لقاء

لقاء

17 0

الفصل الثالث: ذكريات وحوار ولقاء فى النادى

في صباح اليوم التالي، استيقظت لارا مبكرًا على زقزقة العصافير وخرجت إلى الحديقة الخلفية، التي كانت تبدو كواحة خضراء تُخفي خلف أسوارها سرًا. كانت ممرات الحصى المتلألئ تحت أشعة الشمس تتقاطع بين أشجار الفاكهة المثمرة، بينما قطرات الندى على أوراق الورد الجوري كانت تشبه دموعًا براقة. نفحت لارا الهواء بعمق، لتملأ رئتيها بعبق الياسمين المنعش الذي التصق بالهواء الرطب. كان صوت النافورة الهادئ يبعث على السكينة، لكنه لم ينجح في تهدئة عاصفة الأفكار التي كانت تدور في رأسها.

كانت سوزان تجلس على مقعد خشبي عتيق تحت شجرة مانجو ضخمة، تتأمل الزهور وهي ترتشف قهوتها بهدوء. اقتربت منها لارا وجلست بجوارها، تستمتع بجمال الصباح.

"صباح الخير يا ماما." قالت لارا بابتسامة ناعمة.

"صباح النور يا حبيبتي، صحيتي بدري ليه؟" ردت سوزان، وربتت على يد لارا بحنان.

"مش عارفة أنام، حاسة إن كل حاجة هنا لسه زي ما هي، بس في نفس الوقت اتغيرت." أجابت لارا، ومررت أناملها على سطح المقعد الخشبي البارد، مسترجعة الذكريات.

"عارفة يا بنتي." قالت سوزان، تنهدت تنهيدة عميقة. "زمان لما جيتي هنا، أنا كمان كنت خايفة. كنت خايفة من رد فعل سليم ويحيى وملك، بس سبحان الله، حبوا بعض، وبقيتوا عيلة واحدة متماسكة."

"أنا فاكرة أول يوم جيت فيه." قالت لارا بصوت خفيض. "كنت خايفة أوي، وحاسة إني غريبة في بيت كبير. بس إنتي احتويتيني... عمري ما هنسى."

"إنتي بنتي يا لارا، زي سليم ويحيى وملك بالظبط." أكدت سوزان بحب صادق، وعيناها تلمعان بدموع خفيفة. "عمرك ما كنتي غريبة عننا."

صمتت لارا للحظات، ثم قررت أن تقتحم حاجز الصمت، مؤكدة على أهمية ما يشغلها. "كنت عايزة أسألك على حاجة... بخصوص ملك وخطوبتها. أنا حاسة إنها مجبرة، وفي حاجة مخفية."

تغيرت ملامح سوزان، وبدا عليها التردد. "ملك شخصية ليها دماغها... وإحنا حاولنا نقنعها إنه فرصة كويسة، وإنه هيقوي العلاقة بين الشركات العائلية."

"بس هي بتحس بإيه؟ ده المهم." قالت لارا بإصرار، وعيناها مثبتتان على والدتها. "هي بتحاول تقنع نفسها عشان خاطركم، بس قلبها بيقول حاجة تانية."

نظرت سوزان إلى الأفق، وكأنها تسترجع ذكرى قديمة. "ممكن يكون صح يا لارا... ملك دي صندوق مقفول. بس أنا ساعات بحس إن فيه حاجة تانية. حاجة قديمة... يمكن ماضي في الجامعة."

فوجئت لارا بهذا الكلام. "إيه؟ هل فيه حد تاني في حياتها؟"

فكرت سوزان للحظة قبل أن تجيب. "مش متأكدة، بس فيه مرة لقينا صورة لملك مع شاب في الجامعة. كانت صورة عادية، بس ملك اتضايقت أوي وقطعتها. من ساعتها وهي متقلبة. بس الموضوع عدى... يمكن مفيش حاجة."

"ويمكن فيه." قالت لارا، وأدركت أن هناك سرًا أكبر مما تخيلت. "يا ريت متندمش بعدين."

..........

في صباح أحد الأيام المشمسة، وبينما كانت لارا تتصفح بعض مجلات الموضة في غرفتها، دخلت عليها ملك بوجه شاحب، ويدها تعبث بأطراف فستانها بتوتر.

"لارا، ممكن أطلب منك طلب؟" قالت ملك بصوت خافت.

رفعت لارا رأسها عن المجلة. "طبعًا يا ملك. خير؟"

"بابا حدد لي معاد مع مراد النهاردة في النادي، ومش عايزة أروح لوحدي."

قالت ملك، وهي تتجنب النظر إلى لارا. "ممكن تيجي معايا؟ هحس إني مش لوحدي، وهتقدري تسلكي الجو."

ابتسمت لارا بتفهم. "أكيد يا حبيبتي، أنا معاكي."

........

وصلت الشقيقتان إلى النادي الرياضي الفخم. كانت أشعة الشمس تتراقص على مياه حمام السباحة الزرقاء، والموسيقى الكلاسيكية الهادئة تمتزج مع أصوات خفيفة لضحكات الأطفال. جلس مراد في زاوية هادئة، يرتدي قميصًا أنيقًا، لكن نظراته كانت تحمل شيئًا آخر.

"أهلاً بيكي يا ملك، نورتي المكان." قال مراد وهو ينهض. ثم نظر إلى لارا، ومد يده لمصافحتها. "أهلاً بيكي يا آنسة لارا، تشرفت بمعرفتك."

"أهلاً وسهلاً." قالت لارا، وهي تبتسم ابتسامة جذابة.

جلس الثلاثة، وبدأ الحديث في البداية عن أمور عامة، ثم تحول إلى العمل.

كانت لارا تشارك في الحوار بذكاء وحيوية، مما أثار إعجاب مراد الذي بدا منجذبًا لطاقتها. فجأة، اهتز هاتف ملك برسالة نصية. نظرت ملك إلى الشاشة، وتجمّدت ملامحها للحظة.

"معلش يا جماعة، لازم أرد على المكالمة دي." قالت ملك، ونهضت مسرعة، واتجهت نحو شرفة تطل على البحيرة.

نظر مراد إلى لارا وابتسم ابتسامة خفيفة. "تصميم الأزياء ده مجال شيق جداً." قال، وعيناه مثبتتان على لارا. "إنتي بتحبي المجال ده أوي كده؟"

"جداً." ردت لارا بحماس. "بالنسبة لي ده مش مجرد شغل، ده شغف وحياة. كل قطعة ليها قصة ورسالة."

"ممكن يكون صح." قال مراد، وهو يهز رأسه بتفكير. "أنا دايماً بشوف الأمور من منظور عملي. الأرقام والمكسب."

"مش لازم كل حاجة تكون أرقام يا مراد." قالت لارا بابتسامة خفيفة. "الشغف أهم من أي مكسب. هو اللي بيخليك تكمل وتنجح."

عادت ملك بعد دقائق، وبدت عليها آثار الضيق. عيناها كانتا حمراوين قليلاً، وكأنها كانت على وشك البكاء.

"معلش اتأخرت عليكم." قالت ملك، ثم جلست وهي تتجنب النظر إلى أي منهما.

"المهم يا ملك، خدتِ قرارك؟" سأل مراد، وهو يحاول استعادة تركيزه من تأثير لارا. لم يلاحظ شيئًا على ملك . "نحدد معاد التقدم إمتى؟"

نظرت ملك إلى مراد بهدوء شديد، ويديها ترتعدان قليلاً تحت الطاولة. "تقدر تحدد مع بابا." قالت بصوت خافت.

ابتسم مراد ابتسامة رضا، ثم نظر إلى لارا، ومد يده ليسلم عليها. "واتشرفت بمعرفتك يا آنسة لارا."

صافحت لارا يده، لكن مراد لم يكتفِ بذلك. أمسك بيدها برفق، وقرّبها نحو شفتيه، ثم قبل ظهر يدها بسرعة، مع نظرة غامضة في عينيه.

"سلام." قال مراد، ثم غادر.

نظرت لارا إلى يدها المرتعشة، وشعرت بكهرباء خفية. ثم نظرت إلى ملك، التي كانت تنظر إلى الأفق بملامح هادئة، وكأنها لم تلاحظ شيئًا.

"ملك، مالك في حاجة؟" سألت لارا بصوت منخفض وهى تحاول اخفاء توترها.

نظرت ملك إلى لارا، وابتسمت ابتسامة باهتة. "مفيش حاجة." قالت، ثم أضافت بصوت خافت جدًا، كأنها تحدث نفسها: "مفيش حاجة خالص يا لارا..."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مشاعر متضاربة

المؤلف Angel
2025/11/08 مكتملة
قائمة الفصول (30)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة