قدرٌ لا يختار

قدرٌ لا يختار

13 0

•يرجى تجاهل الأخطاء الاملائية•

تابعوني على حسابي الانستجرام للاستفسار عما هو غير مفهوم في الاحداث

‏دوّى انفجار هائل..وابتلعت النيران السيارة بالكامل، وتصاعد اللهب بعنف، حاملاً الحطام في الهواء..

‏غطى ليان وجهه غريزياً لحماية جسده وتيار من الهواء الساخن يصفع وجهه فتصاعد البخار منه، حيث احترقت أجزاءٌ منه… قبل أن تبدأ بالالتئام من جديد

‏عصفت الرياح بشعره الطويل، فقذفت خصلاته نحو وجهه والتصقت به، قبل أن تنسحب ببطء تاركةً إياه يتنفس بصعوبة

‏إ..إيبو.

‏"تحركت قدماه دون وعي منه..تمتم بإسم شقيقه وكأنه يدعو لنجاته.. وللحظات..شعر بالدنيا تدور حوله لكنه تماسك وأجبر نفسه على الثبات.. لانه ببساطة...

‏.

‏.

‏لا وقت للإنهيار!

‏.

‏.

---------------------------------

‏إيبو-!

‏"اندفع بسرعة مستعداً للعبور عبر النيران، لكن يداً امتدت وامسكت معصمه بسرعة ساحبة إياه للخلف

‏_لا يا ليان!

‏"شهق ليان والتفت بسرعة فكان كيڤان خلفه والقلق على وجهه..على مَلِكه

‏هدر بغضب وقبضته تشتد على معصم ليان

‏_لا يمكنك المخاطرة..

‏لا تنسى..ان الحرارة تؤذيك.!

‏_لا يهمني! فلأذهب أنا للجحيم!

‏أخي..!-

‏_سوف نجده!

‏لهث كيڤان ويديه تلتفان حول كتفيّ ليان وهو يشده للخلف ببطء

‏"زاد اتساع عيناه و للحظات والدموع تتجمع فيهما، دموع  قد ظن انها جفت منذ سنين طويلة...لكن الأمر كان مختلفاً الآن..فالعائلة كل شيء بالنسبة له

‏تراجع ببطء وكل خطوة أثقل من الأخرى لكن نظره كان مثبتاً على السيارة وهي تتآكل عبر النيران

‏"ميكسا و سيلفر كانا قد أمسكا بعدد من الجنود، وتم تقييدهم جميعاً بأصفاد سحرية يصعب كسرها او إبطال سحرها

‏وقد تفرق بعضٌ منهم وفروا بالهروب ولم يعرف مكانهم حتى الآن..

‏_لو لم أعطه السيارة..

‏"تمتم ليان بصوتٍ مرتجف، لا يكاد يُسمع إلا له وحده

‏في تلك اللحظة، اقتحمت مجموعة من الإطفائيين المكان، وسحر الماء يتدفق بين أيديهم لإطفاء الحريق

‏وبعد دقائق أُخمدت النار ولم يتبقى سوى الدخان الأسود المتصاعد من السيارة المتفحمة

‏لم يتمالك نفسه أكثر- فانطلق مسرعاً دون تردد نحو السيارة متجاهلاً نداء كيڤان له

‏_ليان!! أيها العاهر الا يمكنك أن تهدأ!

‏حالما وصل ليان للسيارة حتى فتح بابها الساخن المتفحم دون تردد

‏تأوه بألم حين احرقته يده لكنه تجاهل المه مركزاً على العثور على شقيقه..لكن الصدمة كانت..

‏ان جسد إيبو لم يكن داخل السيارة أصلا !

‏_مالذي..؟

‏"تجمد ليان وشعر بالذعر يتصاعد داخله متتابعاً مع دقات قلبه المتسارعة..

‏اقترب أكاي بعبوس خافت وأمال برأسه جانبا باستغراب ثم مد يده الى عصبة عينيه فأزالها ووضعها في جيبه كاشفاً عن عينيه الكريستاليتين الواسعتين و لمعة سحرية تسبح داخلهما

‏«آكيبينوم»

‏"انبثقت طاقة من عينيه، فاجتاحت موجة هائلة المكان بأكمله…

‏تجردت المدينة من ألوانها، وتحولت الأجساد إلى مؤشرات حرارة تتوهج بالأحمر ودرجاته

‏نظر حوله بسرعة متفحصاً المكان حتى وقع نظره على إحدى الأزقة البعيدة ملاحظاً جسداً متحركاً بطريقة غريبة وكأنه يتم جرّه أرضاً

‏_ليان انه هناك!

‏"انتفض ليان والتفت الى اكاي بسرعة محدقاً فيه ثم الى سبابته..تتبعها بنظره حتى وقع نظره على الزقاق المشار إليه فقال بدهشة :

‏_مستحيل! كيف وصل الى هناك؟!

‏_انتظر..

‏"عقد أكاي حاحبيه فجأة حين لاحظ اقتراب أجساد حرارية من المكان...لم يكن رجلاً او اثنين بل كانو خمسة رجال

‏_ليان ان شقيقك محاصر..

‏"صر ليان اسنانه بغضب ثم ودون تردد انطلق مسرعاً نحو الزقاق وقد تبعه كيڤان وأكاي

‏.

‏.

‏في تلك الاثناء وفي الزقاق البارد المظلم، صدر صوت لهاث متعب وتحركت ظلال شخصين على الجدار احدهم كان يُجَر على الأرض والاخر يُمسِك بملابسه ويجره خلفه

‏_لا تخف..لن يؤذيك أي..شيطان!

‏كانت زيرا تجرّ جسد إيبو المصاب على الأرض بعدما انقذته في اللحظات الأخيرة قبل الانفجار..

‏كان إيبو قد فقد وعيه بالفعل، وخسر ما يكفي من الدماء لتكون روحه معلقة بين الحياة والموت..

‏زفرت بثقل وأرخت قبضتيها حول قميصه تاركةً إياه أرضا

‏_ايمكنك التحرك..؟

‏هل تسمعني؟؟ عليك ان تستيقظ!

‏"راقبته بقلق فلم تجد اي استجابة منه، اخفضت رأسها الى صدره فسمعت نبضه الذي زادها ذعراً

‏كان نبضه خافتاً بطيئا أكثر من اللازم وكأنه يقاوم الموت بصعوبة..

‏_لا تقلق! سوف أنقذك..ستعيش.!!

‏"مدت يديها متفحصةً جانبيّ عنقه، ثم موضع قلبه وهي ترتجف من الخوف ويدها الأخرى تضغط على رأسه محاولة ايقاف نزيفه..لكن دون فائدة

‏_ها أنتِ ذا..

‏"صرخت بخوف حين التفت سلسلة حديدة حول خصرها ساحبة إياها بعيداً عن إيبو

‏_لا! توقفوا!

‏"تلوت بسرعة محاولةً فك نفسها وعيناها مثبتتان على إيبو بخوف

‏اقترب احد الجنود بابتسامة متغطرسة من إيبو وهو يراقبه بشماتة واضحة

‏_لا تلمسه والا جعلتك تندم!

‏"هدرت زيرا بغضب وبدأ شعرها يتوهج بنور ذهبي، لكن ركلة عنيفة من احد الجنود اسقطتها جانباً

‏_انتظروا.. فقط دعوني اعالجه ارجوكم..

‏"شهقت وارتجف صوتها بألم وعيناها تذرفان الدموع وهي عاجزة عن إنقاذه

‏"دفع الرجل جسد إيبو بقدمه متفحصاً إياه، لم يجد أي استجابة فقال بسخرية:

‏_انه هالكٌ بالتأكيد..

‏"اقترب جنديّ آخر وبندقيته بين يديه، تفحص إيبو بصمت مقيما لوضعه

‏أنفاسه كانت ضحلة… بالكاد تخرج..

‏صدره يرتفع وينخفض ببطءٍ مقلق، ووجهه غارق بالدماء.

‏كتفه مصاب، وفي فخذه جرحٌ عميق ينزف

‏"ضاقت عينا الجندي ثم التفت الى الآخرين

‏_اتركوه ليموت بمفرده..هدفنا الفتاة فقط.

‏"ارتجفت زيرا وهزت رأسها بعدم تصديق..

‏شهقت بحدة حين سُحبت بعنف وبدأت تجرّ خلف الجنود، لكنها كانت تلتفت الى إيبو بذعر خوفاً من ان يموت بسببها

‏_لا!! اتركوني ايها الاوغاد لا اريد العودة!!

‏.

‏.

‏لا..

‏"انكسر صوتها في النهاية وبدأت تفقد الأمل مع كل مرة تسحب بها بعيدا

‏_أنقذني..أبي..

‏.

‏.

‏.

‏بينما كان ليان يركض متجهاً الى هناك بسرعة ناداه أكاي الذي كان يتبعه فوق الأبنية برشاقة

‏_لا يبدو ان الاشخاص المتواجدين هناك من سيريا..

‏ماذا افعل بهم؟

‏"عبس ليان بهدوء وقد اكتسى البرود ملامحه فقال بصوت خافت ثابت لا تردد فيه

‏_تخلص مما يعيقك.

‏ ابتسم أكاي بشقاء، وانطلق كالسهم، حتى تجاوز ليان وكيڤان بسهولة

‏قفز من سطح المبنى، وهبط بين الشوارع كظلٍّ سريع، يتجاوز المارة والسيارات دون أن يبطئ لحظة، ثم فجأة قفز مرتكزاً بقدمه على سقف سيارة عابرة للحظة، ثم اندفع في الهواء، يتطاير شعره الذهبي حوله كخيط من الضوء.

‏_« ڤالزاروك »

‏تجمّعت طاقة حول يديه، مزيجٌ من الأخضر والأزرق المتوهّج، ثم تكاثفت فجأة لتتشكل قوسًا من عظم تنين، مصنوعًا من سلسلة ظهره نفسها

‏تبعه سهم سحريّ لامع برأسٍ مسنّن، ينبض بطاقةٍ باردة حادة

‏ابتسم ويده تثبت السهم في حبل القوص،أرجعه للحظات وعيناه مركزتان على الجنديّ الذي كان يسحب زيرا متتبعاً جسده المتوهج فانطلق السهم بسرعة خيالية، تلوى في الهواء ثم بدأ يدور كالمثقاب مستهدفاً رأس الجندي

‏_إنتبه-!

‏"صرخ أحد الجنود واندفع لانقاذ زميله، لكن السهم قد اخترق رأس الآخر بالفعل..فتعثر جسده للأمام قبل ان ترتخي قدميه ويسقط أرضاً

‏_انتبهوا! هناك شيطان!

‏"نظرت زيرا الى جثة الرجل بدهشة قبل ان ينتقل نظرها بسرعة الى أكاي الذي هبط على الأرض بخفة ويده تشكل سهماً سحرياً آخر في يده

‏_ايها الشيطان النجس..!

‏وجهوا أسلحتهم نحوه بغضب، فابتسم الآخر بمتعة واقترب منهم ببطء وثقة

‏دقائق قليلة قبل ان يصل ليان وكيڤان لموقع إيبو وهما يلهثان، فوجدوا جميع الجنود مُلقون أرضاً واجسادهم باردة لا تتحرك

‏_لا تؤذيه! انه شخص لطيف!

‏"صرخت زيرا بانفعال ويديها ممدودتين بحماية أمام إيبو مانعة أكاي من الاقتراب

‏تجهم وجهه أكاي وتجعد ما بين حاجبيه مظهراً انزعاجاً واضحاً رغم براءة ملامحه

‏_انتي تعيقينني أيتها الآنسة..ابتعدي

‏"هزت زيرا رأسها نفياً وزمجرت بتهديد لكنها شهقت بحدة، واتسعت عيناها حين امسك بيدها وابعدها بعيدا، لكنها قاومته

‏هدرت بغضب، وفجأة قبضت بيده في فمها غارزةً أنيابها بها بعنف فسالت الدماء منها

‏"تأوه أكاي بألم ودفع يده بعيداً ممسكاً إياها بعبوس منزعج، حدق بها فلاحظ انها تحدق به بغضب ايضا وأظافرها تتمدد بسرعة لتصبح مخالباً حادة

‏بدأ شعرها يلمع بوهج ذهبيّ وهو يطفو حولها كإشارة تهديد واضحة

‏التفتت بسرعة، لتجده أمامها مباشرة.

‏المسافة بينهما كانت شبه معدومة… أنفاسه تكاد تلامس وجهها..

‏تجمّدت لثوانٍ...

‏التقت أعينهما في صمتٍ ثقيل، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة فقط.

‏كانت تحدّق به بغضب أولًا… تفحص ملامحه بحدة:

‏عينان واسعتان يضغط فيهما الغضب بصمت، وبؤبؤ مسنن مرتجف كأنه يقاوم الغضب داخله، وعروق بارزة تنبت حول وجهه ورقبته

‏ثم… بدأ الغضب يتلاشى..وحلّ مكانه ارتباك خافت، ثم صدمة بطيئة الزحف

‏تراجعت ملامحها قليلًا كأن ذاكرةً قديمة اصطدمت بالواقع دفعة واحدة.

‏ذلك الوجه…

‏تلك العينان الذهبيتان…!

‏ارتجف صوتها دون إرادة:

‏_ب..بابا-

‏لكن كلمتها لم تكتمل..

‏قطعها صوته البارد الآمر:

‏_ابتعدي.

‏كان هادئًا… منخفضًا…

‏لكن في عمقه أمرٌ قاطع، جعل الهواء نفسه يثقل حولها.

‏ارتعش جسدها فورًا، وكأن تلك الكلمة لم تكن صوتًا… بل ضغطًا غير مرئي دفعها للخلف...كجدار بُنيَ ليكون الفاصل بينهما

‏_لا..! انت-

‏"تخطاها بسرعة متجاهلاً إياها وعيناه مثبتتان على إيبو فقط

‏حاولت الالتفات والمقاومة، لكن ضربة سريعة منه على مؤخرة عنقها أنهت كل شيء دفعة واحدة… ففقدت وعيها وسقط جسدها مترهّلًا.

‏اندفعت بين ذراعي كيڤان، الذي أمسكها بسرعة قبل أن يلامس جسدها الأرض

‏انحنى ليان بسرعة وأمسك بجسد شقيقه، يده تحت قدميه والأخرى تحت ظهره..

‏توقف لثوانٍ وحدّق به بصمت… وكأنّه يتأكد أنه ما زال موجودًا فعلًا..

‏وجه إيبو كان شاحبًا، أنفاسه بالكاد تُحس، ودمه يلطّخ ملامحه كدليل على صراعٍ خاسر مع الوقت

‏شيء في صدر ليان انقبض… لكنه لم يسمح له بالانهيار..ثم مرّر شفتيه على جبينه بلمسة خافتة، كأنّه يثبت له أنه ما زال هنا... لأجله.. بل دائما كان كذلك...

‏نهض والتفت الى كيڤان وقال:

‏_من المؤكد ان رائحة دماءه قد وصلت الى سكان المدينة..

‏لذا..ساخذه للقصر فهو المكان الأكثر أماناً له

‏ودون انتظار اي إجابة تمتم بصوت خافت :

‏« إنڤيرنا »

‏"حل هدوء على المكان ثم ظهرت كرة متوهجة أمام ليان، فانقسمت الى ثلاث كرات صغيرةٍ وبدأت تدور حول نفسها بحركات حلزونية متباطئة ثم تسارعت  حتى تحوّلت إلى دوامات من الضوء، تخلّف خلفها خيوطًا متوهجة تلتف حول بعضها، كأنها ترسم شكلًا غير مرئي في الفراغ

‏ارتجف الهواء، وانسحب الضوء فجأة نحو الداخل، لتتشكل دائرة مظلمة في المنتصف… سرعان ما امتلأت بتوهّج عميق نابض

‏اتّسعت الدائرة تدريجيًا، واهتزّت حوافها كمرآة مكسورة، قبل أن تستقر على شكل بوابةٍ كاملة، يتراقص الضوء على أطرافها بينما يدور داخلها عمقٌ لا نهائي

‏وعندها مر ليان منها بصمت وتبعه مساعديه، وقد انفتحت بوابة اخرى فقادتهم داخل القصر تحديداً

‏.

‏.

‏.

‏_هل تؤلمك يا سيدي الصغير؟

‏"نظر الممرض الى أكاي بقلق، فهز أكاي رأسه وابتسم بإشراق وعيناه لازالتا مكشوفتان

‏_لا ابداً

‏راقب ليان بعبوس عميق وحاجبيه معقودين فبرز تجعيد خفيف بينهما

‏اقترب ومد يده متفحصاً جرح أكاي بأصابعه الباردة النحيلة المتناقضة مع يد أكاي التي كادت تحترق من حرارتها

‏_يده ملتهبة ويجب ان يتم تطهيرها في اسرع وقت

‏"ضاقت عينا ليان وهز برأسه  وهو يصغي الى الممرض فسأل فجأة

‏_لماذا يجب ان تطهر..بالرغم من ان شيطانةً قامت بِعضه؟

‏"نظر الى الممرض باستغراب واضح، فتنهد الممرض وأجاب وهو يسكب الكحول على يد أكاي ويبدأ بتعقيمها بمهارة

‏_هذا لأنها عضّته بشكل مفاجئ… وهذا يُعد غدرًا..

‏"توقّف لحظة وهو يثبت يده ضاغطاً اياها فوق الجرح، ثم أكمل بهدوء:

‏_بعض الشياطين لا تكتفي بالهجوم المباشر..فحين تغضب، تتحوّل أنيابها إلى وسيلة لنقل سمٍّ خاص، يُفرَز في لحظة الانفعال فقط

‏العضّة بحد ذاتها ليست المشكلة..بل ما تحقنه داخل الجسد

‏"رفع نظره نحو ليان بعبوس جاد  قبل أن يضيف:

‏وكلما كانت العاطفة أشد… كان السم أكثر خطورة

‏حدّق ليان بعينين متّسعتين، وقد تسلّلت قشعريرة باردة إلى جسده… وتمتم بصوتٍ خافت، يكاد لا يُسمع:

‏_لهذا السبب… ذُعر أليكس من عضّتي..

‏"تصلّب نظره للحظة، ثم أردف ببطء، وكأنه يحاول استيعاب الفكرة:

‏أنيابي..لا..

‏تلك الفتاة..!

‏فعلت الشيء ذاته… كما حدث في ماضيَّ… لكن مع شخصٍ آخر… وبدافع الغضب…

‏.

‏.

‏أهيَ..صدفة؟

‏.

‏.

‏من أين جاءت هي..وإيبو ؟

‏لا..بل السؤال الأهم.. كيف حدث كل ذلك!؟

‏.

‏.

‏منذ متى لم يكن ما يحدث… اختيارًا؟؟

‏.

‏.

‏لمح ظلًّا عند حافة الطريق..كان ثابتًا أكثر مما ينبغي..

‏لم تتضح ملامحه، لكن حضوره كان ثقيلاً… خانقًا… يفرض نفسه دون حركة..

‏تدور حوله طفلة صغيرة، تضحك ببراءة وتغني مدندنةً بكلمات غير مفهومة وكأن صوتها لا يصل لأحد..بل هو بعيدٌ ليُسمع..

‏لم يتحرك الرجل، لم ينظر اليه او يظهر أي علامات تهديد.. لكن صمته كان كافياً..مقلقاً وغير مريح..

‏تسلّل إحساس غريب إلى إيبو…

‏ثم لم يعد إحساسًا فقط..

‏صوت خافت بدأ يتردد داخل رأسه، بلا مصدر… بلا اتجاه..ليس تحذيرًا واضحًا، ولا كلامًا مفهومًا… بل شيء أشبه بإنذار قديم، يُستدعى من عمق لا يعرفه.

‏كأن المكان يهمس له.. يخبره أن وجودهما ليس وجودهما صدفة… ولا أنت هنا عبثًا..

‏تباطأت أنفاسه للحظة..

‏كأن كل ما حدث منذ البداية لم يكن سوى خطوة واحدة في طريقٍ كُتِب قبل أن يختاره أحد..

‏_إنتبه!!

‏صرخت زيرا وأمسكت فكه بيدها، مائلة وجهه الى الطريق، رمش إيبو بسرعة مستعيداً تركيزه، فلاحظ ظهور مجموعة من المارة أمامه في تقاطع الطرق

‏"صرخ إيبو بذعر ومال بالمقبض بسرعة متجنباً الإصطدام بهم..

‏انحرفت السيارة بقوة وانقلبت بعنف..

‏صرخت زيرا بخوف، لكن إيبو جذبها إلى حضنه داخل السيارة وهي تنقلب بعنف

‏اصطدمت أجسادهم بجدرانها المعدنية المتدحرجة، قبل أن تهوي السيارة إلى الأرض بضربة عنيفة هزّت كل ما فيها

‏_أنتي بخير..؟

‏"رفعت زيرا رأسها بأنين متألم فكان وجهها قريباً من إيبو الذي كان يتفحصها بقلق ووجهه ملطخ إثر انفتاح جرح رأسه

‏_انت تنزف..يا إلهي..

‏"بكت وعانقته بقوة وهي تعض شفاهها بندم لما يحدث له بسببها..

‏_لماذا..

‏"شهقت، ثم رفعت نظرها الى وجهه مجددا وارتجف صوتها وهي تسأله :

‏_لماذا تفعل كل هذا..كيف علمت بوجودي في المختبر؟

‏"ابتسم إيبو بارهاق..ضحك فكانت ضحكته بريئة متناقضة لما يحدث لهما

‏_لأنك أتيتي في حلمي..وأظن ان القدر اختارني انا عن الجميع لأنقذك..

‏"دار برأسه بصعوبة، ومدّ يده يضغط على باب السيارة العالق محاولًا فتحه وسط الاهتزاز العنيف، ثم زفر بثقل وقال :

‏_سنخرج من هنا..!

‏فُتح الباب بعنف.. وسقط جسد إيبو بثقل على ظهره، شعره المتناثر يتدلّى مع اتجاه السقوط العكسي وهو يلهث محاولاً إلتقاط أنفاسه بينما كان جسده نصف معلق داخلالسيارة المقلوبة..

تشوش نظره..وتلاشت الأصوات من حوله شيئاً فشيئاً، سقط رأسه جانباً فلمح ظلاً آخر لرجل طويل القامة، يحدق بهم بدهشة وصدره يرتجف من فرط لهاثه

‏_إيبو..؟

‏اتسعت عيناه قليلًا، بالكاد..وقد تعرف على مصدر الصوت..

‏أما زيرا فكانت تتحرك في السيارة وتأن بألم

‏خرج صوته خافتاً مبحوحاً :

‏_أ..أ..أخي..؟

‏ارتجف بؤبؤ عينيه وهو يحدق بليان الذي كان يقف وقد لمعت عيناه بالدموع وقد ملأ الذعر وجهه..

‏فكانت تلك المرة الأولى التي يرى به شقيقه الأكبر مذعورًا هكذا....وآخر ما حُفر في ذاكرته قبل ان تنفجر السيارة وتغطيه النار بالكامل فانعكس وهجها في عينيه

‏"امسكت زيرا بطرف قميصه وتمتمت بصراخ مسرعةً قبل ان تلتهم النيران اجسادهم

‏_« إنڤيرنا !! »

‏وفجأة، ظهرت بوابة سحرية اسفلهم فسحبتهم داخلها قبل ان تلتهم النار كل ما تبقى من السيارة، وظهرت فجأة في احد الأزقة البعيدة فقذفت أجسادهم أرضا..

‏تأوهت زيرا بإنزعاج وهي تنهض، رفعت نظرها بسرعة باحثة عن إيبو فوجدته ملقى على الأرض دون حراك.. عيناه شبه مفتوحتين وقد خفت لمعانهما

‏_انتظر..! تماسك!

‏"اندفعت اليه بذعر وتلعثمت كلماتها وهي تحاول ايقاظه، لكن إيبو كان قد اغلق عينيه بالفعل فتلاشى صوتها من حوله وحل صمتٌ غريب..

‏.

‏.

‏_جنّة..جنّة

‏"ترددت ضحكة الفتاة البريئة وهي تدور حول نفسها وشعرها يتمايل في الهواء تتمتم وكأن الاسم ذو مكانة خاصة في قلبها

‏اهتزت وردة بنفسجية لامعة بين خصلات شعرها، تتوهج داخلها خطوط ذهبية كأنها جذور من ضوء… ثم انزلقت من مكانها وسقطت ببطء على الأرض

‏بعبوس هادئ، استدار الرجل مغادرًا بخطوات بطيئة، وقعها يتردد في فراغٍ لا زمن فيه…ولا حياة فيه..

‏_لنذهب..قَدَر

‏"توقفت الفتاة عن الدوران..

‏ ابتسمت فجأة، ابتسامة واسعة بريئة ثم التفتت نحو السيارة المحترقة ولوّحت بيدها قائلة:

‏_أراك لاحقاً !

‏تلاشى صوتها في الخلفية، ولم يبقَ سوى صورتها وهي تتبع والدها بشقاء، حتى ابتلعت الظلالُ ملامحهما واختفيا

‏.

‏.

‏تلاشت الأصوات..ولم يتبقى سوى نبضه الذي بدأ يعود ببطء..

‏حرّك رأسه ببطء، متأوهًا، ثم مال إلى جانبه دون وعي فهرع الممرضين نحوه متفحصينه

‏_لماذا لا يستيقظ..؟!

‏"تمتمت إحداهن بقلق، وأصابعها ترتجف فوق جبينه، تتحسس حرارته وكأنها تبحث عن إجابة..

‏وفي تلك الاثناء اقتربت ممرضة أخرى مسرعةً وفي يدها حقنة..

‏وجّهت الإبرة نحو يده، تتحسس وريده..لكن قبل أن تغرزها-

‏_توقفي زوي لا تفعلي!

‏"تجمّدت يدها في الهواء..

‏التفتت بارتباك إلى ميرال، وصوتها خرج مرتجفًا:

‏_لكن يا زوي..انه يتألم ماذا نفعل؟!

‏"عبست ميرال وابعدت يد زوي بسرعة عن إيبو، وهي تتنهد وتفرك صدغها وكأن رأسها على وشك الانفجار من كثافة الأفكار والأسئلة المتزاحمة داخله

‏_لا أعرف… لكن إن أعطيناه دواء الشياطين… قد لا يتحمّل جسده… وقد-

‏توقفت، ثم همست وهي تخفض رأسها بيأس:

‏_قد نقتله دون قصد..

‏ساد صمت ثقيل… كأن الغرفة بأكملها حبست أنفاسها.

‏وفي تلك اللحظة..

‏فُتح الباب بسرعة

‏دخلت هاڤن بخطوات سريعة، نظرة واحدة كانت كافية لتدرك أن شيئًا خاطئًا يحدث..!

‏ انتقلت عيناها من وجوههم المرتبكة… إلى إيبو، الغارق في الألم

‏_لماذا لم تعالجوه؟! ما الذي يعيقكم؟!

‏"شقت هاڤن طريقها بسرعة نحو إيبو وهي تتفحصه قبل ان تلتفت بسرعة الى الآخرين

‏تقدم أحدهم وبطاقة على صدره تحمل اسم "زاك"

‏وقال بصوت منخفض:

‏_حضرة رئيسة الخدم..لا يمكننا ان نعالج زيريّ بأدوية شياطين..فتركيبة جسدهم تختلف عنا بالكامل

‏"شحب وجه هاڤن واتسعت عيناها بصدمة وهي تستوعب ما قد سمعته فقالت بإرتباك

‏_الملك… سيجن جنونه… إنه شقيقه…!

‏"نظرت إليها ميرال، ترددت للحظة، ثم قالت:

‏_هاڤن… سمعت أن مخطوبة الملك… ممرضة أيضًا..

‏صمت.

‏ثم… تغيّر شيء في ملامح هاڤن..شيء أقرب..للإدراك

‏_نعم..نعم هي كذلك..أتقصدين..؟

‏"هزّت ميرال رأسها ببطء وجدية:

‏_قد تكون ..أملنا الوحيد !

‏"نظرت هاڤن إلى إيبو مجددًا، انحنت بجانبه، وأمسكت بيده برفق، فصدر عنه أنينٌ مؤلم، ومال رأسه جانبًا، وأنفاسه تخرج متقطعة بصعوبة

‏_سأخبر الملك… حالًا !

‏حتى ذلك الحين لا تدعوه يسقط!

‏إياكم أن يتوقّف صدره عن الحركة..أبقوه يتنفّس مهما كان الثمن!

‏"استدارت وغادرت بسرعة، خطواتها تتردد في الممر.. ‏وهدفها واحد…

هارو..‏أملهم الأخير..

‏لكن هل ستأتي..؟

‏بعد كل ما حدث..؟بعد ليلة العشاء؟

‏أم أن تلك الليلة…لم تكن إلا الشرارة الأولى..

‏لنهايةٍ قد تحرق ما تبقّى بينهما؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سجال أزلي: الجزء الأول

المؤلف sirvi_an
2026/06/10 مستمرة
قائمة الفصول (29)
الفصل 1: الغابة المحتضرة
2026/06/10
الفصل 2: مابين الماضي والحاضر
2026/06/10
الفصل 3: عودة الغائب
2026/06/11
الفصل 4: حليف سِيريا
2026/06/12
الفصل 5: رمزُ الموت
2026/06/12
الفصل 12: ولادة صداقةٍ جديدة
2026/06/17
الفصل 13: زيريّ في جحرِ شيطان
2026/06/17
الفصل 14: وريثُ الزمن
2026/06/17
الفصل 15: زيارة الملاكم
2026/06/17
الفصل 16: حضورٌ غير متوقع
2026/06/17
الفصل 17: سر الخرساء
2026/06/20
الفصل 18: حبٌ لا يفهم
2026/06/20
الفصل 19: التجربة صفر
2026/06/20
الفصل 20: مِيرالس
2026/06/20
الفصل 21: قدرٌ لا يختار
2026/06/22
الفصل 22: ما قبل العاصفة
2026/06/22
الفصل 23: عائلة..؟
2026/06/22
الفصل 24: الوصية المكسورة
2026/06/22
الفصل 25: مَشاعر
2026/06/22
الفصل 26: الكابوس الأبديّ
2026/06/22
الفصل 27: مُختَلفينْ
2026/06/28
الفصل 28: كَـعَينيّ أَبـي
2026/07/01
الفصل 29: إِبنـة أَبـيِها
2026/07/05
الفصل 30: أبٌ مثـاليّ
2026/07/09
الفصل 31: تحـت أضـواء الملهـى
2026/07/17
الفصل 32: تحـت أضـواء المـلهى (2)
2026/07/19
الفصل 34: مقـيدٌ بـك (2)
2026/08/24
الفصل 33: مقـيّدٌ بـك (1)
2026/07/23
الفصل 35: صبـاح الأمومة وإفطار عائليّ
2026/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة