الفصل السادس: فراس يلاحظ وشرارة تتوهج في قلب التحضيرات
بعد انتهاء زيارة قاعة الخطوبة، عاد مراد إلى منزلهم الفخم في حي راقٍ بالقاهرة الجديدة. كان المنزل يتميز بتصميمه العصري، حيث تتخلل النوافذ الزجاجية الكبيرة الإضاءة الطبيعية، وتنتشر اللوحات الفنية الحديثة على الجدران البيضاء. في غرفة المعيشة الواسعة، التي تطل على حديقة مصممة بعناية، جلس فراس بجوار أخيه مراد. كان فراس يرتدي قميصًا خفيفًا وبنطالًا مريحًا، بينما كان مراد لا يزال في ملابسه الرسمية، وبدا عليه بعض الشرود.
نظر فراس إلى مراد بابتسامة خفيفة، وقد لاحظ شروده. "شكلك مبسوط النهاردة يا مراد، ها نقيتوا كل حاجة؟ ملك بنت كويسة، اتفهمتوا؟" قال فراس محاولًا معرفة تفاصيل اللقاء.
حاول مراد أن يسيطر على مشاعره المتضاربة التي كانت تعصف بذهنه، وأن يخفي أثر لارا الذي تركه في نفسه. "اه، لارا نقت كل حاجة." قال مراد بابتسامة تكاد تكون شفافة، وعيناه تحملان لمعة غريبة. "ذوقها يجنن، اختارت حاجات حلوة أوي، وهتابع معاهم بعدين التطورات."
"لارا؟" قال فراس وهو يرفع حاجبيه بدهشة، فقد كان يتوقع أن يتحدث مراد عن ملك.
"إيه علاقة لارا بالموضوع؟ هي اللي اختارت؟ وملك فين؟"
استوعب مراد أنه كشف عن غير قصد مدى انشغاله بلارا. حاول تدارك الموقف ببعض الارتباك.
"آه، أصل ملك كانت مشغولة بمكالمة شغل مهمة، ولارا هي اللي كانت معاها وبتساعدها في الاختيارات."
نظر فراس إلى مراد بنظرة متفحصة، وكأنه يحاول قراءة ما وراء كلماته. لاحظ فراس بعض التوتر في نبرة صوت أخيه، وشرود عينيه الذي لم يغب عنه منذ فترة.
"ممم، غريبة. يعني ملك سابت لارا هي اللي تختار قاعة خطوبتها؟"
تنهد مراد وحاول تغيير الموضوع.
"مش حكاية سابتها، بس لارا ذوقها حلو أوي، وملك كانت واثقة فيها. المهم إن كل حاجة تمام."
نظر فراس إلى مراد بنظرة متفحصة.
، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: "مراد... أنا أعرفك. أنت مش قلقان من الخطوبة، أنت قلقان من حاجة تانية. هل القلق ده له علاقة بلارا؟"
صُدم مراد من سؤال فراس المباشر.
"فراس، أنت بتقول إيه؟"
"بقول اللي شايفه." قال فراس بهدوء.
"نظراتك في الحفلة، وشرودك دلوقتي. بتتكلم عن لارا أكتر ما بتتكلم عن ملك."
تنهد مراد وحاول تغيير الموضوع.
" عادى يعنى انا بحكيلك بس ،هى مش حكاية سابتها، بس لارا ذوقها حلو أوي.وبتفهم فى الحاجات دى ،ماتشغلش بالك ."
لم يعلق فراس أكثر، لكن علامات الاستفهام كانت واضحة على وجهه. كان يشعر أن هناك شيئًا غامضًا يحدث ،وأن انشغال مراد بلارا يتجاوز مجرد الإعجاب بذوقها الفني.
ترك فراس مراد في شروده، وهو يفكر في خطيبته، وشقيقة خطيبته التي لم ينسها منذ أول لقاء .
............
أصبحت الأيام تمضي بسرعة، واقترب موعد حفل الخطوبة الرسمي. أصبحت قاعة النادي الفخم المطلة على النيل أشبه بورشة عمل دائمة، حيث يتواجد فيها العمال ليل نهار لتجهيز الديكورات وتنسيق الزهور. كان مراد يتواجد هناك بانتظام، يتابع أدق التفاصيل بنفسه. المثير للدهشة هو أن ملك نادراً ما كانت ترافقه، تاركةً معظم المهام للارا، التي أصبحت المسؤولة عن تنسيق كل شيء تقريباً.
لارا كانت تحاول جاهدة تجنب مراد قدر الإمكان بعد سلسلة المواقف المحرجة التي حدثت بينهما، خاصة تلك القبلات المفاجئة على يدها. كانت تشعر بتوتر شديد في كل مرة يلتقيان فيها، وبدأ قلبها يدق بشكل غريب لا تستطيع تفسيره. لكن واجبها تجاه أختها، وثقة ملك فيها، جعلها لا تستطيع التراجع عن هذه المسؤولية.
في إحدى المرات، بينما كانت لارا تتحدث مع منسق الزهور في القاعة، اقترب منها مراد. كانت القاعة شبه فارغة، لا يوجد سوى بعض العمال، مما أضفى جواً من الخصوصية على لقائهما.
"أستاذة لارا، كنت عايز أطلب منك طلب." قال مراد بصوت هادئ، وعيناه تحملان نظرة جادة.
نظرت إليه لارا بحذر: "اتفضل يا مراد."
"أنا عايزك معايا وأنا بختار البدلة." قال مراد، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه. "ذوقك يجنن، وأنا بثق في رأيك."
شعرت لارا ببعض الارتباك، وحاولت التهرب. "خد ملك معاك يا مراد، دي خطوبتك أنت وهي."
"بس أنا عايزك أنتِ." قال مراد بوضوح، ونظرة عيونه كانت تحمل إصراراً لا يقبل الجدل.
تنهدت لارا، محاولةً إيجاد حل يحفظ المسافة بينهما. "طيب، أنا رايحة أنا وملك ننقي الفستان بتاعها وبتاعي آخر الأسبوع. ممكن تيجي معانا في نفس المعاد وتختار بدلتك؟"
لمعت عينا مراد: "أجي طبعًا! مفيش مشكلة خالص، ده كده يبقى أحسن بكتير."
في هذه الأثناء، كان فراس يلاحظ التغير في سلوك أخيه. كان مراد شارد الذهن أكثر من المعتاد، ودائمًا ما يتحدث عن "ذوق لارا" وكيف أنها تساعد في كل شيء. زادت شكوك فراس حول مشاعر مراد، وبدأ يراقب تصرفاتهما عن كثب. لمس فراس أن هناك شيئًا غير عادي يحدث، خاصة عندما يذكر مراد اسم لارا.
................
بعد أيام قليلة، جاء موعد اختيار فستان الخطوبة والبدلة. توجهت لارا وملك إلى أشهر بوتيكات فساتين الزفاف والسهرة في وسط البلد. كان البوتيك يتميز بديكوره الأنيق، حيث تتراص الفساتين الفاخرة على الشماعات المضيئة، وتنتشر المرايا الكبيرة التي تعكس جمال المكان. كانت الأجواء مفعمة بالأناقة والرقي.
"ايه رأيك في الفستان ده يا لارا؟" سألت ملك وهي تشير إلى فستان كاشمير بسيط ومع ذلك أنيق.
"حلو أوي يا ملك، هيبين رقتك." أجابت لارا، وقد اختارت لنفسها فستاناً بلون أزرق داكن، بسيط لكنه يبرز جمالها بشكل لافت.
دخلت ملك غرفة القياس لتجرب فستانها، بينما كانت لارا تنتظر دورها. بعد دقائق، رن هاتف ملك، وسمعت صوتها وهي تتحدث بحدة عن مشكلة في العمل. "خلاص يا لارا، أنا هضطر أرجع الشركة دلوقتي، في مشكلة مستعجلة لازم أحلها." قالت ملك وهي تخرج من غرفة القياس مرتدية ملابسها العادية على عجل. "ياريت تكملي أنتِ القياسات وتتأكدي من كل حاجة، وأنا هكلمك أول ما أخلص."
غادرت ملك على عجل، تاركةً لارا وحدها. دخلت لارا غرفة القياس الخاصة بها لتجرب الفستان الأزرق. كانت الغرفة صغيرة، مزينة بمرآة كبيرة وإضاءة خافتة. عندما ارتدت الفستان، كان ضيقاً قليلاً لكنه بدا مثالياً عليها، يبرز رشاقتها وجمال قوامها.
فجأة، فُتح باب غرفة القياس. ظنت لارا أنها إحدى العاملات في البوتيك، لكنها فوجئت بوجود مراد يقف أمامها. كانت عيناه مثبتتين عليها، ونظراته تحمل مزيجاً من الذهول والإعجاب.
"مراد!" قالت لارا بدهشة، وهي تحاول أن تغطي نفسها بيديها قدر الإمكان، فالفستان كان بالفعل ضيقاً ويبرز تفاصيل جسدها بشكل واضح.
"الفستان ده ضيق، ما يتلبس." قال مراد بصوت حاسم، وملامح وجهه تحمل شيئاً من الغضب. "وكمان عريان، إيه ده؟ تنقي حاجة تانية."
لارا كانت مصدومة من وجوده وطريقته. "مراد! إنت بتعمل إيه هنا؟ دي بروفة البنات، ومين سمحلك تدخل؟"
اقترب مراد خطوة إلى الأمام، وعيناه لا تفارقان فستانها. "بتفرج على فستانك، والفستان الضيق ده ما يتلبسش، ما فيش داعي تعرضي جمالك بالطريقة دي."
شعرت لارا بغضب شديد من تدخله. "روح قول لخطيبتك الكلام ده! ده فستاني أنا، ومش من حقك تقول لي ألبس إيه وما ألبسش إيه."
اقترب مراد أكثر، حتى أصبح قريباً منها جداً، وبصوت خفيض لكنه يحمل تهديداً مبطناً: "أنا قلت ما يتلبسش، وإلا..."
نظرت لارا إليه بتحدٍ، وقلبها يدق بعنف، لكنها لم تتراجع. "وإلا إيه؟"
في تلك اللحظة، شعر مراد وكأنه فقد السيطرة على نفسه، وبدت لحظة من التوتر الشديد بينهما، كأن هناك شرارة على وشك الانفجار.
بعد هذا الموقف، أصبحت لارا تحاول جاهدة تجنب مراد في أي مكان.
.................
في اليوم التالي، كانت لارا في شركة والدها، حيث تعمل ملك أيضاً. كانت مكاتب الشركة مصممة بأسلوب عصري، وتتسم بالفعالية والترتيب، حيث تنتشر الأجهزة الإلكترونية الحديثة والأوراق المنظمة.
كان مراد موجوداً أيضاً، يناقش بعض صفقات العمل مع ملك في مكتبها الفسيح. بعد فترة، طلبت ملك من مراد أن ينتظرها بينما تذهب لإحضار بعض الأوراق الهامة الخاصة بصفقة كانوا يناقشونها.
استغلت لارا الفرصة، وهي تتجنب النظر إلى مراد بعد موقف غرفة القياس، وقررت المغادرة بسرعة. "أنا هروح أشوف سليم في مكتبه." قالت لارا ببرود، وهي تتجه نحو الباب.
"رايحة فين؟ استني!" قال مراد بسرعة، وكأنه لا يريد أن تتركه .
لكن لارا لم تتوقف. كانت نظراتها تعبر عن رغبة قوية في الهرب من هذا الموقف، ومن المشاعر المتضاربة التي أصبحت تسيطر عليها في كل مرة يقترب منها مراد.
Angel