عيون تتوهج واخرى تنزف

عيون تتوهج واخرى تنزف

16 0

الفصل الثامن: ليلة الخطوبة... عيون تتوهج وأخرى تنزف صمتًا

حلّ المساء المنتظر، وكانت قاعة النادي الفخم المطلة على النيل فى ابهى شكل.

كانت الأنوار الخافتة تراقصت على جدرانها الزجاجية، عاكسةً أضواء النيل المتلألئة ومُضفيةً على المكان سحراً خاصاً. تنتشر الطاولات المزينة بأزهار الأوركيد البيضاء والورود الحمراء، وتتوسط القاعة كنبة كبيرة مُعدة للعروسين. الأجواء كانت مفعمة بالموسيقى الهادئة التي امتزجت بضجيج أحاديث المدعوين وهم يتوافدون بأناقة.

كانت ملك ترتدي فستان خطوبتها الكاشميرى ، الذي أبرز رقتها وأناقتها. بدت كأميرة هادئة، لكن عينيها كانتا تحملان نظرة بعيدة، وكأنها في عالم آخر. ابتسامتها كانت بالكاد تلامس شفتيها، وكأنها تؤدي دوراً لا أكثر.

لارا، بعد تردد طويل، اختارت فستاناً جديداً بلون الأخضر ، بتصميم بسيط ولكنه أنيق، يُبرز جمالها دون مبالغة. كانت تشعر بتوتر داخلي كبير، وتُحاول أن تتجنب مراد قدر الإمكان. لكن عينيها كانت تراقبان المدخل، وقلبها يخفق بقوة مع كل شخص يدخل.

دخل مراد، يرتدي بدلة رسمية سوداء تُبرز وسامته، وبدا كأمير يستقبل ملكته.

كانت نظراته تبحث في القاعة، حتى التقت بعيني لارا. تبادلا نظرة خاطفة، لم تدم سوى ثوانٍ معدودة، لكنها حملت ألف كلمة من المشاعر المكبوتة والتوتر الخفي. شعرت لارا بتورد خفيف في وجنتيها، وحاولت أن تُبعد نظرها عنه، لكن الأمر كان صعبًا.

فراس كان يراقب أخيه عن كثب. لم تغب عن عينيه تلك النظرة التي ألقاها مراد على لارا. أومأ فراس برأسه في صمت، مؤكداً لنفسه الشكوك التي راودته.

اقترب من مراد وهمس له: "مبروك الخطوبة يا مراد ، عقبال الفرح " .

ابتسم مراد ابتسامة باهتة: "الله يبارك فيك يا فراس." كانت عيناه لا تزالان تبحثان عن لارا بين الحشود.

بدأت فقرات الحفل، وتبادل العروسان ارتداء الدبل وسط تصفيق حار من الحضور.

ملك كانت تبتسم ابتسامة مصطنعة، بينما كان مراد يلقي نظرات خاطفة نحو لارا، التي كانت تقف بعيداً قليلاً، تحاول أن تُظهر انشغالها بالحديث مع بعض المدعوات.

بعد فترة، بدأ العروسان في التقاط الصور التذكارية مع العائلتين. وقفت لارا بجانب ملك، بينما وقف مراد على الجانب الآخر. شعرت لارا بقرب مراد منها، وبتلك الطاقة والمشاعر التي تنبعث منه. حاولت أن تبقي مسافة، لكن الكاميرا كانت تُلزمهم بالاقتراب.

"الفستان يجنن عليكي أوي يا لارا احلى من الاولانى." قال مراد بصوت خافت، يكاد لا يسمعه أحد غيرها، بينما كان المصور يلتقط الصور.

نظرت لارا إليه للحظة، وحاولت أن تجعل صوتها طبيعياً: "شكراً يا مراد." كان صوتها يحمل توتراً خفياً وجسدها اهتز للحظة لم يخطئها مراد فقد شعر بها  ، فقد تذكرت موقف الفستان الأول.

في هذه اللحظة، لاحظت هايدي، زوجة سليم، التي كانت تقف بالقرب منهما، النظرات المتبادلة بين مراد ولارا، وكلماته الخافتة. كانت نظرتها حادة، تحمل بعض الشك والفضول. لم تعلق، لكنها سجلت الموقف في ذاكرتها.

انتهت فقرة التصوير، وانتقل المدعوون إلى منطقة العشاء. حاولت لارا أن تبتعد قدر الإمكان عن طاولة العروسين، وجلست مع بعض الأقارب والأصدقاء.

بينما كانت لارا تتحدث مع إحدى صديقاتها، رأت ملك تتوجه نحو زاوية هادئة في القاعة، وتُخرج هاتفها. كانت تتحدث بصوت خافت، ووجهها يحمل تعابير مختلطة من الحزن والأمل. لارا شعرت بأن ملك تتحدث مع ذلك الشخص في حياتها. كانت نظرة ملك تحمل ألماً خفياً، كأنها في عالم آخر، بعيداً عن صخب الاحتفال الذي يدور حولها.

مر فراس بجوار لارا، وابتسامة خفيفة على وجهه. "مش طبيعية يا لارا، ملك مش طبيعية خالص." قال فراس بصوت خافت، وعيناه تتبعان ملك التي كانت تتحدث في هاتفها.

نظرت لارا إلى فراس، ثم إلى ملك، وشعرت أن فراس بدأ يلاحظ ما يحدث.

" لا ابدا ، يمكن متوترة من الخطوبة بس يا فراس." قالت لارا، محاولة التستر على أختها، مع علمها التام أن هناك ما هو أبعد من مجرد التوتر.

............ ...............  》》》

انتهى الحفل وسط تبادل التهاني والامنيات. كانت ملك لا تزال تبدو هادئة، لكن لارا رأت دمعة خفية تلمع في عينها وهي تودع المدعوين. مراد كان ودوداً مع الجميع، لكن نظراته كانت تتبع لارا أينما ذهبت، وكأن عيونه تبحث عن إجابات في نظراتها.

عند باب الخروج، ودعت عائلة مراد عائلة ملك. مد مراد يده ليصافح لارا، ثم أمسك بيدها برفق، وقرّبها نحو شفتيه، وقبل ظهر يدها للمرة الرابعة، لكن هذه المرة، كانت القبلة تحمل طولًا وإحساسًا أكبر من أي مرة سابقة. كانت نظرة مراد ملتهبة، وكأنها تقول الكثير من الكلمات التي لم تُنطق.

لارا شعرت وكأن كهرباء سرت في جسدها، وتجمدت في مكانها. نظرت في عينيه، فرأت فيهما مزيجاً من الإعجاب، الرغبة الممنوعة، وشيئاً من اليأس.

"مبروك ..... يا لارا." قال مراد بصوت خفيض جداً، ثم ترك يدها وغادر بسرعة مع عائلته، تاركاً لارا في دوامة من المشاعر التي لم تعد تستطيع فهمها أو كبتها.

"ما هذا الذي يحدث؟" تساءلت لارا في حوار داخلي. "أنا لا أستطيع أن أهرب من مشاعري، ولا من مشاعره التي أصبحت واضحة بشكل مؤلم."

اغمضت يارا عينيها بتأثر و شعرت بأن هذه القبلة كانت مختلفة، وكأنها أعلنت بداية صراع حقيقي داخلها. لم تعد تستطيع الهروب من مشاعرها، ولا من مشاعر مراد التي أصبحت واضحة بشكل مؤلم. نظرت إلى ملك، التي كانت تبتسم ابتسامة باهتة وهي تلوح لمراد وعائلته، ولم تلاحظ شيئاً.

كانت تلك الليلة، التي كان يُفترض أن تكون بداية سعيدة لملك ومراد، هي في الواقع بداية لصراع عاطفي معقد، يمزق قلوباً، ويكشف أسراراً خفية، ويضع لارا في موقف لا تُحسد عليه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مشاعر متضاربة

المؤلف Angel
2025/11/08 مكتملة
قائمة الفصول (30)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة