استيقظَ "راي" وسطَ ضوءٍ مُشوَّش اخترقَ عينَهُ ورائحةُ تَّعقيمٍ اخترقت أنفه، كانَ المكانُ فارغاً لكنَّ الضوضاء كانت عالية، ضوضاء أفكارِه، اعتدلَ في جلستِه وتحسَّسَ عينَهُ اليُسرى الملفوفةَ بضِّماداتِ طبيَّة، نظراً لما تذكَّره فقد توقَّعَ أن يجدَ جِفنَهُ فارغاً، لكنَّهُ تفاجأ بعينهِ موضوعةً في مكانِها، هل كانَ كلُّ ما حدثَ مُجرَّدُ حُلم؟ دخلَ الطبيبُ والذي سقطَ كُلُّ شيءٍ من يده عندما رأى "راي"، صرخ: هل استيقظت؟ كيف تشعر؟ هل أنتَ بخير؟
_نعم.. أنا بخير، تذكَّرَ "غانبو" فتابعَ بفزعٍ: أينَ "غانبو"؟
جاءت "غانبو" من خلفِ الطبيب فقال: سعيدٌ لأنَّكِ بخير!
أجابَ الطبيب: ونحنُ سعداءُ لأنَّكَ بخيرٍ كذلك، لقد كُنتَ نائماً لشهر.
_شهر!؟ ماذا حدثَ أثناءَ ذلك!؟
جلسُ الطبيبُ قِبالة "راي" وبدأ يشرحُ لهُ كُلَّ ما حدث: جلبَكُما الصغير الذي كانَ معكُما، أظنُّ اسمَهُ "جين"، وكانَ معهُ آخرٌ لم أتعرَّف على وجهه، كانَ حالكُما مُفزِعاً بعدَ مُدَّة جاءَ إليَّ جين" بوعاء، كانَ فيهِ عينُ "غانبو" فقط.
قال "راي" بحماس: إذاً فقد استعادت "غانبو" عينَها؟
تنهَّدَ الطبيبُ وقال: كانَ هذا ما يُفترضُ، كنتُ قد انتهيتُ من تنظيفِ الجُرحِ وتعيقمه بعدها استيقظت "غانبو" عندما شرحتُ لها ما جرى أصرَّت بأن أركِّبَ العينَ لكَ لا لها.
_ماذا؟ نظرَ "راي" إلى "غانبو" بصدمة، وإلى الضِّمادة التي تُغطِّي عينَها، هل تخلَّت عنها لأجله، تابع: هل جفنُ "غانبو" فارغٌ الآن؟
أشارت "غانبو": (فيكَ الآنَ جزءٌ منِّي، بهذا لن نفترِقَ أبداً)
ابتسمَ "راي" بسعادةٍ والطبيب يُطالِعهُما باستغراب، خلعَ الطبيبُ الضِّمادةَ عن عينِ "راي" فراحَ يُطالعُ عينَهُ الجديدة بمرح.
_بتُّ أمتلكُ أجملَ عينٍ في العالم!
ابتسمت "غانبو" مُجدَّداً وازدادَ الطبيبُ استغراباً، سألَ الطبيبُ فجأةً: مالذي أدَّى بكُما لفقدانِ عينِكُم؟
بدأ "راي" يروي قصَّتهُ البُطوليَّة بحماس، فبالنَّسبةِ ل"راي" تلكَ القصَّةُ كانت مِثالاً للشَّجاعة والصُّمود لكنَّهُ لم يذكر الجُزءَ عن حقيقةِ "جين"، قالَ مُنهيِا كلامه:
_لذا حتَّى وإن قرَّرَ "هيوغو" البحثَ عن قلادتِهِ في المحيط، فهوَ لن يجدِها أبداً، لأنَّها معي هنا! ما رميتُه كانَ السلسة فحسب!
وأخرجَ من بينِ ملابسِهِ قلادةَ "هيوغو" بحماس، شعرَ الطبيبُ بالإثارةِ لتلكَ القصَّة لكن بعد رؤيتهِ للقلادة قال بخيبة: تعلمُ أنَّ هذهِ ليست ذهباً صحيح؟
_ماذا؟ خابَ أمل "راي" كثيراً وتابع: ظننتُها كانت ذهباً!
غادرَ الطبيبُ وتركَ "راي" و"غانبو" وحدَهُما، فاستغلَّ "راي" الفُرصةَ فسألَ ما كانَ يشغلُ بالَهُ: ماذا حلَّ ب"جين"؟ هل جاءَ إلى هُنا؟
أشارت بكونِهِ لم يأتي فتابعَ "راي" يسأل: ماذا عن "رين"؟ من كانَ يعتني به؟
أشارت بأنَّ "جين" من تحمَّلَ المهمة كاملة وأنَّ السيِّدةَ المُرضِعَة ساعدته.
تردَّدَ "راي" قليلاً ثُمَّ سأل: "غانبو".. هل تعرفينَ بأنَّ "جين" هوَ حاصدُ الأرواح؟!
قالت بِلغةِ الإشارة: (لقد توقَّعتُ ذلك، تذكَّرتُ شُكوكي القديمة بِشأنه، وتجاهلُهُ لي ومنعي من الحديثِ معهُ ومع "رين" جعلني أفهمُ الأمر، لقد حاولَ قتلي..)
_تماماً! ماذا يجبُ أن نفعل به؟!
أشارت "غانبو": (نعم لكنَّهُ عادَ لإنقاذي! أنا مُتأكِّدةُ أنَّ الذنبَ يعتصرُه كما اعتصرَنِي سابقاً، لا يجبُ أن نترُكَ صديقنا بِمُفردِه!)
ابتسمَ لها "راي" وقال: أنتِ رائعة، "جين" وأنا محظوظانِ بامتِلاكك.
ذهبا يبحثانِ عن "جين" وكأنَّ شيئاً لم يكن، لقد سامحاهُ تماماً والأمرُ يعتمدُ الآن على ردَّةِ فعلِهِ هوَ، رآهُما "جين" وحاولَ الهرب فقد خافَ من ردَّةِ فعلِهما، لكنَّهُ توقَّفَ عن الهرب بعدما لاحظَ نظراتِهم المُبتهِجة، وعينَ "راي" كذلك الذي قالَ بحماسٍ فورما اقتربَ من "جين": كيفَ هيَ عيني الجديدة؟! أهيَ جميلة؟!
قالَ "جين"بحيرة: هل كانت عينُ "غانبو" في الوعاء؟ اعتقدتُها كانت عينك.
_كانت عينها، تخلَّت عنها من أجلي، كُنتَ أنتَ من استعدَتها صحيح؟
_بخصوصِ ذلك.. لم يكن أنا.
سألَ "راي" باستغرابٍ شديد، فمن هذا الذي قد يستعيدُ عينه؟: من كانَ إذاً؟
***
قبلَ شهرٍ من الآن، استيقظَ "جين" وتحاملَ على نفسِهِ للنُّهوض، تفحَّصَ الجُرحَ حيثُ الخنجر فوجدَ النَّزيفَ قد توقَّف، يبدو وكأنَّ أحدَهم قد أوقفهُ من أجله، سارَ يبحثُ عن "راي" و"غانبو" فوجدَهُما غارقينِ بالدِّماء، جرى نحوَهُما بفزعٍ وأمسكَ بكفِّيهِما اللذينِ كانا مُلتصِقينِ معاً، حاولَ بعدَها سحبَهُما لكنَّهُما ثقيلين عليه، وقدمُهُ المُصابة تُصعِّبُ مهمته، أصابَهُ الفزعُ عندما شعرَ بالأرضِ تهتزُّ من حوله، التفتَ ليرى رجلاً ضخماً جدَّاً يركضُ نحوَه ، بعدَ رؤيةِ ضخامةِ هذا الجسَّد تنحَّى "جين" جانباً بخوفٍ واستغراب، لم يكن مُتأكِّداً ممَّا إذا كانَ هذا الرُّجلُ عدواً أم صديق، فقد ارتمى أرضاً عندما رأى "راي" ووضعَ رأسَهُ في حضنه، نظراتُهُ القلقة وشفتاهُ الرَّاجفتان أخبرتا "جين" بأنَّ هذا رجلٌ صادق يجبُ الوثوقُ به، اطمئنَّ الرَّجلُ بعدَ رؤيتهِ ل"راي" حيَّاً لكن هذا جعلهُ يُلاحظُ أِشياءَ أخرى فقال: أينَ عينُه؟
_لا بُدَّ أنَّ "هيوغو" أخذها! لكن يجبُ أخذُهُما للطبيبِ الآن.
_دُلَّني عليه.
طبعاً! شخصٌ قويٌّ كهذا لم يحتج زيارة الطبيب قط، لذا فهوَ حتِّى لا يعرفُ مكانَهُ، حملَ الأبُ ابنَهُ الصَّغيرَ بينَ ذِراعيهِ الضخمتين، وراحَ "جين" يجرُّ "غانبو" من خلفَهَ بيأٍسٍ ومظهرٍ مُثيرٍ للشفقة، التفت إليهِ الرَّجلُ بغضبٍ وقال: اتركها! سنتأخَّر!
صرخَ "جين" بينما "غانبو" على ظهره: فقدَ "راي" عينَهُ في سبيلِ إنقاذِها! لن أترُكَها هُنا!
عادَ الرَّجلُ أدراجَهُ بضجرٍ فحملَ "راي" بذراعٍ و"غانبو" بالذراعِ الأخرى، ثُمَّ قالَ ل"جين": اسبقني وأيقظ الطبيب.
ذهبَ "جين" مُسرِعاً لكنَّهُ توقَّفَ فجأة، فقد عادَ لهُ حذرُه وأدركَ بأنَّ هذا الرَّجل قد يكونُ عدواً، التفتَ إليهِ وقالَ بحزم: لن أترَكَهُما وحدَهُما معك!
لم يُجبهُ الرَّجلُ واستمرَّ يسيرُ فسبقَ "جين" الذي لحِقَهُ وقرَّرَ السَّيرَ أمامَهُ بهدفِ تقليصِ فارقِ الحجم بينهُما، وصلَ لدى الطبيبِ فوضعَ والدُ "راي" كُلاًّ من ابنه و"غانبو" وقال:
_هل قُلتَ بأنَّ "هيوغو" أخذَها؟ إذاً فيجبُ عليَّ تسويةُ الأمور.
عادَ والدُ "راي" بعدَ لحظاتٍ قصيرة فخرجَ لهُ "جين" وأخذَ الوعاءَ باستغرابٍ تامّ، غادرَ دونَ أن ينطِقَ بكلمةٍ واحدة، وتركَ "جين" الحائر وحدَهُ الذي بدأ يؤمنُ بكونِ "راي" يمتلكُ طاقةً سحريَّةً تجعلُ جميعَ من حولَهُ يُحاولونَ حمايته، وضعَ الوعاء داخلاً على عجل وذهبَ يركضُ وراءَ الرَّجلُ ويصرخُ: من أنت؟!
_أنا من فشِلَ بِحمايته..
وذهبَ دونَ قدرةٍ من "جين" على مُتابعةِ الرَّكض، لكنَّهُ اقتربَ من الحقيقة، لقد أدركَ هوية هذا الرجل للتوِّ، أليسَ هوَ ذاتَهُ زعيمَ الوشومِ السوداء؟! لكن لماذا بحقٍّ يُحاولُ حمايةَ "راي"؟!
***
انتهى "جين" من روايةِ ما حدث، بينما "راي" مُتسمِّرٌ في مكانه عاجزٌ عن الكلام، منذُ الكلمة الأولى أدركَ "راي" أنَّ هذا الرُّجلَ الغامض هوَ والدُه، قال "راي" بهدوء:
_إنَّهُ والدي، لكنِّي أسمِّيهِ الرُّجلَ الذي قتلَ أمِّي.
صُعِقَ "جين" و"غانبو" ممَّا سمِعَاه، قال "جين" بحماس: ذلكَ الرُّجلِ والدك؟ إنُّهُ أقوى رجلٍ في الجزيرة!؟ أتعرفُ ما يعنيهِ كونكَ ابنُه؟! هذا يعني بأنَّكَ ثاني أقوى شخصٍ في الجزيرة!
قال "راي" بحزم: إنَّهُ ليسَ والدي! وقد رآني أتعرَّضُ للأذى مرَّاتٍ عديدة ولم يتدَّخل.
_أنا مُتأكِّدٌ بأنَّهُ حاولَ حِمايتك.. كانَ عليكَ أن ترى نظراتِهِ القلِقَة عليك! أظُّنهُ لم يرغب بالتدّخلِ إلَّا عندما شعرَ بحياتِكَ في خطر.
اشتعلَ "راي" غضباً، هوَ سيظنُّ الخيرَ في جميعِ النَّاس إلَّا في الرُّجلِ الذي قتلَ أمُّه.
_كانَ عليهِ منعُ ما حدث! أنا أكرهُهُ!
صمتَ "جين" لبرهةٍ وقد ساد وجهه علامات البؤسِ والذنب، قال بندم: أنا الشَّخصُ الذي يجبُ أن تكرهَه.. لقد كُنتُ السببَ في كلِّ ما حدث.
لم يُنكر "راي" ذلك، بل كان حقَّاً مُستاءً من تذكُّرِ حقيقةِ "جين".
_لماذا تعاونتَ مع "هيوغو" على قتلِ الأبرياءِ يا "جين"؟! لماذا؟!
_ليسوا أبرياءً! جميعُهم مُجرِمين! قبل الشُّروعِ في قتلِ أحدِهم يجلبُ لي "هيوغو" كُلَّ الدلائل والإثباتات على كونِهِ مُجرم، لكنَّ "غانبو" كانت خطأً.. لم أطلب الدَّليل ولم يعرضهُ عليَّ من تلقاءِ نفسه، لقد كنتُ مُخطئاً وأعمِيتُ عن الحقيقة..
_ربما "غانبو" ليست الوحيدة، بلا شكَّ قتلتَ الكثيرَ من الأبرياءِ قبلها.
_غير صحيح! جميعُهم كانوا مُجرمينَ وأستطيع إثبات ذلك، فلنأخذ "هاوبر" على سبيلِ المِثال، هل تذكُرُها؟
أجابَ ببرودٍ فما عادَ يتأثَّرُ من تلكَ الذِّكرى: طبعاً أذكرُها، لقد كانت أوَّلَ حالةَ قتلٍ أشهدُها هُنا.
_تجادلنا أنا و"هيوغو" كثيراً بِشأنِها، فقد كانت تُصفِّفُ شعري دوماً وكانَ صعباً عليَّ قتلُها، لكن في النهاية استدرجتُها خلالَ أحدِ اللَّيالي وقد كانَ ذلكَ سهلاً، ففورَما أخبرتُها برغبةِ "هيوغو" في لقائها بدت سعيدة، لم يخطُر ببالِها أنَّهُ يُريدُ قتلُها أبداً.
قال "راي" بغضب: لم أسألك عن كيفيةِ قتلِها بل عن الدَّافع!
_"هاوبر" تلك قتلت اثنا عشرَ شخصاً بالطَّريقةِ ذاتِها التي قتلتها، كانت تُجفِّفُ رؤوسَ ضحاياها من الدِّماء وأختُها "نينا" التي جاءت كمُرافِقة اعتادت تغليفَهُم وإرسالَهُم لعائلاتِ الضَّحايا، "هيوغو" فقط أذاقَهُم مِنَ الكأسِ الذي شرِبَ منهُ اثنتا عشرةَ عائلة، وبِالمُناسبة كنتُ أنا من أوصلَ رأسَها ل"نينا".
لم يُصدِّق "راي" ما سمِعَه، كيفَ يُمكنُ لِ"هاوبر" و"نينا" قتلُ اثنا عشرَ شخصاً بهذهِ الطَّريقة الوحشيَّة! يعجزُ عن تصديقِ ذلك!
تابعَ "جين": وكُلُّ شخصٍ قتلناه كانَ مُجرماً ك"هاوبر" أو أسوأ، لكنِّي لا أدافعُ عن "هيوغو" بل عن نفسي، قتلَ "هيوغو" أبرياءَ كُثر، يدِّعي بِكونِهِ يُطبِّقُ عدالتَهُ على المُجرمين لكنَّهُ ليسَ كذلك، فهوَ يفوقُهم شرَّاً، حاولَ مُحاربتَهُم فصارَ جُزءاً لا يتجزَّأ منهم، فقدَ إنسانيتَهُ خلالَ رحلةِ العدالة هذه.
تفكَّرَ "راي" بِما قالَهُ "جين" بِتمعُّنٍ بالغ، كان ل"هيوغو" أهدافاً نبيلة بالفعل لكن تماماً كما قالَ "جين" فتلكَ الأهدافُ أفقدتهُ نفسَهُ في مُنتصفِ الطريق، هوَ الآن روحٌ مُتعطِّشةٌ للقتلِ والدِّماء، اعتقدَ "راي" بأنَّهُ كانَ لِيصير مثله، لولا وجودُ "جين" و"غانبو" و"بنس" و"أوشن" وأشخاصٌ صَّالحينَ قد قابلَهم، كانَ محظوظاً.
_كيفَ لم يسعَ "هيوغو" للانتقامِ منك؟! لقد خُنتَهُ!
_هذا تماماً ما أستغرِبُه! بدا كما لو أنَّ شيئاً أكبرَ يشغلُ عقله، يقولُ أتباعهُ بأنَّهُ يُحضِّرُ لشيءٍ ضخم، لكنِّي كنتُ خائفاً، فقد هدَّدنِي بالقتلِ سابقاً لكنَّهُ الآن نسِيَ وجودي، أردتُ قطعَ الشكِّ باليقين فقلتُ إن لم يُحاول هوَ قتلي سأدفعُه لذلك.
ضحِكَ "راي" وقال: هل أستطيعُ دعوتكَ بالأحمقِ الآن؟
غضِبَ "جين" وصاح: طبعاً لا! عُموماً تجاهلني "هيوغو" بالكامل، لا أدري لماذا لكنَّهُ نسِيَ أمري، لذا أظنُّ بأنَّ شيئاً أكبرَ يشغلُهُ عنِّي، هوَ لم يعد مُهتمَّاً بِقتلي.
كانَ "جين" مُخطئاً جدَّاً، ف"هيوغو" لم ينسى أمرَهُ على الإطلاق، فصدمةُ خيانةِ "جين" كانت أكبرَ من صدمةِ انفصالِ "بلموت" عنه، لكنَّها لم تكن أكبرَ من صدمةِ رؤيتِها بفُستانِ زفافِها، كانَ يعملُ ببطءٍ لأنَّهُ تعِبَ من كُلِّ شيءٍ حدثَ مؤخراً.
قال "راي" بقلق: لكن ما العمل؟! ماذا لو حاولَ قتلك؟!
ابتسمَ "جين" وقال: هذا مُستحيلٌ ما دُمنا معكَ يا "راي".
تأثَّرَ "راي" بِلا داعٍ وقال: شُكراً لكَ يا "جين".
أدركَ "جين" أنَّ "راي" قد فهِمَهُ بشكلٍ خاطئ، فقال: لا لا أنتَ لم تفهمني، أقصدُ بأنَّ والدُكَ يحومُ حولَك لِيتأكَّدَ من سلامتك، ألم تلحظ الأمر؟ ربما هوَ قلقٌ من مُحاولةِ "هيوغو" الهجومَ عليكَ مُجدَّداً لذا ما دُمنا معك فنحنُ أيضاً محميَّونَ بِواسطته.
تلفَّت "راي" حولَهُ بغضبٍ وهوَ يصيح بأعلى صوته: لا أحتاجُ حمايته! إن كُنتَ هنا فابتعد عنِّي في الحال!
شدَّ "جين" قميصَهُ فأسكتَهُ وقال: لا تكُن أحمقاً! نحنُ نحتاجُه فلا أحدَ غيره سيحمينا، لا "أوشن" هُنا ولا "بنس" ومكتبتِهِ هنا
استسلمَ "راي" لكلامِ "جين" ثُمَّ سألَهُ بكآبةٍ مُغيِّراً الموضوع: كيفَ كانَ شُعورُكَ وأنتَ تتسبَّبُ بمقتلِ كُلِّ أولئكَ الأشخاص؟ هل شعرتَ بالذنب؟
_طوال الوقت.. أحياناً كنتُ أتجاهلُ الأمر وأحياناً أقنعُ نفسي بأنَّنِي أفعلُ الصَّواب، لكن من أكونُ لِيخوَّلَ لي مُعاقبةُ المُجرمين؟
ابتسمَ "راي" وقد نسِيَ غضبَهُ بالكامل، وضعَ كفَّهُ الأزرق وقال: انسَ ذلكَ الآن وابدأ صفحةً جديدةً هنا معنا! دونَ كذبٍ أو خِداع.
وضعت "غانبو" كفَّها فوقَ كفِّ "راي" فبدأت عينا "جين" تدمع، وضعَ كفَّهُ هو الآخر وقال: أنا آسفٌ على كُلِّ ما حدث! أعدُكُما بأنِّي لن أخفيَ عنكُما شيئاً بعدَ الآن!
***
أعادَ "هيوغو" صورةَ الزفافِ إلى جيبِ سُترته، ثُمَّ دخلَ القُبَّة الزُجاجيَّة وأمرَ شخصاً هُناك بدعوةِ الجميعِ لاجتماعٍ هام، فرغمَ أنَّ الوقتَ كانَ مُتأخِّراً لكن كانت هذه عادةَ كُلِّ اجتماعات "هيوغو"، دخلَ مكتَبَهُ وحضَّرَ وعاءينِ مِلحيين، ووضعَ في كُلٍّ منهُما عيناً، وعندما انتهى وجدَ أنَّ رِجالَهُ قد اجتمعوا بالفعل، كانوا يفوقونَ الخمسين، قادَهُم إلى غُرفةٍ والتي كانت مخزنَ الجماعة للمقايضة، وقد كانت غُرفةً طويلة فيها رُفوفٌ مُحمَّلة من كِلا الجانبين وصناديقُ مُصفوفة على الأرض، جلسَ عليها الحُضور، أنيرت الأضواء فصار لونُ الغُرفة الرماديُّ واضحاً، استقرَّ الجميعُ فتجوَّلَ "هيوغو" بينهم بينما يُمسكُ الوعاءين بيدٍ واحدة ويقول: في هذا الزُّجاج ترقدُ عينانِ زرقاوانِ واحدةٌ منهُما هي أجمل عين قد يراها أحدُهم، إنَّها غنيمةُ حرب!
تعالت الهِتافاتُ فأسكتَهُم وتابع: أشيعُوا الخبرَ في الجزيرة! لدى "هيوغو" عينٌ زرقاءُ جميلة للمُقايضة، سيحصلُ عليه أعلى سعر، أشياء كهذه تستحقُّ المُزايدة.
ذهبَ يضعُ وعاءَ عينِ "غانبو" في رفٍّ مُرتفع، لكنَّهُ أخفى عينَ "راي" وراء الصناديق فهيَ بلا قيمة، لكن يجبُ إخفاؤها كيلا يُحاولَ أحدُهم استعادتها وهذا مُستحيل، عادَ يتلفَّتُ ثُمَّ همسَ لأحدِهم: أينَ "تيدي"؟!
_لا أعرفُ يا زعيم، هوَ لم يحضُر هذهِ المرَّةَ أيضاً
_هذا ثالثُ اجتماعٍ يمتنعُ عن حُضوره! في المرَّة القادمة قيِّدُوه واجلِبُوهُ إلى هُنا.
اتَّخذَ "هيوغو" صُندوقاً لِنفسِهِ بينما بدأ باقي الرِّجال يعرضونَ ما استطاعوا سرقتَهُ أو كسبَهُ من المعارك، فكلُّ قطعة يحصلونَ عليها تذهبُ لِمخزنِ الجماعة، وسطَ ذلكَ الاستعراض دخلَ أحدُهم، لم يتحرَّك أحدٌ بانتظارِ أوامرِ زعيمِهم الذي أمرَهُم على الفورِ بالتَّصدي له، نهضوا جميعاً واستعدُّوا للمُواجهة، لكنَّهم تسمَّروا مكانَهُم عندما شاهدوا وجه زعيم الوشومِ السَّوداء، عندما لاحظَ "هيوغو" فزعَهُم نهض فرأى ما رأوه ولم يكن أقلَّ منهُم فزعاً، مالذي يفعلُهُ هذا الجسدُ الضَّخم هُنا؟! في الماضي وعندما قرَّرَ "هيوغو" قتالَه، احتاجَ الأمرُ نظرةً واحدةً فقط ليُدرِكَ خُطورةَ هذا الرُّجل، لم يتقاتلا أبداً بل على الفورَ استسلمَ "هيوغو" داخليَّاً ومِنَ الخارج ادَّعى رغبتَهُ بعقد اتَّفاقيةِ سلام، فإن حاولَ الدُّخولَ بقتالٍ مع هذا الرجل فليسَ ل"هيوغو" أدنى فُرصة! فبدأوا يُسمُّونَهُ الأقوى في الجزيرة!
خطى الرَّجلُ الضَّخمُ بخُطى ثابتَة وقويَّة، كانَ يُشعُّ ثقةً وهيبة كأنَّهُ يعرفُ مُراده ويعرفُ تماماً أينَ سيجدُه، لم يلتفت أبداً إلى أيٍّ من الأشخاصِ حولَهُ الذين بدوا كمن يرى الموتَ، أخذَ وعاءً من الرفِّ وغادرَ بكُلِّ هدوء، دونَ أن يلتفت إلى أحد، ودونَ أن يجرؤَ أحدٌ على اعتراضه.
في تلكَ اللَّحظة، حملَ "هيوغو" سخطَ العالمِ كُلِّه في عينيه، اعتقدَ كما الجميع بأنَّ هذا الشَّخص جاءَ ليحصُلَ على العينِ الجميلة، لكنَّهُ بعدها سألَ نفسه، كيفَ عرفَ بشأنِها ونحنُ لم نُعلن عنها بعد؟!
ضربَ رُمحَهُ بالأرضِ وقالَ بغضب: ألم يحنِ الأوان لقتلِ هذا الرُّجل؟!
هتفوا جميعاً حماساً للفكرة ولاحقوا والدَ "راي"، الذي توقَّفَ بعدَ سماعِهِ للحشدِ القادم والتفت إليهم، توقَّفُوا بعدَ رؤيته لكنَّ "هيوغو" كانَ أكثرَ شجاعة فتقدَّمَ نحوَهُ ببطءٍ دونَ أن يُدرِكَ أنَّ رجالَهُ ليسوا خلفه، بدأ الرَّجلُ الضَّخم يقتربُ ببطءٍ بدورِهِ ثُمَّ توقَّفَ "هيوغو" فتابعَ الآخرُ تقدُّمه حتَّى انحنى عندَ أذنِ "هيوغو" وهمس:
_لا تؤذي "راي" ثانيةً.
سقطَ الرُّمحُ من يدِ "هيوغو" بِفعلِ الصدمة، هل يُحاولُ أقوى رجلٍ في الجزيرة حمايةَ المُزعجِ أيضاً؟! من يكونُ ذاك الفتى الحقير؟! بعد فترة لحِقَهُ رِجالُه فوجدوا زعيمَهُم وحدَهُ على نفسِ الوضعيَّة، التفت إليهم "هيوغو" وصاح: تباً لهذهِ الهُدنة التي تُحاول قمعنا وإهانتنا وإضعافنا! سنقتلُهم جميعاً! كلُّ مُجرمٍ في هذهِ الجزيرة!
هتفَالجميعُ حماساً للفكرة، هذهِ الهُدنَة التي كَبحتُهم وتعطُّشَهُم طوالَ عامينأخيراً ستنتهي، وشلَّالُ الدِّماءِ سيعود..
viloeto7789