رقصة محفوفة بالمخاطر

رقصة محفوفة بالمخاطر

16 0

الفصل ١٧: اعتراف ورقصة محفوفة بالمخاطر

في المطعم الفاخر المطل على النيل، كانت الكلمات تتردد بين مراد ولارا كوقع الصدى. بصيص الأمل الذي رآه مراد في عيني لارا كان يدفع قلبه للخفقان بسرعة. سأل مراد، صوته يحمل ترقباً وشوقاً:

"يعني... يعني ممكن يكون فيه أمل لينا يا لارا؟"

نظرت لارا إليه بعينيها الدامعتين، لم تعد هناك حواجز، ولا قيود. شعرت بعبءٍ ثقيل يُزاح عن صدرها، وبراحة لم تختبرها منذ وقت طويل.

"أنا كمان حبيتك يا مراد." قالت لارا بصوتٍ خفيض، لكنه كان مليئاً بالصدق واليقين، وكأنها تُعلن للعالم كله ما كان يُخفيه قلبها.

ابتسامة واسعة أشرقت على وجه مراد، عيناه لمعتا بسعادة غامرة، وكأنه فاز للتو بأغلى جوائز الدنيا. مد يده إليها، وقد غمرته نشوة اللحظة.

"تسمحيلي بالرقصة دي؟"

مدت لارا يدها إليه دون تردد. قامت معه، واتجها نحو حلبة الرقص. كانت الموسيقى الرومانسية الهادئة تملأ المكان، وتُضفي سحراً خاصاً على الأجواء. هذه المرة، لم يكن هناك قلق من نظرات أحد، أو خوف من كشف سر. كانا يرقصان برومانسية باحتة، أجسادهما تتمايل بانسجام تام، وعيونهما لا تفترقان. كان كل لمس، وكل همسة، تُعبر عن مشاعر مكبوتة. شعرا وكأن الكون قد انكمش ليصبحا هما فقط بداخله، لا يريان ولا يسمعان سوى بعضهما البعض. كانت رقصة تعبر عن بداية جديدة، عن أمل طال انتظاره.

مراد كان يشد لارا إليه برفق، ويده الأخرى على خصرها، يقربها أكثر. همس في أذنها: "مكنتش مصدق إن اللحظة دي ممكن تيجي."

ابتسمت لارا، ودفنت رأسها قليلاً في صدره. "وأنا كمان يا مراد... كنت فاكرة إن ده مستحيل."

في الجهة المقابلة من المطعم، وعلى بعد عدة طاولات، كانت علا وفراس يتناولان العشاء. كانا يتحدثان بهدوء عن أمور العمل والأسرة، بينما كانت الأجواء في المطعم مريحة وممتعة.

رفعت علا رأسها، وألقت نظرة عامة على المكان. فجأة، تجمدت نظراتها على حلبة الرقص.

"مش ده مراد اللي بيرقص ؟" قالت علا، وهي تُشير بيدها ببطء نحو حلبة الرقص.

نظر فراس في الاتجاه الذي أشارت إليه علا. كانت دهشته لا تُوصف. رأى مراد وهو يرقص، ليس مع ملك، بل مع لارا. كانت رقصة رومانسية، مليئة بالمشاعر، لا تُشبه أبداً رقصة الخطيبين الرسمية. كانت نظرات مراد للارا عميقة، ولم تُخفِ أي شيء من حبه.

تصلبت ملامح فراس، وشعر بتوتر شديد يسيطر عليه. كان يعلم بوجود مشاعر بينهما، لكن رؤيتهما هكذا، بهذه الحرية والعاطفة، كانت صادمة له.

"ده... ده مراد فعلاً." قال فراس بصوتٍ خفيض، وجهه شاحب.

"ومين اللي معاه دي؟!" قالت علا بصوتٍ أعلى، وقد بدأت ملامح وجهها تُظهر الصدمة والغضب.

"دي... دي لارا! أخت ملك! هو إيه اللي بيحصل ؟" كانت علا قد أدركت الموقف بوضوح، وصوتها بدأ يجذب بعض الانتباه من الطاولات المجاورة.

لم ينتظر فراس لحظة أخرى. كان يعلم أن الوقت ليس للنقاش. عليه أن يتصرف بسرعة قبل أن تتفاقم الأمور.

"هفهمك بعدين يا علا، يلا بينا نروحلهم." قال فراس، ثم نهض بسرعة من مكانه، واتجه نحو حلبة الرقص، وعلا تتبعه وعيناها تطلقان الشرار.

كان مراد ولارا غارقان في لحظتهما الخاصة، بعيدين عن العالم. لم يلاحظا اقتراب فراس وعلا منهما، وكأنهما في عالم خاص بهما لا يطاله أحد. كانت هذه اللحظة، التي طالما حلما بها، على وشك أن تتحول إلى مواجهة حتمية ستُغير مجرى الأمور إلى الأبد.

..............................

كانت رقصة مراد ولارا تتواصل على حلبة الرقص، غارقين في لحظة اعترافهما، بعيدين عن العالم الخارجي. لم يلحظا اقتراب فراس وعلا، اللذين كانت خطواتهما مليئة بالغضب والصدمة. كان فراس يتقدم بخطوات واسعة، ووجهه متجهم، بينما كانت علا تتبعه، وعيناها تطلقان شراراً حقيقياً.

بمجرد أن وصلا إلى حلبة الرقص، مد فراس يده بغتة وشد مراد من ذراعه بقوة، قاطعاً رقصتهما فجأة. توقفت الموسيقى الرومانسية في أذني مراد ولارا ليحل محلها صمت مطبق.

"إيه اللي بيحصل هنا يا مراد؟" قال فراس بصوتٍ منخفض، لكنه كان يكتنفه غضب مكبوت، وعيناه تطلقان نظرات حادة بين مراد ولارا.

صُدم مراد ولارا، وكأنهما استيقظا فجأة من حلم جميل ليجدا نفسيهما في كابوس. ابتعدت لارا عن مراد بسرعة، وقد توردت وجنتاها خجلاً، بينما حاول مراد أن يستجمع قواه.

"فراس! إيه اللي جابك هنا؟" قال مراد، محاولاً إخفاء ارتباكه، لكن ملامح وجهه كانت تفضحه.

تدخلت علا، وهي تُطلق نظرات غاضبة نحو لارا.

"إيه اللي جابنا؟ إنت اللي بتعمل إيه هنا يا مراد؟ إيه المهزلة دي؟" قالت علا بصوتٍ أعلى، وقد بدأت بعض الأنظار تتجه نحوهم في المطعم.

"دي لارا أخت ملك! إزاي ترقص معاها كده؟ وإيه علاقتكم ببعض؟"

شعرت لارا وكأن الأرض انشقت وابتلعتها. كانت نظرات علا تحمل اتهاماً صريحاً، وصوتها جذب انتباه بعض مرتادي المطعم.

"علا، صوتك!" قال فراس محاولاً تهدئة زوجته، لكن غضبه كان لا يزال واضحاً.

ثم وجه كلامه لمراد: "تعالى معايا دلوقتي يا مراد.

حاول مراد الاعتراض. "فراس... أنا..."

"قلت دلوقتي!" قال فراس بنبرة لم يعتد عليها مراد من أخيه من قبل. كانت نظرة فراس تحمل تهديداً واضحاً بفضحهما أمام الجميع.

استسلم مراد. ألقى نظرة سريعة على لارا، نظرة تحمل الاعتذار والوعد بأن يتحدث معها لاحقاً. ثم تبع فراس وعلا الذين غادرا حلبة الرقص متجهين نحو مخرج المطعم، تاركين لارا واقفة وحدها، تشعر بالخجل والإحراج الشديد، وكأن كل العيون عليها.

.....................

في سيارة فراس، كانت الأجواء مشحونة بالغضب والصمت. علا كانت تُطلق زفرات غاضبة، بينما كان فراس يقود السيارة بصرامة، وعيناه مثبتتان على الطريق، ومراد يجلس في المقعد الخلفي، غارقاً في أفكاره.

بمجرد وصولهم إلى الفيلا ، دخل فراس وعلا ومراد إلى غرفة المعيشة مباشرة. لم ينتظر فراس دقيقة واحدة.

"إيه اللي شفته ده يا مراد؟" قال فراس بصوتٍ غاضب، وقد نفد صبره أخيراً.

"إيه اللي كنت بتعمله مع أخت خطيبتك السابقة؟ مش كفاية اللي حصل؟"

"فراس، اهدا بس." قال مراد محاولاً تبرير موقفه.

"يهدى إيه؟!" قالت علا بصوتٍ عالٍ، ووجهها أحمر من الغضب.

"إنت بتخون ملك؟ ومع أختها! دي فضيحة لو اتعرفت! إنت بتعمل إيه في سمعة العائلتين؟"

"أنا مكنتش بخون حد! أنا أنهيت الخطوبة خلاص!" قال مراد، وقد بدأ صوته يعلو هو الآخر.

"يعني إنت كنت بتنهي الخطوبة عشان لارا؟!" قالت علا، وقد تأكدت شكوكها.

"إنت بتحبها يا مراد؟"

صمت مراد للحظة، ثم نظر إلى فراس الذي كان يراقبه بحذر.

"آه، أنا بحب لارا." قال مراد بصراحة، وكأنه يرمي قنبلة أخرى في الغرفة.

اتسعت عينا علا بصدمة. "بتحب أخت خطيبتك؟ إنت اتجننت يا مراد؟ إزاي تعمل كده؟"

تدخل فراس. "اهدي يا علا. ده اللي مراد قالهولي قبل كده." ثم التفت إلى مراد:

"أنا حذرتك يا مراد. قولتلك خليك حذر. إيه اللي خلاك تظهروا كده قدام الناس؟"

"مكنتش متوقع إنكم هتكونوا في نفس المطعم." قال مراد بيأس.

"والموضوع كان لازم يتكشف في يوم من الأيام. أنا بحبها يا فراس. ولارا كمان بتحبني."

"أكيد لارا كمان بتحبك! اه علشان كدة جت ترقص فى حضنك بعد ماسبت اختها على طول!" قالت علا بتهكم، وقد بدأت تشعر بأن لارا هي المذنبة.

"دي عايزة تخطفك من أختها! او خطفتك خلاص"

"علا! الكلام ده ميتقالش! ماتتكلميش عنها كدة" قال مراد بحزم، وقد ضاق ذرعه من اتهامات علا للارا.

"لارا مكنش ليها أي دخل في قرار إنهاء الخطوبة، بالعكس كانت بتحاول تبعد وتتجنبني. وعلى فكرة بقى ج ملك بتحب حد تاني، يمكن علشان كدة كانت بتبعدنى."

اتسعت عينا علا وفراس بصدمة من كلام مراد. "ايه؟!" قال فراس وعلا في نفس الوقت.

"آه. لارا اللي قالتلي النهاردة." قال مراد، وهو يُدرك أنه قد كشف سراً آخر.

ساد صمت عميق في الغرفة. كانت المعلومة الجديدة مذهلة، وغيرت جزءاً كبيراً من ديناميكية الموقف. نظرت علا إلى فراس بصدمة، وفراس إلى مراد بحيرة. لم يتوقع أحد منهم أن يكون لملك سرها الخاص الذي يفسر الكثير من لامبالاتها.

خيّم صمت مطبق على غرفة المعيشة في فيلا مراد بعد اعترافه بأن ملك لديها حبيب آخر. علا، التي كانت تتوهج غضبًا قبل لحظات، نظرت إلى فراس بصدمة، ثم عادت بنظرها إلى مراد بحيرة. هذه المعلومة قلبت الموازين تمامًا.

"ملك بتحب حد تاني؟!" قالت علا بصوتٍ خفيض، بالكاد يُسمع، وكأنها لا تصدق ما تسمعه.

"وإمتى ده حصل؟ وليه محدش يعرف؟"

تنهد مراد بعمق. "لارا هي اللي قالتلي النهاردة. كانت مخبية الموضوع ده على الكل. وقالت إن الخطوبة دي كلها كانت مجرد ترتيبات عائلية، وإنها بتحاول تتجوز من اللي بتحبه ده بس الظروف مش سامحة."

شعر فراس بصدمة مماثلة. كل شكوكه وتخميناته عن مشاعر مراد للارا كانت صحيحة، لكن السبب وراء لامبالاة ملك كان مفاجأة لم يتوقعها. كانت هذه المعلومة تبرئ مراد جزئيًا، وتفسر الكثير من تصرفات ملك الغريبة.

"يعني... يعني ملك كانت بتكدب علينا كلنا؟" قالت علا بغضب، وقد تحول غضبها من مراد ولارا إلى ملك.

"بتوافق على خطوبة وبتخبي إن فيه حد تاني في حياتها؟"

"يمكن مكنتش عايزة تزعل باباها ومامتها." قال مراد بهدوء، محاولًا إظهار بعض التفهم لملك.

"أو يمكن كانت تحت ضغط عشان توافق على الخطوبة دي."

وقف فراس، وبدأ يخطو في الغرفة بعصبية.

"يعني كل اللي بنعمله ده... كل المشاكل اللي بتحصل دي... عشان ملك كانت بتخبي سر زي ده؟"

"هي مش عايزة تتجوزني أصلاً يا فراس!" قال مراد، صوته يحمل خليطًا من الراحة والمرارة.

"وده اللي خلاني مصمم أفسخ الخطوبة. مكنتش عايز أظلمها ولا أظلم نفسي. وهي كمان كانت عايزة تخلص، بس يمكن مكنتش عارفة تقول إزاي."

نظرت علا إلى مراد نظرة مختلفة الآن. لم تعد نظرة اتهام كاملة، بل ممزوجة بالصدمة والحيرة.

"بس... وده بيبرر اللي عملتوه النهاردة؟ إنكوا ترقصوا كده قدام الناس؟ والناس اللي شافوكم؟"

"محدش هيعرف مين اللي كانت معايا دي غيركوا إنتوا." قال مراد.

"ومحدش هيربط الموضوع بلارا. والمطعم كان زحمة، ومحدش هيركز أوي. والرقصة دي... دي كانت لحظة ضعف، يمكن أكون غلطت فيها، بس مكنتش قادر أتحكم في مشاعري بعد ما عرفت إن ملك كمان مش عايزاني."

تنهد فراس بعمق. "الموضوع كده دخل في متاهة أكبر. دلوقتي مشكلة مراد ولارا، بالإضافة لمشكلة ملك وسرها."

"أنا عايز أكلم بابا وماما تاني." قال مراد بجدية.

"لازم يعرفوا اللي حصل. لازم يعرفوا إن ملك هي اللي مش عايزة الخطوبة دي أساساً. وإن قرار الفسخ ده كان لمصلحة الكل."

"ولارا؟" سألت علا، وعيناها مثبتتان على مراد.

"هتعمل إيه معاها؟ هتطلبها للجواز؟ بعد كل اللي حصل؟"

صمت مراد للحظة، ثم نظر إلى فراس.

"ده لسه بدري عليه يا علا. دلوقتي المهم إن المشكلة دي تتحل بهدوء، وإن سمة العيلتين متتأثرش."

"طيب." قال فراس.

"ممكن تكون دي فرصة إن الأمور تتحل بهدوء فعلاً. بس لازم نكون حذرين جداً في الطريقة اللي هنقدم بيها المعلومة دي لبابا وماما، ولعيلة ملك."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مشاعر متضاربة

المؤلف Angel
2025/11/08 مكتملة
قائمة الفصول (30)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة