الفصل التاسع : عشاء على ضفاف النيل...
في بهو الفيلا ، الذي تتدلى منه ثريا كريستالية ضخمة وتنتشر فيه التحف الفنية العتيقة، كانت ملك تستعد للخروج في موعد عشاء مع مراد. بدا عليها بعض التردد، ووجهت حديثها للارا التي كانت تجلس في إحدى زوايا الصالون، تتصفح هاتفها.
"لارا، يا لارا!" نادت ملك بصوتٍ يحمل بعض الإلحاح.
"هتخرجي معايا أنا ومراد النهاردة، صح؟"
رفعت لارا رأسها، وقد لاحظت بعض التوتر في نبرة ملك.
"يا ملك، أنتِ خارجة مع خطيبك، أجي أعمل إيه؟ لو سمحتي، لازم تتعودوا على بعض وتعرفوا بعض أكتر لوحدكوا."
تقدمت ملك نحوها، وجلست بقربها، وعلى وجهها علامات الضيق الواضحة.
"لازم تيجي معايا، القاعدة بتبقى مملة من غيرك. مش بنبقى لاقيين حاجة نقولها." قالت ملك بصدق، كاشفة عن عدم وجود تفاهم حقيقي بينها وبين خطيبها.
في هذه اللحظة، دخل سليم ويحيى إلى الصالون. كان سليم يرتدي ملابس خروج أنيقة، بينما يحيى بملابس أكثر عملية.
"أنا مع ملك أصلاً!" قال سليم بجدية، وهو يقترب منهما.
"مينفعش تخرج معاه لوحدها. ده خطيبها مش جوزها لسه. لازم يكون فيه حد معاها."
كان سليم محافظًا على العادات والتقاليد، ويرى أن وجود لارا ضروريًا لحماية أخته.
اعترض يحيى على الفور، بابتسامة تحمل بعض الفكاهة:
"لا أنا بقى مع لارا! أنا لو أخت خطيبتي جت معايا وأنا خارج أنا وهي، هضايق جدًا. المواعيد دي بتكون عشان الطرفين يتعرفوا على بعض أكتر."
كان يحيى أكثر تحررًا في تفكيره، ويُقدر خصوصية العلاقات.
تدخل شهاب وسوزان، اللذان كانا يراقبان الحوار من بعيد، وقد بدت عليهما علامات القلق حول علاقة ملك بمراد.
"لارا لازم تروح يا يحيى." قال شهاب بلهجة حاسمة،
مؤيداً وجود لارا، ربما لشعوره بأن ملك تحتاج لدعم أختها في هذه العلاقة التي تبدو صعبة عليها.
"ده أفضل ليهم كلهم."
وافقته سوزان الرأي، ثم اقتربت من لارا وهي خارجة من الغرفة، ووشوشتها بصوت خفيض، لا يسمعه أحد سواها:
"ابقي شوفي حجة وتقومي. وسيبيهم لوحدهم شوية، ماشي؟ خليهم ياخدوا على بعض."
كانت سوزان تُحاول دفع العلاقة بين ملك ومراد، حتى لو كان ذلك بمساعدة لارا.
"حاضر يا مامي." قالت لارا بتنهيدة، مدركةً أنها أصبحت جزءاً من خطة عائلية أكبر منها.
عادت لارا إلى غرفتها لتستعد، لكن هذه المرة، لم تكن مجرد مهمة عائلية بالنسبة لها. شعرت بشيء من التحدي، أو ربما الرغبة في إظهار شيء ما لمراد ، انها لم تلق بالا لكلامه.
وقفت أمام خزانتها المفتوحة، وتفحصت ملابسها بعناية. اختارت فستانًا من الحرير باللون الأحمر الداكن، بتصميم بسيط ولكنه يبرز جمال قوامها ورشاقتها بشكل لافت.
كان الفستان يُظهر كتفاً واحداً، ويُسدل على جسدها بنعومة، مما أضفى عليها جاذبية خاصة. وضعت بعض اللمسات الخفيفة من المكياج الذي أبرز عينيها الجذابتين، وتركت شعرها منسدلاً على احدى كتفيها، ليُضفي عليها هالة من الأنوثة والجاذبية. كانت تريد أن ترى نظرة الغيرة في عيني مراد، أو على الأقل، أن تُثير فيه فضولاً أكبر.
............ ............... 》》》
وصلت ملك ولارا إلى مطعم فاخر يطل مباشرةً على نهر النيل. كانت الأجواء في المطعم رومانسية وهادئة، حيث تتناثر الشموع على الطاولات، وتنعكس أضواء المدينة الخافتة على سطح الماء. كانت الموسيقى الهادئة تُضفي جواً من السكينة والرقي. مراد كان ينتظرهما عند المدخل، يرتدي بدلة أنيقة، ويبدو عليه بعض التوتر.
بمجرد أن رأى لارا، تجمد مراد في مكانه.
اتسعت عيناه لحظة، وكأنه لم يتوقع أن يراها بهذا القدر من الجمال والجاذبية.
كانت نظرة إعجاب وذهول، ممزوجة بشيء من الانزعاج الخفي.
لارا لاحظت هذه النظرة، وشعرت بانتصار صغير، لكنه ممزوج بالكثير من التوتر.
"أهلاً بيكم يا بنات، نورتوا." قال مراد وهو يحاول استعادة رباطة جأشه، وتوجه نحو ملك ليقبل يدها باقتضاب.
"أهلاً بيك يا مراد." ردت ملك بهدوء.
جلس الثلاثة على طاولة قريبة من النافذة، تُطل على منظر النيل الساحر. بدأ الحديث عن أمور عامة، ومحاولات ملك ومراد لكسر حاجز الصمت كانت ضعيفة. لارا كانت تُحاول المشاركة بفعالية، تُلقي الأسئلة وتُعلق على الأمور المختلفة، لتُخفف من حدة التوتر.
"المنظر من هنا جميل مش كدة يا لارا." قالت ملك، وهي تحاول أن تُشرك لارا في الحديث.
"شكرا ده المكان المفضل عندى ، مبسوط انه عجبك ." قال مراد، ونظراته كانت تتبع لارا أكثر من ملك، مما زاد من توتر لارا الداخلي.
بعد فترة، تذكرت لارا وصية سوزان.
"معلش يا جماعة، أنا بس هقوم للحمام ثواني وراجعة." قالت لارا وهي تنهض من مقعدها، تاركة ملك ومراد وحدهما.
ساد الصمت على الطاولة للحظات، ثم حاول مراد بدء حديث مع ملك.
"يعني... إيه رأيك في حفل الخطوبة ؟ كانت حلوة؟"
"حلوة يا مراد، ، ذوق لارا حلو فى كل حاجة." قالت ملك بلامبالاة واضحة، وكأنها غير مهتمة بالتفاصيل.
شعر مراد ببعض الإحباط من رد ملك، وعاد الصمت ليسود بينهما، بينما كانت لارا تراقب الموقف من بعيد، وقلبها ينقبض ألماً على ملك، وتتوتر من نظرات مراد التي لم تنقطع عنها حتى وهي بعيدة.
وبينما لارا في طريق عودتها من الحمام، لاحظت من بعيد أن مراد يقوم من مكانه هو الآخر.
"ملك، أنا هروح الحمام بسرعة وراجع." قال مراد لملك بصوتٍ خفيض، ثم اتجه نحو الجهة التي ذهبت منها لارا.
شعرت لارا بقلبها ينبض بسرعة جنونية. هل يلاحقها؟ هل سيتحدث إليها مرة أخرى؟ زادت دقات قلبها مع كل خطوة يخطوها نحوها، وبدأت تتساءل عن نواياه.
............ ............... 》》》
في ممرات المطعم الفاخرة، التي تضاءت بالأنوار الخافتة وتنبعث منها رائحة الياسمين المنعشة، كانت لارا تهم بالعودة إلى الطاولة. فجأة، سمعت خطوات خلفها، وسرعان ما أدركت أنه مراد.
توقفت لارا والتفتت، وقد علت وجهها علامات الدهشة والقلق.
"مراد... فى حاجة؟" قالت لارا بصوتٍ خافت،
وقد شعرت بقلبها يخفق بعنف داخل صدرها.
اقترب مراد منها، وعيناه مثبتتان على فستانها الأحمر الداكن، وابتسامة خفية ترتسم على شفتيه.
"الفستان حلو أوي عليكي." قال مراد بنبرة هادئة، ثم تغيرت ملامح وجهه لتصبح أكثر جدية.
"بس ميتلبسش تاني... سامعة؟"
شعرت لارا بالتوتر الشديد من تدخله هذا، وكأن كلماته تحمل أمراً لا رجعة فيه.
"مراد من فضلك..." قالت لارا محاولة الابتعاد.
"ليه؟" قال مراد، واقترب منها أكثر، وكأنّه لا يرى سوى هي في هذا المكان.
شعرت لارا بضرورة إنهاء هذا الموقف المربك.
"لازم نرجع لملك ، بليز " قالت لارا وهي تحاول تجاوزه ، فلقد شعرت بدقات قلبها تزيد ويوترها حضوره ، لكنه ظل واقفاً أمامها.
Angel