حلَّ الربيعُ الثالثُ ل"راي" على الجزيرة، لكن هذهِ المرة دونَ يومِ ميلاد، هنَّأه صاحباهُ على يومِ مولِده الضائع لكن ما لم يعلمه "راي" أنَّ في آذار هذا فسُتبعَثُ روحه من جديد، أهدى "بنس" "راي" فُرشاةً وألواناً للرسم، أضحكَ ذلك "جين" فقال: أهذا شغُفُكَ الجديد؟ الرسم؟
_نعم! انتهيتُ -مللتُ- من تعلُّمِ الخطوطِ لذا سأتعلَّمُ الرسم، هما متشابهان، والرسمُ موهبةٌ شاعريَّة، هل تظنُّ أنَّ التَّركيزَ على تعلُّمِ الكثيرِ من الأشياء أمرٌ سيء؟
جلسَ "جين" على الرَّمالِ بجانبه وارتكزَ بيديه إلى الخلف، كان يُراقبُ "راي" باستمتاع، روحُ "راي" الحيويَّة كانت شيئاً يُجعلُ "جين" قادراً على الابتسام.
_لا شيءَ سيءَ بشأنك، وبعد أن تتعلَّمَ الرَّسم ماذا ستفعل؟
توقَّفَ "راي" عمَّ يفعلُه في الحال وحملقَ في "جين" بدهشة، قال:
_هل تمدُحني!؟ أنتَ لم تفعل هذا من قبل، يبدو أنَّكَ في مزاجٍ جيِّد، توقَّفَ عن العبوس أريدُ سماعَك تمدحُني دوماً! ما كان عليَّ أن أعُلِّقَ على ذلك.. عُموماً لا شيءَ مُحدَّدَ أتعلَّمُه بعدَ الرسم، لكن اكتشفتُ أنِّي ماهرٌ باستخدامِ أصابعي، أتحكَّمُ بهم بدقَّة عالية لذا تعلُّم الرَّسمِ لن يكونَ صعباً أبداً، أمَّا ما بعدَ ذلك فلا أريدُ أن أستبقَ الأمور، هذا ليس شاعريَّاً!، هل لاحظتَ أنِّي أستخدمُ هذه الكلمة كثيراً مؤخراً؟ لقد قرأتُها كثيراً في الكُتبِ التي يُرشِّحُها لي "بنس"، إنَّ ذوقَهُ شاعريٌّ حقَّاً، اقرأ شيئاً ما أنتَ أيضاً!
صار عُبوسُ "جين" أكثر حدَّة، غيَّر وضعيَّته وقال بملل: كفى يا هاويَ القراءة!، أنتَ تنغمسُ في الكُتبِ والخيال أكثرَ من اللَّازم، أمَّا أنا فأعيشُ في الواقع.
أجابَهُ "راي" ببؤس: العيشُ في الواقع لا يجلبُ سوى المشكلات.. ثُمَّ تابعَ بحماس: _بدايةً كنتُ أظنُّ أنِّي سأشبعُ من القراءةِ بعد قراءةِ كتاب أو اثنين، لكن لا! كُلَّما أقرأ أكثر يزدادُ إدراكي بأنَّهُ ما يزالُ لديَّ الكثيرُ لأقرأه.
بينما كانَ "جين" يستمعُ لصديقه فقد كانَ عقلُه سارحاً ينظرُ للسماء، قال بهدوءٍ حزين: يوجدُ غيمةً في السماء..
سماء صافية زرقاء لا تشُوبُها شائبة، وتلكَ الغيمةُ الوحيدةُ كانت كالملكةِ في مملكتِها الشاسعة، لاحظ "راي" بعض الدُّخلاءِ على تلكَ المملكة، طيورُ مُهاجرة تخترقُ السَّحابَ كأميرٍ يخترقُ قلبَ أميرة، قال "راي" بعدَ أن أمعنَ النَّظرَ في مشهدِ مملكةِ السَّماءِ البديعة:
_نعم، تلكَ الطُّيورُ.. أريدُ رسمَها.
أجابَهُ "جين" ببعضِ الاستغراب، فقد صارَ "راي" هادئاً فجأة بشكلٍ غير مألوف: _تقصدُ تلكَ الطُّيورَ المُهاجرة؟ نحنُ في منتصف مارس وسنرى الكثيرَ منها، ستمتلكُ وقتاً كافياً لِتأمَّلِها ورسمِها فهذا موعدُ عودتِها لأوطانها..
أنزلَ "راي" رأسَه ببطىءٍ وحزنٍ شديدين، وقال: صحيح.. في مثلِ هذا الشَّهر قبل عامين عادَ "أوشن" إلى وطنه، وقد كانَ كالوطنِ بالنَّسبةِ لي.
ابتسمَ "جين" وربَّت على ظهرِ صديقه وقال: لقد انقضت أكثرُ من نصف المُدَّة، سيكونُ هنا قريباً! أقربَ ممَّا تتوقَّع.
شاهدا بعدها "تيدي" يمرُّ من أمامِهِما، فتأهَّبَ "جين" لقتاله، لكن العجيب أنَّ "تيدي" لم يلتفت إليهِما، كانَ عقلُه مُغيَّباً فلم يلحظ وجودَهُما حتَّى.
قال "راي": لم يعد "تيدي" يتعرَّضُ لنا كالسَّابق
أنزلَ "جين" قبضتَهُ وقال: نعم.. فمنذُ أن انضمَّ ل"هيوغو" باتَ يتصرَّفُ بغرابة.
_لكن لِمَ ذلك، بدا أسعدَ شخصٍ في العالم عندما حدثَ ذلك، لكن الآن تملؤهُ الحسرة.
لم يُجبه "جين" على ذلك، فقد كانَ وحدَهُ يعرفُ كم يكونُ الوضعُ فظيعاً عندما يضعُكَ "هيوغو" نُصبَ عينيه، وبدا أنَّ هذا ما يحدُثُ مع "تيدي"، لكنَّهُ لن يتعاطفَ معهُ أبداً، هو لن ينسَ كم جعلَ "تيدي" حياتَهم أصعب بمُضايقاتِه المُتكرِّرة، أمسكَ بحجرٍ وأرجحه ثُمَّ رماهُ على رأس "تيدي"، ضربَ "تيدي" كثيراً لدرجة أنَّ الأمرَ باتَ عادة، يستحيلُ أن يتقابلوا صُدفةً دونَ افتعالِ قتال، لم يُعجب ذلكَ الأمر "راي" لكنَّه اعتاد على العلاقة القتاليَّة بينهُما، التفتَ "تيدي" إليهِما وكشَّر أسنانَه ثُمَّ تابعَ مسيرَه، لا يمكنُ تخيُّلُ صدمة "راي" و"جين" لذلك، قال "راي" بدهشة: اممم، مالذي حدثَ للتوِّ؟!
أجابَهُ "جين" بغضب: ما أراهُ أنَّ هذا الجبانَ يتهرَّبُ من قتال!
وبدأ يُلاحقُه بينما استنكرَ "راي" تلكَ الفعلة، إن قرَّرَ "تيدي" أنَّه تغيَّرَ ولا يريدُ القتال فلماذا لا نتركُه وشأنه؟! أرادَ اللَّحاق ب"جين" لكن "غانبو" الرَّاكضة نحوَهُ استوقفته، توقَّفت تلهث وكانَ وجهها يصفُ المعنى الحقيقيِّ للمشاعرِ المُبهمة، لم يستطع "راي" التمييزَ ما إن كانت نظراتُها سعيدةً أو حزينة، أخرجت بعضَ الأصواتِ من فمِها ناسيةً عجزَها عن الكلام، كان الحماسُ يملأها.
_أو! أو!
سألَ "راي" بكثيرٍ من علاماتِ الاستفهام: مالذي تُحاولينَ قولَه؟!
كانت رسَّامةً بارعة فرسمت بسُرعة قُبعةَ بحَّارة على الرِّمال، فهِمَ "راي" معناها على الفور فقال بالكثيرِ من الأمل:
_هل عادَ "أوشن"؟!
***
في الليلة السَّابقةِ وفي مُنتصفِ الليل تحديداً، أبطأت السَّفينةُ حركتَها استعداداً لاحتضانِ اليابس، وقد أنارَ لمعانُ البدرَ على طولِ المُحيط طريقها لتعودَ إلى الوطن، داعبَ هواءُ اليابس الممزوج بالرِّمال أنوفَ البحَّارة، ورؤيةُ رمالِ الوطن أسعدتَهم وطمأنتَهم، احتاجوا ذلكَ الأمانَ بعد الرحلة الصعبة التي ذاقوها، رستِ السفينةُ فوقفَ الجميعُ ينتظرونَ أوامرَ قُبطانِهم، سألَ أحدُ البحَّارةِ الصِّغار على استحياء:
_هل.. هل سيكونونُ سعيدين بعودتِنا؟! دونَ غنائم بل فقط خسائرُ كثيرةٌ وسفينةٌ تحتاجُ للتَرميمِ.
نظرَ إليهِ "أوشن" بملامح مُرهقَة أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، ونظرات حزينة لشعورِه أنَّ المُحيطَ كانَ ضدَّهُ في هذه الرحلة، قال:
_عودتُنا لن تُسعدَ أغلبَهم، لن أتظاهرَ بعكسِ ذلك، لذا لا تخرجوا من السفينة وابقوا داخلَها، سأسمحُ لعائلاتِكم بالصعود لمُقابلتِكم كاستثناءٍ هذه المرَّة.
بالفعلِ كانَ ما قالَهُ "أوشن" تضحيةً كبيرةً من قِبله، فلم يُسمح قطُّ لشخصٍ بالدخول إلى السفينة ما لم يكن أحدَ البحَّارة، كانت أشبه بملكيِّةٍ خاصَّة لرجالِ المُحيط.
_وماذا ستفعلُ أنتَ يا قُبطان؟ هل ستُواجههم؟!
_ناموا الآن فالجميعُ نيامٌ ولا نريدُ إفزاعَهم، يمكنُ لإعلانِ عودتِنا أن ينتظرَ حتَّى الصباح، سأذهبُ الآن فلديَّ لقاءٌ لا بُدَّ منه، يجبُ كتابةُ تقريرٍ لما حدث.
_الآن!؟ لكنَّكَ قُلتَ أنَّكَ ستنتظرُ حتَّى الصباح!
_بل على العكس، يجبُ على هذا اللِّقاءِ أن يكونَ في هدوءِ وعتمةِ اللَّيل.
صرخَ أحدُ البحَّارة: دع أحدَنا يُرافقك على الأقلِّ! فذراعُك ما تزالُ بحاجةٍ للتطبيب.
نظرَ "أوشن" لذراعهِ الملفوفة بكمٍّ هائلٍ من الضِّمادات التي تحوَّلت للأحمرِ تماماً وقال ببؤس: يمكنُ لذراعي أن تنتظرَ حتَّى الصباح..
غادرَ "أوشن" السفينةَ ووصل حتَّى القُبَّة الزُجاجيَّة، دخلَ كعادتِه من الباب الأماميِّ وتفحَّصَ المكانَ بنظره، شاهدَ فتاةً نائمةً تلتصقُ بأحدِ الجُدران فتجاهلها وشقَّ طريقَهُ إلى الغُرفةِ المعنيَّة، أعمتَهُ الإضاءةُ السَّاطعةُ لتلكَ الغُرفة فوجدَ "هيوغو" أمامه يصبُّ كوباً من الشراب، ولسببٍ ما هو لم يرتدي قميصاً، قال بسُخريَّة:
_أهلاً بعودتِكَ أيُّها الصديقُ القديم!
جلسَ "أوشن" على الكُرسيِّ بضيق وسأل: ألا تنام؟
_لماذا أنامُ ولديَّ أشياءُ أفضلُ لفعلِها؟!
قال "أوشن" وقد علا صوتُه: تقصدُ قتلَ الآخرين؟! هل تلكَ الفتاةُ في الخارجِ ميِّتة؟
تراجعَ "هيوغو" للوراءِ وقال يُحدِّقُ في عيني "أوشن":
_ألم تعرف الأمر؟ ما عادَ بوسِعِنا قتلُ الموشومينَ بالأسود، عقدنا صفقة، تابعَ بسُخريُّة أكبر: لكن نعم هي ميتة.
استمرَّ "أوشن" ينظرُ له بحدَّة، نظرات ما كانت لتخرجَ منهُ أبداً في مثلِ هذا الوضع، مدَّ لهُ "هيوغو" كوبَ الشراب فأخذَه وقال:
_ظننتُكَ لا تشربُ الكحول.
_هل رأيتَني أشربه؟ لقد جلبتُه خصيصاً على شرفك!
_هل توقَّعت قُدومي؟
_بل رأيت.
_هل تراني في أحلامك؟! ألِهذِه الدَّرجةِ عقلُكَ منشغلٌ بالتَّفكيرِ بي؟
_أراكَ تموتُ في أحلامي!
_أنا جادّ.. كيفَ عرفتَ بقدومي؟
_لم أعرف.. لو عرفت لكنتُ ارتديتُ بعضَ الملابسِ في انتظارك.
نظرَ لهُ "أوشن" بعدمِ تصديقٍ وتابع: تُحاولُ أن يبدو لقاؤنا عفويَّاً؟! أعرفُ أنَّكَ توقَّعتَ قُدومي! لذا.. هل تعرفُ سبب قُدومي..؟
نظرَ "هيوغو" إليهِ وقد اختفت نبرَتُه السَّاخرة فقال: لا.. لكن بوسعي أن أحزر..، نقلَ نظرَه إلى ذراعِ "أوشن" الملفُوفة وتابعَ بخيبة:
_أراكَ بالفعلِ قد فقدتَ ذراعك..
حملقَ "أوشن" بذراعِه المبتورة وقال بفخر: قرشٌ قد أكلَها!
أجابَهُ "هيوغو" ببرود:
_هذا مُثير.. هل ستُخبرني بمَ حدث أم سنستمرُّ بِلُعبةِ التوقَّعات؟
_أخرج قلماً وورقة أوَّلاً! ستكتبُ تقريراً لأجلي، لِنُرسِلَهُ إلى سفينةِ البضائع.
قال "هيوغو" بتعجُّب: مهلاً مهلاً لِمَ الاستعجال؟ دعني أسمعَ ما حدث أوَّلاً.
أغضبَ ذلكَ "أوشن" وقال: أنا لا أخبِرُكَ بهذا لتستمتع! أخبرني بِرفضك وسأعثرُ على شخصٍ آخرَ يقومُ بالأعمالِ الورقيَّةِ من أجلي!
نهضَ "هيوغو" بتأفِّفٍ وقال: حسناً.. لن أفوِّتَ سماعَ ما حدث، بالمُناسبة هل ستنتظرُ حتَّى أرتدي ملابسي كذلك؟
_نعم.. وتخلَّصَ من الجُثَّةِ أيضاً.. لا أريدُ رؤيتَها مُجدَّداً عندَ خُروجي.
_طبعاً! ستكونُ القُروشُ التي تحومُ حولَنا سعيدةً بالتهامها، أتمنَّى أن أقابلَ القرش الذي التهمَ ذراعَك، سأشكرُ له صنيعَهُ كثيراً!
أجابَهُ "أوشن" بحدِّة: لن يحدثَ ذلك، سبقَ وأن فقدَ حياته.
***
قالَ "جين" بارتياب: ماذا تقصدانِ بأنَّ "أوشن" هنا؟! رحلةُ الصيد لن تعودَ حتَّى عامين.
أجابَهُ "راي" بحماس: قالت "غانبو" بأنَّها شاهدت سفينتَهُم راسية!
_لكن لماذا يأتونَ مُبكِّراً، هل حلَّ مكروهٌ ما؟ عودتُهم هذهِ لا تُبشِّرُ بخيرٍ أبداً!
كلامُ "جين" هذا أعطى صفعةً قويَّةً ل"راي"، هو لم يُفكِّر بهذه الطريقة أبداً، كانَ فقط سعيداً لعودةِ "أوشن"، قال بتردد: لا أعرف.. ليسَ بوسِعي الذَّهابُ للتأكُّد.
_ماذا؟! صرخَ "جين" لا تقل بأنَّك لن تذهب لرؤيته؟! كفاكَ جُبناً من المُحيط! يجبُ أن تأتي لرؤية المحيط، أقصدُ بذلك كليهما.
أومأت له "غانبو" مُشجِّعة: (سنُساعدَك!)
هتفَ "راي": حقاً ستفعلان؟
وبهذا أمسكَ "جين" بيدِ "راي" اليُمنى وثبَّتَها بقوَّة، أمَّا "غانبو" أمسكت باليد اليُسرى برقَّةٍ وثبات، وبدآ يسُوقانِه للتغلُّبِ على هلعه في رؤيةِ المُحيط، هُما لن يُجبِرَاهُ على دخولِ المُحيط بل سيُساعِدانه على النَّظرِ إليه فقط، وكان هذا كثيراً بالنَّسبةِ ل"راي" الذي لم يجرؤ على الاقترابِ من المُحيط لعامين، وما ساعدَه كان الدَّافعُ القويُّ الذي امتلكَه، رغبتُه برؤيةِ "أوشن" ستُحقِّقُ المُستحيل!
رأى "راي" طرفَ المُحيط، واستمرَّ يقتربُ منهُ أكثرَ وأكثر، لكن في مرحلةٍ ما توقَّفَ وما عادَ بوسعِهِ الاستمرار، إنَّهُ يرى الأفقَ الشَّاسعَ للمُحيطِ أمامه وسفينةُ "أوشن" راسيةٌ على مسافةٍ بعيدةٍ منه، صحيحٌ أنَّهُ استطاعَ فعلَها لكن لم يكن الأمرُ مُريحاً، لولا أنَّ هذا لأجلِ "أوشن" لما فعلَهُ أبداً، تفهَّمَ "جين" و"غانبو" رغبة "راي" بالتوقَّفِ فتركاهُ على الفور، قال "جين" بحماس: هذا رائعٌ "راي"! أنتَ تنظرُ إلى المُحيط! ستتغلبُ على خوفِكَ وتدخلُه قريبا.
قال "راي" بتوجُّس: لا أظنُّنِي سأستطيعُ ذلك، يكفي الاقترابُ إلى هُنا حاليَّاً..
_نعم هذه المسافةُ جيَّدة، هل ترى السفينة هُناك؟! أشرعتُها واضحة من هنا.
_أراها.. لكنَّي لا أرى "أوشن"..
ما كادَ "راي" يُنهي جُملتَهُ حتَّى ظهرَ "أوشن"، كانَ وجهُه مُتجِّهماً ومُرهقاً يُحاولُ بصعوبةٍ المُرورَ بينَ النَّاس، مُتجنَّباً النَّظرَ إليهم، فقد كانوا يُلقونَ عليه صيحاتِ استهجانٍ وبعضُهُم حاولَ سؤالَهُ بعضَ الأسئلة، هربَ "أوشن" إلى السَّفينةَ فوراً، وصدَّ البحَّارةُ كلُّ من حاولَ الصُّعود حتَّى رُفِعت البوَّابةُ وصعدَ البحَّارةُ بأمان.
قال "جين" بفزعٍ: هل سيُغادرون؟
لم يُجبهُ "راي" الذي لم يكن قد خرجَ بعد من صدمةِ رؤيةِ "أوشن"، توقَّعَ أنَّهُ فورَما يراه سيركضُ لعناقه او قد يبكي لكن لم يحدُث أيَّاً من ذلك، ظنَّهُ سيكونُ لقاءً شاعريَّاً لكنَّه لم يكن، بل كانَ مُخيِّباً للآمالِ جدَّاً بالنَّسبةِ ل"راي"، لكن أكثرُ ما خيَّبَ أملَه كان شيئاً آخر تماماً، لقد رآهُ "أوشن".. تأكَّد "راي" من أن نظراتِهما قد التقت لفترةٍ بدت كالدَّهر، دونَ أن يُبدِ "أوشن" أيَّ تعبيرٍ لذلك، وكأنَّهُ لم يتعرَّف عليه ونسيَ أمرَهُ تماماً! بلِ الأسوأ.. رآهُ "أوشن" ولم يكترث لذلك، شعرَ "راي" بغُصَّةٍ تخنُقُ أحشاءه، كم كانَ أحمقاً! لماذا ظنَّ أنَّ "أوشن" قد يسعدُ برؤيته؟! هل ظنَّ حقَّاً أنَّهُما كالأبِ والابن!؟ أدركَ "راي" كم كانَ أنانيَّاً لاعتبارِ "أوشن" كوالد، ف"أوشن" لم يكن كذلك ولن يكونَ على الإطلاق، لم يُراعي "راي" إرهاقَ "أوشن" ولم يلحظ ذراعَهُ المفقودة، بل فكرة واحدة فقط احتلَّت عقلَه، "أوشن" ليسَ سعيداً برؤيتي!
***
عادَ "هيوغو" والأوراقُ بِحوزتِه، جلسَ خلفَ مكتبِه وقالَ بينما يغمسُ ريشتَهُ في الحبر وقد كانَ جادَّاً تماماً: إذاً ماذا حدث؟!
لم يُضيَّع "أوشن" وقتاً بل بدأ يسردُ التَّفاصيلَ: لقد تعرَّضنا لهجوم.. لم أعتقد أبداً بأنَّ تحذيرَهم قد يكونُ حقيقيَّاً، قالوا بأنَّنا مُجرمونَ هاربونَ وهاجمونا و..
توقَّفَ "أوشن" عن الكلام بعدما لاحظَ نظراتِ "هيوغو" الشَّامتة وصرخ: لا تنظر إليَّ نظرات (لقد أخبرتُكَ!)
باتت نظراتُ "هيوغو" الشامتة أكثرَ وضوحاً وقال: آسف لما سأقولُه لكن.. لقد أخبرتُكم!
تابعَ "أوشن": حطَّموا السَّفينةَ ممَّا أجبرنا على تخفيفِ حُمولتِنا، لم نستطع الاستمرارَ لأكثرِ من عامين بتلكَ الموارد فعدنا.
انغمسَ "هيوغو" بالكتابة وسأل: أتقصدُ بأنَّهم هاجمُوكم في بدايةِ الرَّحلة؟
_تقريباً، وإلَّا لما استطاعوا معرفةَ مكانِنَا، فنحنُ نسلُك مساراً غيرَ مُتوقَّع، ولكنَّ سؤالاً يُراودني، كيفَ عرفوا أنَّنا في رحلةِ صيدٍ للحيتان إن لم تُخبرهم أنت؟!
_رحلاتُ صيدِ الحيتانِ يتمُّ تمييزُها يا "أوشن"، وقلتَ بأنَّهم لم يُهاجموكم بتلكَ الحُجَّةِّ صحيح؟
_ربما لم يفعلوا لكنَّي أعرفُ أنَّهُ كانَ دافعَهُم! فمهما كانت جريمةُ صيدِ الحيتان خطيرة عقابُها لا يسمحُ لهم بتدميرِ سفينتِنَا بينما نحنُ على متنِها! ظنُّوا بأنَّهم بجعلِنا نعودُ إلى هُنا حيثُ جزيرةِ المجرمين، فسيكونُ عقاباً لكن بالنَّسبةِ لي فهذا موطني.
_بالطبَّع، موطِنُكَ الذي تكره، لكنَّهم انتصروا في النِّهاية فقد أجبرُوكم على العودةِ خلالَ نصفِ المُدَّة وأيضاً.. كما أرى أنتم لم تصطادوا حوتاً صحيح؟
ابتسمَ "أوشن" وتابع: ومن قالَ ذلك؟ ما كنتُ لأعودَ إن لم نفعل! حتَّى لو عنى ذلكَ موتنا، لقد اصطدنا حوتاً أحدباً! أخطرَهُم على الإطلاق!
_وهل حصَّلتُم أيَّ غنائم؟
_نعم.. لكنَّكَم لن تحصلُوا على أيٍّ منها، سأدِّخُرها جميعاً لإصلاحِ السَّفينة، والحوتَ كاملاً كذلك، فمؤونَتُكم ماتزالُ تكفي لعامين، بصراحة أنوي النَّظرَ لما حدثَ بطريقةٍ إيجابيَّة، هذه فرصةٌ لتجديدِ السَّفينةِ وجعلِها أكثر عصريَّة، أفُكِّرُ بطلبِ مُحرِّكاتٍ ضخمة بدلاً من الطَّريقة البدائية التي نقودُ باستخدامِها.
_أفهمَ من كلامِكَ أنَّكم ستمكثونَ طويلاً هُنا.
_ربما.. لكن لا تقلق لن نُزعِجَكُم، ولن أجري أيَّ تعديلٍ على طاقمي، فرحلتُنا التالية ستكونُ مُجرَّد استكمالٍ لرحلتِنا الأولى، لن أعتبِرَها رحلةً جديدة، ستستمرُّ لعامين ثُمَّ سنعودُ إلى هُنا تماماً في الوقتِ المُحدَّد، يبدو جيِّداً صحيح؟
_فقط إن سارت الأمورُ كما يجب، ثُمَّ ماذا؟! ما علاقةُ هذا بفقدِ ذِراعِك؟!
_لهذه قصَّةٌ أخرى.. وأراها أكثرَ أهميَّةً من الأولى.
_كُلِّي آذانٌ صاغية.
_توقَّف عن التدِّوين، وأنصت لما سأقولُه جيِّداً
فعلَ "هيوغو" كما طلب، وعقد ذراعيه استعداداً لسماعِ قصَّة "أوشن" المُشوِّقة.
_صعدَ قرشٌ فجأةً على سطحِ السفينة! وبدأ بِمُهاجمتِنا، كانَ ذلك استهتاراً منِّي فقد تأخَّرتُ بإغلاقِ الفتحةِ التي قفزَ منها، لحسنِ الحظِّ لم يُصب أحدٌ سواي، فقد رميتُ بهِ ونفسي إلى المُحيط وهناك بدأت مُصارعتُنا.
قاطعَهُ "هيوغو" بحماسٍ واضح: هل صارعتَ قرشاً؟! أنتَ مُذهلٌ يا "أوشن"!
تابعَ "أوشن" غيرَ مُبالٍ بذاك الإطراء: تيقَّنتُ من موتي حينما قضمَ القرشُ ذراعي، لكن ما حدثَ كانَ أمراً خارجاً عن المألوف، بدأ يسبحُ بطريقةٍ عشوائيِّة وغريبة، ثُمَّ انحصرت سباحتُهُ لِيسبحَ فقط في دائرة، حتَّى انقلبَ على ظهرِه وطاف.
اتَّسعت عينا "هيوغو" وقال بريبة: هل تقصدُ أنَّه..؟
أجابَ "أوشن" بحزم: أنا أعرفُ القُروشَ جيِّداً! وأعرفُ تماماً أنَّ ذلكَ القرشَ قد تعرَّضَ للتّسمُّمِ، لكن لماذا؟ لماذا تسمَّمَ عندما التهمَ ذراعي؟!
لسببٍ ما.. كان "هيوغو" مذعوراً! سأل: ماذا حدثَ بعدها؟ يُفترضُ أن تجتمعَ باقي القُروش على رائحةِ الدِّماء.
_سحبَنِي البحَّارةُ قبلَ ذلك، كانوا سعيدينَ بنجاةِ قائدِهم من مُصارعتَهِ مع قرش، ظلُّوا يهتفونَ لي كبطلٍ لكن أنا كانَ بالي مشغولاً.. لم أحتمل منظرَ القرشِ المُتألمِّ!
قال "هيوغو" بسخرية: يالكَ من عطوف، لقد حاولَ قتلَك فنالَ جزاءه!
_حاولَ العُثورَ على لُقمة عيشه.. رميتُ بِرُمحي نحوهُ وخلَّصتُه من العذاب..
سادت لحظةُ صمتٍ طويلة بينهُما، "أوشن" يتفكَّرُ بشأنِ القرشِ المُتألم و"هيوغو" منغمسٌ في التفكير بشأنِ ما سمِعَه، قال بهدوءٍ وبعضِ التردُّد: "أوشن".. أيُّ ذراعٍ تلكَ التي التهمها؟
_أنتَ تُفكِّرُ بما أفكِّرُ به تماماً، لقد التهمَ الذِّراعَ الموشُومَة.
_هل تظنُّ أنَّه..؟
_لا تستغرب، بحثنا بهذه النَّظريَّة كثيراً سابقاً.
عادَ ذُعرُ "هيوغو" وقال: لكنَّنَا تأكَّدنا من خطأها! وأيضاً إن كانَ الوشمُ مسموماً فكيفَ لا تموتُ أنتَ وهو على يدِكَ طوالَ الوقت؟! ويموتُ هو فور التهامِ السُّم؟
_لم يمت بل ظهرت عليه أعراضُ التسمُّم فقط، أنا من قتلتُه..
_فهِمنَا أيُّها الرَّحيم!
_عُموماً هذا ما أطلبُهُ منك، فلتُحقِّق في نظريَّتِنا هذهِ مُجدَّداً.
تراجعَ "هيوغو" للوراءِ وعقدَ ذراعيهِ وقال بضيق: هذا مُستحيل.. أتذكرُ ما حدثَ في آخرِ مرَّةٍ تسلَّلنا فيها إلى المكتبة؟ حاولَ "بنس" قتلك! لن أعودَ إلى هناك مُجدَّداً.
_أليسَ لديكَ مصادرُ أخرى؟! يجبُ أن نكتشفَ الحقيقة! إن هذا غيرُ قانونيِّ حتَّى وإن كانَ ضدَّ مُجرمين!
_أتظنُّ أنَّ هذا يهمُّهم؟ لكن نعم سأبحثُ في ذلك، لن أتخلَّى عن نظريَّتِنا، سأرغِمُ "بنس" على جعلي أبحثُ في المكتبة.
قال "أوشن" بحزم: بلا مُشكلاتٍ مع "بنس" رجاءً!
ثُمَّ نهضَ ليُغادرَ لكنَّهُ توقَّفَ فجأةً وقال: هل تخلَّصتَ من الجُثَّةِ في الخارج؟
ضحِكَ "هيوغو" وقال: لم أفعل، هيَ ليست جُثَّة، أخبرتُكَ بأنَّنا توقفنا عن قتلِ بعضِنا.
_ألِهذا لم تقتلها؟
_ليس كذلك، فهيَ بوشمٍ أحمرَ لذا لم أقتلها، لو كانت بوشمٍ أسودَ لقتلتُها
_حتَّى النَّساءُ لا يأمنَّ منك..
_بل لا يأمنُ أصحابُ الوشومِ السَّوداءِ منَّي.
***
_ألن تذهبَ للِّقاءِ "أوشن" يا "راي"؟! إنَّهُ هُنا منذُ شهر.
كانَ "راي" منشغلاً يُطالعُ كُتيِّباتِ الرَّسم حتَّى قاطعَهُ "جين" بذاكَ السُّؤالِ الذي عكَّرَ مزاجه بشدَّة، قال بغضب: وكيفَ سألقاهُ إن كانَ يحبسُ نفسَه في السَّفينةِ طوالَ الوقت؟! أنا لا أقتربُ من المحيط!
_ومع الأسفِ فهو لا يمكثُ في اليابسِ كذلك، كانت علاقتُكما رائعة..
صاح "راي" بغضب: انسَ أمرَ "أوشن"! لأنِّي سأنساهُ كما نسيَنِي، تجاهلتُ مخاوفي وخطوتُ إلى المُحيطِ لأجلِه لكن هو! تجاهلَني تماماً كأنِّي لم أكن، إنَّهُ يعرفُ أّنِّي أخافُ من المُحيط لذا لا داعيَ لهُ لادِّعاء الجهل، لكن ورغم معرفته فهوَ غيرُ مستعدٍّ للمكوثِ في اليابسِ نصفَ ساعةٍ لرؤيتي! هو فقط لم يعد يكترثُ بي..
جلسَ "جين" بجانبه وقال بحيرة: أنتَ غريبٌ حقَّاً، طوالَ العامينِ السابقينِ كنتَ تتغنَّى بعودةِ "أوشن"، وعندما عادَ أخيراً أنتَ لا تُريدُ لقاءه، عُموماً ليسَ أمامك الكثيرُ من الوقتِ قبل أن يُغادِرُوا، ظننتُكَ لديكَ الكثيرُ لتقولَه له.
_لا شيءَ لديَّ لأقولَهُ له! فكرةُ أنَّه لم يُحاول لقائي أيضاً تعني أنَّهُ لا يُريدُ ذلك..
_كُفَّ عن إطلاقِ الأحكام، لربما هو مشغولٌ ولم يتسنَّى لهُ ذلك.
هدأت أعصابُ "راي" نوعاً ما، وقال: فلنفترض أنَّهُ مشغول، فهذا يعني أنَّهُ لا يجبُ عليَّ إزعاجُه وتضييع وقته الثمين، في كِلتا الحالتين لن يرغب برؤيتي.
قال "جين" بابتهاجٍ غريب: بوسعي أن أكونً وسيطاً لأجلك! إن أردت فأستطيعُ الذهاب وتقصِّي أمرَهُ لأجلك، ما رأيك؟
أجابَه "راي" ببرودٍ فقد فِهمَ نوايا صديقه: افعلها إن أردت لكن لا تقل بأنَّ هذا لأجلي، بل هوَ لأجلك، أنتَ تُريدُ إشباعَ فُضولك بسببِ امتناعِ "أوشن" عن مُقابلتي.
ابتسمَ "جين" ابتسامةً واسعةُ وقال، لن أكذِبَ عليك! هذا صحيح، لذا نعم سأفعلُها!
ذهبَ "جين" وعادَ بسرعةٍ ممَّا فاجأ "راي"، وقفَ على الفورِ ينتظرُه دونَ أن يُحاولَ التحكُّم في نظراتِ الترقُّبِ واللَّهفة التي ظهرت على وجهه، لكنَّها تبدَّلت لملامحِ خوفٍ وقلق عندما رأى ملامحَ "جين" الخائبة، سألَ بقلق: ماذا حدث؟
أجابَهُ "جين" بخيبة، وقد كانَ خائفاً قليلاً من ردَّةِ فعلِ "راي" على ما سيسمعُه:
_لا فائدة.. إنَّهم لا يسمحونَ لأحدٍ بالدُّخول إن لم يكن فرداً في عائلةِ أحدِ البحَّارة.
شعرَ "راي" بالصدمة، ثُمَّ شعرَ برأسِه يغلي والدُّخانُ يتصاعدُ منه، تساءل ما إن كان يمكنُ ل"جين" رؤيته، قال بغضب: هذا يعني أنَّه حتَّى وإن قرَّرتُ التغلُّبَ على خوفي لأجله ودخولَ المُحيط، فهم لن يسمحوا لي بدخول السفينة! سعيدٌ أنَّي لم أحاول! كانت ستكونُ مُحاولةً فاشلة ومُخيِّبة.
بدا "جين" خائفاً قليلاً من غضبِ "راي"، لكنَّهُ كانَ عازِماً على الدَّفاعِ عن "أوشن"، فقد أحبَّ "جين" تلكَ العلاقة الفريدة بينهُما وكان يغارُ منهم طوال الوقت، هو لا يُريدُها أن تنتهي لأنَّها إن فعلت فسيلومُ نفسَهُ على غيرتِه منهما.
_غ. غيرُ صحيح! أكيدٌ أنَّ "أوشن" وصفكَ لهم وأخبرهم بأن يسمحُوا لكَ بالدُّخولِ إن أتيت!
ضربَ "راي" الأرض من تحتهِ وقال: هذا مُستحيل! كفاكَ مُحاولةً الدِّفاعَ عنه!
_ح. حسناً..
viloeto7789