دي يا بابا؟" سأل مراد. "لارا لسه تعبانة، والموضوع محتاج وقت."
"لأ يا مراد. الوقت مش في صالحنا دلوقتي." قال رشيد بنبرة جادة.
"بما إن الأسرار اتكشفت، والوضع بقى مكشوف، لازم نتحرك بسرعة. ونمنع اى كلام ممكن يتقال ،هنعمل كتاب كتاب هنا في المستشفى.و لارا تخرج على بيتنا على طول."
صُدم مراد ولارا من سرعة القرار.
"في المستشفى؟" قالت لارا بصوتٍ خافت.
"آه يا حبيبتي." قال رشيد بحنان.
"ده الحل الوحيد دلوقتي عشان نحميكي من أي كلام، ونحسم الموضوع. أنا هتفق مع المأذون، ونجيب شهود من المستشفى. والموضوع هيكون رسمي وفوري."
اتسعت عينا لارا وهي تستمع إلى قرار رشيد ومراد بإتمام الزواج في المستشفى بهذه السرعة. كانت الفكرة مفاجئة، لكنها لم تكن خائفة بقدر ما كانت تشعر بالامتنان لوجود مراد وأهله بجانبها. ومع ذلك، كان هناك شرط واحد لديها.
"بس أنا عايزة بابا يكون وكيلي." قالت لارا بصوتٍ خفيض، لكنه حمل تصميمًا واضحًا.
"مش هتجوز غير بموافقته."
Angel