•يرجى تجاهل الأخطاء الإملائية•
ستجدون صور ومعلومات الشخصيات في حسابي الانستجرام
اسمه : sirvi_an
•
.
⚠️ تنبيه⚠️
.
يحتوي هذا الفصل على مشاهد حساسة تتعلق بالصدمات النفسية، والهلع، والخوف من الفقد، وإشارات لاعتداء سابق..
.
.
_أخبرني بما تشعر به الآن
"وقف ليان بإرتباك في منتصف الغرفة، يديه تمسكان بطرف سترته الفضفاضة بتوتر وعبوس مرتبك،بريئ على وجهه
راقب تحركات طبيبه النفسي في أرجاء الغرفة..أخذ
دفتر ملاحظاته وجلس على كرسي طويل دون مسندٍ له، ثم حدق بليان بصمت منتظراً بدأه
صفى ليان حلقه بإرتباك، ثم قال بصوت خجول خافت :
_أصبحت أهلوس كثيرا في الفترة الأخيرة..لذا بدأت بأخذ مضادات الاكتئاب كل يوم
"أومأ الطبيب برأسه مشيرا إياه بالإستمرار، بينما كانت يده تدون الملاحظات بسرعة على دفتره
لمح ليان بسرعة ورفع حاجبه وهو يقول :
_هل جلبت معك علبة الدواء؟
"هز الآخر رأسه موافقاً ثم اخرج العلبة بسرعة وسلمها للطبيب.. اما الآخر فتفحصها بسرعة مدققاً على معلوماتها الاساسية كإسم المنتج ومقدار عياره وهذا كان الأهم..
عبس بإحباط ثم تنهد بثقل وقال وهو يهز العلبة بيده :
_مستوى الدواء مرتفع بالفعل بالنسبة لعمرك..لا استطيع أزيده أكثر والا قد تصاب بالجنون أو أسوأ
"عبس ليان بإحباط وشعر بضيق في صدره
تردد للحظات قبل ان يقول بخجل:
_لكنني خائف من الهلوسات..ولا اريدها ان تعود
"رمى الطبيب علبة الدواء على المنضدة بجانبه وأخذ يدوّن ملاحظاته وهو يسأل بهدوء، صوته مهنيّ أكثر و خاليّ من العاطفة، مما زاد من حزن ليان وشعوره بالرفض والإنكسار
_مانوع الهلوسات التي تسمعها؟
"رفع ليان نظره الى الطبيب ببطء وقد شرد به للحظات، فرفع الآخر حاحبه وقال بنفاذ صبر :
_ليان؟؟
"انتفض ليان واحمر وجهه بشدة..تململ بخجل وقال بتردد:
_أ..أصوات كثيرة غير مفهومة
عادة ما اسمع صوت شتائم العلماء لي..أو حتى صوت صراخ أمي قبل موتها..
وحتى أنني أرى هليّ أحيانا..ابن عمتي
_عدنا الى هليّ..
"زفر الطبيب بإنزعاج خافت..فنظر اليه ليان بإحراج وحاجبيه محنيان مما جعل الألم واضح على ملامحه المتعبة
_أنا آسف..
"قاطعه الطبيب بإحباط :
_لطالما كنت كذلك..لكن مالذي يتغير؟
لاشيء..انت لم تغير شيئاً بك منذ بدايتك في رحلة العلاج
"ضاقت عينا ليان وتراقصت الدموع على طرفهما..ارتجف فمه محاولاً مقاومة البكاء، لكنه اجبر نفسه على الكلام فخرج صوته مكسوراً ومرتعشاً :
_هو الذي يأتي إليي..
"هز الطبيب رأسه بعدم تصديق وهو يكتب الملاحظات، ثم رفع نظره الى الفتى أمامه وأشار اليه بقلمه بجدية وهو يقول :
_لا يمكن للأموات ان يأتو بأنفسهم..أنت فقط تهلوس به طوال الوقت..
لماذا تصر على كونك الضحية والمتألم دائما؟
"حل صمت غير مريح في المكان، فتنهد الطبيب مجدداً وسأل بهدوء:
_مالذي يخبرك به هليّ حين يأتي إليك ؟
"حدق به ليان بصمت وهو يتذكر ما كان يسمعه، فبدات الأصوات تعود الى ذهنه وكأن هليّ يقف خلفه تماما
انسالت دمعة بطيئة على خده المحمر وقد بدت عيناه فارغتان، وكأن السعادة قد هجرتهما منذ عقود
صفى حلقه وقال بصوت مخنوق خافت :
_يخبرني ان أتوقف..
"عقد الطبيب حاجبيه فسأل :
_تتوقف عن ماذا ليان؟
_عن محاولتي لقتل نفسي.
"نظر اليه الطبيب بصمت وقد حلت الجدية على ملامحه، لكن ليان قد سبقه مكملاً :
_فأجيبه بألا يتدخل..
لانه ميت.. حُر ..وليس مثلي..سجين، ومقيّد، ومكروه.
"نهض الطبيب من الكرسي مقترباً من ليان ببطء وقد ملأ وقع خطواته الغرفة شبه المظلمة
اشار بالقلم الى صدر ليان، وفوق موضع قلبه تماماً
_لا يمكنك ان تحكم عليه بالحرية فقط لانه مات..
لا تنسى انك سبب موته، لذا لا يحق لك ان تتصرف وكأنك المقيّد الذي يتألم بينما هو حر طليق.
"اتسعت عينا ليان، فاقترب بسرعة وخرج صوته محبطاً وغاضباً :
_بل هو كذلك! لانه ميت و-
_انت توهم نفسك وحسب! توقف عن التكلم بحسد هكذا!
"انقطع صوت ليان بسرعة وحلت الصدمة فوق ملامحه الغاضبة
تراجع لبضع خطوات وهو يهز رأسه بعدم تصديق، فأكمل الطبيب بصرامة وصوته لا يظهر أي اهتمام او شفقة
_انت الذي ترسم الوهم وتصدقه، فتصبح الضحية دائما
بجدية يا ليان انت في الثامنة عشر ولست طفلاً..!
لست أول طفل يفقد والدته حتى، ولست اول شخص يتعرض لصدمات في حياته..رغم ذلك تتصرف بحسد وحقد وهذا يعكس سوادَ قلبك!
"ازداد اتساع أعين ليان عند ذكر والدته..وللحظة شعر وكأن قلبه..ذلك التي اتهم بالسواد يعتصر في صدره بعنف
هز رأسه نافياً، وبدأت الدموع تسقط دون سيطرة :
_لكنني لا اتعمد ان اعيش دور الضحية! انا فقط أريد..
أريد أن..
"تردد..وشعر بالكلمات عالقة في حلقه فاكتفى بإخفاض رأسه، والبكاء بصمت بينما قبضت يديه على حافة قميصه الفضفاض ببراءة..فكيف له هو ان يُتهم بسواد القلب؟!
_انت الشخص الوحيد القادر على معالجة نفسك..لا انا ولا والدك سنستطيع ذلك مادمت ترفض التحسن
أصبحتَ في الثامنة عشر بالفعل..الا تشعر بالعار لكونك عبئاً على والدك في هذا العمر؟!
"اخفض ليان رأسه أكثر وقد انتباه شعور العار، وسقطت يديه المرتعشتين بجانب جسده، وهو يكتم شهقاته اسفل معاتبة الطبيب
_أنا آسف..
_توقف عن الاعتذار باستمرار وكأنك طفل في السادسة من عمره!
_آس...-
"ارتد رأس ليان جانباً حين رمى الطبيب دفتره في وجهه وقد ارتسم الغضب على ملامحه الجادة
صر على أسنانه وقال بصرامة :
_أنت لا أمل منك!
لن تتغير ابدا ان بقيت هكذا! تظن نفسك الضحية دائما، ولا تدرك انك عبئ على نفسك وعائلتك!
"ارتجف جسد ليان أكثر، وأحسّ بلسعة حادة كلما انهمرت دموعه على خديه
خرج صوته خافتاً جدا بالكاد يسمع :
_آسف..لن أكون ضحية مجدداً..
"تفحصه الطبيب للحظات ثم انحنى ملتقطاً دفتره بسرعة
التفت ودخل الى غرفة اخرى متصلة بمكتبه وأغلق الباب خلفه وهو يقول :
_انتظرني هنا ريثما أنهي عملي
.
.
.
مرت الدقائق ببطء وليان ينتظره في الخارج وقد تلطخت خدوده بدموعه الجافة
كانت ملامحه حيادية ليس بها ألم أو حزن..لم يجرؤ على البكاء خوفاً من ان يتخذ دور"الضحية" مجدداً..رغم حاجته الماسة لذلك، فلم يكن البكاء سوى الوسيلة الوحيدة لتخفيف آلامه في عالم عجز الجميع عن فهمه به
لم يكن طبيبه ودوداً معه..بل كان يعاتبه في كل جلسة وكأن ليان وُجد ليتلقى اللوم على اخطاء الآخرين تجاهه
والأسوأ من ذلك ان لورينس كان جاهلاً عما يتلقاه ابنه من معاتبة ولومٍ في جلسات علاجه النفسيّ بسبب تكتم إبنه الدائم لكل شيء
مسح دموعه بظهر يده الموشومة، ثم أخذ يقضم أظافره دون انتباه منه
دقائق معدودة قبل ان يعود الطبيب مجددا وبيده ملفٌ مغلف بيده
سلمه الملف، فمد الآخر يده بخجل وتردد..
لاحظ الطبيب وشوم يده فرفع حاجبه وقال باستغراب :
_أقمت بوشم يدك مؤخرا؟
"هز ليان رأسه وقال بصوت هادئ، أجش، مرهقٍ من الحرب التي تدور داخله
_كل جسدي..قمت بوشم كل جسدي
"ضاقت عينا الطبيب، فتفحص الفتى ملاحظاً ارتداءه ملابس فضفاضة لا يظهر منها سوى رقبته الموشومة ويديه
تنهد وقال بإرهاق :
_الإكثار من الوشوم أمر سيء..بل مقزز يا فتى
على أية حال هذا الملف الخاص بك..قم بإعطاءه لوالدك ولا تنسى زيارتي في الشهر القادم.
"رفع ليان نظره الى الطبيب وتمتم بتعب :
_أعلم انني مقزز..هذا ما اريده
ولو كنت اعلم ذلك مسبقاً لوشمت جسدي في السادسة من عمري..
.
.
ربما كنت سأنجو من الاعتداء عندها..
.
.
"تنهد الطبيب وقرص جسر أنفه وهو يقول :
_لست أول طفلٍ يتعرض للإعتداء، ورغم ذلك تتكلم عن الأمر دائما وكانك لا ترغب في نسيانه
"سلمه الملف وهو يكمل :
_لو اردت العلاج حقا لكنت نسيت ماضيك..لكن يبدو لي انك لن تتغير ابدا.. ليس وأنت تذكر الإغتصاب دائما وكانك الطفل الوحيد في هذا العالم
تقبل الأمر يا ليان..انت لست مميزاً عن غيرك، فمن بين جميع المرضى لديّ..انت الوحيد الذي يرفض التطور والعلاج..
.
.
.وكأنك تستمتع بشفقة الناس تجاهك.
.
.
"اخذ ليان الملف وقد ابتلع ريقه بصعوبة لانتقاد الطبيب له، لكنه لم يجادل..لم يقوى على ذلك رغم قلبه الذي كاد ينفجر من شدة الإعتصار..بل التفت وغادر بصمت ونظره شبه مشوش إثر الدموع التي غمرت عينيه.. مجدداً
_ وأيضا ليان..
"توقف ليان فجأة، ثم التفت بفضول الى الطبيب منتظراً إكماله، وقد لمعت عيناه للحظات متأملاً لعله يستمع لكلمة حلوة تُطيب جروحه
عبس الطبيب بهدوء وقال :
_الحياة ليست للجميع يا بنيّ..
"اتسعت عينا ليان ببطء وشعر بطعنة حادة في صدره لإدراكه مقصده..فكانت تلك الكلمات كضربة أخيرة عنيفة حطمت قلبه المجروح وكسرته الى أشلاء..
لم ينفعل..لم يواجه الأمر بشجاعة..بل هز رأسه وكأن عقله قد تقبل الفكرة منذ زمن..ولم يكن كلام الطبيب دواءً، بل فقط تأكيد أخير لحقيقة قديمة: أن الحياة لم تكن يومًا مكانًا له..
.
.
.
فتح ليان عينيه ببطء بعد تدفق الذكريات في ذهنه، مما جعله غير واعٍ لما حوله فلم يشعر بحضور هذر او حتى صخب أصوات عائلته حوله..
اقترب من غرفة والده ببطء وهو يراقب تحركات حماته السريعة والدقيقة بجانب السرير وهي تجهز الادوات اللازمة للعلاج
_توقف عن كونك عبئاً على والدك..
"تردد صوت الطبيب في ذهن ليان مراراً وتكراراً وكانه شريط فيلم وجدَ ليكون سبباً إضافيّ لآلامه..
وقفت ستار بقلق بجانب السرير وبيدها مجموعة من الملابس النظيفة، بينما كان لويس يسارع في تمزيق ملابس والده المبللة ورميها جانباً بعشوائية
في تلك الأثناء كانت هذر في زاوية الغرفة تحضر مكينة الأكسجين ومحلول طبيّ تحسباً لتدهور صحة لورينس
حالما رفع لويس جسد والده إليه لإلباسه ملابسه، حتى اصدر لورينس أنيناً منزعجا وقد عقد حاحبيه بسرعة رغم فقدانه لوعيه
اقتربت هذر ووضعت قناع الأكسجين على وجهه، مُحكمةً إياه فوق أنفه وفمه قبل أن تقول بهدوء:
_من الجيد انه يستجيب لما حوله، وهذا يعني انه شبه فاقد لوعيه
"اقتربت ستار بسرعة وسألت بقلق :
_ومتى سيستيقظ؟
"أمسكت هذر بيد لورينس وحقنته بالإبرة في أحد عروقه مثبتتة أنبوب المحلول الطبي فبدأ الدواء يتدفق في عروقه
التفت الى ستار، زفرت براحة وقد ارتخت ملامحها الجادة وقالت بهدوء :
_سيغط في نوم عميق، وقد يستمر الى الغد او لفترة اطول
يعتمد ذلك على سرعة شفاء جسده بعد نوبته المفاجئة، والى ذلك الحين احرصوا على تدفئة جسده
"أومأت ستار موافقة، ثم التفتت إلى زوجها بقلق. جلست بقربه وأمسكت يده بين كفيها، تمرر إبهامها فوق ظهرها ببطء، وحين شعرت بأن دفء جسده بدأ يعود شيئًا فشيئًا، ارتخت ملامحها المتوترة، وتشابكت أصابعها مع أصابعه بسرعة وقوة وكأنها تخشى ان تخسره الى الابد كما خسرت صغيرها يوسّان
احمرّت أذناها بخفة بعد لحظات من ادراكها لما فعلته وملاحظة أنظار لويس الفضولية نحوهما، فهذه من المرات القليلة التي تبادر فيها إلى لمسه بهذا الشكل منذ بداية زواجهما...
راقب ليان بملامح هادئة متعبة، وعيناه خاليتان من أي أثر للمشاعر ولم يكن نظره مثبتاً الا على تشابك أيديهما فتمتم بصوت خافت :
_لماذا ليست إيميلي..؟
في تلك الأثناء اقترب إيبو من الغرفة بخطى متعثرة، مستنداً بيده على الحائط وبشرته شاحبة قليلا من آلامه وحالته الصحية المتدهورة
شاهدهم بعبوس قلق..ثم التفت الى ليان ملاحظاً سكونه المتناقض مع التوتر داخل الغرفة
حدق به للحظات وقد انتابه شعور التردد بين الحديث معه..او تركه ليهدأ اكثر.. لكن فجأة التفت ليان وابتعد دون ان يقول شيئاً..ودون ان يلحظ وقوف شقيقه بجانبه حتى
.
.
.
ثلاث ساعات مرت وقد حل الهدوء في المنزل أخيرا..
تحسنت صحة لورينس قليلا وقد انتظمت أنفاسه وعاد جسده الضعيف لحرارته المعتادة وقد غط في نومٍ عميق
عاد إيبو الى النوم بسبب آلام جسده أيضا ولم يبقى سوى ستار ولويس
اغلقت ستار باب غرفتها بهدوء وتأني لعدم إصدار أي ضجيج، بينما كان لويس خلفها يراقب بصمت وهدوء
وحين أُغلق الباب، تنهدت براحة ثم نظرت الى لويس بحنية وفخر وقالت :
_أحسنت عملاً يا صغيري، ما كنت سأحسن التصرف وحدي لولا وجودك ومساعدتك..انا فخورة بك!
"اقتربت ومدت يديها ممسكة بوجهه إبنها، فطبعت قبلة طويلة مليئة بالحب والأمومة على جبينه، فهز الآخر رأسه بهدوء رغم انتشار احمرارٍ خفيف على خديّه المزينين بنمش خفيف لا يُلحظ بسهولة
تأملته ستار بإبتسامة حنونة، لكن سرعان ما تبدلت الى عبوس قلق وقالت :
_ترى مالذي يفعله ليان الآن؟
"رفعت نظرها الى لويس متفحصة ضمادة أنفه الملطخة ببقع من دماءه، وأسفل فمه وانتفاخ خده الخفيف فسألته :
_لست غاضباً منه أليس كذلك؟
"هز لويس كتفيه، وتوسعت ابتسامة جانبية خفيفة وقال بعدم اهتمام :
_لا..لا بأس
"ابتسمت ستار مجدداً وقد اطمئن قلبها، لكن دهشت حين أكمل لويس :
_لن اغضب منه لشيء تافه كهذا فكلانا إخوة من رحمٍ واحد وهو يدرك تماماً انني ملجئه الآمن مثلما هو كذلك بالنسبة لي..
.
.
ولولا مرض قلبي لكنت أفديته به دون تردد، فلماذا ساغضب منه لمجرد كسر أنفٍ وإقتلاع سنْ
.
.
"اتسعت عينا ستار بدهشة مما سمعته، فهذه اول مرة يفصح بها لويس عن اهتمامه لشيء بوضوح كشخص طبيعي..
عبست بتأثر وتجمعت الدموع في عينيها بسرعة فتقدمت وعانقته بقوة وتمتمت :
_انا فخورة بك جدا.! فخراً يفوق كل ما استطيع وصفه!
.
.
عاد لويس الى غرفته حالما غلبه النعاس..فقررت ستار التوجه الى غرفة ليان لتفقده والإطمئنان عليه
في تلك الأثناء كان ليان مستلقياً على سريره بصمت، محدقاً بالسقف بشرود وملامحه حيادية لا تكشف حزناً أو سعادة..
رمش ببطء، فانزلقت دموعه بسرعة على زوايا وجهه مبللة قماش وسادته، لكن أيقظه من شروده صوت طرقٍ على النافذة
"نهض واتكئ على يديه وهو ينظر الى النافذة بحيرة، فزفر من أنفه بإنزعاج وانزلق من السرير بكسل متوجهاً الى النافذة المفتوحة وهو يتمتم :
_هذا الطقس مريبٌ حقا.. لماذا تمطر بهذه الغزارة في بداية الربيع!
اغلق النافذة، ثم وقف للحظات وهو يراقب المطر الغزير ونويّ الرياح...فعادت به الذكريات الى تلك الليلة المشؤومة..
نافذة مفتوحة..وظل شخص شاهق يدخلها بابتسامة عريضة تكشف أسنانه بوحشية
هز ليان رأسه بسرعة مصفياً ذهنه، وقد تسارع نبضه واقشعر جسده لتذكر ذلك، ثم ابتعد عائداً الى السرير
لكن فجأة..
"فتحت النافذة فجأة بعنف إثر هبوب الرياح العنيفة.. وارتطمت بالجدار بصوت صاخب وأخذت ترتج محدثة صوت صرير مزعج
تجمد ليان مكانه.. عيناه برعب وتسارعت أنفاسه حتى كاد قلبه يحطم قفصه الصدريّ من سرعة خفقانه..
التفت بسرعة نحو النافذة وقد ازدادت القشعريرة مع هبوب الرياح الباردة التي ملأت الغرفة..رغم برود جسده المعتاد
فلم تكن الرياح مصدر قشعريرته..بل ذكرى مؤلمة قد عبرت ذاكرته بسرعة كالكابوس
تحولت انفاسه الى لهاث مرتعب، وتراجع ببطء بخطى مترنحة وأقدام مرتجفة حتى تعثر وسقط على السرير..فاكتفى بالزحف للخلف بخوف وضم قدميه الى صدره وهو يرتجف بعنف فبات عقله مشوشاً مما منعه من النطق أو الصراخ..بل اكتفى بالبكاء بصمت
.
.
-صوت طرق الباب-
انتفض ليان وأخرج مخالبه بسرعة مستعداً للهجوم ان لزم الأمر
_ليان هل انت مستيقظ؟
دخلت ستار الغرفة ببطء وهي تنادي بحنية :
" حدق بها بصدمة...لكن سرعان ما انكسرت ملامحه وملأها الخوف مجددا فنادى بصوت مرتجف يُبَح في نهايته:
_ماما!!
"توقفت خطى ستار فجأة وقد اتسعت عيناها ببطء
.
.
ماما..؟
.
.
لم يسبق له ان ناداها بذلك اللقب منذ زواجها من لورينس..لكن الآن كان الأمر مختلفا تماماً..
تلك العيون الدامعة الخائفة وارتجاف جسده..كان مضطرباً بالتأكيد!
نظرت اليه بقلق..ثم الى النافذة المفتوحة للحظات، فعبست بهدوء وكأنها أدركت سبب خوفه فقالت وهي تتجه نحوها :
_منذ متى ونافذتك مفتوحة يا صغيري؟
_لا تذهبي! سوف يأتي!!
"صرخ ليان بخوف ومد يده في الهواء دون وعي، وازداد ارتجافه حتى بات فمه يرتعش دون سيطرة ..
التفتت اليه ستار بعبوس حزين..متألم لرؤيته هكذا، فقالت بحنية محاولة طمئنته:
_لا بأس يا صغيري..هو لن يأتي..
ڤالدير لن يأتي..انها مجرد رياح قوية فقط
"اغلقت النافذة وحرصت على اقفالها، ثم توجهت الى ليان وجلست على حافة السرير وقد امسكت يده الممدودة بين قبضتيها الناعمتين
_انها مقفلة بإحكام..يمكنك ان تنام براحة الآن
"هز ليان رأسه بسرعة وصوته بات مخنوقاً :
_محال! لا اريد ان انام وحدي!
"سحبته ستار الى حضنها بقوة ودفنت رأسها في شعره الناعم الطويل، غير راغبة في التفكير في أي شيء آخر سوى طمأنته...إبن زوجها..
تشنج ليان واتسعت حدقتاه أكثر وهو يدرك ما حدث للتو..لطالما خجل منها ومن لمسها منذ ان كان صغيراً..
قبضت يديه على كتفيها وغرزت مخالبه في ملابسها دون إيذائها، ثم ضغط بوجهه في صدرها وهو يشهق ويبكي بصوت خافت خجل فالآن لم يعد ابن الواحد والعشرين..الرجل الذي لا يجب ان يمس زوجة والده، ولو بحسن نية بل طفلاً صغيرا يبحث عن الأمان في وسط عاصفة من المشاعر..
تمتم بخجل، غير متجرئ على رفع رأسه :
أريد أبي..
"أومأت ستار موافقة دون تفكير، ثم إبتعدت بما يكفي لتقبيل جبينه البارد بحنية مجيبة :
_أجل..نَم معه وأنا سأنام في غرفتك الليلة
"رفع نظره إليها بخجل ولمحة من التردد في عينيه، فابتسمت ستار بخفة ومرح وقالت :
_سآخذك للغرفة بنفسي..فقط هذه المرة حسنا!
=========================
إنعكست ظلالهما على جدران الردهة وهما يمشيان بصمت متوجهين لغرفة لورينس
مشت ستار في المقدمة ويدها خلف ظهرها ممسكة بإحكام بيد ليان الذي تبعها بخوف وعبوس طفوليّ وهو يفكر في نفسه :
"أبدو سخيفاً وأنا اتبعها هكذا كطفل ضائع..انها حتى لا تصل الى نصف طولي
تبا لي..دائما أبدو كالاحمق..
دائما ألعب دور الضحية، وأجعل الآخرين يشعرون بالشفقة تجاهي..لأنني عار...
"التفتت ستار حالما وصلو للغرفة، وهمست بخفوت:
_نم جيداً واهتم بوالدك نيابةً عني حسنا؟
"مدت يديها فجأة وأمسكت بوجهه وطبعت قبلة حنونة على خده
انتفض ليان بسرعة واتسعت عيناه، وأخذ يحدق بها بصدمة أثناء ابتعادها فضحكت الأخرى وقالت بمرح :
_لا فرق بينك وبين إيبو فكلاكما أطفالي..
وأنا والدتك أيها الخجول!
"ابتلع ليان ريقه بتوتر وضحك وهو يتمتم بإرتباك :
_كان أبي ليكسر عنقي ان رآك الآن..
.
.
.
فُتح باب الغرفة، وتسلل ليان داخلها بحذر لعدم إيقاظ والده..لكن توقفت خطاه حين لمح المحلول الوريديّ الطبي الذي كان متصلاً بيد والده
عبس قليلا، ثم اقترب وجثى بجانب السرير ممسكاً بيد والده التي تناقض دفئها مع برود يده
_أبي استيقظ..انه انا
"صمت..وبدأ يتفحص ملامح لورينس منتظراً أي علامات لإستيقاظه، لكن الآخر لم يستجب له، بل بقيت ملامحه متعبة..عيناه مغمضتان بإحكام، وحاجباه منحنيان بخفة بينما فمه كان مفتوحًا قليلًا مع تنفّسٍ بطيء وثقيل
عبس ليان وهمس بصوت مرتعش :
_أنا آسف لأنني جعلتك تنتظر أسفل المطر لفترة طويلة دون الإنتباه لصحتك
"انحنى بسرعة مقبلاً يد والده الملفوفة بلاصق طبيّ لتثبيت المحلول، ثم ضغط بجبينه على ظهرها وهو يتمتم وقد خُنق صوته، وقد تتابع معه ارتجاف صدره وكتفيه مع بكاءه :
_ياإلهي..أرجوك لا تأخذه مني
"اختنق صوته وتكسرت كلماته بين دموعه فباتت غير مفهومة، ثم تحوّل بكاؤه إلى نحيبٍ مرتجف تتخلله شهقات متلاحقة عجز عن كبحها أكثر
_ليس هو أيضا.. أرجوك..
.
.
ليس بابا
.
.
وشرايكم في مشاعر ليان بالفصول الأخيرة ؟
sirvi_an