4: "هيوغو"و"هاوبر"

4: "هيوغو"و"هاوبر"

17 0

بعد انفصالِ "راي" و"جين" عن بعضهما وجد "راي" نفسه يبحث بشكل تلقائي عن والده، تتجول عيناه بحثاً عن والده دون وعي منه ودون رغبة كذلك، كان متأكداً أنه في حال عثر على والده فسيختبأ فوراً ولن يحاول الحديث معه او حتى لفت انتباهه لوجوده، لكنه كان فضولياً جداً ليعرف أين اختفى فجأة، فهو لم يصادفه منذ أن افترقا، وكأن متأكداً أن والده لا يتجنبه، بل هو أتفه في نظر والده من أن يحاول تجنبه، قرَّر بدلاً من محاولة إيقاف نفسه عن البحث عن والده أن يشغل نفسه بالبحث عن شخص آخر، لمَ لا يبحث عن "غانبو"؟

انقضى الصباح بسرعة وجاء وقت الظهيرة، الشمس تتوسط السماء والطقس يزداد حرارة، تعب "راي" من محاولة البحث غير المجدية، لم تكن الجزيرة كبيرةً لتلك الدرجة لكن العثور على أحدٍ هنا بدا مستحيلاً، وجد نفسه قد عاد إلى بقعة نومه هو و"جين"، التعب يرهقه والشمس تحرقه والرمال الساخنة تلسعه، رأى "راي" على مسافة بعيدة منه، مبنى ضخم على شكل قبة، لم يلحظه ليلة البارحة بسبب الظلام الدامس، تساءل في نفسه ألهذا كان الناس يمرون بجوارهم كثيراً في الليل؟، هل كانوا يذهبون إلى هناك؟ ذلك المكان كبيرٌ جداً ولا شكًّ أن كثيراً من الناس ينامون به، أسرع "راي" باتجاه المبنى فهذه فرصة سانحة له ليقي نفسه حرَّ الشمس، وصل إلى الباب فأخذ يراقبه من مسافة متوسطة، باب حديدي ضخم يحرسه رجلان بنفس ضخامة الباب، كلٌّ منهما يحمل رمحاً ويبدي جاهزيته الكاملة للقتل، توتَّر "راي" وشعر أنه لا يجب أن يكون هنا، ربما يمنع الدخول إلى هناك، ذَعُنَ لشعوره باليأس وقرَّرَ أنه سيستظلُّ على حائط المبنى وحسب، بدأ بالاقتراب ومع كل خطوة يخطوها يزداد قلقه، هم لن يقتلوني إن ركزت ظهري على المبنى فقط صحيح؟ بات بينه وبين الحراس مسافة لا تذكر لكن فجأة فُتح الباب وهذا ما أفزع "راي"، خرج منه رجلان أكثر ضخامة من الحارسين بالخارج وكانا يجُرَّان امرأةً بدينةً بنية اللون والملابس.

_اتركاني! اتركاني! صرخت المرأة بمحاولة للمقاومة

وعندما أفلتت من قبضتهم صاحت قائلة: أخبرا زعيمكما الأحمق ذاك بأنه لن ينال مني! بل أحبُ أن أراه يحاول!

وراحت تضرب الأرض بأقدامها الضخمة غاضبة ساخطة، حتى ارتطمت ب "راي" فأوقعته أرضاً.

_ما هذا الذي؟! صرخت المرأة بسخطٍ فهي لم تلحظ ذلك الجسد الصغير الذي تعثرت به حتى انتبهت لوجوده فصاحت وقد انطفأ غضبها.

_يا إلهي أيها الصغير! مالذي تفعله هنا؟ يا إلهي ما أظرفك وما ألطفك! بوسعي أن آكلك حياً!

رفعته من الأرض بقبضتها وراحت تخنقه بعناقها وقبلاتها.

_ا. ابتعدي عني! قالها "راي" بعد أن حصل على فرصة للتنفس أخيراً، لكنه ما زال بلا حول ولا قوة، قالت المرأة الضخمة متجاهلة ما قاله "راي"

_ما هذا الشيء الذي على رأسك؟؟ لديك شعر جميل فلماذا هو بهذه الحالة بشعة؟ هيا تعال معي تعال، أنا مصففة شعر وبوسعي أن أصفف لك شعرك.

سحبته من يده دون الحصول على رأيه، لكنَّ "راي" لم يمانع فكرة تصفيف شعره، سار إلى جانبها وفرق الحجم بينهما مهول، ثم سألها ليروي فضوله.

_كيف هو المكان بالداخل؟

_تقصد القبة الزجاجية؟

_القبة الزجاجية؟ أهذا اسمه؟

_نعم هذا هو اسمه، المكان بالداخل كئيب وفارغ، لا أعرف مالذي حلَّ بذلك المكان لقد كان مبهجاً بالماضي.

_هل تنامين هناك؟

_لا لا أنام هناك، لا أحد ينام هناك.

_لماذا كنتِ بالداخل؟

أجابت المرأة غير مبالية لفكرة أن الحديث قد تحوَّل لجلسة استجواب، فلم يطاوعها قلبها أن تتجاهل أسئلة هذا الكائن الصغير، أما "راي" فلم يمانع إكثار أسئلته، احتاج للحصول على مصدر آخر للمعلومات بخلاف "جين".

_دخلتُ إلى هناك لأسأل عن رحلة الصيد! أردت أن أعرف إن كانوا سيعودون حقاً أم لا، فابني معهم ولن أسامح أي أحد يكذب عليَّ بخصوص عودة ابني!

أنصت "راي" لما تقوله باهتمام، ربما لم تكن لهفة سكان الجزيرة لعودة رحلة الصيد لنفس سبب لهفة "جين"، هم لم يكونوا بانتظار الغنائم بل كانوا بانتظار أهلهم وأصدقائهم، قاطع أفكاره صوت المرأة الضخمة تتابع حديثها بغضب.

_كنت على وشك المغادرة لكنَّ زعيمهم رآني! وقال إنه بحاجة للتحدث معي، حاولتُ التملًّص منه لكني لم أفلح، ذلك الشاب الأحمق يظن أنه يملك سُلطةً علينا! وعندما أحكمتُ قبضتي لأضربه فقد الأمل مني فطردني، أرأيتَ الطريقة المهينة التي طردني بها؟؟ على أي حال هو محظوظ وإلا لكان أنفه مفقوداً الآن.

أرادت أن تشكو وتُنَفِّسَ عن غضبها لأيٍ كان، حتى وإن كان ذلك الشخص طفلاً بالكاد يصل طوله إلى ركبتيها.

_وعن ماذا تحدثتما؟، سألها "راي" مستغلاً غضبها ليشبع فضوله بأكبر قدر ممكن.

_الهراء المعتاد ذاته.

_أي هراء؟

_تعرف... هراء الجرائم والندم على الجرائم، إنه يستمر بمراجعة تلك المواضيع القديمة.

لم يفهم "راي" إجابتها الأخيرة وتساءل إن كان الخلل بكونه جديداً في هذا المكان أو أن هذه المرأة تظن أنها تحادث مرآتها فلا تَطرَّقُ لشرح التفاصيل، سألها "راي" مجدداً قاطعاً الصمت: وهل ذلك الزعيم مخيف؟

_مخيف؟ ألا تعرف الزعيم أيها الفتى؟ أعني جماعته تناديه بالزعيم لكنَّه ليس زعيماً على أحد، هل تعيش في بيت سلحفاة؟

فهم "راي" من استعارتها الأخيرة بأنها تدعوه بالمعزول عن العالم الذي يجهل كل ما يحدث، فأوضح قائلاً:

_أنا جديدٌ هنا لذا ... صفي لي شكله كي أحذر منه.

_لا داعيَ لتحذر منه فهو لن يكون خطيراً عليك، لكن إن كنت مصراً.

وبدأت المرأة تصفه وقد تبدلت ملامحها من الغضب العارم إلى الإعجاب والشوق، تأمَّل "راي" ملامحها ولم يصدق أنها تتحدث عن الشخص نفسه في الحالتين.

_إنه شاب حسنُ المظهر، بشعر أشقر وعينين بنيتين داكنتين تخترق قلب كل فتاة تراهما، وجهه صافٍ لا تشوبه شائبة بأنف مستقيم يضفي على وجهه مظهراً جذاباً

بدأ "راي" يتحسس أنفه متسائلاً إن كان سيتحول لأنف مستقيم يوماً ما.

_أنا لن أنكر أنه جذابٌ جداً رغم شخصيته العفنة، بصراحة لو كنت أصغر قليلاً لكنتُ أحببته، لكنَّهُ صغيرٌ عليَّ وأنا لديَّ ابن

_كم عمره؟

_عشرون عاماً

_ليسَ ابنكِ بل الزعيم!

_وما أدراني أيها الفتى؟ لنقل إنه بمنتصف العشرينات، بل ربما أقرب للثلاثين، هاقد وصلنا هيا بنا فلنحسِّن هذا المظهر قليلاً!

دخل "راي" إلى غرفة صغيرة دون باب بل ستارة قصيرة، ووجد الكثير من الكراسي الخشبية المرتفعة والطاولات الصغيرة القصيرة تقابلها المرايا.

_أختي انظري علامَ حصلت! وجدتُ قطعة حلوى بالطريق.

ورفعت "راي" بيديها الاثنتين ليقابل وجهه وجه أختها، ردَّت أختها بلامبالاة كاملة: _هذا جميل

وضعت "راي" على الكرسي ثم قالت محادثةً أختها.

_إنَّ شعره بحالة كارثية! يحتاج لترميم كامل.

_سيكلفك هذا الشعر الكثير أيها الفتى، قالت أختها موجهة كلامها ل "راي"

_سيكلفني؟

نهض "راي" من فوق الكرسي مفزوعاً، ليس لديه شيء ليدفع! ماذا لو جعلوه يدفع بأحد أعضائه؟

_تعال تعال!

سحبته المرأة الضخمة ووضعته على الكرسي مجدداً وقالت: المرة الأولى مجانية! هذا قانون، كُفِّي عن إفزاع الزبائن يا "نينا"!

_أنتِ من تفزعينه يا "هاوبر".

كانت "نينا" محقة، فجسد "هاوبر" الضخم يفزع "راي" أكثر بكثير من جسد "نينا" النحيل، لكن حتى "نينا" أخافته بأحمر شفاهها ذا اللون الدموي، واللون البنفسجي الذي يظلل عينيها، وأظافرها المطلية باللون الأسود، بدأت "هاوبر" برفع المقص فلاحظَ "راي" الضمادات التي تُغلفُ يدها، إنها من النوع الذي يغطي علامته أيضاً

_ما رأيكَ أن أقصِّرَهُ قليلاً؟

_لا لا أريد تقصيره، أصرَّ "راي" على ذلك فبعد كلام "جين" عن شعره أدرك أنه محظوظ بامتلاك هذا الشعر.

_ألا يذكركِ شعره بذلك الصبي الذي جاءنا في العام السابق؟ سألت "هاوبر" شقيقتها.

_أتقصدين الصبي صاحب الشعر المحترق؟ أظن أن شعر ذلك الصبي كان حريرياً أكثر.

فهم "راي" أنهما كانتا تتحدثان عن "جين" وتذكر أنه لم يسأله عن سبب احتراق شعره.

_أجل ... يالهُ من مسكين! يتردد إلى هنا لحلق شعره كلما نما قليلاً، ثم أردفت مخاطبة "راي": أعتقد أنه في نفس عمرك ربما يجدر بك أن تكون صديقه.

_أنا صديقه بالفعل!

قالها "راي" بحماس فهو فخورٌ بكونه يعرف شخصاً هنا.

_مؤلم! لقد جرحتُ يدي.

نهضت "نينا" لتُلقي نظرةً على يد أختها المجروحة وقالت بملل بينما تنزع الضمادة التي على يدها وتمدُّها لأختها.

_هذا يحدث دائماً عندما تفقدين انتباهك.

لم يستطع "راي" منع نفسه من إلقاء نظرة على علامة "نينا" بعدما نزعت ضمادتها، فوجد أنها حمراء بينما لم يحصل على فرصة لرؤية علامة "هاوبر"، لم يكن قد فهم بعد معنى هذه الرموز لكنه شعر أنَّ أمرها مهم، وقرَّرَ أنه فورما يلتقي ب "جين" مجدداً سيسأله عن معنى هاته العلامات أو الرموز أو حتى الحروق، أياً كان اسمها.

بعد مدة تأمل "راي" قصة شعره الجديدة وقد رضخ لإلحاح "هاوبر" عليه ليقصِّره قليلاً، إنه معجب بشعره الجديد صار أرتب لكنه مازال كثيفاً وفوضوياً بعض الشيء، وهذا ما اعتبره "راي" مظهراً يوحي بالقوة، فيغطي على ملامحه الطفولية، قضى "راي" باقي النهار لدى السيدة "هاوبر"، يتحدث معها ومع "نينا" تارةً ويتحدث مع الزبائن تارةً، لكنَّه لم يحاول سؤالهم المزيد من الأسئلة فقد أشبع فضوله بما يكفي، ولم يرد أيضا لفت الأنظار لكونه مايزال بريئاً لا يعرف طبيعة هاته الجزيرة، لم يرد أن يجعل نفسه هدفاً سهلاً.

***

في الناحية الأخرى من الجزيرة كان "جين" هناك يُعرِّض نفسه للخطر، فقط كي يبتزَّ "راي" ويجعله مديناً له، نجح "جين" في التسلل إلى القبة الزجاجية، المكان الذي عجز "راي" عن دخوله سابقاً، فقد استطاع التسلل من بابٍ خلفي لم يعرف "راي" بوجوده لكن "جين" كان يحفظ المكان جيداً، تسلل على أطراف أصابعه لينغمس في الدور لكن المكان كان فارغاً، دخل الغرفة التي على يمينه والتي كانت غرفة الزعيم، الرجل المخيف الذي يهابه سكان الجزيرة أجمع، لكنها كانت الغرفة المزعومة ففيها ما يريده "جين"، دخل الغرفة التي كانت صغيرة نسبياً، لكن خُلُّوها من الأثاث جعلها تبدو بحجم أكبر، كانت خالية من الأثاث سوى طاولة مكتبية في وسطها وخلفها كرسي خشبي بلا يدين، وما أثار استغراب "جين" أن الكرسي الذي يكون أمام المكتب عادة لم يكن موجوداً، يفترض وجود كرسيين في الغرفة لكن بدلاً من ذلك هو كرسي واحد، وحول ذلك المكتب ترتكز على حوائط الغرفة الكثير والكثير من الرفوف والأدراج، والتي كانت مملوءةً بدورها بعددٍ مهولٍ من الأوراق والملفات، كل ملف يحتوي على ورقة تعريفية لكل شخص على هذه الجزيرة، بدءاً من أكبرهم حتى أصغرهم، كان المكان فوضوياً والأوراق مبعثرة في كل مكان، لم يعرف "جين" من أين يجب أن يبدأ بحثه لكنه فكر أن "راي" قد جاء مؤخراً فقط، لذا لابُدَّ أن تكون ورقته بالمقدمة، بدأ البحث ببعض الأوراق القليلة الموضوعة على المكتب وبالفعل كان "جين" محظوظاً فقد وجد ورقة "راي" بينهم، لكنَّ حظه ما كاد يدوم لثوانٍ قليلة حتى فُتح الباب بطريقةٍ مفزعةٍ، فما أن التفت "جين" إلى الوجه الغاضب الذي فتح الباب حتى ابتلع ورقة تعريف "راي" لتطير عبر معدته، استاء لفكرة ضياع الورقة فلا توجد نسخة أخرى منها، كان يخطط لابتزاز "راي" لمزيدٍ من الوقت مقابل اعطائه المزيد من المعلومات، لكنه تصرف بأسرع طريقة ممكنة وبأفضل فكرة خطرت له، فعلى الأقل استطاع أن يلمح عمر "راي" ولم يلمح شيئاً آخر، ففي النهاية قرار ابتلاع الورقة كان لمصلحة "راي" أكثر منه لمصلحة "جين"، وجَّه الرجل الغاضب رمحه نحو "جين" وقد جرح عنقه، ولولا تراجع "جين" في اللحظة الأخيرة لكان الرمح قد اخترق عنقه، سأله الرجل الغاضب بصوت مبحوح بينما يصكُّ أسنانه.

_مالذي تفعله هنا!

أجاب "جين" بينما هو ممسك الرمح بيديه الاثنتين محاولاً مقاومته:

_عذراً ياهذا، لكني اقتحمت مكتب الزعيم لا مكتبك، لن يفرح الزعيم عندما يعرف بأنك قتلت من اقتحم مكتبه، ألا تظن بأنه يجب عليه قتلي بنفسه؟

كان "جين" يحاول استفزازه وبالفعل نجح في مراده، فصرخَ عليه الرجل بحنق:

_أتطلب رؤية الزعيم؟! يالَجرأتك أيها الولد السافل!

سحبه الرجل الغاضب بقسوة حتى امتثلا أمام الزعيم، لكنه لم ينتبه لوجودهما بل كان مرتكزاً على الحائط في يده خنجر وعود خشبي يحاول نحته ليصير حاداً كالسكين، صاح الرجل الغاضب ليلفت انتباه الزعيم.

_يا زعيم! وجدتُ هذا الفأر يعبث في مكتبك.

أجابه الزعيم دون أن يدير بصره عما يفعله، بصوت هادئ فيه نبرة تهديد:

_منذ متى يتم إزعاجي لأن فأراً صغيراً اقتحم مكتبي؟

أجابه الرجل دون أن يلاحظ نبرة التهديد في صوته: ماذا أفعل به يا زعيم؟ هل أقتله؟

تنهَّد الزعيم تنهيدة طويلة، ثم أضاف:

_أولاً أخبرتكم أن تكفُّوا عن مناداتي بالزعيم، ثانياً نحن لا نقتل الناس لاقتحامهم المكات..

توقَّفَ عن الكلام بعدما أدار وجهه فرأى وجه "جين"، ظهرت علامات الدهشة على وجه الزعيم بينما أزاح "جين" بصره فورما التقت أعينهما، صمت الزعيم لبرهة محاولاً استدراك دهشته، ابتسم ابتسامة ماكرة وقال بكلِّ هدوء مخاطباً الرجل الغاضب الذي يضغط على يدي "جين" بقوة.

_أتعرف؟ أظنني غيرتُ رأيي، أريد جعله عبرةً لمن يعتبر، ارمِه في مكتبي وسأعود إليه بعد قليل، أريد أن أستمتع بتعذيبه قليلاً.

نظر "جين" بتوتر إلى الابتسامة الساخرة التي تعلو وجه الزعيم، وهي نفس الابتسامة الساخرة التي يملكها "جين"، تملَّك التوتر والقلق مشاعر "جين"، غير مدركٍ ما إن كان متجهاً نحو هلاكه أم أنه قد نجا.

في الدقائق الخمس التالية أمعن "جين" النظر نحو الباب بترقبٍ وقلق، ليس بوسعه فعلُ شيءٍ سوى ضمِّ ذراعيه إلى صدره وتمنِّي النجاة، لم يستطع التمييز ما إن كان الزعيم جاداً في كلامه ويريد تعذيبه حقاً، أم أنه سيدخل ليعامله ك (كنزه الغالي) مجدداً، بالنسبة ل"جين" فإن الزعيم شخصٌ غير متوقع، تتبدَّلُ شخصيته كل خمس دقائق، لذا يجب أن يكون مستعداً لأسوأ الاحتمالات وأفضلها، فُتح الباب ببطءٍ وهدوءٍ شديدين، وكأنه يريد جعل "جين" يتعذب لأطول فترة ممكنة قبل أن يعرف من سيدخل عبر الباب، دخل الزعيم الغرفة وأقفل الباب دون أن يُوصِدَ المفتاح، وهذا ما اطمأن "جين" لأجله فالآن سيدعو بكل حواسه كي يدخل أحدهم ويقطع عليهم الجلسة، وجَّه الزعيم أعينه نحو "جين" دون أن يستطيع "جين" فهم نظراته، هل كانت نظرات خيبة أم غضب أم...؟ بدأ الزعيم بالاستدارة حول "جين" بينما كان "جين" يستدير بدوره ليحافظ على المسافة نفسها بينهما، انتهى الأمر ب "جين" بعكس وضعيته فبات ظهره مواجهاً للباب، بينما ارتكز الزعيم على المكتب عاقداً ذراعيه ثم تنهَّد قائلاً:

_جين.. ما كان ذلك؟ لمَ اقتحمت مكتبي؟

_أنا آسفٌ أيها الزعيم!

صاح الزعيم بغضب حقيقي: لا تنادني بالزعيم!

_ح. حاضر، سيد "هيوغو" أنا آسفٌ لاقتحام مكتبك

_لا أطلبُ اعتذاراً! بل أطلبُ تفسيراً، لماذا دخلت مكتبي دون علمي بينما كان بوسعك إخباري بما تريد مباشرة؟ ما هو هذا الشيء الذي تبحث عنه في مكتبي ولا تريد مني معرفته؟

فكر "جين" وقد هدأ عقله بعدما اطمأن لكون "هيوغو" هادئاً أيضاً، هو غاضب لكنه على الأقل لن يقوم بتعذيبه، لقد حصل على حلٍ أوسط بالنسبة لشخصية "هيوغو"، ففي تلك اللحظة لم تكن معاملة "هيوغو" له هي الأفضل ولا الأسوأ وذلك قد ناسب "جين"، ثم أمعن التفكير فيما قاله، كان "هيوغو" محقاً تماماً، فقد كان بوسع "جين" سؤاله عن ورقة تعريف "راي" بشكلٍ مباشر دون وقوعه بالمشاكل، لكن بالمقابل كان "راي" من سيقع بالمشاكل، فلو عرف "هيوغو" الزعيم الشرير بأن "جين" يحاول الحصول على معلومةٍ عن "راي" سيدفعه هذا للتساؤل، من "راي" هذا الذي أنتَ مهتم به ؟ وقد يبدأ "هيوغو" بمطاردته لكونه فضولياً بشأنه، و"هيوغو" لا يكون لطيفاً أبداً عندما يُطاردُ أحدهم، ربما يظنُّ "راي" بأنه تعيسٌ لأنه منسيٌ ومنبوذ فسكان الجزيرة لم يلاحظوه بعد، لكنه لا يعرف بأنَّ كونه منسياً هو أفضل شيءٍ حصل له في هذا المكان، فهنا أن تعيش منسياً بهدوء بعيداً عن المشاكل والمطاردات هو نعيمٌ يتمناه الكثير من الأشخاص، و"جين" أول من يتمناه، لذا فهو لن يسلب "راي" نعيمه أبداً، لكن هل سيستمرُّ هذا الهدوءُ طويلاً؟

عادَ "هيوغو" للحديث مجدداً بعد أن سئِم صمت "جين" الذي لم يعثر بعد على كذبةٍ يقولها.

_"جين" ... كُن صريحاً معي، كنت تحاول سرقة الطعام أليس كذلك؟ قيل لي بأنك وضعت شيئاً في فمك وابتلعته فورما انكشف أمرك، ما كان عليك فعل هذا فمهما كان ما عثرتَ عليه من طعام ما كنت لآخذه منك أبداً

_تماماً هذه هي!

هتف "جين" بسعادة أثارت استغراب "هيوغو"، لقد ساعده "هيوغو" على اكتشاف الكذبة المثالية! ثم تابع: أنا آسفٌ لسرقتي الطعام من مكتبك، هل يمكنني الذهاب الآن؟

حدَّق "هيوغو" فيه محاولاً فهم سبب سعادته ثم أردف وهو يحكُّ ذقنه.

_لكن هذا غريب، أنا لا أضع أي طعام هناك ولا أظن أن أحداً يفعل، فأيُّ طعام هذا الذي تكون قد عثرت عليه؟

تلعثمَ "جين" وقد بدأ التوتر يعاوده من جديد.

_امم.. لقد كان بعض الفتات، بل أظنها كانت متعفنة، ربما سقطت من أحدهم، حاول جين نيل استعطاف "هيوغو" بتلك الكذبة الأخيرة حول الفتات والعفن، وربما نجح بجعل "هيوغو" يغير الموضوع.

_هذه المجاعة الفظيعة جعلت الجميع يعانون.

_صحيح.. لكن كل شيء سينتهي بعودة رحلة الصيد صحيح؟ قالها "جين" بابتسامة خرقاء تنمُّ عن جهله التام.

_"جين" ... ألم تفهم الأمر بعد؟ عرفنا موقعهم لكن هذا لا يعني أنه أمر إيجابي، توجد الكثير من الاحتمالات وأغلبها لا يشي بخير، ربما تعرضوا للكثير من الخسائر بأفراد طاقمهم فعادوا إلى هنا مهزومين من قبل الوحش المسمى بالمحيط، وربما هم تائهون لذا وجودهم على مقربة من هنا لا يعني بالضرورة أنهم يعرفون ذلك، إن لم يحالفهم الحظ فسيبتعدون عن المكان دون أن يدركوا حتى انهم كانوا هنا، لكن أكثر ما يؤرق تفكيري أنهم آن كانوا تائهين، فهذا يعني أن قائدهم خبير الاتجاهات قد...

_هل تقول إنَّ قبطانهم قد يكون ميتاً؟؟

صاح "جين" بفزع، ستكون تلك خسارة فظيعة لرحلات الصيد فذلك الشخص يعرف كل شيء عن المحيط.

_تماماً، لقد بدأتَ تفهم الأمر أخيراً.

_لا أصدق هذا يا سيد "هيوغو"، لا أصدق كم كنتُ ساذجاً باحتفالي لخبر عودتهم مع الجميع! كيف لم أفكر بكل هذه الاحتمالات!؟ أرجوك اعذر سذاجتي سيد "هيوغو".

ربما لم يلحظ "جين" ذلك لكن لو كان "راي" هناك معهم، لأدرك على الفور من أين اكتسب "جين" شخصيته السلبية والحذرة التي تشكك بكل شيء، قال "هيوغو" محاولاً تغيير الأجواء قليلاً بعد أن امتلأت بالسلبية.

_ما رأيك أن تبقى هنا الليلة؟ سيحتفلون بخبر عودة السفينة، بالطبع السبب أحمق لكن لا يهم.

_ه. هل يجب عليَّ ذلك؟ أجابه جين متردداً فقد كان يتوق للعودة ل "راي" ليخبره بكل الأخبار الجديدة وأهمها عمره.

_ما خطبك؟ لطالما أحببت قضاء الليلة هنا، أم ... لا تقل لي أن هناك أحداً ينتظرك بالخارج؟ هل يعقل أنك حصلت على أحد يكترث لأمرك وينتظر عودتك؟ هل فعلت؟

_امم أنا..

احتار "جين" في الإجابة فمغادرته من هنا تعني فضح علاقته مع "راي" وهي شيء يريد اخفاءه عن "هيوغو" للوقت الراهن، لكنه أيضاً قرر ألا يكذب فربما "راي" ينتظر عودته لكنه متأكدٌ أنه لا يكترث لأمره.

_لا، لا أحد يكترث لأمري على الإطلاق، قالها بابتسامة مطمئنة فقد شعر أن الخطر قد ذهب أخيراً، ثم تبع "هيوغو" واتكأ على أحد الأعمدة يخفي وجوده بينما يستمع للاحتفال بدلاً من رؤيته، فعلاقته ب "هيوغو" كانت يجب أن تظل سريةً كذلك.

***

حلَّ الليل وحلَّ معه الهدوء والسكينة، صوتُ الأمواج باتَ واضحاً ويطغى على أي صوت آخر، والنجوم الخافتة تُلقي بريقها باستحياءٍ على المحيط الهائج، يمكنك أيضاً أن تلحظ انبعاث ضوءٍ خافت من نوافذ المباني وأقمشة الخيام، مع بعض الأصوات الخافتة التي تصير واضحة في حال سكت الموج الهائج وسمح لها بالظهور، وصل "راي" إلى بقعة "جين" الخاصة، فلم يجده هناك، رغم أنَّ الظلام حلَّ بالفعل، قرَّرَ انتظار صديقه ليريه تصفيفة شعره الجديدة قبل أن يُفسدها النوم في الصباح، لم يرد العودة إلى هنا لكنه لم يرد خذلان صديقه الذي ينتظره، كما أنه أراد معرفة عمره بشدة وشعر بالأمل أنه إن استطاع "جين" معرفة عمره، فربما بوسعه معرفة معلومات أخرى، مشى إلى الأمام ناحية القبة الزجاجية فلفت نظره المشهد المبهر الذي رآه، عرف الآن لمَ سُميت بالقبة الزجاجية، سقفها المصنوع بالكامل من الزجاج يعكس ألوان النجوم عليها، الأحمر والأزرق والأخضر، وبعض الأضواء البنفسجية كذلك، كان مشهداً خلاباً وقع "راي" أسيراً له لدقائق كثيرة، إنه يحب الأشياء الساطعة ولا يقدر على مقاومتها، بُهِرَ "راي" لذلك المشهد وشعر أنه أجمل شيءٍ يراه في حياته، لكن كيف يكون النظر لانعكاس النجوم أكثر إبهاراً من النظر للنجوم بحدِّ ذاتها؟

عادَ "راي" أدراجه على مضض، فلم تعد قدماه قادرتان على الوقوف، وتأقلم نوعاً ما مع شعوره بالجوع طوال الوقت، انتظر "جين" طويلاً جداً حتى غلبه النعاس، كان متأكداً أن جين سيعود في الليل وأنه سيستيقظ فورما يتعرض لإحدى ركلاته، لكنَّ "راي" استغرق في نوم عميق طوال الليل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

راي في جزيرةِ المجرمين

المؤلف viloeto7789
2025/09/09 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: 1: المحطَّةُ الأخيرة
2025/09/09
الفصل 2: 2: الصغيرُ "راي"
2025/09/10
الفصل 3: 3: بدايةُ الصداقة
2025/09/10
الفصل 4: 4: "هيوغو"و"هاوبر"
2025/09/11
الفصل 5: 5: عِداءٌ مُفاجئ
2025/09/11
الفصل 6: 6: تغيُّرٌ في حياةِ "راي"
2025/09/11
الفصل 7: 7: أبٌ حقيقي وأبٌ مُزيَّف
2025/09/11
الفصل 8: 8: "أوشن" المُحيط
2025/09/11
الفصل 9: 9: الجريمةُ الأولى
2025/09/11
الفصل 10: 10: عاصفةٌ بعدَ الهُدوء
2025/09/11
الفصل 11: 11: خروجُ "بنس" من قوقعته
2025/09/11
الفصل 12: 12: المحيط يغادر
2025/09/13
الفصل 13: 13: عادت الحياة إلى الجزيرة
2025/09/13
الفصل 14: 14: عقابُ الهارب
2025/09/13
الفصل 15: 15: سرُّ السيدِّ "بنس"
2025/09/13
الفصل 16: 16: قصةُ الفارس الشجاع
2025/09/13
الفصل 17: 17: اتِّفاقيةُ السَّلام
2025/09/13
الفصل 18: 18: نكثُ العهد
2025/09/13
الفصل 19: 19: حُفرةُ القوَّة
2025/09/13
الفصل 20: 20: ذكرياتُ "جين"
2025/09/18
الفصل 21: 21: المُحيطُ يعود
2025/09/18
الفصل 22: 22: وداعٌ أبديِّ
2025/09/18
الفصل 23: 23: حقيقةٌ مُتأخِّرة
2025/09/21
الفصل 24: 24: موتٌ وحياة
2025/09/21
الفصل 25: 25: "غانبو" المُجرِمة
2025/09/21
الفصل 26: 26: "رين"
2025/09/24
الفصل 27: 27: حاصدُ الأرواح
2025/09/24
الفصل 28: 28: حبُّ "هيوغو" الفاشل
2025/09/24
الفصل 29: 29: عينٌ بلونِ السماء
2025/09/28
الفصل 30: 30: "هيوغو" و"أوشن"
2025/09/28
الفصل 31: 31: جمعٌ حزين
2025/09/28
الفصل 32: 32: البارودُ يقتل
2025/10/04
الفصل 33: 33: عالمٌ جديد
2025/10/04
الفصل 34: 34: محطَّةُ "جين" الأخيرة
2025/10/04

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة