شكَّل كلٌ من "راي" و "جين" و"غانبو" ثُلاثيَّاً مثالياً، كانوا أقلَّ من أن يُسمُّوا بجماعة لكنَّهم كانوا كالجماعةِ يسيرونَ معاً دوماً، اعتادوا الذَّهاب للمكتبةِ في الصباح والغريب أنَّ "غانبو" لم تُمانع الاستمرار في مُساعدةِ "بنس" حتَّى بعدَ طردِهِ لها، والوقتُ الوحيدُ الذي يفترقُ فيهِ "جين" عنهم هو عندَ ذهابهِ لصيدِ الأسماك، لا يُحالِفهُ الحظَّ دائماً لكنَّه يستمتعُ بحصولِه على بعض الهدوء بعيداً عن صخبِ "راي" الذي يقضي تلكَ الفترة بغسلِ الملابس والثرثرةِ مع "غانبو" مُستخدِمانِ الصابونَ الذي جلَبه "جين"، لقد كان حقاً مُفيداً، وأحياناً أخرى يقضي تلكَ الفترة بمراجعةِ دروسه مع "غانبو" على عكسِ "جين" الذي لم يحتج يوماً لمُراجِعة الدروس، لكنَّ "راي" لن يُنكِرَ أسفه لتركِه "جين" يصيدُ وحدَه، فما يزالُ "راي" يكرهُ خوفَه من المحيط، كانت الجزيرةُ هادئةً ومثاليةً حتَّى استيقظَ الجميعُ يوماً على منظرٍ مُفزع، عُلِّقَ رأسُ أحدِهم في مُنتصفِ الجزيرة، كان رأس الهارب ابنِ "هاوبر"! وتحته نُحتت عبارةٌ على لوحٍ خشبي:
(هذا جزاءُ من يخطو خارجَ الجزيرة، مهما ابتعدتُّم سنصلُ إليكم)
رأى "راي" ذلك الرَّأس بكثيرٍ من الشفقة، لكنَّه لم يعد يفزعُ كما كان سابقاً، عرف "راي" أنَّ "أوشن" بذل جهداً كبيراً بتهريب ذلك الرجل لذا محزنٌ أنَّهم وصلوا إليه، لكن كيف استطاعوا قتله وجلبَ رأسه حتَّى بعد مغادرته؟! كيفَ استطاع "هيوغو" فعلَها؟! كانَ ذلكَ السؤال هوَ حديثَ الجزيرةِ بأكملها، واستمرَّ كذلك لعدَّةِ أيَّام، حتَّى توصَّلوا لنظريةٍ تُفيدُ بكونِ حاصد الأرواح فعلها، وأنَّه ليس هو نفسُه "هيوغو" بل هو كيانٌ خارقٌ للطبيعة ولسببٍ ما يخدُمُ مصالحَ "هيوغو"، سألَ "راي":
_ما رأيُكما؟! هل تعتقدانِ أنَّ حاصدَ الأرواحِ وراء ذلك؟
لم تُبدِ "غانبو" إجابةً وبدا "جين" حزيناً وكئيباً أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، سألَ "راي" مُجدَّدا مُوجِّهاً سؤاله ل"جين": ما خطبُك؟ منذُ أن ماتَ الهاربُ وأنتَ تتصرَّف بغرابة! لماذا يؤثِّرُ موتُه عليكَ هكذا؟! هل كنتَ صديقه؟
_الأمرُ ليسَ كذلك.. الأمر فقط، لقد تبخَّر حُلُمي بالكامل!
_حُلُمكَ في ماذا؟
_في الهرب! كان ابنُ "هاوبر" أوَّلَ من يخطو خارج الجزيرة وهذا منحنَا الأمل جميعاً! جميعُ من يحلمُ بالخروجِ من هذا السِّجن الذي يبدو كالجحيم، لكنَّهم يستطيعونَ قتلنا حتَّى ولو خرجنا! حتَّى لو هربنا إلى العالم الخارجيِّ! هذا فظيع!
غطَّى "جين" وجهه بكلتا يديه مُخفياً بؤسه، و"راي" ينظرُ إليه بقليلٍ من التفهُّم.
_جئتُ إلى هُنا هرباً من وحدتي في الخارج، لكن الآن سأرغبُ بالخروجِ معكُما!
ابتسمت "غانبو" وبدأت تتحدَّث بلغةِ الإشارة، ف"راي" بالإضافةِ لدروسِ القراءةِ خاصَّته كان يحصلُ على دروسٍ خاصَّة للغة الإشارة، كان يحصلُ عليها من "غانبو" وأحياناً ساعدَهُما "بنس" في ذلك، فقد ذكرت "غانبو" ذاتَ مرَّة وبشكلٍ صادم أنَّ "بنس" من دفعها لتعلُّمِ لغةِ الإشارة، جعل ذلكَ "راي" يفهمُ نوعاً ما سبب العلاقةِ اللَّطيفةِ بينُهما، لاحظَ "راي" نظرات "جين" البائسة تجاه "غانبو" والجاهلة كذلك، فراحَ يشرح: تقولُ: عندما أذهبُ للعالم الخارجيِّ، أريدُ تناولَ الدُّونات!
ضحِكَ "جين" فقد ساعدَهُ ذلك على الخروج من بؤسه قليلاً وقال: أعرفُها، إنها نوعٌ من المعجنات اللذيذة! دائرةٌ منقوصٌ منها دائرة أصغر وبمختلفِ أنواعِ الحشوات!
ابتسمَ "راي" بجهلٍ وقال: لم أسمعَ بها يوماً..
_يجبُ عليكَ تذوُّقها! لكن لا أظنُّهم يصنعونها هنا.. اعتادت أمِّي خبزها لنا دوماً!
ضاعت "غانبو" بأحلامِ يقظتها بشأن تلك الدائرة اللذيذة، وشاركَها "جين" أحلامَها كذلك، لكنَّ "راي" شعرَ بالضِّيق لِجهلِه عمَّ يتحدَّثان، لديه هوسٌ غريبٌ بالمعرفة وكرهٌ عجيبٌ للجهل، وكم يُزعِجُه عندما يجهلُ هوَ شيئاً! أجبره انزعاجُه على قولِ جملةٍ مُزعجة دونَ حسابٍ للعواقب، لكنَّه قالها بنيةٍ حسنة.
_كانت تطهوها لكم قبل أم بعد أن صارت مجرمة؟
تحوَّلَ وجه "جين" لحمرةٍ كاملة وبدت "غانبو" مصدومةً لما سمِعته، صاحَ "جين" بغضب: أمُّي لم تكن يوماً مجرمة!
أصابَ التوتُّر "راي" فقد أدركَ للتوِّ خطأ ما قاله، حاولَ إصلاح خطأه لكنَّه جعلَ الأمورَ أسوأ فقال: أنا آسف! لم أعلم بأنَّك أتيتَ مع والدك..
_ولا والدي أيضاً!
أصابت الحيرةُ "راي" فسأل: مع من جئتَ إذاً؟!
تجاهلَ "جين" سؤاله وقال وقد ذهبَ غضبه:
_عائلتي كلُّها رائعة وطيبة، لديَّ أخٌ أصغر وأختٌ صغرى كذلك، وهم ينتظرونني في الخارج، سأذهبُ إليهم مهما كلُّف الثمن!
_جميعُهم في الخارج ينتظرونك؟ جيدٌ أنَّهم أحياء.
امتلأ وجهُ "جين" بتعاسةٍ لم يرَ "راي" مثيلها قطُّ، بل لم يعلم أنَّ "جين" قادرٌ على الشعور بهذه المشاعر، قال "جين":
_ماتت أمِّي.. لا أعرفُ من بقيَ من الآخرين حيَّاً، لكنِّي متأكدٌ بأنَّ واحداً على الأقلِّ حيٌّ وينتظرني..
لم يجد "راي" كلماتٍ مناسبةً لمُواساةِ صديقه، نظرَ إلى "غانبو" فوجدَها تُشارِكُهُ الشَّعورَ ذاته، ربَّت على كتِف "جين" وقال: لا تقلق، سنجدُ طريقةً للهروب يوماً ما.
اتَّسعت عينا "جين" فجأةً كأنَّه أدرك شيئاً هامَّاً للتوِّ، قال بحماس:
_ومن قال بأنَّنا يجبُ أن نهرب؟ يوجدُ طريقةٌ قانونيةٌ للخروج!
قالَ "راي" بحيرةٍ دونَ أن يُشاركَ "جين" حماسه: حقَّاً؟
_نعم! إنَّها مسابقةٌ تُعقدُ مرةً كلَّ عامين! اسمُها مسابقةُ الحُفرة! شهدتُها في عامي الأوَّل، من يفوزُ فيها يحصلُ على تذكرتين للخروج، له ولِمُرافقه
_ثُمَّ..؟
عادَ "جين" لتقوقعه وقال ببؤسٍ: لا فائدة.. الحدُّ الأدنى للمشاركة أن يكونَ عُمرُكَ ثلاثونَ عاماً! فقط لو نعرفُ شخصاً بالغاً يُشاركُ من أجلنا..
صمتُوا جميعاً لبُرهةٍ حتَّى عادَ "جين" يقولُ بحماس: إليكم ما سنفعله! العام القادم عندما تُعقدُ المُسابقة فلنسرق التَّذاكرَ مِنَ الفائز ونخرج!
لم يُقاوم "راي" شعوره بالشفقة، كانَ "جين" مُستمِيتاً للحصولِ على أدنى أملٍ في الهرب، وقد بدا ذلك مُستحيلاً بالنَّسبة ل"راي"، قالت "غانبو" بلغةِ الإشارة:
(لا فائدة، إنَّهُ يعيشُ بالوهم، فكلُّ من حصلوا على التَّذاكرِ ماتوا بطرقٍ غامضة وتلاشت معهم التذاكر، الخروجُ من هنا مستحيل!)
فهِمَ "راي" كلامها بحزنٍ شديد، دون أن يشرحَ ل"جين" ما قالته، لم يكن "راي" مُهتمَّاً بشكلٍ شخصيٍّ بالهرب فالحياة هنا ليست بذاك السوء، لكنَّهُ فقط كان حزيناً لحزنِ صديقه، واستحالةِ حُلمه.
viloeto7789