23: حقيقةٌ مُتأخِّرة

23: حقيقةٌ مُتأخِّرة

14 0

انقضى عامُ "راي" الثالث، وباسثناءِ لقائهِ ب"أوشن" فقد كان عاماً هادئاً خالياً من الأحداث، خُصوصاً بعد توقُّفِ "تيدي" عن التعرُّضِ لهم، وفي أحدِ أيَّامِ عامهِ الرَّابع على الجزيرة وقد كان يوماً صيفيَّاً حارِقاً، جلسَ أسفلَ الشَّمس التي تتوسَّطُ المكان يُحاولُ مُقاومة الحرِّ والعرق وكانَ قد طفحَ بهِ الكيلُ من اليومِ الحارِّ، وأمامهُ ورقة يُحاولُ فيها رسمَ لوحةٍ لسماء تتزيَّنُ بغيومٍ بيضاء من صنعِ مُخيِّلته، شعرَ ب"غانبو" تجلسُ خلفَه ففي اللَّحظةِ ذاتها وجدَ أنَّ اللَّوحة قد تشوَّهت بنقاطٍ عرقٍ نسيَ مسحَها، كانت تلك القشَّة التي قسمت ظهرَ البعير فرمى الفرشاةَ جانباً وراح يتذمَّرُ بغضب:

_الرسمُ صعبٌ حقَّاً يا "غانبو"! أمارسُه منذُ عام ولم أحترفه بعد، تعلَّمتُ الكثيرَ عنه لكنِّي مازلتُ أفتقرُ للكثيرِ كذلك، وبصراحة.. لقد مللت! مللتُ الرسمَ ولا يهمُّني إن كنتُ قد أتقنته أو لا، ستكونُ هذه آخر لوحةٍ أرسمُها، سأبحثُ عن شيءٍ آخر لتعلُّمه، هل لديكِ أيُّ أفكار؟!

بدأت "غانبو" تكتبُ على الرِّمال، دونَ أن يلحظَ "راي" مدى حُزنِها، كتبت:

(هنالكَ الكثيرُ من الكُتب التي بوسِعك قراءُتها)

أجابَها "راي" المُلطَّخ بالألوان: معكِ حق، أنا لا أذكرُ متى كانت آخرَ مرَّةٍ قرأتُ فيها كتاباً، أو حتَّى دخلتُ المكتبة، اتساؤل ما إن كان السيد "بنس" بخير.

لم تُجبه "غانبو" بل ظلَّت تُطالع الأفقَ بوجهٍ مهموم، و"راي" الذي لاحظَ ذلك سألها: هل أنتِ بخير "غانبو"؟!

حرَّكت رأسها بايماءةٍ بسيطة دون أن تتغيَّر ملامحُها، ثُمَّ تابعت تكتبُ على الرِّمال:

(حالةُ "بنس" الصحيَّة مُتوعكَّة، ربما علينا زيارتُه؟)

_ماذا!؟ "بنس" ليسَ بخير!؟ حتماً يجبُ علينا زيارتُه! هل رأيتِ "جين"؟

أشارت رأسَها بالنِّفي.

***

على الجانب الآخر كانَ "جين" يُضيفُ بعضَ اللَّمساتِ النِّهائيَّة على جهازِ التَّواصل الذي يصنعه، حلقةُ الوصلِ بينَه وبينَ عائلته! كانَ من المُفترضِ إنهاؤه في العامِ السَّابق، لكن بسببِ نقضِ "جين" للعقدِ بينهُما فقد سمحَ ل"راي" بالظهورِ أمامَ "هيوغو"، سحبَ منهُ "هيوغو" قطعاً كثيرة كعقاب، و"جين" طبعاً لن يُمانعَ ذلك في سبيل سعادةِ صديقه، أمَّا الآن فهوَ لا يحتاجُ سوى قطعةَ غيارٍ واحدة، لكن المُشكلةُ أنَّه لم يعد يحصلُ على أيِّ مهام، كما لو كانَ "هيوغو" قد ملِلَ منه وتخلَّى عن طريقتِه في القتل، وبسبب حماسِ "جين" الكبير لإنهاءِ جهازه، قرَّرَ أن يتِّخذ هوَ الخُطوةَ الأولى، وأن يطلبَ منهُ مهمة لأنَّهُ حقَّاً بحاجةٍ لتلكَ القطعة الأخيرة، كانت معركتَهُ الخاصَّة التي لا يعرفُ أحدٌ عنها شيئاً.

صارَ بوسعه رؤيةُ "تيدي" الذي باتَ منبوذاً يحومُ حولَ القُبَّة الزُجاجيَّة، كان واضحاً عليهِ التردُّد فتساءل "جين" ما إن كانَ يُحاولُ لقاءَ "هيوغو"؟ مازال ضمُّ "تيدي" لجماعةِ "هيوغو" يبدو كاللُّغزِ بالنَّسبةِ ل"جين"، هو أوَّلُ طفلٍ ينضمُّ لهم وليسَ مُفيداً على الإطلاق، النظريَّة الوحيدة التي خرجت أن يكونَ "تيدي" ابناً ل"هيوغو" وهو ما حاولَ نفيَهُ لسنين، فلماذا يفعلُ شيئاً يزيدُ من شكِّ الآخرينَ حولَ ذلك؟! ومن النَّاحية الإيجابيَّة لانضمامه والإعلان عنه بشكلٍ صريح فإنَّ "تيدي" ما عادَ قادراً على التعرُّضِ لهم، وإلَّا سيكونُ هذا انتهاكاً صارخاً للعقدِ بينَ "جين" و"هيوغو".

ابتعدَ "تيدي" عن المكانِ أخيراً فحانت لحظةُ "جين" للاقتحام، لكنَّه لم يحتج ذلك ففورَ همَّ بالدُّخولِ خرجَ "هيوغو"، كان يبدو شارداً وعندما لاحظَ وجودَ "جين" أمامه تغيَّرَ شُرودُه لملامح استغراب، سألَ بعد فترة وقد عادَ للشرود: هل رأيتَ "تيدي"؟

_كانَ يحومُ بالجوارِ للتوِّ

جالَ "هيوغو" ببصره وعاملَ "جين" كأنَّهُ غيرُ موجود، لكن بعد لحظات عادَ لهُ إدراكُه فنظرَ نحوَ "جين" وسألَهُ ببرود: هل أتيتَ لرؤيتي؟

أجابَهُ "جين" وكلُّهُ رجاء: نعم!

_ماذا تُريد؟

_أريدُ مهمة!

_لا مهام لديَّ لك.

نظرَ إليهِ "جين" بخيبةٍ فتابعَ "هيوغو" يوضِّح: أعرفُ أنَّكَ متحمسٌ للحصولِ على قطعتِكَ الأخيرة، لكن بما أنَّها ستكونُ مهمتك الأخيرة أريد جعلَها مُميَّزة وفي وقتِها.

_لكن أنا أحتاجُها الآن!! ماذا لو ماتَ أفرادُ عائلتي قبل أن أستطيعَ الاتِّصالَ بهم!؟

ابتسمَ "هيوغو" بخبثٍ وقال: يُعجبُني تفاؤلكَ بأنَّهم على قيدِ الحياة، لكن كما قلتُ فحاليَّاً لا مهام لك.

تردَّدَ "جين" لبعضِ الوقتِ من البوحِ بفكرته، ثُمَّ قالَ: إذاً هل أستطيعُ الحصولَ على أجري قبلَ أداءِ المهمة؟

اتَّسعت عينا "هيوغو" وقال بريبة: هذا مخالفٌ للعقدِ بيننا!

_لكن إن تمَّ خرقُه برضا الطرفين فلا بأس، لا وقتَ لديَّ لانتظارِكَ حتَّى تعثُرَ على مهمة فكلُّ يومٍ مهم ولهُ تأثير!

بدأ "هيوغو" يحكُّ ذقنَهُ بينما يُفكِّرُ بجديَّة بشأنِ هذه الصفقة، ابتسمَ بخبثٍ وقال: لا أمانعُ إعطاءك أجركَ قبلاً، لكن ماذا لو لم تُنجز المهمة لاحقاً؟ ماذا سأفعلُ بك؟

_أنتَ تعلمُ بأنِّي لم أفشلَ بأداءِ مهمةٍ من قبل..

ضحِكَ "هيوغو" وقال: طبعاً أنا لا أشكُّ بقدرتك، لكن هذا ليسَ ما عنيتُه، فقد حدَّدتُ ماذا ستكونُ مهمتك الأخيرة، لكنِّي فقط لا أراهُ وقتاً مُناسباً للقيامِ بها.

أجابَهُ "جين" بحزم: سأنجزُها مهما كانت ومتى كانت!

_لم أحدِّد وقتاً بعد، ربما في يناير العام القادم، ستتزامنُ مهمتك مع مسابقةِ الحفرة القادمة.

_هل للأمرين صلةٌ ببعضِهِما؟

_ليس حقا، لكن في يناير ذاك سأبلغُ الثلاثينَ وسأغادرُ هذا المكان.

نظرَ له "جين" باستغرابٍ وقال: قد أفهمُ أنَّكَ تنوي المُشاركة، لكن لِمَ أنتَ متأكدٌ من فوزك؟

_هذا ليسَ سؤالاً أيُّها الأحمق! عموماً ستكونُ مهمتكَ الأخيرة هيَ آخرَ شيءٍ مُثيرٍ أشاهدُه قبلَ مُغادرتي.

_فهمت! ما هيَ تلكَ المهمة؟

ابتسمَ "هيوغو" وقال: لا تستعجل بالأمور، لكن أريدُ بعض الضمانات، لذا إن لم تُنجزها فهل تقبلُ بأن تكونَ حياتُكَ هي الثمن؟

أجابَهُ "جين" بفزع: ماذا تقصد؟!

كرَّرَ "هيوغو" كلامَهُ بهدوءٍ مُخيف وقال: في حالِ عجزِكَ عن أداءِ تلكَ المهمة لأيِّ سببٍ من الأسباب، فهل تقبلُ بأن تكونَ حياتُكَ مُقابلاً لذلك؟

أنزلَ "جين" نظرَهُ وتفكَّرَ برعبٍ حقيقيِّ، لاحظَ "هيوغو" ذلكَ الخوفَ فقال باستغراب: كنتَ واثقاً جدَّاً من إنجازِكَ للمهمة للتو، فما بالَك متردِّدٌ الآن؟ أينَ ثقتُك؟! تذكَّرِ أنَّكَ لم تفشل في مهمةٍ من قبل لذا لا يُفترضُ بهذه أن تكونَ مشكلة

رفعَ "جين" نظرَه وقال وقد تحلَّى بالثقةِ مجدداً: نعم أقبل! فلتكن حياتي ثمناً لفشلي!

***

_أينَ كُنتَ البارحةَ يا "جين"؟ ذهبنا لزيارةِ "بنس" البارحةَ وبحثنا عنك فلم نجدك.

سألَ "راي" فأجابَهُ "جين" بوجهٍ مُرهق:

_لقد كنتُ مشغولاً، سهرتُ طوالَ الليل أعمل.

قالَ "راي" بغضب: هل هيَ تلكَ المهامُ مُجدَّداً؟! ظننتُكَ توقَّفتَ عنها!

_لقد توقَّفتُ بالفعل! أنصِتا جيِّداً، لقد اقتربتُ من الانتهاء منه، حلقةُ الوصلِ بيننا وبينَ العالمِ الخارجيِّ! حلقةُ الوصلِ بيني وبينَ عائلتي!

_حقَّاً! هذا أروعُ خبرٍ لهذا العام!

ابتسمَ "جين" ثُمَّ تبدَّلت ملامحُه للجديَّةِ وقال: والآن ما أخبارُ "بنس"؟

تبدَّلت ملامحُ "غانبو" و"راي" للحزن، قالَ "راي": صحَّتُه مُتوعكةٌ حقَّاً، لكنَّهُ قالَ بألَّا نقلقَ عليه، أنا لا أدري ما خطبُه..

_ربما مُجرَّدُ زُكام، لا تُضخِّما الأمور.

_لا يكونُ الزُكامُ هكذا! تذكُرُ عندما أصبتَ بهِ واعتنينا بك؟! لم تكن حالتُكَ هكذا!

احمرَّ وجهُ "جين" خجلاً لتلكَ الذكرى المُحرِجة وقال: نعم.. كانت حالتي صعبةً حقَّاً آنذاك

_"بنس" فاقكَ تعباً بعشرِ مرَّات! لم تكن حرارتُه مُرتفِعة لكنَّ وجهَهُ كان أزرقَ وشفتاهُ كذلك! لم يستطع الاستنادَ دونَ مُساعدتِنا.. توقَّفَ "راي" للحظاتٍ ثُمَّ تابعَ بكلِّ أسى العالم: هل تعتقدانِ أنَّ "بنس" يحتضر؟

لم يُجبهُ "جين" بل تبدَّلت نظراتُه للشعورِ بالصدمة، بينما أشارت "غانبو" بيديها:

(موتُ "بنس" ليسَ مُشكلتَهُ وحده، بل هوَ يعني فُقدانَ عشراتِ الأطفالِ لملاذِهم الآمن، سيفقدونَ الحمايةَ التي يوفِّرُها لهم "بنس" في المكتبة، نحنُ لا نعرفُ ما سيفعلُه المُجرمونَ من بعدِه انتقاماً منه ومن كبحِ رغبتِهم بالتدمير..)

باتت نظراتُ "راي" أكثرَ بؤساً وحُزناً، فهوَ لم يخطرُ ببالِهِ على الإطلاق كلامُ "غانبو"، لكنَّ "جين" كانَ هذا بالفعلِ هو أوَّلَ ما فكَّرَ به منذُ سمِعَ باحتضارِ "بنس"، سيفقدُ جميعُ الأطفالِ بطلَهم ومُنقِذَهُم.

***

كانَ "بنس" راقداً على ظهرِه غارقاً في الظلام، تمنَّى وقتَها لو يحصلُ على شخصٍ واحدٍ على الأقلِّ يُناوِلُه كأسَ ماء، لكنَّه لم يجد أحداً، فرغمَ أنَّ حياتَه لم تخلُو من البشرِ في سُطوعِ النَّهارِ لكن في عتمةِ اللَّيل فإنَّهُ وحيدٌ تماماً، وقد كانَ ذلكَ اختيارَهُ الخاصَّ، لكنَّهُ لم يعتقد يوماً أن تتهاوى صحَّتَهُ لدرجةِ ألَّا يقدِرَ على التنفُّسِ دونَ الشُّعورِ بالألم..

شعرَ ببابِ المكتبةِ يُفتحُ بجانبه فتساءل في نفسه، هل هذا هوَ المُنقذُ الذي سيجلبُ لي شُربةَ ماء؟! دخلَ الجسدُ الطويلُ ولمحَ "بنس" ظلَّه، لكن الغريب أنَّهُ دخلَ مُتجاهلاً "بنس" بل راحَ يفتحُ النَّوافذَ من حوله، النَّوافذُ التي عكفَ "بنس" على إغلاقِها طوالَ تلكَ السَّنواتِ، صعدَ إلى الطابقِ الثَّاني وكرَّرَ نفسَ الفعلة، لكنَّهُ استغرقَ وقتاً أكثر من المُعتاد للعودة، عندما عادَ مَثلَ أمامَ "بنس" مجددا، مُمسِكاً بِرُمحِه وقال بحدَّة: هأنذا أقفُ على ألواحِ المكتبة دونَ أن تقدِرَ على ردعي يا "بنس".

توقَّفَ عن الكلامِ لبُرهةٍ مُنتظِراً ردَّ "بنس" العاجز عن الكلام، والذي بدأ يرفعُ نفسَهُ بصعوبةٍ فأسندَ ظهرَهُ على الحائط، تقدَّمَ الرُّمحُ نحوَ "بنس" ببأس وشدَّة وقال حامِلُه: لقد جئتُ لقتلِكَ يا "بنس"..

_لا داعيَ لذلكَ يا "هيوغو"، فكما ترى أنا أحتضر.

وبدأ يسعلُ دماً بشدَّة و"هيوغو" يُراقبُ بصدمة، رمى رُمحَهُ جانباً وقال كاظماً غيظه: أنتَ تحتضرُ حقَّاً! لم أرِد تصديقَ ذلكَ حتَّى أراهُ بنفسي! الجميعُ في الخارجِ مُتلهِّفونَ للحظةِ موتِك.

_أعرفُ ذلك.. أشعرُ بالمأساةِ كونَ لا أحدَ أستطيعُ أن أعهدَ لهُ بهذهِ المكتبة من بعدي، لكن.. لم أعتقد بأنِّي سأموت بهذه السرعة!

تربَّعَ "هيوغو" أمامَ شقيقِهِ وقال بابتسامة: لطالما كانت مناعتُكَ ضعيفة.

ابتسمَ "بنس" بدورِه وقال: أتعرفُ يا "هيوغو"؟ خلالَ سنين حياتي ربما هذه هي مرَّتُكَ الأولى لتزُورَني فيها وتطمئنَّ عليَّ أثناء مرضي

_جئتُ لأطمئنَّ على موتِكَ لا عليك، وتعرفُ أنَّ والدي لم يكن ليسمحَ لي بذلك، لم يكن ليُخاطِرَ بأن أصابَ بالعودة.

_نعم.. كُنتَ قطعتَهُ المُفضلة.

دامت لحظةُ صمتٍ طويلةٍ بينهما حتَّى قالَ "هيوغو": والآن بينما أنتَ على فراشِ الموت، هل ستُخبِرُني بما حدثَ أثناءَ غيابي؟ لقد وعدتني بذلك!

ضحِكَ "بنس" ضحكةً ممزوجةً بالدِّماء ثُمَّ تابع: عجيبٌ أنَّكَ تذكرُ هذا الوعد.

_بالطَّبعِ أذكرُه! نظراتُ الشفقةِ التي اعتلت وجهكَ حينئذٍ لن أنساها ما حييت، أنا مستميتٌ لمعرفةِ ما حدث!

دامت لحظةُ صمتٍ أخرى بينهُما، كان "هيوغو" يعرفُ بأنَّ الكلامَ باتَ صعباً على "بنس" لهذا لم يضغط عليه وأعطاهُ كلَّ الوقتِ ليستجمعَ أنفاسَه، لكنَّه أيضاً كان خائفاً من أن يموتَ "بنس" قبل أن يبوحَ بما يريدُ البوحَ به.

_هل أستطيعُ أن أعهدَ لكَ بهذهِ المكتبة من بعدي يا "هيوغو"؟ أعرفُ بأنَّكَ ما تزالُ تمتلكُ ذرَّةَ خير.

استغرقَ "هيوغو" وقتاً حتَّى يُجيبَهُ ثُمَّ قال:

_سأفعل! لن أسمحَ لأحدٍ بدُخولِها أو الاعتداءِ عليها وستستمرُّ بكونِها ملجأ آمناً للأطفال، لكن هذا فقط إن أعجبتني الإجابةُ التي سأحصلُ عليها.

بدأ "بنس" يُحاولُ النَّهوض وقال بخيبة: لن تُعجِبَكَ الإجابةُ أبداً..

لاحظَ "هيوغو" مُحاولةَ "بنس" الفاشلة في النُّهوض فسألَه باستغرابٍ: ماذا تفعل؟

_لا حاجةَ لي لإخبارِكَ بأيِّ شيء، مُجرَّد صُورة واحدة وستفهمُ كُلَّ ما حدث.

لاختصارِ الوقت، أحاطَه "هيوغو" بذراعِه وبدأ يُساعِدُه على الحراك، سماعُ صوتُ أنفاسِ "بنس" الثقيلة كانَ واضحاً جدَّاً وقتَها، فربما لم يُلاحظ "بنس" ذلكَ الشُّعورَ الغريبَ فقد كانَ على فراشِ الموتِ ولديهِ أشياءُ أهمُّ ليُفكِّرَ بها، لكنَّ "هيوغو" كانَ قد أدركَ بأنَّ هذهِ هيَ المرَّةُ الأولى في حياتِه التي يكونُ فيها قريباً من شقيقه لهذهِ الدَّرجة، وبطريقةٍ ما كانَ شُعوراً غيرَ مُعتاد لكنَّهُ أعجبَه، أسندَ "بنس" ذراعيه على أحدِ الُّرفوف وقال بصعوبة: اتركنِي.. أستطيعُ الوقوفَ الآن.

تركَهُ "هيوغو" وعاد مُتراجعاً بضعَ خُطواتٍ دونَ رغبةٍ منه، فذاكَ الشعورُ الغريبُ مازالَ يُراودُه، لطالما كان قريباً من شخصٍ واحدٍ فقط وهو لم يرغب بمنحِ ذرَّةٍ من الاهتمام لأيِّ شخصٍ آخر، ولا حتَّى عائلته.. بدأ "بنس" يبحثُ بين الكُتبِ وقال: _انتظرني ريثما أعثرُ عليها، مُتأكِّدٌ بأنِّي خبَّأتُها هُنا.

قال "هيوغو" بنفسِ النَّظراتِ الغير مُرتاحة وكذلكَ النبرة: خُذ وقتَك..

دامَ بحثُ "بنس" لفترةٍ حتَّى داهمَهُ سؤالُ "هيوغو": هل تعرفُ لماذا تحتضر؟

لم يأخذ "بنس" سؤالَهُ بجديَّة وقال ببرود: هل تعرفُ أنت؟

قالَ "هيوغو": للأمرِ علاقةٌ بنظريَّتِي أنا و"أوشن" منذُ زمن.

_نعم أذكر.. حدثَ ذلك عندما كنتما لا تزالانِ صديقين، رفضتُما إطلاعي على الأمرِ حينَها فهل ستفعلُ الآن؟

_لا أظنُّ أنَّ الأمرَ يهمُّ الآن فأنتَ على فراشِ الموت.. لكنَّهُ بشأنِ الوشمِ على يدك، إنَّهُ مسموم

لم يكترث "بنس" لتلكَ المعلومة وقال: ألستَ مسموماً أيضاً، فلماذا أموتُ قبلك؟ لطالما كان حُلمي أن أشهدَ نهايتَك بعيني لكن ها هو حُلمي يتبخَّر.

بدأ "هيوغو" يجولُ في الغُرفةِ جيئةً وإياباً، بينما يروي نظريته.

_هذا الوشمُ الحراريُّ الذي يوشمِونُنا به، هدفُه الأساسيُّ بخلافِ تمييزنا هوَ تسميمُنا، فحتَّى وإن هربنا لن نعيشَ فترةً طويلة قبل أن نموتَ مسمومين.

لم يُجبهُ "بنس" ففهِمَ "هيوغو" عجزَ أخيهِ عن الكلام، وأنَّهُ من الأفضلِ توفيرُ طاقته للوقوفِ والبحث عن تلكَ الصورة، تابع "هيوغو" يسرُدُ نظريَّته:

_سمُّ الزِّرنيخ بطيءُ الامتصاص يستغرقُ وقتاً حتَّى تظهرَ أعراضُه، وبالطبَّعِ مع الكثيرِ من التعديلات الكيمائيَّة المُضافة، وفي اختلاف ألوانِ الوشوم اختلافٌ بتركيزِ السُّميَّة، أصحابُ الوشومِ السَّوداء لديهمُ الجُرعَةُ الأقوى، يليهُم أصحابُ الوشومِ الحمراء، أمَّا أصحابُ الوشومِ البنفسجيَّة فلديهم أضعفُ جُرعة، يجعلُنا هذا نظنُّ أنَّ لديهم فرصةٌ للعيشِ طويلاً لكن هذا غيرُ صحيح، فهم وعلى عكسِنا يحصلونَ على السمُّ منذُ يوم طُفولتِهم، على عكسِنا من نحصلُ عليهِ في السنِّ الذي نأتي فيهِ إلى هنا وغالباً في شبابِنا، لهذا أصحابُ الوشومِ البنفسجيَّة نادرون فهم أسرعُ من يموتون، وقد استنتجتُ مؤخراً أنَّه إن حاولَ أحدٌ التخلُّص من الوشمِ فسيُوشِمُونَهُ مُجدَّداً بجرعةٍ أقوى، على الأرجحِ هذا ما حدثَ مع "أوشن".

_إذاً فكلُّ من تطأ قدمُه هذهِ الجزيرة محكومٌ عليهِ بالموتِ بعدها بسنواتٍ قليلة.

_يمتدُّ مفعولُ السُّمِ الأسود لخمس أو سبع سنوات، جعلوا المُدَّة طويلة كيلا يُثيرُوا الشبهة، والوشومُ الحمراء لسبعَ أو عشر سنوات، لذا كما ترى يُفترضُ بي أن أكونَ ميِّتاً، لكنِّي وجدتُ ترياقاً يُساعدُ على تأخيرِ مفعولِ السُمَّ، لكن لا يعالجُه، ولهذا أنا حيٌّ حتَّى هذهِ اللَّحظة، كما أنَّ مناعتي جيِّدة، الأمرُ يعتمدُ بشكلٍ كبير على المناعة.

_ومن أينَ حصلتَ على ذلك الترياق؟ بالتملُّقِ لأصحابِ سفينةِ البضائع؟

قالها "بنس" على سبيلِ السُخريَّة، لكنَّ كلامَهُ كان صحيحاً تماماً، أجابَه "هيوغو" بجديَّة: ولماذا ظننتَ أنِّي قد أتملُّقُ لهم؟ وعرضتُ عليهم فكرةَ قتالِ المُجرمين في حفرةَ نزال، ممَّا يدرُّ عليهم طُناً من الأرباح، بل وأيضاً قتلَ كلِّ من يُحاولُ الخروج.

_وقد كُنتَ أنانيَّاً كفايةً لاحتكارِ التِّرياقِ لنفسك..

_غيرُ صحيح! لم أكن مُتأكِّداً من نظريَّتِي بعد لذا لم أرِد إفزاعَ أحد! وأصحابُ السَّفينةِ لم يعترفوا قطُّ بأنَّ الوشومَ مسمومة، كيفَ أعطي الآخرينَ ترياقاً لسُمٍّ لا وجودَ له؟َ عثرنا أنا و "أوشن" على التِّرياقِ في أحدِ الكُتبِ أثناءَ تسلُّلِنا إلى المكتبة، عُموماً عندما طلبتُه منهم حصلتُ عليهِ مقابلَ ما قدَّمتُه لهم، لم يأخذُه "أوشن" بينما أخذتُه أنا على سبيل التسلِّية فقط، فبعدَ توقِّفنا عن البحث اقتنعتُ بخطأ النظريَّة، لأنَّ أحداً لم يمت مسموماً على الجزيرةِ قطُّ!

قال "بنس" بغضب: لأنَّك كنتَ تقتلُهم قبل أن يتسنَّى لهم الموتُ مسمومِين! لكن الآن بعدَ الاتِّفاقية سيبدأونَ بالتُّساقطِ عاماً تلوَ العام، وسأكونُ أنا أوَّلَ من يسقط..

تردَّدَ "هيوغو" قليلاً بالإجابة ثُمَّ قال: بصراحة لا أريدُ مُشاركةَ التِّرياقِ معكم يا أصحابَ الوشومِ السَّوداء، لكن فليكن في علمِكَ كذلك أنِّي أردتُ تجربةَ مفعوله قبلَ عرضِهِ على الآخرين.

صاحَ "بنس" بسُخريَّة: يالَ التَّضحِيَّة! جعلتَ من نفسك فأرَ تجاربٍ لأجلِهم!

غضِبَ "هيوغو" من سُخريَّةِ "بنس" وقال: هذا تماماً ما حدث! ولا أهتمُّ إن لم تُصدِّقني!

_وماذا ستفعلُ الآن بشأنِ ذلك؟

_سأبحثُ أكثر، أردتُ البحثَ عن طريقةٍ لأقنعَ سفينة البضائع بمنحي كميةً كبيرةً من الترياق، لكن لم يعد الأمرُ مُهمَّاً، سأغادرُ بعدَ حُصولِي على تذاكرِ الخروج.

اتَّسعت عينا "بنس" دهشةً وقال: ستُغادرُ؟! لماذا؟! أنتَ تعيشُ كالمُلوكِ هنا مِنَ الأفضلِ لكَ أن تبقى.

أجابَهُ "هيوغو" ببرود: وددتُ ذلك.. لكنَّها هُناكَ في انتظاري!

أخرجَ "بنس" الصورةَ التي وجدَها وقال: هل أنتَ مُتأكِّد؟

مدَّها ل"هيوغو" وتابع:

_اعلم أنِّي استنزفتُ كُلَّ طاقتي في البحثِ عن هذهِ الصورة..

ثُمَّ خانتهُ ساقاهُ وسقطَ مُباشرةً على الأرض، بينما التقطَ "هيوغو" الصورةَ وبدأت يداهُ ترتجفان، كانَ خائفاً أكثر من أيِّ وقتٍ مضى وقال بفزع: ل. لكن كيف!؟ هذا مُستحيل! لقد.. لقد أخبرتَني بأنَّها كانت بانتظاري..!

استجمعَ "بنس" آخرَ أنفاسه وقال: آسفٌ لكذبي عليكَ وقتَها.. لكنَّ هذا ما حدث.

سقطَ "هيوغو" أرضاً وظلَّ في حالةِ الصدمةِ تلك لساعاتٍ طويلة، وتذَّوقَ للمرَّةِ الأولى في حياته طعمَ الدموعِ المالح، لم يفهم سببها، هل هوَ الصورة الرَّاقدة بينَ يديه، أو جُثَّةُ أخيهِ الرَّاقدة بجوِاره.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

راي في جزيرةِ المجرمين

المؤلف viloeto7789
2025/09/09 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: 1: المحطَّةُ الأخيرة
2025/09/09
الفصل 2: 2: الصغيرُ "راي"
2025/09/10
الفصل 3: 3: بدايةُ الصداقة
2025/09/10
الفصل 4: 4: "هيوغو"و"هاوبر"
2025/09/11
الفصل 5: 5: عِداءٌ مُفاجئ
2025/09/11
الفصل 6: 6: تغيُّرٌ في حياةِ "راي"
2025/09/11
الفصل 7: 7: أبٌ حقيقي وأبٌ مُزيَّف
2025/09/11
الفصل 8: 8: "أوشن" المُحيط
2025/09/11
الفصل 9: 9: الجريمةُ الأولى
2025/09/11
الفصل 10: 10: عاصفةٌ بعدَ الهُدوء
2025/09/11
الفصل 11: 11: خروجُ "بنس" من قوقعته
2025/09/11
الفصل 12: 12: المحيط يغادر
2025/09/13
الفصل 13: 13: عادت الحياة إلى الجزيرة
2025/09/13
الفصل 14: 14: عقابُ الهارب
2025/09/13
الفصل 15: 15: سرُّ السيدِّ "بنس"
2025/09/13
الفصل 16: 16: قصةُ الفارس الشجاع
2025/09/13
الفصل 17: 17: اتِّفاقيةُ السَّلام
2025/09/13
الفصل 18: 18: نكثُ العهد
2025/09/13
الفصل 19: 19: حُفرةُ القوَّة
2025/09/13
الفصل 20: 20: ذكرياتُ "جين"
2025/09/18
الفصل 21: 21: المُحيطُ يعود
2025/09/18
الفصل 22: 22: وداعٌ أبديِّ
2025/09/18
الفصل 23: 23: حقيقةٌ مُتأخِّرة
2025/09/21
الفصل 24: 24: موتٌ وحياة
2025/09/21
الفصل 25: 25: "غانبو" المُجرِمة
2025/09/21
الفصل 26: 26: "رين"
2025/09/24
الفصل 27: 27: حاصدُ الأرواح
2025/09/24
الفصل 28: 28: حبُّ "هيوغو" الفاشل
2025/09/24
الفصل 29: 29: عينٌ بلونِ السماء
2025/09/28
الفصل 30: 30: "هيوغو" و"أوشن"
2025/09/28
الفصل 31: 31: جمعٌ حزين
2025/09/28
الفصل 32: 32: البارودُ يقتل
2025/10/04
الفصل 33: 33: عالمٌ جديد
2025/10/04
الفصل 34: 34: محطَّةُ "جين" الأخيرة
2025/10/04

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة