33: عالمٌ جديد

33: عالمٌ جديد

11 0

كتبٌ مُبعثرة وأوراقٌ مُتناثرة، ورائحةٌ كريهةٌ تطغى على المكان، رائحةُ من لم يلمس الماء جسدَهُ لِشهرين، ورائحةُ الدلوِ في الزاوية الذي امتلأ بمُخلِّفات الطبيعة..

الطابقُ الثَّاني في المكتبة، وتحديداً السِّياجُ المُطلُّ على الطابق الأول، هُنا حيثُ قرَّرَ "راي" أنَّهُ سيعيشُ لِبقيَّةِ حياته، لم يبقَ له شيء، لم يبقَ لهُ أحد، منذُ متى وهوَ على هذهِ الحال؟ يحملُ بينَ يديه دفترَ مُلاحظاتِهِ الذي حصلَ عليهِ من والده، كتبَ تاريخَ وفاةِ والده دونَ أن يكتُبَ تاريخَ وفاة أحد آخر، كانَ يُخربِشُ عليهِ أحياناً ويعدُّ أيامَ حياتهِ عليه أحياناً أخرى، كم يوماً بقيَ لهُ لِيعيش؟ ليسَ بوسعهِ تحمُّل هذا الألم الذي يعتصرهُ أكثر من هذا، كانَ يمرُّ عليهِ بعضُ الأطفالِ يُغطَّونُ أنوفَهُم ويضعونَ بِجوارهِ بعضَ الماءِ والطعام، داومَ على شُربِ الماء لكنَّهُ لم يلمس الطعامَ المُتكوِّم إلَّا بعدَ تعفُّنه، غلَّفَ الظلامُ رُوحه وقيَّدت العتمةُ بصرَه، شعرَ بأنَّهُ سيفقدُ بصرَهُ قريباً.

لم تختلف الأمورُ كثيراً في الجزيرة، لكنَّ شخصاً واحداً، أو ربما شخصين، كانا سعيدينِ جدَّاً بتطوُّرِ الأحداثِ هذا، عندما أفصحَ "تيدي" بكونهِ قتلَ "غانبو"، أسعدَ ذلك "هيوغو" جدَّاً وقد ظنَّ أنَّ "تيدي" فعلَها لإنجازِ مهمة "جين" الغير مُكتمِلة، فأخفى "تيدي" التذكرة ونواياهُ الحقيقة وقرَّرَ أن يفرحَ بنجاتهِ، وبإقرارِ "هيوغو" لِقوَّته، أمَّا عن موقفِ "هيوغو" من "راي"، فقد شعرَ أنَّ همَّاً ثقيلاً أزيحَ من داخله، فحتَّى بعدَ اختفاءِ الحماية التي أحاطت "راي"، "هيوغو" ما كانَ لِيقتُلهُ أبداً، تحقيقاً لوصيَّةِ صديقهِ القديم "أوشن"، اعتادَ "هيوغو" المُرورَ بالمكتبة كُلَّ يوم للتأكُّدِ أنَّ "راي" ما يزالُ على حاله، ولِتُروِادَهُ نشوةُ الانتصارِ كذلك، لم يحتج دُخولَ المكتبة بل رؤيةُ "راي" البائس الحزين كانَ واضحاً من خارجها، مع أكوام مِنَ الكُتب تُحيطهُ، لو سمحَ "هيوغو" لِ"راي" بالهرب ففي هذا ستكونُ مُخالفة لِمبادئه، لن يسمحَ لأحدٍ بالخروج، لذا لا أحدَ أكثرُ منهُ سعادةً الآن لعدمِ تحقيق ذلكَ الوعد، لا يبدو بأنَّ "راي" سيُحاولُ الهربَ أو حتَّى يتحرَّكُ من مكانه، لعشرِ سنواتٍ أخرى! لأوَّلِ مرَّة منذُ أشهر، شعرَ "هيوغو" بأنَّهُ انتصر، وأنَّ الحظَّ حليفُهُ هذه المرَّة.

لكن ربما كانَ للحياةِ رأيٌ آخر..

قلَّبَ "راي" صفحاتِ الكِتاب الفارغة واحدةً تلوَ الأخرى، بأعينٍ فارغة وأفكارٍ تائهة، كم مرَّةً قلَّبَ هذهِ الصفحات حتَّى الآن؟ سقطت صورةُ والدهِ التي حفِظَها عن ظهرِ قلب، التقطها يتأمَّلَهُا للمرِّة.. لقد توقَّفَ عن العدِّ منذُ زمن، نظرَ إلى الفتياتِ القليلات في الصورة، وتساءلَ عمَّ إن كانت والدتُهُ واحدةً منهم، لكنَّ جميعُهنَّ بعيداتٌ عن والده فلا يبدو أنَّهُ يعرفُ أياً منهم.

عندما سِمَع "راي" صوتَ ذلكَ البوقِ الذي يصمُّ الآذان، عادت إليهِ الرُّوحُ في لحظة تماماً مثلما انتُزعت منهُ في لحظةٍ سابقاً، ولولا بابُ المكتبة المفتوحُ على مصراعيهِ لما حصلَ على فُرصةٍ لِسماعهِ أصلاً، انتفضَ وراحَ يركضُ "راي" بأسرعِ سرعةٍ مُمكِنَة، كونَهُ لم يركض لشهرين فلا يعني هذا أنَّهُ نسِيَ كيفَ يفعلها، لكنَّهُ تذكَّرَ تماماً من نسِيه، إن كانت الحياةُ هنا جحيماً فيجبُ عليهِ أن يخرُجَ من هذا الجحيم! كيفَ نسِيَ ذلك؟! حُلمَهُ الذي ماتت "غانبو" لأجله! وماتَ والدهُ لأجله! كيف نسِيَ "جين" الذي ينتظرُهُ هُناكَ في العالمِ الخارجيِّ؟! هوَ ليسَ وحيداً! هوَ ليسَ وحيداً! تقدَّمَ "راي" نحوَ سفينةِ البضائع التي كانت على وشكِ المُغادرة، لم يفهم "راي" سببَ إطلاقِ البوق، وكأنَّ الحياةَ أطلقتهُ فقط لأجله، دخلَها بكُلِّ ثقة ورفعَ لهُم تذكِرتَهُ وقال بحزم: من حقِّي الخروجُ من هُنا! معي التذكرة!

نظرَ أحدُ الرِّجالِ في تذكرته وقد اعترتهُ الدَّهشةُ من التذكرة ومن منظرِ "راي" ورائحتهِ كذلك، قالَ لِصاحبه: الأمرُ كذلك.. يجبُ أن نأخُذَهُ معنا.

ابتسمَ "راي" بسعادةٍ وقال: متى ستُغادِرون؟

_نستعدُّ للرحيلِ خلالَ خمسِ دقائق، لكنَّ الرُّجلَ قد فهِمَ ما يرمي إليهِ "راي"، ووضعَ يدهُ على أنفهِ دونَ قُدرةٍ على احتمالِ رائحتهِ أكثر وتابع: لكن إن كُنتَ تحتاجُ وقتاً لجمعِ أغراضك وتجهيزِ نفسك فقد نؤجِّلُ الأمرَ لساعةٍ أخرى، واستحم، رجاءً استحم!

ابتسمَ "راي" بسعادةٍ وقال: شُكراً لك! سأكونُ جاهزاً بعدَ نصفِ ساعة!

راحَ يركضُ ويقفزُ مِنَ السَّعادة، استحمَّ في وسطِ الجزيرة من صُنبورِ ماء غيرَ آبهٍ بنظراتٍ الآخرينَ نحوه، فهوَ لن ينزِلَ إلى المُحيطِ أبداً! صحيحٌ أنَّهُ سيذهبُ في رحلةٍ داخلَ المُحيط بعدَ ساعة لكن هذا لا يعني أنَّهُ سيتصالحُ معه، هوَ فقط سيستخدُمُه مؤقَّتاً لِتحقيقِ حُلمه، قايضَ ملابساً جديدة بأحدِ جواهره الباقية من "أوشن"، فلم يبقَ معهُ سوى جوهرةٌ واحدةٌ الآن، اشترى بزَّةً ثقيلةً بلونِ شعره، وتحتَها قميصٌ أبيضُ لتدفئته، فهوَ لا يعرفُ كم سيكونُ الطقسُ بارداً في الخارج، وحصل على سروالٍ أسودَ فضفاض لتسهيلِ حركته، مع جُيوبٍ كثيرة لن يستخدِمها، وبالطَّبعِ حصل على حذاء! لقد تخلَّى عنهُ هُنا لكنَّهُ حتماً سيحتاجهُ في العالمِ الخارجيِّ، كانَ حذاءً جلديَّاً أسودَ اللَّون برقبةٍ مُتوسطة، وقد استمتعَ كثيراً بِربطِ رباطاتهِ الكثيرة، وأخيراً حقيبةٌ قماشيَّةٌ مُربَّعةُ الشكل، بلونٍ أزرقَ داكن بدرجةٍ أفتحَ من لونِ ثيابه، بحبلٍ طويلٍ وسميك بدرجةٍ أغمقَ من لونِ ثيابه، وضعَها على كتِفِهِ فاستقرَّت على النَّاحيةِ الأخرى من خصره، قصَّرَ شعرَهُ بخنجرِ "تيدي" ثُمَّ رمى الخنجرَ أرضاً، هو لا يُريدُ أيَّ ذكرياتٍ عن هذا الخنجرِ و"تيدي" مُجدَّداً! كما أنَّهُ مهترئٌ وسينكسرُ في أيِّ لحظة، وقد ظنَّ "راي" أنَّهُ لن يحتاجَ إلى القتالِ في العالمِ الخارجيِّ فهوَ عالمٌ مُسالمٌ بِورودٍ بيضاء..

وضعَ أغراضَهُ على الأرضِ وبدأ يتفحَّصُها، ما سيأخذهُ معهُ للعالمِ الآخر، ضحِكَ عندما تذكَّرَ أنَّ العالم الآخر هوَ الوصفُ ذاتهُ الذي قالَهُ عن هذا المكانِ قبلَ أربعِ سنوات، لكن الآن فالعالمُ الخارجيُّ هوَ العالمُ الآخر، فقد عاشَ "راي" ذكريات هُنا وعرفَ أشخاصاً كُثر، لكن هُناك في الخارج هوَ لا يعرفُ أحداً، لكنَّهُ لن يكونَ وحده! تفحَّص جوهرتَهُ الأخيرة من "أوشن"، وقلادةَ "هيوغو" ذاتِ اللونِ الذهبيِّ، ومِشطَهُ الصَّغير، وقُفَّازَ "غانبو" الأزرق، وفُرشاةً أهداها لهُ "بنس" سابقاً وقد كانت بحالةٍ سليمة، وأخيراً كتابٌ بصفحاتٍ فارغة وقد حصلَ عليهِ من والده، يالَها من أشياءٍ قليلة ليأخُذَها معهُ إلى العالمِ الآخر!

صفَّفَ شعرَهُ وارتدى قُفَّازه، ووضعَ قلادةَ "هيوغو" على عُنقه وأخفاها جيِّداً بينَ ملابسه، هو الآنَ مُستعدٌّ.. لهذه الرَّحلة الجديدة الغامضة!

صعدَ على السفينة، وتحرَّكت الأشرعةُ وداعبت السفينةُ سطحَ المُحيط، تأمَّلَ "راي" الجزيرةَ للمرَّةِ الأخيرة، وعندما صارت صغيرةً جدَّاً في الأفق أدارَ ظهره، ووقفَ على الجانبِ الآخر مُتأمِّلاً المُحيط، يكونُ المُحيطُ جميلاً عندما تركبهُ سعياً لِحياةٍ أفضل، تركَ الجزيرةَ التي عاشَ فيها مُختلفَ الأيَّامِ وراءه، ذاقَ الكثيرَ من السعادةَ فيها لكن مؤخراً لم تكن حياتهُ هُناكَ إلَّا ألماً، والأدهى أنَّهُ حقَّقَ هدفَهُ بِمعرفةِ أقلِّ القليل عن عائلته، لديهِ خيطٌ يبدأ بهِ الآن! تساءلَ "راي" عمَّ إن كانَ سيُقاصي مزيداً من الألمِ مُستقبلاً، لكنَّهُ تأكَّدَ بأنَّ الأيَّامَ الجميلة تأتي تماماً كالأيَّامِ التعيسة، لذا فمهما حدثَ لهُ في الخارج، سيكونُ سعيداً! فأيُّ شيءٍ سيكونُ أفضلَ ممَّا حدثَ لهُ هُنا، فقد عقدَ عزمَهُ على الابتسامِ ومُواصلةِ الحياة، فهو يُحبِّهُا! يُريدُ أن يحيا كُلَّ لحظةٍ بِتفاصِيلِها، قالَ "راي" رامياً ذِكرياتَهُ التعيسة وراءَ ظهره:

_أنا لن أنظُرَ إلى الوراءِ مُجدَّداً!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

راي في جزيرةِ المجرمين

المؤلف viloeto7789
2025/09/09 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: 1: المحطَّةُ الأخيرة
2025/09/09
الفصل 2: 2: الصغيرُ "راي"
2025/09/10
الفصل 3: 3: بدايةُ الصداقة
2025/09/10
الفصل 4: 4: "هيوغو"و"هاوبر"
2025/09/11
الفصل 5: 5: عِداءٌ مُفاجئ
2025/09/11
الفصل 6: 6: تغيُّرٌ في حياةِ "راي"
2025/09/11
الفصل 7: 7: أبٌ حقيقي وأبٌ مُزيَّف
2025/09/11
الفصل 8: 8: "أوشن" المُحيط
2025/09/11
الفصل 9: 9: الجريمةُ الأولى
2025/09/11
الفصل 10: 10: عاصفةٌ بعدَ الهُدوء
2025/09/11
الفصل 11: 11: خروجُ "بنس" من قوقعته
2025/09/11
الفصل 12: 12: المحيط يغادر
2025/09/13
الفصل 13: 13: عادت الحياة إلى الجزيرة
2025/09/13
الفصل 14: 14: عقابُ الهارب
2025/09/13
الفصل 15: 15: سرُّ السيدِّ "بنس"
2025/09/13
الفصل 16: 16: قصةُ الفارس الشجاع
2025/09/13
الفصل 17: 17: اتِّفاقيةُ السَّلام
2025/09/13
الفصل 18: 18: نكثُ العهد
2025/09/13
الفصل 19: 19: حُفرةُ القوَّة
2025/09/13
الفصل 20: 20: ذكرياتُ "جين"
2025/09/18
الفصل 21: 21: المُحيطُ يعود
2025/09/18
الفصل 22: 22: وداعٌ أبديِّ
2025/09/18
الفصل 23: 23: حقيقةٌ مُتأخِّرة
2025/09/21
الفصل 24: 24: موتٌ وحياة
2025/09/21
الفصل 25: 25: "غانبو" المُجرِمة
2025/09/21
الفصل 26: 26: "رين"
2025/09/24
الفصل 27: 27: حاصدُ الأرواح
2025/09/24
الفصل 28: 28: حبُّ "هيوغو" الفاشل
2025/09/24
الفصل 29: 29: عينٌ بلونِ السماء
2025/09/28
الفصل 30: 30: "هيوغو" و"أوشن"
2025/09/28
الفصل 31: 31: جمعٌ حزين
2025/09/28
الفصل 32: 32: البارودُ يقتل
2025/10/04
الفصل 33: 33: عالمٌ جديد
2025/10/04
الفصل 34: 34: محطَّةُ "جين" الأخيرة
2025/10/04

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة