الفصل ٢٠ : ليلة الطويلة... وضغط الأسرار
بعد نقل لارا إلى غرفة العناية المركزة، خيّم صمت ثقيل على رواق المستشفى، لكنه كان صمتًا مشحونًا بالتوتر والألم. لم يغادر أحد. سوزان، ملك، سليم، ويحيى ظلوا هناك، ينتظرون بصيص أمل. مراد كان لا يزال جالسًا على كرسيه، ووجهه شاحب، وعيناه مثبتتان على باب غرفة العناية.
بعد فترة وجيزة، وصل شهاب بك إلى المستشفى. كان يبدو عليه الإرهاق والغضب المكتوم. بمجرد أن رأى أولاده، نظر إليهم بحدة، ثم توجه مباشرة إلى سوزان.
"إيه اللي حصل ده يا سوزان؟" قال شهاب بصوتٍ خفيض لكنه يحمل الكثير من اللوم.
حاولت سوزان الدفاع عن نفسها.
"مكنتش عايزة فضايح يا شهاب! كنت بحاول أحمي بيتنا!"
"حماية إيه دي اللي خلت بنتك التانية بين الحياة والموت؟" قال شهاب، وكلماته كانت تُلهب جراح سوزان. ثم رأى مراد جالساً هناك، فازداد غضبه.
"وإنت يا مراد! إيه اللي مقعدك هنا؟"
نهض مراد ووقف بثبات. "اطمن على لارا يا عمى. ومش همشي من هنا غير لما أطمن عليها." كانت نبرته تحمل تحدياً واضحاً.
"اهدى يا بابا." قال يحيى محاولاً تهدئة الوضع المتأزم بين والده ومراد.
جلس الجميع ينتظرون، كل منهم غارق في أفكاره وتوبيخ ضميره. سليم كان ينظر إلى الأرض، الندم يأكله. ملك كانت تبكي بصمت، تشعر بالذنب تجاه أختها وتجاه ما وصلت إليه الأمور.
مرت الساعات ببطء شديد. كان كل صوت لأقدام الممرضات، وكل فتح لباب غرفة العناية المركزة، يُثير رعباً في قلوب المنتظرين. الضغط النفسي كان كبيراً على الجميع، خاصة على شهاب بك، الذي كان يُعاني من التوتر منذ بداية الأزمة.
فجأة، وضع شهاب يده على صدره، وشعر بدوار شديد.
"أنا... أنا دايخ يا سوزان..." قال شهاب بصوتٍ متقطع، وبدا عليه التعب الشديد.
فزعت سوزان وأولادها. "بابا! مالك؟" صرخ سليم ويحيى.
هرع الأطباء والممرضات إليه بسرعة. قاموا بفحصه، ووجدوا أن ضغطه قد ارتفع بشكل كبير بسبب التوتر والقلق.
"استاذ شهاب عنده ارتفاع حاد في ضغط الدم." قال الطبيب بجدية. "محتاج يدخل أوضة دلوقتي حالاً للمتابعة ."
اشتعل القلق في عائلة شهاب. تم نقل شهاب بك إلى غرفة عادية لإجراء الفحوصات اللازمة وتهدئة حالته. اضطر سليم ويحيى وسوزان وملك إلى مغادرة رواق العناية المركزة والذهاب مع شهاب بك.
أصبح الرواق هادئاً فجأة، ولم يتبقَ سوى مراد وفراس. نظر فراس إلى مراد الذي كان لا يزال ثابتاً في مكانه، وعيناه معلقتان على باب غرفة العناية المركزة.
"شوف يا مراد، عمو شهاب تعب ودخلوه أوضة." قال فراس بهدوء.
"لو عايز تروح تطمن عليه، ممكن ده يكون فرصة تهدّي الأجواء."
"مش همشي يا فراس." قال مراد، وعيناه لم تفارقا الباب.
"مش همشي غير لما أطمن على لارا الأول."
تنهد فراس، وهو يُدرك تصميم أخيه. "طيب... أنا معاك."
مع بزوغ الفجر، كانت أروقة المستشفى لا تزال هادئة، لكن قلب مراد كان يشتعل قلقاً. اقتربت منه الممرضة التي كانت تُتابع حالة لارا.
"الأنسة لارا فاقت . وحالتها مستقرة." قالت الممرضة بابتسامة خفيفة. "ممكن حد واحد يزورها دلوقتي، بس متطولش عليها، هي لسه تعبانة."
شعر مراد وكأن نسمة هواء باردة قد هبت على روحه. قام من مكانه بسرعة، واتجه نحو فراس. "فراس، فاقت. لازم أدخلها."
"روح يا حبيبي. ربنا يطمنك." قال فراس، وقد شعر براحة كبيرة هو الآخر.
عندما وصل مراد إلى الغرفة، فتح الباب ببطء. كانت لارا ممددة على السرير، وعلى وجهها شحوب واضح. رأسها ملفوف بضمادة بيضاء كبيرة، وعيناها نصف مفتوحتين، تنظران في الفراغ. كانت تبدو ضعيفة جدًا، لكن مجرد رؤيتها وهي واعية أثلج صدر مراد.
"لارا..." همس مراد، صوته مليء بالمشاعر المتناقضة: الراحة، الخوف، والحب.
التفتت لارا برأسها ببطء شديد نحوه. عندما رأت مراد، لمعت عيناها المتعبتان ببريق خفيف، وارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيها المتشققتين. كانت هذه الابتسامة هي كل ما يحتاجه مراد ليُدرك أنها بخير،ابتسامة باهتة، لكنها كانت كافية لتُحيي الأمل في قلب مراد.
"مراد..." قالت لارا بصوتٍ خفيض، بالكاد يُسمع، وبدت عليها علامات الضعف. ثم تلاشت ابتسامتها، وظهرت على وجهها تعابير حزينة. "مش عايزة أرجعلهم تاني يا مراد."
اتسعت عينا مراد. مد يده ليمسك بيدها برفق. "اهدئي يا حبيبتي، إيه اللي حصل؟" قال مراد، وعلامات القلق ارتسمت على وجهه. كان يعلم أن هناك ما هو أعمق من مجرد الخلافات.
تجمعت الدموع في عيني لارا، وبدأت في الانسياب ببطء على خديها الشاحبين.
"أول مرة أحس إني فعلاً مش بنتها."
انقبض قلب مراد. "قصدك إيه يا لارا؟" سأل، وهو يشد على يدها، يحاول بث الدفء والطمأنينة فيها.
نظرت لارا إليه بعينين دامعتين، وفي صوتها حشرجة ألم.
"ماما سوزان مش أمي يا مراد... أنت كنت تعرف؟"
تجمد مراد في مكانه. صدمة هائلة اجتاحته. لم يكن لديه أي فكرة عن هذا السر.
"لأ يا لارا... أنا... أنا معرفش." قال مراد بذهول، لم يستطع إخفاء المفاجأة على وجهه.
"ولا أنا عمري حسيت..." قالت لارا، وشهقة خفيفة خرجت منها.
"بس النهاردة عرفت... إني مش هكون زي بنتها أبداً... علشان تحمي سر ملك... اتهمتني إني السبب..." كانت تتحدث بصوتٍ متقطع، والكلمات تخرج بصعوبة. ثم تجمدت ملامح وجهها، وتصلبت يدها في يده.
"وسليم مد إيده عليّا... اتهمنى انى زى امى .....انا معرفهاش يامراد مفتكرهاش حتى .."
اتسعت عينا مراد بصدمة مرعبة. الكلمات الأخيرة للارا كانت كالصاعقة. ارتجف جسده من الغضب.
"إيه؟!" صرخ مراد بصوتٍ خفيض، لكنه كان مليئًا بالصدمة والغضب الشديد. كانت الصفعة هي كل ما لم يتوقعه مراد. شعر بغضب جارف تجاه سليم، وتجاه كل من حول لارا.
"متخافيش يا حبيبتي..." قال مراد، محاولًا السيطرة على غضبه من أجلها، وبدأ يمسح دموعها برفق.
"المهم دلوقتي إنك بخير... متتخيليش أنا قلقت عليكي إزاي... لارا، أنا بحبك.".
انحنى مراد ببطء، وقبّل يدها التي كانت لا تزال دافئة في يده، قبلة طويلة، كانت تحمل كل مشاعره: الحب، القلق، الوعد بالحماية، والغضب المكبوت على من آذاها. شعرت لارا بدفء قبلته، فأغمضت عينيها، وكأنها وجدت ملاذًا أخيرًا من كل هذا الألم.
Angel