غيرة

غيرة

17 0

الفصل ٢٦: مفاجأة جديدة...... و غيرة غير متوقعة

بعد أسبوعين من السعادة الغامرة في شرم الشيخ، حان وقت عودة مراد ولارا إلى القاهرة. كانت الحقائب مليئة بالهدايا التذكارية، والذكريات الجميلة، والقلوب مليئة بالحب والشغف لمستقبلهم المشترك. كانت لارا تشعر بأنها إنسانة جديدة تمامًا، قوية ومُحاطة بالحب الذي لم تتجرأ يومًا على الحلم به.

وصل الزوجان إلى فيلتهما في المساء. كانت الأضواء مُضاءة، واستقبلتهما والدة مراد، مديحة، بابتسامة دافئة وحضن حنون. كانت قد أعدت لهما عشاءً فاخرًا احتفالًا بعودتهما.

"حمد لله على سلامتكم يا أولاد." قالت مديحة، وهي تقبل لارا على جبينها.

"نورتوا البيت."

"الله يسلمك يا طنط." قالت لارا، وقد شعرت بدفء الاستقبال.

"وحشتينا أوي يا ماما." قال مراد وهو يحتضن والدته، ثم نظر إلى لارا وابتسم.

تناول الثلاثة العشاء في جو عائلي هادئ، تبادلوا فيه أحاديث شهر العسل وجمال شرم الشيخ. كانت مديحة تستمع بسعادة بالغة لقصص لارا عن الغطس والاستكشاف، وكم بدا الفرح في عينيها.

في اليوم التالي، وبينما كان مراد ولارا يتناولان الإفطار، دخل فراس مبتسمًا.

"حمد لله على السلامة يا عرسان!" قال فراس وهو يجلس على الطاولة.

"شكلكوا انبسطتوا أوي."

"جدا جدا يا فراس." قال مراد، وهو يتبادل نظرة حب مع لارا.

"إيه الأخبار في القاهرة؟" سألت لارا، وقد عادت إليها بعض من هموم الماضي، رغم محاولاتها للنسيان.

توقفت ابتسامة فراس للحظة، ثم نظر إلى مراد. "فيه خبر كده... حبيت أقولهولكم بنفسي قبل ما تسمعوه من أي حد تاني."

شعر مراد ولارا بنوع من القلق.

"خير يا فراس؟" قال مراد.

"ملك اتخطبت." قال فراس بهدوء، وهو يراقب ردة فعلهما.

اتسعت عينا مراد ولارا بصدمة خفيفة. لم يتوقعا أن يحدث ذلك بهذه السرعة. تبادل مراد ولارا نظرة سريعة، لم تكن تحمل أي حقد أو غضب، بل ربما بعض الدهشة.

"مين؟" سأل مراد.

"واحد اسمه أحمد. شكله كويس ومحترم. كانت خطوبة بسيطة وعائلية." قال فراس، محاولًا إعطاء أكبر قدر من التفاصيل لتهدئة الموقف.

تنهدت لارا تنهيدة خفيفة، وشعرت بنوع من الراحة. كان هذا الخبر بمثابة إغلاق فصل أخير في علاقتها القديمة بعائلة شهاب ، وخاصة بملك.

"ربنا يسعدها." قال مراد بصدق. "هي كمان تستاهل السعادة وتعيش حياتها مع اللي بتحبه."

"فعلاً." قالت لارا، وقد زالت عنها آثار الصدمة. "ربنا يسعدها."

نظرت فراس إلى مراد ولارا، وشعر بالارتياح لردة فعلهما الهادئة. كان يخشى أن تُثير هذه الأخبار أي مشاعر سلبية، لكن بدا أن الزواج وشهر العسل قد غيرا الكثير فيهما.

بعد ساعات قليلة كان قد عاد مراد ولارا لفيلتهم ، وبينما كان مراد ولارا يجلسان في غرفة المعيشة، رن هاتف مراد. كان المتصل شهاب .

تردد مراد للحظة، ثم نظر إلى لارا، وأومأ لها برأسه. أجاب على الهاتف.

"أهلاً يا عمي شهاب." قال مراد.

"أهلاً يا مراد. حمد لله على سلامتكم. عرفت إنكم رجعتوا." جاء صوت شهاب ، يحمل نبرة جادة، لكنها أقل حدة مما اعتاد عليه مراد.

"الله يسلمك يا عمي. إزيك وإزاي طنط سوزان والباقي؟" سأل مراد بتهذيب.

"كله بخير الحمد لله." قال شهاب ، ثم صمت للحظة. "بما إن الأمور استقرت، وملك كمان اتخطبت... كنت عايز أقعد معاك أنت ورشيد ولارا نتكلم شوية. فيه حاجات لازم تتوضح."

نظر مراد إلى لارا، ثم عاد إلى الهاتف. "تمام يا عمي. خير إن شاء الله. أنا هكلم بابا ونحدد ميعاد."

أنهى مراد المكالمة، ونظر إلى لارا. " عمى شهاب عايز يقعد معانا. شكله عايز يفتح صفحة جديدة."

شعرت لارا ببعض القلق، لكنها أمسكت بيد مراد بقوة. "اللي تشوفه يا مراد. المهم إننا مع بعض."

...................

في صباح اليوم التالي، كانت الأجواء في فيلا مراد تحمل ترقبًا خاصًا. اتفق رشيد وشهاب على أن تكون هذه الجلسة بداية لطي صفحة الماضي.

وبالفعل، وصل شهاب إلى الفيلا، برفقة سوزان وسليم. كانت وجوههم تحمل مزيجًا من الجدية والتوتر، بينما كانت ملامح سليم تعكس بعض الخجل والندم الواضح.

استقبلهم مراد ورشيد ومديحة في غرفة المعيشة الفسيحة. كانت لارا تجلس بجانب مراد، تمسك بيده، تشعر بقلبها ينبض بقوة استعدادًا للمواجهة.

بعد تبادل التحيات الرسمية، بدأ شهاب الحديث. "يا رشيد، أنا جيت النهاردة عشان نقفل صفحة الماضي تمامًا. وسليم عايز يتكلم مع لارا." كانت نبرته تحمل ثقلاً، لكنها كانت هالية من أي نبرة تحدٍ.

تقدم سليم ببطء نحو لارا، وقد بدت عليه علامات الاضطراب. نظر إليها بعينين تحملان الكثير من الأسف.

"أنا آسف يا لارا... سامحيني. مكنتش عايز يحصل كده." كانت كلماته صادقة، نابعة من ندم حقيقي.

نظرت لارا إلى سليم، ورأت في عينيه الندم الذي شعرت به.

"دي أول مرة تمد إيدك عليا يا سليم... ، وبتجيب سيرة مامتى ، انا معرفهاش يا سليم ، مفتكرهاش حتى..حسيت إني مش منكم." قالت لارا بصوتٍ خفيض، لكنها كانت مازالت تشعر بجرح عميق تركه ذلك اليوم في قلبها.

اقترب سليم أكثر، ومد يده ليحتضنها. "وآخر مرة يا قلبي... إنتي أختي الصغيرة... وهتفضلي أختي." احتضنها سليم بحنان، وكأنه يُحاول إصلاح ما كسره.

شعر مراد بلسعة من الغيرة وهو يرى لارا في أحضان سليم. على الرغم من أن سليم أخوها، إلا أن مشاعر الغيرة كانت قوية، خاصة بعد كل ما حدث.

"معلش بس كفاية أحضان." قال مراد بابتسامة خفيفة، محاولًا إخفاء غيرته التي ظهرت في صوته.

نظر سليم إلى مراد، ولاحظ غيرته الواضحة. ابتسم بخبث، واحتضن لارا أكثر بقوة.

"أختي يا عم!" قال سليم مازحًا، وكأنه يستمتع بإغاظة مراد.

ابتسم شهاب لرؤية هذا التفاعل بين مراد وسليم. كان يُسعده أن يرى حب مراد الظاهر لابنته، وشعر بنوع من الراحة لأن لارا أصبحت في رعاية من يُحبها ويُقدرها.

بعد لحظات، تقدمت سوزان نحو لارا. كانت عيناها دامعتين، ووجهها يحمل تعابير التوسل.

"وأنا ماليش حضن يا لارا؟" قالت سوزان، ودموعها بدأت في الانهمار.

"ما فيش حضن لمامي؟" كانت كلماتها تحمل ألم الأم التي فقدت ابنتها، بالرغم من كل الأخطاء التي ارتكبتها.

نظرت لارا إلى سوزان، ورأت في عينيها ندمًا صادقًا وألمًا حقيقيًا. على الرغم من كل ما حدث، كان هناك جزء في قلب لارا لا يزال يحمل بعض الحنين لسوزان، الأم التي ربتها. مدت لارا ذراعيها، وركضت نحوها واحتضنتها بقوة.

"إنتي بنتي... الأم اللي بتربي." قالت سوزان، وشهقاتها تُقطع كلماتها.

"أنا ما أقصدش إني أحمي ملك... بس ما كنتش عايزاهم يزعلوا... ما عرفتش إن كل ده هايحصل."

شدت لارا على حضن سوزان.

"خلاص يا مامي... أنا مش زعلانة." قالت لارا، وهي تُدرك أن الماضي قد انتهى، وأن المسامحة هي الطريق للمضي قدمًا.

"يمكن كل ده حصل علشان أتجوز مراد." ابتسمت لارا وهي تنظر إلى مراد، الذي كان يُراقب المشهد بابتسامة دافئة.

كانت هذه اللحظة هي بداية حقيقية لطي صفحة الماضي. نهاية مؤلمة لبعض العلاقات، وبداية قوية لعلاقات أخرى.

بعد فترة، انتهت الجلسة. غادرت عائلة شهاب، تاركين وراءهم أجواء أكثر هدوءًا. لارا ومراد، وهما يمسكان بأيدي بعضهما، نظرا إلى بعضهما البعض بعينين مليئتين بالحب والامتنان. لقد نجحا في تجاوز أكبر العقبات، والآن يمكنهما البدء في بناء مستقبلهما المشترك بحرية تامة.

.................

بعد أسابيع قليلة ، وبعد أن استقرت حياتهما الزوجية في فيلتهما الجديدة، قرر مراد أن يفاجئ لارا بعشاء رومانسي. اختار مراد نفس المطعم الفاخر الذي شهد لقاءاتهما الأولى، والمرة التي تعاركا فيها، والمرة التي كانت نقطة تحول في علاقتهما.

وصل مراد ولارا إلى المطعم، الذي كان يعجّ بالحياة، لكنه احتفظ بأجوائه الهادئة والمُضاءة بخفوت. توجه مراد نحو الطاولة التي اعتادوا الجلوس عليها، والتي كانت تقع في زاوية هادئة تُطل على حديقة المطعم المُنارة.

"ليه هنا بالذات يا مراد؟" سألت لارا، وهي تُدرك دلالة المكان. ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها، تحمل بعض الذكريات المؤلمة التي ارتبطت بالمكان في البداية.

أمسك مراد بيدها، وقبلها بحنان.

"عايز أغير الذكرى يا قلبي." قال مراد، وعيناه تلمعان بالحب والتصميم.

"عايز كل ذكرى سيئة هنا تتغير لذكرى حلوة. ومحدش يقدر يقاطعنا المرة دي." كانت كلماته تحمل وعدًا بأن هذا المكان لن يكون بعد الآن سوى مكانًا للسعادة والحب.

جلسا معًا، يتناولان العشاء وسط حوار هادئ وضحكات خفيفة. كانا يتحدثان عن خططهما المستقبلية، وأحلامهما المشتركة، وكأن كل الصعاب التي مرا بها قد زالت تمامًا.

بعد العشاء، نهض مراد ومد يده إلى لارا. "تيجي نرقص؟"

ابتسمت لارا ووضعت يدها في يده. توجه الاثنان إلى ساحة الرقص الصغيرة في المطعم. بدأت الموسيقى الهادئة تعزف لحنًا رومانسيًا، وبدأ مراد ولارا يرقصان بانسجام تام. كانت رقصتهما في وادٍ آخر، وكأنهما الوحيدان في المكان. عيناهما لم تفارقا بعضهما البعض، يتحدثان بنظراتهما عن كل الحب والشوق الذي يملأ قلبيهما، غير مبالين بمن حولهما.

في نفس المطعم، وعلى طاولة قريبة، كانت ملك تجلس مع خطيبها أحمد. كانت ملك تتناول عشاءها، وتحاول أن تُظهر بعض السعادة، لكن عينيها كانتا تُراقبان الأجواء حولها بانتباه.

فجأة، لمحت ملك لارا ومراد وهما يرقصان. تجمدت في مكانها للحظة. تغيرت ملامح وجهها إلى مزيج من الدهشة والحسرة. لم تتوقع رؤيتهما هنا، خاصة بهذه الحميمية الظاهرة.

لاحظ أحمد أن ملك قد توقفت عن الكلام، واتجهت نظراتها نحو شيء معين. تبع أحمد نظراتها، فرأى مراد ولارا وهما يرقصان وكأنهما في عالمهما الخاص، لا يريان أي شخص آخر في المطعم. انبهر أحمد بانسجامهما الواضح.

"تعرفيهم؟" سأل أحمد بفضول، وهو لا يُدرك مدى تعقيد العلاقة بينهما.

تنهدت ملك تنهيدة خفيفة، ثم قالت بصوتٍ خفيض: "آه... أختي وجوزها."

نظر أحمد إلى ملك، ثم عاد بنظره إلى مراد ولارا. شعر بنوع من الإعجاب بالعلاقة القوية التي يراها أمامهما.

"طب تعالي نرقص ونتعرف عليهم!" قال أحمد بحماس، وهو ينهض من مقعده ويمد يده لملك.

اتسعت عينا ملك بصدمة. لم تتوقع هذا الاقتراح. أن تواجه لارا ومراد الآن، وبهذه الطريقة؟ ترددت ملك، لكنها لم تستطع الرفض. أمسكت بيد أحمد، ونهضت، وقلبها ينبض بقوة، تستعد لمواجهة لم تكن في الحسبان.

شعر مراد ولارا بلحظة غريبة من التوقف عندما اقترب منهما ملك وخطيبها أحمد وهما يرقصان. توقفت الموسيقى للحظة في أذنيهما، ثم عاودت العزف كخلفية صامتة. كانت لارا تشعر بتوتر خفيف يسرى في عروقها، بينما احتفظ مراد بهدوئه الظاهر، لكن قبضته على يد لارا ازدادت قوة.

"أهلاً يا ملك." قال مراد بتهذيب، وهو يُبعد عينه عن لارا للمرة الأولى منذ بدء رقصتهما.

"أهلاً يا مراد... لارا." قالت ملك، ابتسامة خفيفة ومرتبكة على وجهها. كانت نظراتها تتنقل بين مراد ولارا، تحاول أن تُخفي المفاجأة والحسرة.

"اهلا ." قال مراد وهو يُمسك بيد لارا ويُقربها منه، وكأنه يُعلن ملكيته لها أمام الجميع.

"ده أحمد خطيبى." قدمت ملك خطيبها بصوتٍ خفيض.

صافح أحمد مراد بابتسامة ودودة. "تشرفت بمعرفتكم. أنتِ الأخت اللي ملك بتحكي عنها دايمًا." قال أحمد للارا، في محاولة لكسر الجليد.

ابتسمت لارا ابتسامة باهتة. "أهلاً بيك يا أحمد."

"كنت بقول لأحمد إننا نرقص، تتعرفوا ." قالت ملك، محاولة أن تُظهر طبيعية الموقف، لكن نبرة صوتها كانت تحمل بعض التوتر.

"طبعاً، تشرفنا." قال مراد بابتسامة رسمية.

بدأت الموسيقى تعلو مرة أخرى، وبدأ الأزواج الأربعة يرقصون في نفس المساحة الصغيرة. كانت رقصة غريبة، يمتزج فيها الحب الواضح بين مراد ولارا، بالتوتر الصامت بين ملك ولارا، وبفضول أحمد الذي لم يُدرك كل خبايا العلاقة.

بعد دقائق، حانت لحظة استراحة من الرقص. توجه الأزواج إلى طاولة قريبة، وجلسوا جميعًا.

"مبروك يا ملك على الخطوبة." قالت لارا بصدق، وعلى وجهها ابتسامة دافئة.

"ربنا يسعدك وتلاقي فيه كل اللي تتمنيه."

نظرت ملك إلى لارا، ورأت الصدق في عينيها. شعرت بنوع من الراحة، وكأن كلمات لارا أزالت عنها عبئًا ما. "الله يبارك فيكي يا لارا. وأنا كمان، ألف مبروك ليكي يا لارا... وربنا يسعدكم أنتِ ومراد."

"ميرسي يا ملك." قالت لارا، وقد شعرت بأن هذه الكلمات، وإن كانت بسيطة، قد بدأت تُعيد بناء جسر صغير بينهما.

نظر أحمد إلى مراد ولارا. "بصراحة، إنتوا الاتنين باين عليكوا بتحبوا بعض أوي." قال أحمد ببساطة، وهو يُعبر عن إعجابه الصريح. "أنا فاكر مراد كان خطيبك يا ملك..."

قاطعته ملك بسرعة، وجهها احمرّ خجلاً. "أحمد!"

ابتسم مراد ابتسامة خفيفة، ثم نظر إلى أحمد. "لارا غيرت كل حاجة في حياتي. هي اللي خلتني أحس بالحب بجد." كانت كلماته صادقة، تحمل اعترافًا صريحًا بحبه للارا أمام ملك وأحمد.

شعرت ملك بلسعة أخرى من الحسرة، لكنها حاولت أن تتجاوزها.

"أنا متفهم ده جدًا." قال أحمد، وهو ينظر إلى ملك بحنان. "أنا كمان لما قابلت ملك، حسيت إنها اللي كنت بستناها. الأهم إن كل واحد يلاقي سعادته."

تنهدت لارا بارتياح. كان كلام أحمد بسيطًا وصادقًا، وقد ساعد على تخفيف التوتر في الأجواء.

"بالظبط كده." قال مراد وهو يضغط على يد لارا تحت الطاولة. "الأهم إن كل واحد يكون مرتاح ومبسوط في حياته."

مرت بقية الأمسية بهدوء نسبي. تبادلوا أطراف الحديث عن الحياة والعمل، لكن دون الخوض في أي من تفاصيل الماضي المؤلمة. كان لقاءً غير متوقع، لكنه كان ضروريًا لبداية صفحة جديدة، ليس فقط للارا ومراد، بل ربما لملك أيضًا.

.............

بعد أسابيع، عادت الحياة إلى طبيعتها لـ مراد ولارا. استأنف مراد عمله في شركته الخاصة، التي كانت قد توسعت بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية. كان يعود إلى منزله كل مساء ليجد لارا في انتظاره، وقد أعدت له عشاً دافئاً وبيتاً يملؤه الحب.

أما لارا، فقد قررت العودة إلى عملها في تصميم الأزياء. كانت تشعر بحاجة إلى أن تُثبت نفسها، وأن تُبني كيانها الخاص بعيدًا عن ظل الماضي. دعمها مراد في قرارها، وشجعها على تحقيق أحلامها. كانت أيامها تمر بين العمل في الأتيليه، وتجهيز منزلهما، وقضاء أوقات ممتعة مع مراد وعائلته.

ذات يوم، قررت لارا أن تُفاجئ مراد في شركته. كانت قد انتهت من عملها مبكرًا، وأرادت أن تُشاركه وقت الغداء. اشترت بعض الطعام الذي يُحبه، وتوجهت إلى مبنى الشركة الفخم.

دخلت لارا إلى بهو الشركة الواسع، الذي تُسيطر عليه الألوان الهادئة والديكورات العصرية. استقبلتها موظفة الاستقبال بابتسامة، وسألتها عن مراد.

"الأستاذ مراد في مكتبه، بس معاه مديرة التسويق الجديدة الأستاذة نور." قالت موظفة الاستقبال بتهذيب.

شعرت لارا بلسعة خفيفة من الغيرة غير المبررة. "نور؟" تمتمت لارا لنفسها. حاولت ان تُخفي هذا الشعور، وابتسمت.

"تمام، ممكن تبلغيه إني موجودة؟"

"ثواني يا فندم." قالت الموظفة، ثم اتصلت بمكتب مراد.

لم تمر دقائق حتى خرجت سكرتيرة مراد من مكتبه، وابتسامة على وجهها.

" مدام لارا. الأستاذ مراد مستنى حضرتك."

دخلت لارا إلى مكتب مراد. كان المكتب فسيحًا، يُطل على منظر بانورامي للمدينة. مراد كان جالسًا خلف مكتبه الكبير، وإلى جانبه سيدة شابة أنيقة ترتدي بذلة عمل رسمية. كانت تتمتع بجمال هادئ وشعر أسود لامع، وتبدو واثقة من نفسها.

ابتسم مراد ابتسامة واسعة فور رؤية لارا، ونهض من مقعده مسرعًا نحوها.

"لارا! مفاجأة حلوة أوي!" احتضنها بحب، وقبل رأسها.

نظرت لارا إلى السيدة الواقفة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.

"أهلاً."

"دي الأستاذة نور، مديرة التسويق الجديدة." قال مراد وهو يُقدمها للارا.

"نور، دي لارا مراتي."

"أهلاً وسهلاً يا مدام لارا. تشرفت بمعرفتك." قالت نور بابتسامة مهذبة وواثقة، ومدت يدها لمصافحة لارا.

"أهلاً بيكي." قالت لارا وهي تُصافحها، لكنها شعرت بنوع من عدم الارتياح. كانت ابتسامة نور ودودة، لكنها كانت تُشع بثقة كبيرة جعلت لارا تشعر بغيرة خفيفة، لم تعتد عليها من قبل.

"لارا جابت لي الغدا عشان تتغدى معايا." قال مراد وهو يبتسم للارا.

"كنتي هتأكلي إيه يا نور؟"

"لا أبداً يا أستاذ مراد. أنا خلصت الشغل اللي كان مطلوب مني وهستأذن." قالت نور بابتسامة، ثم نظرت إلى لارا.

"فرصة سعيدة يا مدام لارا."

"فرصة سعيدة." قالت لارا، وهي تُراقب نور وهي تغادر المكتب برشاقة.

بمجرد أن خرجت نور، التفت مراد إلى لارا واحتضنها بقوة.

"إيه المفاجأة الحلوة دي؟ وحشتيني."

"وإنت كمان وحشتني." قالت لارا، وهي تُحاول أن تُخفي شعور الغيرة الذي انتابها.

"مين دي؟" سألتها، على الرغم من معرفتها بأنها مديرة التسويق.

ابتسم مراد. "دي نور، لسه جايه الشركة من أسبوعين. شاطرة جداً وشغلها عجبني أوي."

شعرت لارا بلسعة غيرة أخرى. لم تعتد أن يمتدح مراد امرأة أخرى بهذا الشكل، حتى لو كانت زميلة عمل. حاولت أن تُغير الموضوع.

"جبت لك الأكل اللي بتحبه." قالت لارا، وهي تُشير إلى حقيبة الطعام.

"أنتِ أحلى حاجة في حياتي. يلا بينا ناكل." قال مراد وهو يقرب الطاولة الصغيرة في المكتب. كان لا يزال لا يلاحظ التوتر الخفيف في عيني لارا.

تناولا الغداء معًا، ومراد يحكي لها عن تفاصيل عمله، ولارا تستمع، لكن عقلها كان مشغولاً بتلك السيدة الجديدة، وشعور الغيرة الذي ظهر فجأة في قلبها. كانت هذه أول مرة تشعر فيها لارا بهذا النوع من المشاعر تجاه مراد، وقد جعلها ذلك تُدرك مدى حبها له، ومدى تعلقها به.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مشاعر متضاربة

المؤلف Angel
2025/11/08 مكتملة
قائمة الفصول (30)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة