كشف الولاءات

كشف الولاءات

16 0

الفصل ١٩: العاصفة تضرب... وكشف الولاءات الحقيقية

بعد تلك الليلة العصيبة التي كُشفت فيها الحقائق الصادمة، كانت التداعيات أسرع وأقسى مما توقعه الجميع. لم تستطع سوزان، استيعاب كل الصدمات المتتالية. فكرة أن ابنتها ملك كانت تخفي حباً آخر، وأن خطيب ملك، مراد، يحب لارا، كانت تزلزلها. بالنسبة لسوزان، كان الأهم هو حماية سمعة ملك، حتى مهما كان الثمن .

في صباح اليوم التالي، وبعد أن هدأت عاصفة الغضب الأولية بين رشيد وشهاب بك، واتفقا على إنهاء الخطوبة بشكل ودي، دون الخوض في التفاصيل، كان سليم ويحيى، ابني شهاب وسوزان، يجهلان الكثير. كانا يعلمان فقط أن الخطوبة قد فُسخت، وأن الجو العام في المنزل مشحون بالتوتر والضيق.

في فيلا شهاب بك، كانت لارا تحاول أن تُلملم شتات نفسها. كانت تجلس في غرفتها، شاردة، تفكر في مستقبلها مع مراد، وهل هناك أمل حقيقي لهما. فجأة، سمعت أصواتاً مرتفعة من غرفة المعيشة بالأسفل. كانت أصوات سليم ويحيى، ممزوجة بصوت والدتها سوزان.

نزلت لارا إلى الأسفل ببطء، وقلبها ينقبض. وجدت سليم ويحيى يقفان أمام سوزان، التي كانت تحاول أن تُشرح لهما الموقف.

"يعني إيه الخطوبة اتفسخت يا ماما؟ وإزاي مراد يعمل كده؟" قال سليم بصوتٍ عالٍ، ووجهه يعكس الغضب.

"يا حبايبي، حصل سوء تفاهم. ومفيش نصيب." قالت سوزان، محاولةً التهرب من الحقيقة كاملة. "وده قدر ربنا."

"بس ده مينفعش يا ماما." قال يحيى، وهو ينظر إلى لارا التي وقفت على أطراف السلم. "دي فضيحة لينا، ولسمعة ملك."

في هذه اللحظة، رُفع صوت سوزان أكثر. "المشكلة مش في مراد لوحده. المشكلة كمان في لارا!" قالت سوزان، وعيناها مليئتان بالألم واللوم الذي تحول إلى اتهام مباشر، وهي تُشير نحو لارا. كانت تحاول أن تُقسم اللوم، وتُشير إلى أن لارا كانت طرفاً في المشكلة، دون أن تكشف عن سر ملك، ظناً منها أنها تحمي ابنتها .

تجمدت لارا في مكانها، وعيناها اتسعتا بصدمة. لم تتوقع أن تُلقي والدتها  اللوم عليها بهذا الشكل، وأن تُضحي بها لحماية سر ملك. شعرت بخيبة أمل عميقة.

نظر سليم ويحيى إلى لارا بغضب واستنكار. كانت نظراتهما حادة، تطلق شرراً.

"لارا؟ إيه اللي حصل؟ إيه علاقتك بالموضوع ده؟" قال سليم، وعيناه تضيقتان، .

سوزان "مراد طلع بيحبها ... وهى كمان "

اقترب سليم منها بخطوات سريعة وغاضبة..

"إنتي خطفتي خطيب أختك يا لارا؟"

شعرت لارا وكأن الأرض تميد من تحت قدميها. "لأ... أنا... أنا معملتش حاجة." قالت لارا، صوتها يرتجف، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.

"ملك... مراد هو اللي..."

لم يُمهلها سليم أن تكمل جملتها. كان الغضب قد تملكه تمامًا، مدفوعًا بالمعلومات الجزئية التي سمعها والغيرة على سمعة أخته . رفع يده واندفع نحوها، وأمسك شعرها.

سليم "طبعا ما انتى زى امك ....خطفتى مراد ... وامك خطفت ابويا زمان . قلنا اختنا ومتربية معانا . بس طبعا العرق دساس "

ظل يوجه لها صفعة تلو الأخرى قوية على وجهها. ثم ترك شعرها .

صدمت سوزان لما تتوقع حاولت تدافع بس اتجمدت وملك كمان ....

كانت الصفعات مفاجئة وقاسية. احمر وجهها وجرح طرف شفتيها. و لم تتمالك لارا نفسها، فقد كانت ساقاها ضعيفين من الصدمة والألم. انهارت لارا وسقطت للخلف، لكنها لم تقع على الأرض مباشرة. ارتطم رأسها بحافة طاولة خشبية ثقيلة كانت خلفها. سمع صوت ارتطام قوي، ثم تبعها صمت مفزع.

لم تتحرك لارا. فقدت وعيها على الفور، وارتسمت بركة صغيرة من الدماء تحت رأسها على الأرض الباردة. تحول وجه سوزان إلى شحوب مميت، بينما تجمد سليم ويحيى في مكانهما، الصدمة بادية عليهما من فعلة سليم المتهورة.

"لارا!" صرخت سوزان مذعورة، هرعت نحوها. "لارا! ردي عليا!" كان صوتها يحمل نبرة ممزوجة بالندم على اللحظة التي ألقت فيها باللوم عليها.

جثى سليم على ركبتيه بجانب لارا، ويده ترتجف وهو يُحاول إفاقتها، لكنها لم تُجب. "لارا... أنا آسف. أنا مقصدش." قال سليم بصوتٍ يملؤه الرعب والندم.

في المستشفى...

بعد دقائق من الفوضى والذعر، وصلت لارا إلى المستشفى. كان الرواق المؤدي إلى غرفة الطوارئ يضج بالصمت المشوب بالخوف. سوزان، ملك، سليم، ويحيى كانوا ينتظرون خارج غرفة الطوارئ، القلق ينهش قلوبهم. ملك كانت تُطلق زفرات قلق، بينما سليم كان يجلس ووجهه بين يديه، الندم يقتله. كانت سوزان تنظر إلى لارا وهي تُنقل على السرير الطبي، وتتساءل في نفسها إن كانت قد ذهبت بعيداً جداً في محاولتها لحماية ملك.

في هذه الأثناء، رن هاتف مراد. كان فراس هو المتصل.

"ألو... فراس؟" قال مراد، صوته يحمل بعض التعب.

"مراد! الحقني يا مراد!" قال فراس، صوته بدا عليه الذعر.

"لارا... لارا في المستشفى!"

تجمد مراد في مكانه، الدم انسحب من وجهه. "إيه؟ لارا؟ إيه اللي حصل؟"

"مش عارف التفاصيل بالظبط." قال فراس.

"بس علا كلمتني دلوقتي، وقالت إنها سمعت من حد من جيرانهم إن لارا حصلها حاجة وإنها في المستشفى. بيقولوا إنها اتخبطت في دماغها."

أنهى مراد المكالمة بسرعة، دون أن ينتظر تفاصيل إضافية. قبض على مفاتيح سيارته، وهرع خارج الفيلا، عقله لا يستوعب سوى كلمة واحدة: لارا في المستشفى. كانت هذه اللحظة، التي طالما خشيها، قد جاءت.

.................

اندفع مراد بسيارته بجنون نحو المستشفى. كان قلبه ينبض بقوة عنيفة في صدره، وعقله لا يستوعب سوى صورة لارا وهي ملقاة بلا حراك. وصل إلى مدخل المستشفى، وأوقف سيارته بعشوائية، ثم ترجل منها مهرولاً نحو الداخل. أضواء المستشفى البيضاء الصارخة، ورائحة المطهرات، وأصوات الأجهزة الطليقة، كلها كانت تزيد من توتره.

عندما وصل إلى الطابق الذي توجد به غرفة الطوارئ، رأى المشهد الذي طالما خشيه. كانت عائلة شهاب بك هناك: سوزان جالسة على كرسي بلاستيكي، ووجهها شاحب وعيناها حمراوان من البكاء، ملك تقف بجانبها، تبدو عليها علامات الصدمة والقلق، وسليم يجلس ووجهه بين يديه، ويحيى يقف بجانبه، وكلاهما يبدو عليهما الندم والحيرة.

بمجرد أن رأتهم سوزان، ارتفعت عيناها لتلتقيا بعيني مراد. كانت نظرتها تحمل مزيجًا من الأسى واللوم الصامت. تقدم مراد بخطوات سريعة نحوهم، دون أن يرى أحداً سوى أفراد عائلة لارا.

"إيه اللي حصل؟ لارا كويسة؟" قال مراد بصوتٍ مرتجف، بالكاد يستطيع النطق. كانت عيناه تبحثان عن أي إجابة في وجوههم.

رفعت ملك رأسها. "مراد!" قالت بصوتٍ خفيض، وقد بدت عليها علامات الدهشة من وصوله السريع.

نظر سليم إليه، ونهض من مكانه ببطء، وعلى وجهه مزيج من الصدمة والذنب والعداء الخفي. "إنت بتعمل إيه هنا؟" قال سليم بحدة.

تجاهل مراد سؤال سليم. عيناه كانتا مثبتتين على سوزان. "لارا فين يا طنط؟ هى كويسة؟"

لم تستطع سوزان الإجابة. أومأت برأسها نحو باب غرفة الطوارئ، وعادت للبكاء بصمت.

في هذه اللحظة، خرج أحد الأطباء من الغرفة. كان يرتدي زيه الأخضر، وعلى وجهه علامات الجدية.

"طمنا يا دكتور، لارا كويسة؟" قالت سوزان بلهفة، ونهض الجميع حول الطبيب.

"هي حالتها مستقرة دلوقتي." قال الطبيب بنبرة هادئة، محاولاً بث الطمأنينة. "الخبطة كانت قوية، بس الحمد لله مفيش نزيف داخلي كبير. فيه شرخ بسيط في الجمجمة، وارتجاج."

شعر الجميع بالراحة قليلاً بعد سماع كلمة "مستقرة"، لكن الخوف لم يتبدد تماماً.

"وهي فايقة؟ ممكن نشوفها؟" سأل مراد بلهفة، متجاهلاً وجود سليم ونظراته العدائية.

نظر الطبيب إلى مراد، ثم إلى العائلة. "لسه تحت تأثير المهدئات. وهتتنقل أوضة عادية كمان شوية. بس الزيارة هتكون ممنوعة حالياً، لحد ما تفوق وتعدي مرحلة الخطر الأولى."

شعر مراد بالإحباط الشديد. كان يريد أن يرى لارا، أن يتأكد بنفسه أنها بخير.

مرت الدقائق ببطء شديد، كانت كل ثانية تمر وكأنها دهر. سوزان كانت تبكي وتُتمتم بكلمات غير مفهومة، وملك تحاول تهدئتها. سليم كان يتجنب النظر في عيني أحد، والندم ينهش قلبه، أما يحيى فكان يحاول أن يكون عملياً، يسأل عن الإجراءات والخطوات التالية.

فجأة، نظر مراد إلى سليم الذي كان لا يزال يقف بجمود. لم يعد يستطع كبت غضبه. "إيه اللي حصل بالظبط يا سليم؟ ليه لارا في المستشفى؟" قال مراد بصوتٍ حاد، يحمل اتهاماً واضحاً.

تغير لون وجه سليم. "إنت مالك؟ إنت مش مسؤول عنها!"

"أنا مسؤول عنها أكتر من أي حد فيكوا!" قال مراد بغضب، واقترب من سليم. "قولي إيه اللي حصل؟"

قبل أن يتمكن سليم من الرد، تدخلت ملك، وقد لاحظت تصاعد التوتر. "مراد، اهدى بس."

تجاهلها مراد، وعيناه مثبتتان على سليم. "انا عايز افهم ايه إلى حصل للارا!"

في هذه اللحظة، تدخلت سوزان، ورفعت صوتها رغم ضعفها. "مراد! خلاص! الموضوع انتهى! لارا كويسة الحمد لله." كانت تحاول منع أي شجار آخر، وخاصة أن يكشف سليم ما حدث.

لكن مراد لم يهدأ. "لأ يا طنط، الموضوع مخلصش!" كان يعلم أن هناك شيئاً تخفيه العائلة، ونظرات سليم كانت تفضحه.

تدخلت سوزان، ووقفت بينهما، ودموعها لا تتوقف. "خلاص يا مراد! اهدى! اللي حصل حصل!"

"أهدى إيه يا طنط؟! بنتك بين الحياة والموت وحضرتك بتقولى اهدى!" صرخ مراد، وكأنه ينسى تماماً وجود الآخرين.

"إيه الى حصل  يا سليم؟ مين السبب ؟!"

كان سليم في حالة صدمة وندم، لكن غضب مراد فجّر فيه غضباً مضاداً. "كنت بتكلم معاها!  وشدينا مع بعض ووقعت اتخبطت ....خلاص ارتحت! بعد ما انتوا دمرتوا حياة ملك"

"حياة مين بالظبط؟" قال مراد بسخرية مريرة.

"ملك اللي كانت بتحب واحد تاني وعايزة تخلص من الخطوبة دي هي اللي دمرت حياتكوا؟ ولا إنتوا اللي ضغطتوا عليها عشان توافق على واحد مش بتحبه؟"

اتسعت عينا سليم ويحيى، وكذلك ملك وسوزان، من صراحة مراد وكلماته التي كشفت جزءاً من سر ملك علناً. صدمة جديدة حلت بالجميع. سوزان وضعت يدها على فمها، تمنع شهقة الخوف من أن تخرج.

"إيه اللي بتقوله ده؟" قال يحيى بصوتٍ خفيض، لا يصدق ما يسمعه.

"زي ما سمعت كده بالظبط!" قال مراد، وقد استغل الفرصة لكشف الحقائق التي كانت تخفيها العائلة.

"ملك مش عايزة تتجوزني أصلاً، وده اللي خلاها توافق على فسخ الخطوبة بمنتهى الهدوء. ولارا هي اللي عرفتني ده، عشان أكون فاهم إن الموضوع مش جاي من عدم حب مني لملك بس، ده جاي منها هي كمان كانت بتبعدنى بلا مبالتها وعدم اهتمامها، طبيعى كنت انجذب للارا ويمكن دى كانت خطتها!"

كانت هذه هي القنبلة الثالثة التي تنفجر في وجه عائلة شهاب. وجه سليم تحول إلى اللون الأحمر من الغضب والذنب.

"إنت كداب!" صرخ سليم، واندفع نحو مراد مرة أخرى. لكن هذه المرة، تدخل فراس الذي كان قد وصل للتو، وأمسك بسليم من ذراعه بقوة قبل أن يصل إلى مراد.

"كفاية كده يا سليم!" قال فراس بصوتٍ حازم، بينما نظر إلى مراد بنظرة تحذير. "مش وقته الكلام ده خالص! احنا في المستشفى!"

توقف مراد عن الصراخ، لكن نظراته بقيت حادة. توجه نحو باب غرفة الطوارئ، وحاول فتحه. "عايز أشوف لارا."

"مش هينفع يا مراد، لسه ممنوع الزيارة." قالت سوزان بصوتٍ باكي.

لم يهتم مراد لكلامها. حاول فتح الباب مرة أخرى، لكن الممرضة منعته.

"يا أستاذ، ممنوع . هي لسه تحت تأثير المهدئات ولازم ترتاح." قالت الممرضة بصرامة.

شعر مراد بالعجز. ضرب بقبضته على الحائط المجاور له، ثم أدار ظهره للعائلة الغاضبة والمتوترة، وجلس على أقرب كرسي بلاستيكي، ووجهه بين يديه. كان قلبه ينزف ألماً على لارا، وغضباً من الموقف برمته.

كان الجو العام في الرواق مشحونًا بالتوتر والصمت، الذي قطعه صوت بكاء سوزان الخفيف، وصوت ملك وهي تحاول تهدئتها، ونظرات سليم الغاضبة، ويحيى الحائر. فراس وقف بجانب أخيه، ووضع يده على كتفه في محاولة لدعمه.

بعد فترة، جاء الطبيب مرة أخرى. " المريضة اتنقلت لغرفة العناية المركزة مؤقتًا للمراقبة الدقيقة. حالتها مستقرة، بس محتاجين نتأكد إن مفيش أي مضاعفات."

ارتعش قلب مراد لسماع كلمة "العناية المركزة". على الرغم من أن الطبيب قال "مؤقتاً"، إلا أن هذا يزيد من قلقه. نهض مراد من مكانه واتجه نحو الطبيب. "إمتى ممكن أقدر أشوفها؟ أنا لازم أشوفها."

نظر الطبيب إلى مراد بعينين حائرتين، ثم قال: "لما حالتها تسمح. ممكن بكره الصبح لو الأمور مشيت تمام."

تنهد مراد بيأس. ليلة طويلة من الانتظار والقلق كانت تنتظره.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مشاعر متضاربة

المؤلف Angel
2025/11/08 مكتملة
قائمة الفصول (30)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة