بدأ "راي" يركضُ بلهفة نحو الجسر حيث سيقابل "أوشن"، استيقظ قبل "جين" ولم يتكبَّد عناء إيقاظه، صادفَ أيضاً المكتبة في طريقه، لكنَّه نسيَ القراءة ورغبته الشديدة في تعلُّمها، هو غير مهتم بأي شيء حالياً سوى "أوشن"، وصل إلى الجسر فسقطت معنوياته عندما وجد المكان فارغاً، بدأ بالسير وتوغَّل في الجسر الممتد على مدى المحيط، وصل إلى نهايته ونظره يجولُ في الأفق، جلس على طرفه حتى ارتطمت قدماه بشيء صلب ومُشعَّر.
_من هذا الذي يضربني؟
رفع "أوشن" رأسه ليُلقي نظرة على هذا الذي يضرب رأسه، كان متعلِّقاً بسلالم الجسر وظنَّ أنَّ أحداً لن يزعجه.
_رجل المحيط! ظننتك لن تأتِ!
_هذا أنت؟ لماذا أنت مبكرٌ هكذا؟
_أنا آسف.
_لماذا تعتذر دون سبب؟ هذه علامة ضعف.
_ألا يجب عليَّ الاعتذار؟
_اعتذر فقط عندما تكون مخطئاً.
_ألم أكن مخطئاً بقدومي باكراً؟
_لم تكن! فهأنذا جئتُ أبكر منك.
جلسا على حافَّة الجسر بينما لم يكن هناك متسعٌ لشخصٍ ثالثٍ بينهم، بقيا صامتين لفترة طويلة حيث كان "راي" متوتراً من فتح فمه للكلام، و"أوشن" لم يشعر أصلاً بالهدوء الغريب الذي يجري.
_رجل المحيط...
نظر إليه "أوشن" وكأنه قد تذكَّر وجوده للتو، قاموا بإخفاء البحَّار الهارب للتو، وكان "أوشن" ما يزال يفكر كيف يُسوِّي الأمور مع "هيوغو"، لكن صوت "راي" البريء أيقظه من جحيم أفكاره، لم ينتظر حتَّى أكمل "راي" كلامه بل قاطعه سائلاً.
_ما اسمُكَ يا فتى؟
_اسمي "راي".
_قلتَ أنَّكَ فقدتَ ذكرياتك، ألم تنسَ اسمك؟
_لم أنسَ اسمي، ماذا عن اسمك؟ لا يُمكنُ أن يكونَ اسمك هو رجل المحيط.
ضحك رجل المحيط وقال: أنا "أوشن"
_"أوشن" بمعنى المحيط؟ سأله "راي" بحماس.
_نعم، هذا هو الاسم الذي قرَّرتُ اختياره لنفسي، بعد أن أدركتُ تعلُّقيَ الشديد بالمحيط.
_أنتَ من سمَّيتَ نفسك؟ ألم يكن لك اسم؟ سأله "راي" بتعجبٍ مبالغ به.
_لم يكن لديَّ اسم، ظللتُ بلا اسمٍ لعقدٍ من الزمان.
حملق فيه "راي" بنظرات تأسف على حال "أوشن"، اعتقد "راي" بأنَّ حظَّه هو الأسوء في العالم لفقدانه ذكرياته، ونسيان شكل واسم عائلته، لكن هذا الرجل هنا لم يكن لديه اسمٌ حتَّى! حسناً على الأقل أنا لديَّ اسم، عاد الصمتُ بينهما، كان "راي" يُقاومُ نفسه بعدم سؤال كُلِّ الأسئلة المُتطفلة التي جالت بخاطره، هل سيكون "أوشن" سعيداً بالإجابة عن تلك الأسئلة؟ لكن ما حدث قد حدث منذ زمن بعيد، ولا بُدَّ أن "أوشن" قد تخطَّى الأمر الآن صحيح؟ كان "أوشن" يُحدِّقُ بالمحيط بشدَّة وقد اختفت ابتسامته حتَّى قال: أنا أتنفَّسُ المحيط..
تعجَّب "راي" من ذلك التصريح المفاجئ، هذا الشخص أمامه بلا شك مهووس بالمحيط! فكَّر بسؤالٍ لن يجرح مشاعر "أوشن" فقال:
_ما سبب حبك للمحيط سيد "أوشن"؟
_وُلدتُ هناك
شعر "راي" على الفور بأنَّه ربما يكون قد ضرب وتراً حساساً، قرَّرَ كتمان فضوله للوقت الراهن وعدم الاستفسار، لكنَّ "أوشن" رجل المحيط عافاه من ذلك وتابع يسرد قصته بابتسامة سعيدة كونه هذه المرّةَ يحكي قصَّته الخاصَّة ومغامرته الخاصَّة.
_هذه قصة اخترعتها، لكنِّي شبه متأكد من صحتها، بل لنقل إني مؤمنٌ بأنها كذلك.
_أي قصة؟
_قصَّة ولادتي؟ هل تُريد سماعها؟
_أنا لم أسمع شخصاً قطُّ يروي تفاصيل ولادته.
_حسناً أنا فعلت، لقد تخيَّلتُ المشهد ملايين المرَّات لدرجة أني بتُّ أشعر بأني عشته بالفعل، أتريد سماعه؟
_بالطبع أريد! ربما يساعدني بتخيل مشهد ولادتي أنا أيضاً.
ضحك "أوشن" ضحكة صادقة، مختلفة عن تلك الضحكة التي يصطنعها طوال الوقت، وبدأ بسردِ قصّته.
_كان يوما عاصفاً على متن السفينة، وعلى متنها كان والداي يتعرَّضان لرياح المحيط القارصة، لم أفهم السبب الذي يدفعُ امرأةً حاملاً لتركب سفينة في عُقر المحيط، توصَّلتُ لمئات الاحتمال، ربما هما صيادان يتجوَّلان في المحيط، وربما هما مجرَّد عابري سبيل صادف وجودهم على تلك السفينة، لكن الاحتمال الذي أميل لتصديقه، بأنَّهما كانا في رحلة صيدٍ للحيتان! مثلي تماما! استمرَّت العاصفة تنهش عظام الموجودين من البرد والجوع والخوف، ثُمَّ كانت الليلة حيثُ وُلدت، اهتاج المحيط فرحاً للطفل الجديد الذي وُلِدَ بين أحضانه، لكنَّ الرياح الغاضبة كان لها رأيٌ آخر، كيف يجرؤ هؤلاء البشر على ولادة أبنائهم في المحيط! ألا يكفيهم اليابس؟! وسط بكائي بين الرياح العاتية والبحر المهتاج، كانت السفينة في طريقها للغرق لا مُحالة، بلا أيِّ قوارب للنجاة، كان والداي أمام موقف صعب جداً، أمي تنظر إليَّ بوجهٍ شاحب مُبتل ومُتعب من ألم الولادة، وأبي الواقف بجوارها عاجزاً عن إنقاذ زوجته وابنه الذي ذاق طعم الحياة توَّاً، وسيتقيأهُا بعد لحظات، أمسك والدي بأحد الصناديق الخشبية، بدأ بتفريغها ووضعني داخلها متجاهلاً صوتَ بكائي، ودَّعتُ والديَّ بينما الدموعُ تُغرقني وتُغرقهما، والسماء الماطرة كانت تشاركنا البكاء أيضاً، فورما وضعني أبي داخل المحيط حتَّى استقبلتني الأمواج بحفاوة، هدأت العاصفة وبدأ المحيط يسوقني بكل حنان، نحوَ برِّ الأمان، لم أدرِ إلى متى استمرَّ ترحالي في المحيط، لكن في النهاية رسوتُ وصندوقي على شاطئ هذه الجزيرة، لم يعلم أحدٌ كيف ألقى بيَ المحيط إلى هناك، لكنَّهم تأكّدوا على الأقل بأنَّ والداي ليسا من تلك الجزيرة، حصلتُ على علامة بنفسجية لاعتبارهم بأني وُلدت هنا، لكنَّني كنتُ مختلفاً، لقد وُلدتُ في أحضان المحيط!
استمع "راي" لتلك القصَّة والتي على الرغم من صغر حجمها وقلَّة أحداثها، إلا أنَّها كانت مليئةً بالتشويق! بلا شك "أوشن" روائي مذهل! وهذا هو سبب اجتماع النَّاس عليه من حوله لسماع قصصه، صنعَ من لحظةِ ولادة مملة وتعيسة، قصةً تاريخيَّةً لا تُنسى!
_فهمتُ الآن جزءاً كبيراً من سبب هوسك الغريب بالمحيط! لا بُدَّ أن تُحبَّ المكان الذي وُلدتَ به! أنتَ تنتمي إلى المحيط!
_استغرقني الأمر عشر سنوات حتى أدركتُ ذلك، استغرقني الأمر عشر سنوات كاملة! حتَّى أعودَ لأحضانِ الوحش الذي استقبلني، كان يعلمُ بأنِّي لستُ مستعداً بعد للعيش في المحيط، لهذا أرسلني إلى اليابسة، لذا فورما صرتُ مستعداً عدتُ إليه فوراً.
_عمَّن تتحدَّث؟
_عن المحيط بالطبع!
تساءل "راي" لماذا يتحدَّث عن المحيط وكأنه كائنٌ حي؟ لكنَّه عرف بأن لا فائدة من سؤاله عن ذلك بشكل مباشر.
_فهمتُ من القصَّة بأنَّ والدك من أنقذك وليس المحيط.
لم ينتبه "راي" لكون كلامه قد استفزَّ "أوشن" إلا بعدما قال الآخر بقليلٍ من الغضب: وكيفَ كانَ والدي لينقذني لو قرَّر المحيط ابتلاعي؟
سكتَ "راي" بعدما لاحظ نبرة "أوشن" المستاءة، وقال مغيراً الموضوع كي لا يشتدَّ النقاشُ بينهما: كيفَ هو شعور الجهل الكامل بحقيقة والديك؟ أنا أفهم هذا الشعور نوعاً ما لكن عشتُه بطريقة مختلفة، لقد أدركتُ للتوِّ بأنَّ عدم امتلاك الذكريات أسوأ بكثير من نسيانها.
_ليس الأمر كذلك، فأنت لن تفتقدَ ما لم تملك، ولم تكن تلك قصةً عنِّي وعن والديَّ بل عنِّي وعن المحيط.
عادَ "راي" لصمته مجدداً، لم يستطع أن يفهم أبداً وجهة نظر رجل المحيط، لماذا هذا الرجل لا يُبدي اهتماماً بمعرفة ما حلَّ بوالديه؟ بل اعتمد فقط على قصة خيالية ينقذه المحيط فيها، لكنَّه تقبَّل وجهة نظره بعدما تذكَّر كلام الطبيب، فيمَ سيفيده إن عرف؟ سأله "راي" ليتابع الجزء الثاني من قصته، وهي الحقبة الأولى في حياة رجل المحيط: وماذا حدث أثناء عقدك الأول على الجزيرة؟
أطلقَ "أوشن" ضحكة خشنة وقال: لنقل أني كنت مثلك!
_مثلي كيف!؟
_ثرثاراً! كنتُ أتحدَّث مع نفسي طوال الوقت، لم أحصل على أحدٍ يستمع إلي، ظنَّ أهل الجزيرة أنِّي مجنون وأبعدوا الأطفال عني.
_ألم تحصل على صديق واحد خلال عقدك الأول؟ ولا حتَّى أي أحد؟
_لا.. كانوا يعاملونني كالنكرة، لم يقترب أحدٌ مني ولم أقترب أنا من أحد.
_ألم تحاول سؤالهم عن عائلتك؟ لأني لو كنتُ مكانك لفعلتُ ذلك طوال الوقت.
_بل فعلت، لكنَّ أحداً لم يقل معلومةً مفيدة، كلُّ ما سمعته هو أنِّي رسوتُ على شاطئ الجزيرة بصندوق خشبي، لكن لم أهتمَّ بذلك كثيراً، اتَّخذتها فرصةً لبناء نفسي كما أريد، اخترتُ اسمي وحتَّى عمري ليس دقيقاً، وتخيَّلتُ شكل والداي أيضاً، لكنِّي توقَّفتُ عن ذلك لذا نسيت ما تخيلته.
_أنت مذهل! يجبُ أن أتخذك قدوة بدل الأسى على نفسي وعلى فقداني لذكرياتي!
_تماماً! هذه هي فرصتك لتبني نفسك بنفسك مجدداً! لنرى ... مالذي تعرفه عن نفسك ومالذي لا تعرفه؟
_أعرفُ اسمي، وعرفتُ عمري أيضاً، وهذا فقط.
لم يذكر "راي" شيئاً عن والده وعن بركة الدماء التي رأى فيها أمه، كان مجرى الحديث لطيفاً ولم يرتح "راي" لفكرة تعكيره.
_هذا جيد، والآن ماذا تريد أن تعرف؟
فكَّر "راي" ملياً وقد بدا غير مرتاح لتحوِّل مسار الحديث عنه، لكن ما كان ليعترض، تحدَّث "أوشن" كثيراً عن نفسه والآن حان دورُ "راي"، فكَّر بشيءٍ يهتمُّ المرءُ بمعرفته عن نفسه، لكن في الوقت ذاته دون إثارة مواضيع حساسة.
_عرفت! أريد معرفة يوم ميلادي، هل اخترتَ واحداً لنفسك يا رجل المحيط.
_يوم ميلادٍ إذاً، رغبتك هذه بديهية فقد كان يوم ميلادي من أوائل الأشياء التي اخترتُها عن نفسي، اخترتُ لنفسي يومَ ميلادٍ مُميَّز، إنه التاسع والعشرون من فبراير.
_التاسع والعشرون من فبراير؟ ولمَ هو يومٌ مميز؟
_ألا تعرفُ أيها الفتى؟ إنه اليومُ الإضافي في السنة الكبيسة، يومٌ مميز لا يأتي إلا كل أربعة أعوام، شعرتُ أنه يليقُ بي لأني لا أحطُّ على اليابسة إلا كل بضعة أعوام
_إنه بالفعل يليقُ بك! ألا يمكنُ أن يكون تاريخ ميلادي أنا أيضاً؟
_مضحك، أنت مضحكٌ جداً، أخبرتك بأن تبني نفسك لا أن تُقلِّدني.
ابتسم "راي" بخجل وقال: أنا آسف ... أردتُ الحصول على يوم ميلاد مميز أنا أيضاً.
_يمكنك ذلك! أنت محظوظ لكونك وُلدت في سنة كبيسة حيثُ هذا سيسهِّلُ الأمور، أما أنا اضطررت لتغيير سنة ميلادي لتتناسب مع يوم ميلادي.
_وإلا كنت لتوُلد بيومٍ لم يوُجد! أطلق "راي" ضحكةً فخورةً بهذا الاستنتاج، وتبعه "أوشن" يضحك أيضاً.
_سعيدٌ لأني لم أقع بهذا الخطأ، وإلا كان سيأتي فتى صغير اسمه "راي" ليسخر من غبائي وقتها.
استمرَّا بالضحك حتَّى نزلت الدموع من أعين "راي"، حتَّى هدأ أخيراً وقال بصوتٍ تملؤه اللهفة: أخبرني بالمزيد! ماذا حدث بعدها؟ أريد أن أسمع!
حسناً.. بعدما بلغتُ عامي العاشر، سمَّيتُ نفسي وقد أدركتُ مدى تعلُّقي بالمحيط، لم أستطع الابتعاد عنه أكثر لذا قرَّرت، سأتسلَّلُ إلى رحلة الصيد القادمة وأقابلُ المحيط!
_وهل نجحت في ذلك؟
_بالطبع نجحت! لكن واجهتُ بعض الصعوبات، فمثلاً رفضَ البحَّارةُ مُرافقتي لهم رفضاً قاطعاً، قالوا بأني سأكون عبئاً عليهم، رميتُ برأيهم عرض الحائط ونفذت ما أردته، لقد جئتُ من المحيط بصندوقٍ خشبي لذا سأعود إليه بصندوق خشبي كذلك! لم يكتشفوا اختبائي في أحد الصناديق الخشبية إلا بعد مدة، وعندما حدث ثار غضبهم وفكَّروا بإعادتي إلى الجزيرة، لكنَّ الأوان قد فات.
_أنا متأكدٌ بأنهم لم يندموا على السماح لك بالبقاء.
_بالفعل! لقد أبهرتهم في تلك الرحلة، كنتُ متناغماً مع المحيط وكأني جزءٌ منه وهو جزءٌ مني، كانت أول رحلةٍ نصيد فيها حوتاً منذ فترة طويلة، لم يكن لبحَّارة السَّفينة الخبرة في صيد الحيتان، لكن بمهارتي أنا استطعنا فعل ذلك.
_ومن أين حصلتَ على كل ذلك؟ كيف كنت تعرفُ كل هذه الأشياء عن المحيط؟
_ومن يدري؟ لنقل إنها هِبة مُنحت لي منذ ولدت في المحيط، عرفتُ الكثير عن المحيط وعن كلِّ ما يعيشُ بداخله، وكنت بارعاً بقراءة الرياح فأحذِّرُهم من العواصف القادمة، وكان سهلاً عليَّ معرفة الاتجاهات لذا لم تضع سفينةٌ بوجودي قط.
_أفضلُ القول بأنَّها موهبة على كونها هِبة، أنتَ موهوبٌ يا "أوشن" وموهبتك خدمت الكثيرين.
_وماذا عنك؟ ألا تملكُ موهبة بوسعك خدمة الآخرين من خلالها؟
_لا أظن.. وإن امتلكت فربما لم أكتشفها بعد.
_معك حق، مازال الوقت مبكراً عليك لتكتشف موهبتك، لكن يجب أن تبدأ بالعمل على اكتشافها.
_أريد تعلم الكثير من الأشياء، هل سيساعدني هذا باكتشاف موهبتي؟
_بالطبع سيساعدك، لكن أين ستتعلَّم؟
_أليس واضحاً؟ في المكتبة!
بدا الانزعاج يظهر في وجه "أوشن" على نحوٍ مريب فور سماعه كلمة مكتبة، لاحظ "راي" ذلك فسأله فوراً.
_هل دخلت المكتبة من قبل يا سيد "أوشن"
_لم أفعل، ولستُ مهتماً بدخولها أيضاً.
_ألا تُجيد القراءة؟
أجابه "أوشن" وقد بدا الانزعاج واضحاً عليه هذه المرَّة: وما حاجتي في القراءة؟ الأسماك لا تقرأ، ولديَّ شخصٌ يقوم بكلِّ الأعمال الورقية لأجلي.
_ربما تظنُّ أن القراءة لا تفيد لكني أريد تعلُّم القراءة، يوجد ملايين الكتب داخل المكتبة ومنظرها مغرٍ للقراءة.
_رويدك رويدك، أين وكيف ستتعلم القراءة؟ هي ليست شيئاً تتعلمه ذاتياً.
ضيَّق "راي" عينيه في أسى، لقد نسي هذا الأمر تماماً ولم يجد طريقةً بعد لإقناع رجل المكتبة بتعليمه القراءة.
_سأحاول إقناع رجل المكتبة بتعليمي، أتعرفه؟ أتعرف اسمه؟ ربما معرفة اسمه سيساعدني قليلاً.
_تبلَّد وجه "أوشن" وكأنه تذكَّر للتو أحد أكثر الأشياء إزعاجاً وأجاب بهدوء:
_ومن لا يعرفه؟ إنه "بنس" أحدُ أخطرِ المُجرمينَ في هذه الجزيرة.
_تحوَّل وجه "راي" من الأسى إلى الفزع وقال صائحاً:
_أهو مجرم؟ ثم بدأ بشدِّ وجهه بكلتا يديه وتابع: لا أمل لي في إقناعه، لكن فتيان المكتبة قالوا بأنه الوحيد الذي قد يحاول تعليمي، ألديك فكرة عن كيفية إقناعه؟
أجابه "أوشن" بعدما ارتاحت ملامح وجهه وكأنه نسي ما كان يزعجه للتو: لا فكرة لدي، لكن لديَّ نصيحة، احذر بأن تذكر اسمي أمام ذلك الرجل.
_لماذا؟
_لنقل أنه.. لا يحبني
_يكرهك؟ لكن لماذا؟ أنت شخص لطيف جداً!
_لا لا يكرهني، نحن فقط لا ننسجم، هل فهمت؟
_ما الفرق بينه وبين الكره؟
_فرق كبير! لكل كلمة معنى خاص بها ويجب أن تكون انتقائياً باختيار كلماتك.
_فهمت! أنا أتعلَّم الكثير من الأشياء منك! ثم استلقى مكانه بينما قدماه تكاد تلمسان المحيط وتابع:
_أتساؤل إن كنتُ سأتعلم أي شيء من "بنس" ذاك.
استلقى "أوشن" بجانب "راي" وقال:
_اسمع.. تعال معي ولن تحتاج لتعلُّم القراءة.
نهض "راي" والإثارة تملأه فقال: أبِوسعي ذلك؟ أبوسعي حقاً الذهاب للمحيط كذلك؟
_هل تحب المحيط؟ أثبت لي ذلك وسأصطحِبُكَ معي.
_امم.. أي نوعٍ من حب المحيط تقصد؟
أجابه "أوشن" بحماس كونهم عادوا للتحدث عن مدى روعة المحيط.
_أقصد أن تعشقه حرفيا!
_لأي درجة؟
_للدرجة التي يصيبك فيها هواء اليابسة بالصداع، هذا ما حدث معي، سقطت مغشياً مرات عدَّة عندما كنت على اليابسة بسبب هوائها، ولا يمكنني أبداً أن آكل الطعام الذي يخرج من الأرض أو ينبت من جذورها، طعام لم ينبت بالمحيط وتشرَّب ماءه بالكامل يصيبني بالتسمم! والمخلوقات التي تأكل من الأرض ثم يأكلها البشر هي الأسوأ! كيف تأكلون لحماً يأكل أعشاباً تنمو من التراب!؟
كان "أوشن" بلا شك ذا نظرةٍ مختلفة للأمور، و"راي" الذي ظنَّ بأنَّهما متشابهان من نواحٍ كثيرة، أدرك الآن بأنَّه مازال بحاجةٍ للكثير ليفهم طريقة تفكير "أوشن"، عقليهما يعملان بطريقةٍ مختلفة جداً.
_لكن ما تقوله هو كرهٌ لليابسة وليس حباً للمحيط..
_وما الفرق؟ ألا يعني حب الأشياء كره ما دونها؟
_بل يوجد فرقٌ كبير! أرى أن تكون أكثر انتقائية لكلماتك.
ضحك "أوشن" كثيراً لمحاولة "راي" اللاواعية لتقليد كلامه، بينما "راي" لم يفهم سبب ضحك "أوشن" بالبداية لكنَّه خَجِل كثيراً بعدما أدرك ما فعله، فقال محاولاً تدارك خجله: حب الأشياء لا يعني بالضرورة كره ما دونها، أو هذا ما أظنُّه أنا.
ابتسم "أوشن" لكلام "راي" ولم يُعلِّق، فبادله الآخر الابتسام وقال: لا أظنني سأصلُ يوماً لهذه الدرجة من عشق المحيط، لكنِّي سأحاول بكل عزمي أن أعشق المحيط! لأني أريدُ القدوم معكَ بشدَّة!
_هل أنت متأكدٌ من رغبتك بالقدوم؟ الرحلة ستكون قاسيةً على من هم في عمرك، أنوي أن تستمرَّ الرحلة القادمة لأربع سنوات لذا هل ستكونُ قادراً على تحملها؟ لا أمانع قدومك لكن لا أريد أن أكون سبباً في إقناعك، فكِّر ملياً قبل اتخاذ قرارك.
_لا بأس فما يزال لديَّ وقتٌ كثيرٌ لأقررَّ، سأعمل على اكتشاف مدى حبي للمحيط وعندها سأتخذ القرار المناسب.
_فهمت! سأرحِّب بقرارك مهما كان!
شكراً لك سيدي رجل المحيط!
تنبَّه "أوشن" للحشد الغاضب الذي ينتظره عند بداية الجسر، التفت ل "راي" وقال:
_يبدو بأنَّها نهايةُ لقائنا يا صغير.
قال "راي" ببراءة منْ لم يُلاحظ الحشد الغاضب.
_لكن مازال لديَّ الكثير لأسأله!
_لن يكون لقاءنا الأخير، ما رأيك لو نتقابل غداً أيضاً في المكان ذاته؟
_هل أنت جاد؟ أنت الأفضلُ يا رجل المحيط!
لم يمانع "أوشن" لقاء "راي" بشكلٍ متكرر، فهو لم يشبع بعد من التعبير عن حبه للمحيط، لم يكن هناك ولا أي أحد في هذا العالم يتحمَّلُ "أوشن" بينما يتحدث عن عشقه للمحيط، لذا كان سعيداً حقاً بحصوله على هذه الفرصة.
سارَ "أوشن" بجانب "راي" ممسكاً بيده، فقد كان حريصاً على إيصال "راي" لبرِّ الأمان قبل مواجهة الحشد الغاضب، توسَّطهم "هيوغو" بينما ينظرُ ل "أوشن" بنظراتٍ ضيِّقة، حتَّى انتبه لوجود "راي" فوجَّه نظراته الضيقة نحوه.
_من هذا؟
تأمَّل "راي" نظرات "هيوغو" الثاقبة نحوه، ولاحظ على الفور شعره الأشقر الذي يطابق مواصفات الزعيم فسأله بحماس:
_هل أنت الزعيم؟!
نظر إليه الجميع وقد ارتسمت على وجوههم معالم الدهشة، بمن فيهم "أوشن" و"هيوغو"، قال "هيوغو" وقد قلَّلَ من حدَّة نظراته.
_لماذا تناديني بالزعيم؟
_ألا يفعلُ الجميع ذلك؟
_فقط أتباعي ينادونني بالزعيم.
ثم ارتسمت على وجهه نظرة دونية هي ذاتها التي يملكها "جين" وتابع: ولن أقبل بك كتابع.
أجابه "راي" ببرود شديد غير آبهِ بنظرات "هيوغو" التي تستنقصه: لا أريد أن أكون تابعك..
صمتَ "هيوغو" لبرهة مُحاولاً تذكر أين رأى هذا الصبي قبلاً، فقال دون أن تتغيَّرَ معالمُ وجهه: هل أنت من سرق خنجري؟
أجابه "راي" دون أن تتغيَّر معالمُ وجهه الباردة كذلك:
_لم أسرقه.. بل ربحته، ولا أنوي إعادته
تدَّخل "أوشن" بعدما ما عاد قادراً على السكوت أكثر وقال: أيُّ خنجر؟
أجابه "هيوغو" دون إزاحة نظراته عن "راي"، نظراته التي باتت أكثر حقداً ودونية: سرقَ هذا الفتى خنجري، لم يسرقه مني فهذا مستحيل، بل سرقه من "تيدي".
سأله "أوشن" بشكل لاواعي: تقصدُ "تيدي" ابنك؟
_ليس ابني!
صرخ فيه "هيوغو" فقد كانت تلك الإشاعة هي أكثر ما يستفزه، وما أزعجه أكثر كون "أوشن" الذي يعرفُ جيداً ما يُغضب "هيوغو" قد استغلَّ ذلك الأمر لصالحه، رغم أنه لم يقصدها لكن من بوسعه إقناع "هيوغو" بذلك؟
_ومن يكون هذا الفتى أيضاً؟ أهو ابنك؟
حاول "هيوغو" اتباع الأسلوب نفسه لاستفزاز "أوشن"، لكنَّه لم ينجح، شدَّ أوشن على كتف "راي" وقال:
_لا أمانع ذلك! بل وأعتبره كذلك، إنه أروع من أي ابنٍ قد أحصل عليه!
لم تُعجب تلك الإجابة "هيوغو" لكنه اكتفى بالصمت كيلا يُضيِّع المزيد من الوقت بأمر هذا الصبي، بينما نظر "راي" ل "أوشن" بنظرات مليئة بالتَّأثر والامتنان، هو لم يتوقَّع بأنَّ أحداً قد يحلُّ محلَّ والده، ولم يتوقَّع الحصول على شخصٍ كهذا بهذه السرعة.
دفع "أوشن" "راي" ليمرَّ بين الحشود الغاضبة الذين سمحوا له بالمرور بأمان، فهو لم يكن هدفهم، وبعدما اطمئنَّ لخروج "راي" دون أن يتعرَّض احدٌ له، قال ل "هيوغو": أنا مستعدٌ الآن لإعلانِ الحقيقة! اجمع الناس!
***
اجتمع النَّاس في وسط الجزيرة، تعمَّد "هيوغو" ذلك لجعل "أوشن" بعيداً عن المحيط، بالتالي تكون كفَّتُه أضعف، ماقاله "أوشن" في ذلك الإعلان صدم الجميع وأوَّلهم "هيوغو".
_ومن حاول الهروب اختبأ في الجزيرة قبل أن ننزل عقابنا عليه، أرجو منكم جميعاً التعاون معنا في البحث عنه، ونحن متأكدون بأن هنالك من يساعده لذا لا تتردَّدوا بإخبارنا عن أي خائن تشكُّون به.
صرخ أحدٌ من الجمهور: وماذا عن أمه؟ لاشكَّ أنها تعرف مكانه!
_رجالي حالياً يُحققون معها وسيُجبرونها على الحديث.
تعالت أصواتُ الهمهمات والجميع مصعوقٌ مما سمعه، فجميع من حاولوا الهرب ماتوا في لحظتها، لكن هاهو ابن هاوبر حيٌ يُرزق حتَّى هذه اللحظة! بل ومختبئٌ أيضاً! أصمتَ "أوشن" الجميع بصوته عالِ النَّبرة بعدما قال:
_سنجدُ الهارب ونُلقِّنُه درساً! لذا لا داعيَ لكلِّ تلك البلبلة، انصراف!
انصرفَ الجميع باستثناء أتباع "هيوغو" ينتظرون أمر زعيمهم بالمغادرة، حتَّى أذِنَ لهم بينما تسمَّر هو في مكانه يُحدِّقُ ب "أوشن" دون أن يُزيح أعينه عنه ولو للحظة واحدة، بدأ بالاقتراب منه بينما "أوشن" واقف في انتظاره، وكأنه يتوقَّع ذلك.
_لقد خدعتني!
_يبدو أني فعلت يا "هيوغو"
_أنت لن تخدعني أكثر، أين خبأته؟ أين خبأت ابن هاوبر؟
_مالذي تتحدَّث عنه؟
_في الليلة السابقة كنتما تناقشان كيفية إخفائه، لهذا كنتَ مستاءً جداً من مُقاطعتي لكما! حدسي لا يُخطئُ يا "أوشن"!
_أنتَ محقٌ تماماً، والآن ماذا ستفعل؟
_أتعرف السببَ الوحيدَ الذي يمنعني من قتلك؟ لأنك تروقُ لي.
_أروقُ لكَ فقط؟ ليس لأنك تحبني مثلاً؟
_لا أحد في هذا المكان يا "أوشن"، لا أحد يحبك.
ظلَّ "أوشن" يحدِّقُ في "هيوغو" دون أن يقول المزيد، حتَّى نطق الآخر:
_ليست إلا مسألة وقتٍ حتى أعثر على الهارب، وعندها سأعلِّقُكَ معه على حبل المشنقة
_لن يسمح لك أحد بقتلي يا "هيوغو"، فخسارتي تعني خسارة ثروة، وأنت لن تسمح لنفسك بقتلي، فخسارتي تعني خسارة صديق
***
سألَ "جين": كيف كانت زيارتُك لرجل المحيط؟
جلس "راي" بجانب صديقه "جين" الذي لم يعد يراه سوى في الليل على ملاءة النوم.
_كانت رائعة! رجل المحيط شخصٌ مذهلٌ حقاً! لكنَّه فقط مهووسٌ بالمحيط بطريقةٍ مجنونة.. سأقابلهُ مجدداً غداً مجدداً وأوه تذكرت! لقد قال بأنِّي بمثابة ابنٍ بالنسبة له! أليسَ كلامُه خلَّاباً؟ زاد حُبِّي له كثيراً بعدما قاله، ولقد تذكَّرت! قابلتُ "هيوغو" اليوم، عرفَ أني سرقتُ خنجره لكن لم يبدُ مهتماً باستعادته، هذا جيد صحيح؟ وأيضا يبدو بأن "هيوغو" يكرهُ "أوشن" لذا هو شخصٌ سيء، لكن "أوشن" لم يبدُ أنه يكره "هيوغو" لذا ربما يكون شخصاً جيداً، أنا حقاً محتار!
_الزعيم و"أوشن" لا يكرهان بعضهما، كانا صديقين سابقاً.
_حقاً؟ أظنُّني سأسأل "أوشن" غداً عن ذلك، وأوه لقد تذكَّرتُ شيئاً آخر، قال "هيوغو" بأن أتباعه فقط من ينادونه بالزعيم، لذا... لماذا تناديه بالزعيم؟ هل أنت من أتباعه؟
لم ينتبه "راي" لذلك لكن ما قاله جعل "جين" غاضباً بشدَّة
_أخبرتك بأني لست مُنضماً لأي جماعة! ولست تابعاً لأحد أيضاً!
_فهمت فهمت، وأيضاً قضيتُ النَّهار بطوله بحثاً عن "غانبو" لكن لم أجدها، تلكَ الفتاةُ تختفي كثيراً.
_أمازلتَ مصراً على محادثة تلك الفتاة؟
_نعم أنا كذلك! وعازمٌ على تعلُّم القراءة كذلك! بصراحة رأيتُ رجل المكتبة مستلقياً كالعادة لكن لم أجرؤ على الحديث معه، يبدو مخيفاً حقاً بشعره الأشقر الذي يذكرني بالزع.. أقصد "هيوغو"، لكن بصراحة "هيوغو" ليس مخيفاً أبداً، يبدو نحيلاً وضعيفاً لا أدري كيف يمكن أن يكون قوياً وزعيماً.
_قوة "هيوغو" تكمن في سرعته ومرونته، فلولا جسده النحيل ما كانت حركته لتكون سهلة هكذا، الغلبةُ ليست للضخام فقط.
_أعطاني كلامك أملاً أن بوسعي أن أكون قوياً أنا أيضاً.
_أجل يمكنك! أنت سريع، أتذكرُ كيف هزمت "تيدي"؟
_أظنُّكَ محق، مالذي تفعله طوال النهار بأي حال؟ أرى أنك مشغول دائماً.
_لا شأنَ لك!
قالها "جين" بانزعاج، ف"هيوغو" يضغط عليه كثيراً في الآونة الأخيرة وهو ليس بوسعه الشكوى لأيِّ مخلوقٍ كان، تابع: لكن قريباً سأصيرُ مُتفرِّغاً وعندها سيكون بوسعنا البقاءُ معاً طوال النهار.
_نعم..
فكَّرَ "راي" في نفسه بأنه قد يكون على رحلة الصيد حينها، لكنه فكَّر بأنه لا يُريدُ البوحَ بذلك لأي شخصٍ كان، كيلا يؤثِّرَ على قراره.
***
استمرَّ "راي" بالتردد على رجل المحيط في الأيام القلية السابقة، حيث كانا يتحدَّثان عن رحلات الصيد التي خاضها، ولم يكن حديثاً من طرف واحدٍ فقط فحتَّى "راي" حدَّثه كثيراً عن صديقاه "جين" و"غانبو"، لكن لم يقل شيئاً عن والده و"أوشن" بطبيعته لم يسأل، بينما انشغل الجميعُ في الجزيرة بالبحث عن البحَّار الهارب , أرادوا جميعاً قتله وتعليقه، لغيرتهم من جرأته على محاولة الهرب، بل والنجاة من ذلك أيضاً! وكان "أوشن" يستفيد كثيراً من رفقة "راي" له، فهو دائم الجلوس على الجسر للتأكد من أنَّ أحداً لن يقترب من مكان الاختباء الحقيقي، ووجود "راي" بجانبه ساعده كثيراً على دحر الشك بشأن جلوسه الدائم على الجسر.
_كل قصة ترويها تكون أروع من التي سبقتها!
_عيْشها أروع.
_وماذا حدث بعدها؟ ماذا حدث بعد أن عدتم إلى الشاطئ.
_مهما يكن ما حدث على الشاطئ فهو ممل..
_لكن أريد أن أسمع! عدتَ إلى الشاطئ في عمر الثامنة عشر، ثُمَّ هل بدأتم الاستعداد لرحلتك الرابعة؟
_لنرى ..لقد تذكرتُ الآن ! في تلك المرة بالذَّات واجهتنا مشكلة.
_أرأيت؟ علمتُ بأنَّ قصة حماسية في طريقها.
ضحك "أوشن" من حماس "راي" لكل كلمة يقولها ثم قال: لم تكن حماسية، بل مزعجة جداً، ماتَ القبطان بسبب إصابته وكنا في حيرةٍ لاختيار قبطان جديد.
_لا تقل بأنه تمَّ اختيارك!
_لم يخترني أحد، كنت صغيراً ولا فرصة لديَّ فالبحَّارة تصارعوا فيما بينهم على المنصب، لدرجة أننا استغرقنا عاماً كاملاً على الجزيرة، كانت تلك أطول مدة أقضيها على اليابس، آهه كدتُّ أموت وقتها.
_قضيتَ عاماً! أستطيع تخيل كم أنَّ الأمر صعبٌ بالنسبة لك، لكن ألا يعني هذا أنَّ كثيراً من الأحداث حصلتَ لكَ وقتها.
بعدما سمعه تأكَّد "راي" بأن "أوشن" صار صديقاً ل "هيوغو" خلال تلك الفترة على الجزيرة، أراد دفعه للحديث عن ذلك دون سؤاله عمَّ حدث بشكلٍ مباشر.
_ليس حقاً، كنتُ أعيش بمللٍ يوميِّ حتَّى..
توقفْ "أوشن" عن الكلام يوحي برغبته بقطع الحديث، لكن "راي" لم يفهم تلك الرغبة فراح يسأله:
_حتَّى ماذا؟
_حتَّى قابلتُ "هيوغو"، صرنا أصدقاء آنذاك واستمرَّت صداقتُنا طويلاً، حتى أنهيتها بغبائي..
_لا تقل ذلك سيد "أوشن"! أنا متأكدٌ تماماً بأنَّ "هيوغو" هو المُلام في ذلك.
_ومالذي يجعلك تظنُّ ذلك؟
_حسناً.. يبدو شريراً، أليس كذلك؟
_عندما صادقته لم يكن كذلك، لكنِّي عندما عدتُ بعد أربع أعوام صُدمت بالتغيُّر الجذري الذي حلَّ بشخصيته، لكن ذلك لم يُشكِّل مشكلةً بالنسبة لي فتعامله كان هو ذاته معي.
_أتساءلُ كيف طاوعكَ قلبك لتتركه وتُغادر إلى المحيط؟
سأله "راي" ذلك بنيَّة الاستفادة من خبراته، فهو قد يُضطر قريباً لتوديع صديقه "جين" والمغادرة إلى المحيط.
_كان الأمر صعباً عليه أكثر مما هو صعبٌ علي، فبالنسبة لي كنتُ سأعود إلى حيثُ أنتمي، لكن بالنسبة له كان سيفارق صديقه ليبقى وحده على هذه الجزيرة الموحشة.
شعر "راي" بأنَّ هذه هي الإجابة الأمثل لشخصية رجل المحيط، هي لم تفده بالطبع لكن كان الأمر سيكون غريباً لو كانت إجابةًً غير ذلك.
_ألم تعرض عليه القدوم معك؟
_فعلتُ مئات المرات، لكن "هيوغو" لم يكن مثلك منفتحاً على الفكرة، بل رفضها فوراً وكان يسدُّ أذنيه كلما أبدأ بالحديث عنها أو حتَّى عن المحيط.
_أنتَ تحبُّ المحيط وهو يكرهه، عجيبٌ أنكما صرتُما صديقيْن.
_أكملنا بعضنا.
_هل يُسمح لي أن أعرف كيف كانت نهاية تلك الصداقة؟
_دعنا لا نستبق الأمور، مازال ذلك الفصل بعيداً، حان وقت الرحلة الرابعة.
_ماذا هل ستبدأ بها؟! لكنَّك لم تُخبرني كيف صرت و"هيوغو" صديقين.
_لا أذكر ذلك على وجه الخصوص، أظننا صرنا صديقين فحسب.
_تذكر كل شيء عن رحلاتك في المحيط، لكن لا تستطيع تذكر لقائك الأول مع صديقك، عجيب أمرك يا رجل المحيط!
_بصراحة.. أنا لا أحبذ الحديث عن "هيوغو" كثيراً، أخافُ أن يزلَّ لساني.
_ماذا تقصد؟
_أنا أعرف كل شيءٍ عنه وهو يعرف كل شيءٍ عني، لذا عندما انتهت صداقتنا كان الأمر.. خطيراً، أتعرف الشعور عندما يعرف أحدهم الكثير عنك لدرجة انه من الخطير ابقاؤه حياً؟
_لا أعرف لكن بوسعي تخيُّله، أهذا ما حدث معك.
_بل ما حدث معه هو، لهذا السبب أنا حريصٌ على عدم الإفصاح عن أي سر من أسراره، وهو كذلك رغم أني ليس لديَّ أسرار خطيرة أخفيها، أخشى لو استمررنا بالحديث عن هذا الموضوع أن أبوح بما لا يجبُ أن أبوح به.
_حملق "راي" في رجل المحيط محاولاً استيعاب ما قاله، لقد فَهِمَ الأمر بشكلٍ خاطئ تماماً!
_ليس الأمر كذلك يا رجل المحيط! أنا آسف لأني حاولتُ جعلك تبوحُ بما لا تريد البوح به لكنِّي لم أقصد!
ابتسم اوشن لراي ابتسامة صادقة وقال:
_أعرف أنَّك لم تقصد، الأمر فقط أنَّ الذكريات بيني وبينه.. تؤلمني، لذا هل يمكنك رجاءً الامتناع عن سؤالي أي شيءٍ عنه؟
_بالطبع يا رجل المحيط! واغفر لي تطفُّلي الزائد عليك! لم اقصد ذلك أبداً!
فهم "راي" وقتها بأنَّ للجميع ذكرياتٌ لا يريدون البوح بها مثله تماماً، حتَّى رجلَ المحيط الرجل الأكثر شفافية الَّذي قابله حتى الآن، وقد شعر بذنبٍ فطيع لكونه أجبره على الحديث فرجل المحيط لم يُجبره يوماً على البوح بما لا يريد بوحه، أراد التكفير عن خطأه بعد أن لاحظ تحول حالة "أوشن" المزاجية التي باتت بائسة فقال:
_يكفي قصصاً لليوم.. سأعاقبُ نفسي بألا أسمع المزيد منك لأني أزعجتك بأسئلتي.
_لم يكن الأمر خطأك، أنت لم تزعجني، لكن أتفق معكَ يكفي قصصاً لليوم، أريد أن أتمشَّى قليلاً هل تأتي معي؟
_هذا شرف! وسأكون خفيفاً كظلك.
_نعم نعم.. فليكن مسيراً صامتاً.
سارا معاً دون وجهةٍ مُحدَّدة، وبعد فترةٍ من الوقت وجدا نفسيهما أمام منزل "هاوبر"، حيثُ تجمَّع حشدٌ من البشر يطرقون الباب بعنف.
_يالها من مسكينة، يزعجونها طوال الوقت بالسؤال عن ابنها الهارب.
تساءل "راي" ما إن كان قطع "أوشن" لصمتهما الذي دام طويلاً هو إذنٌ للحديث أم لا، وأدرك أيضاً بأنه لا يعرفُ، شيئاً عن هذا الهارب، لم يُسعفه الوقت ليسأل رجل المحيط أي شيءٍ عنه، وربما لم يكن مهتماً بذلك فلقد أتى إلى الجزيرة منذ مدةٍ قصيرة وهو غير مهتم بأي حديثٍ عن الهروب منها.
_بالفعل..
لاحظ "راي" جسداً ضئيلاً مقارنةً ببقية الأجساد الضخمة يُحاول المرور بين الحشود، وفورما خرجَ منه بدأ يركض بلهفة وكأنه قد خرج من الجحيم إلى الخلاص أخيراً، لشدَّة لهفته فقد ذلك الجسد القدرة على رؤية أي شيء أمامه مما أدى لاصطدامه ب"راي"، رفعَ "راي" رأسه ليرى من هذا الذي أوقعه فوجد أنه ليس سوى صديقه العزيز "جين"، ساعد "جين" "راي" على الوقوف وقال:
_آسفٌ لارتطامي بك، ثُمَّ تحوَّلت نظرات الأسف إلى نظرات سخرية وتابع: أهذا هو لون شعرك؟ لم أرك في النهار منذ مدةٍ طويلة لذا نسيتُ أنَّ لون شعرك غريب هكذا، ومضحكٌ أيضاً.
لم يأبه "راي" بمحاولة "جين" للسخرية منه وقال محادثاً رجل المحيط:
_هذا هو "جين"
مدَّ "أوشن" يدَهُ ليصافحَ "جين" وقال: توقَّعتُ ذلك، حدَّثني "راي" عنك كثيراً.
_بادله "جين" المصافحة بينما يقول بارتباك: وأنت تكون..؟
_ألم تعرفني؟ يبدو بأنَّ "راي" لم يخبرك شيئاً عنِّي، أنا "أوشن" المحيط.
_ظهرت نظرة صدمة على وجه "جين"، كان متعجباً من عدم توقع ذلك، كان واضحاً جداً أنَّ هذا هو رجل المحيط فكيف لم أعرفه؟ قال محاولاً علاج عقدة النقص التي لديه: آه فهمت.. أعني لقد توقَّعتُ ذلك.
قال "راي" مُجيباً على كلام "أوشن": غير صحيح، لقد تحدَّثتُ عنك كثيراً أمامه، لا أعرف كيفَ غبتَ عن باله.
بطبيعة "جين" السيئة، ظنَّ أنَّ الجميع سيءٌ مثله، لذا ظنَّ ظناً باطلاً أنَّ صديقه يسخرُ منه، قال وقد احمرَّ وجهه: الأمرُ ليسَ كذلك! بل عرفتُهُ فورما رأيته!
تعجَّبَ "راي" من غضب "جين" المفاجئ وقال لتهدئة الموقف:
_ليس موضوعنا! عموماً ما سببُ ظهورك هكذا فجأة؟ ألستَ مشغولاً؟
_بخصوص ذلك.. لم أعد مشغولاً، بوسعنا قضاء النهار معاً الآن.
_هذا رائع! فباستثناء وقتِ الصباح مع رجل المحيط كنتُ أقضي باقي يومي بوحدةٍ موحشة.
كان "أوشن" يُتابعُ حوارَهما بابتسامةٍ صادقة، ربما لأنَّ هذه الصداقة ذكَّرتُه بعلاقته مع صديقٍ قديم، ثُمَّ قال:
_فيمَ أنت مشغول؟ تتركُ صديقكَ في وضح النهار لتنشغل بماذا؟
تنبَّه "جين" لكونه قد ارتكب خطأ فادحاً، لا بأس بذكرٍ انشغاله السري أمام "راي" لكن أمام البالغين يصيرُ هذا موضع شك.
_ليس شيئاً مهماً، قال "راي" ليساعدَ صديقه بعدما أدرك أنه ارتبك بشكلٍ مفاجئ، "جين" لديه الكثير من الأشياء الخاصَّة وهو لا يبوحُ بها لأحد
_هكذا الأمر إذاً، بما أنك حصلتَ على رفقةٍ الآن فقد حان الوقت لأعود إلى موقعي.
ودَّعهُما "أوشن" وفورما أدار ظهره صرخ "جين": أهذا هو "أوشن" رجل المحيط؟ هذا مذهل! شعرتُ بأنَّ كلمة المحيط مكتوبةٌ على جبهته!
_أجل هو دوماً يُوحي بهذا المظهر، لكنَّك تأخَّرت بملاحظة ذلك.
_بالفعل، كان عقلي سارحاً لذا لم ألحظ ذلك.
***
سار "جين" و"راي" معاً مدةً من الزمن، حاولا فيها تفسير سبب اختفاء "غانبو"، لكن عجزا عن ذلك، حتَّى قال "جين": هل بحثت عنها بالمكتبة؟
كان "راي" يُخفي سعادته باهتمام "جين" باختفاء "غانبو"، فلو كان يكرهها ويريد التخلص منها لما أزعجهُ اختفاؤها.
_بحثتُ عنها منذ بضعة أيام، لكن رجل المكتبة النائم أخافني لذا لم أكمل البحث.
_ما رأيك بالبحثِ هناك إذاً؟ لن يقدر على مسِّنا بسوءٍ ونحن معاً، وإن لم نجدها فلنسأله عنها.
أعجب ذلك الاقتراح "راي" كثيراً، وأعجبه أيضاً بأنَّه سيقضي نهاره الأوَّل مع "جين" بالبحث عن "غانبو"، كان متأكداً في داخله أنه في طريقه لإصلاح علاقتهما، بحثا في المكتبة ولا أثر ل "غانبو"، بعدها تحوَّلا للتَّحديق في رجل المكتبة النائم، يحاولان استجماع شجاعتهما لإيقاظه وسؤاله عنها وأخيراً قال "راي" سائلاً "جين" رأيه: أتظنُّ أنُّه مسَّها بأذى؟
_ماذا تقصد؟
_قالت "غانبو" بأنه إن عرف بوجودها هنا فسيطردها، إن كان هناك سببٌ لاختفائها فلابُدَّ أنَّه هو.
_هل نذهبُ لنسأله؟
_نعم، لم أجرؤ على سؤاله قبلاً لكن وجودك معي يمنحني الشجاعة.
_شكراً لك، فقط للتأكُّد هل معك خنجرك؟
بدأ "راي" يتحسَّسُ جيبه وقال:
_نعم هو معي، هل قبضتك جاهزة؟
_هي كذلك، هيَّا بنا.
تقدَّما نحوه وصارا مقابلين له تماماً، نظر "راي" للرجل الذي يُغطي وجهه بالكتاب، أراد أن ينطق لكنه تفاجأ ب"جين" يمنعهُ من الكلام ويضغط على فمه بقوَّة، دفعه جين للتراجع ممَّا أغضب "راي" فقال: ما خطبك؟ كنَّا على وشك سؤاله!
_أنا آسف.. لقد تراجعتُ في اللحظة الأخيرة، أنت محقٌ في كون شعره يشبه شعر الزعيم، على أيِّ حال دعنا نسأل شخصاً آخر هنا ولنبقي ذاك الرجل خياراً أخيراً.
_حسناً.. أتمنَّى ألا نضطر لاستعمال هذا الخيار الأخير.
عادا للبحث عن أيِّ شخصٍ يمكنُ إيجاده، لكنَّ المكتبة كانت فارغةً كالعادة، تذكَّر "راي" تجمُّع الفتيان الذي أخذتهُ "غانبو" إليهم مرَّة، فأشار ل"جين" بالذهاب، وجد "راي" الفتية في مكانهم كما السَّابق، التفتت الحلقة الدائرية لوجود "جين" و"راي"، فتقدَّم إليهما الولد الأكبر سناً من منتصف المجموعة وقال:
_كيف أساعدكم ؟
_امم.. هل رأيت "غانبو" مؤخرا؟
_من؟
_فتاةٌ ذاتُ شعرٍ أبيض، وعينانِ زرقاوان.
_أوه تلك؟ لقد تذكَّرتُها، لم أرها مؤخراً لكن هذا ليس غريباً فنحن لا نراها عادة.
_هكذا إذاً..
قاطع "جين" حديثهما وسأل بنبرةٍ حادَّة:
_هل الرجل النَّائم في الخارج يمكن أن يعرف عنها شيئاً؟
بدأ الصبيانُ بالضَّحك وقال أحدهم:
_الرجل النَّائم؟ نعم اسأله ودعهُ يسمعك تُسمِّيه بالرجل النائم!
_ما اسمه إذاً؟! هو نائمٌ طوالَ الوقت فماذا عساي أسمِّيه غير ذلك؟!
غضِبَ "جين" كثيراً لسخريتهم منه، خصوصا أنَّ تسمية الرجل النائم لم تكن فكرته بل فكرة "راي"، بينما اعتاد هو تسميته برجل المكتبة، وقبل أن يحاول أحدٌ الاستجابة لغضب "جين" مرَّ بهم رجلٌ ألقى التَّحية ثُمَّ تابع بابتسامةٍ مرهقة:
_كيف حال دراستكم؟
ردَّ عليه الفتى الأكبر سناً، فقد كان الوحيد الذي يجرؤ على الحديث معه.
_إنها رائعة! نتعلَّمُ الكثير من الأشياء هنا، شكراً لسماحك لنا بالبقاء!
ذهب ذلك الرجل دون أن يقولَ كلمةً أخرى، ولم يُعر اهتماماً ل"راي" و"جين" الذين تصنَّما فورما رأياه، التفت "جين" لصديقه فرآه يُحدِّقُ بنفس النظرات المنبهرة ففهم أنه رأى ما رآه، صاح "جين" بحماس:
_هل رأيته؟ هل رأيته؟
أجابه "راي" بصوتٍ أكثر عقلانية، لكن لا يقلُّ حماسة:
_نعم! هل رأيت جمال وجهه!؟
_وجههُ مذهل! وشعره ليس أشقراً كما ظننا.
_شعرتُ بالأسى لأنه ألقى التَّحيَّة ثم غادر، تمنَّيتُ لو بوسعه البقاءُ أكثر كي أستمرَّ بتأمُّل وجهه، أحبُّ تأمُّلَ الأشياء الجميلة.
_لم أظنُّ يوماً بأنَّي قد أقول ذلك عن أيِّ أحد في العالم، لكن بالفعل ذاك الرجل يمتلك وجهاً يستحقُّ التأمُّل.
كان الرجل الذي يصفانه رجلاً بُنيَّ الشعر بخصلٍ شقراء متفرِّقة،لهذا ظنَّ "راي" بأنَّ شعره أشقر فهو لم يرَ إلا الخصل المتناثرة من أسفل الكتاب، وكانت عيناهُ ذاتا لونٍ أخضرَ باهت، كان يبدو كأميرٍ سحري خرج من أحد الروايات القديمة، رغم أنه في حالته تلك كان مرهقاً فقد استيقظ للتوِّ من قيلولته، إلا أن ذلك لم يجعل من مظهره أقلَّ جاذبيةً وإلفاتاً، بل ربما زادها، سأل "جين" الفتى الواقف أمامه:
_من يكون؟! من يكون هذا الرجل الوسيم؟!
_هذا هو السيد "بنس"، أو ما تُسمِّيه بالرجل النائم.
_عذراً؟ هل تقولُ بأنَّ هذا الرجل هو ذاته الذي رأيناه عند المدخل؟
صاح "راي" بكلِّ دهشة: غير قابل للتَّصديق! لا يبدو مخيفاً أبداً لا أدري يا "جين" لماذا كُنَّا خائفين منه!
أجابهم الفتى الذي كان يُحادثهم: قد يكون السيد "بنس" ذا مظهرٍ ناعم لكنَّ الجميعَ هنا يخافُ منه، الجيل الجديد مثلنا لم يفهم السبب لكنَّنا نأخذ الحيطة دوماً!
_لا تُعره بالاً يا "راي" فلنذهب ونسأله عن "غانبو"، قد نندم كثيراً إن لم نفعل، ووجهٌ كهذا يستحقُّ المخاطرة لأجله!
_نعم!
فكَّر "راي" بأنه فهم نوعاً ما لماذا هذا الرجل متوارٍ عن الأنظار، تبدو شخصيته هادئة لا تحب لفت الانتباه، لو كانت السيدة "هاوبر" تظنُّ "هيوغو" حسنَ المظهر فماذا ستقول عندما ترى هذا الرجل؟!
_سيدي! سيدي! سيد "بنس"!
التفت إليهما "بنس" بقليلٍ من الاهتمام، عندها ارتبك "راي" وأدرك أنَّهما وقعا في مأزق، ماذا سيقولان ل"بنس"؟ قد تكون ردَّة فعله عدوانية عندما يسمعُ اسم "غانبو" لكن كيف يمكنُ لهذا الوجه أن يكون عدوانياً؟ أمَّا "جين" فلم يلحظ ارتباك "راي" فقد كان مبهوراً بملامح "بنس" الخالية من العيوب، كان مُركِّزاً بصره بشدَّة ولم يرمش حتَّى لمرِّة واحدة، ثُمَّ قال بتركيزٍ شديد.
_أنت تشبهُ أحداً..
_عفواً؟
_أنت.. أنتَ تشبه أحداً، لكن من؟!
أبعد "جين" بصره وانهمك في محاولة تذكُّر الشخص الذي يشبهه هذا الرجل، حملتْ نظرات "بنس" آنذاك كثيراً من المعاني والتي حاول "راي" تفسيرها لكن لم يُسعفه الوقت فقد استدار "بنس" إليه وقال: أراكَ كثيراً في الأيام السابقة، تجولُ المكتبة ثمَّ تخرج بسرعة، لم أرَ بحوزتك كتاباً قط.
_كنتَ مستيقظاً؟ ظننتُكَ كنتَ نائماً دوماً..
_ماذا كانت غايتك؟ لماذا تأتي إلى هنا إن لم تكن تقرأ؟
_أنا..، لم أقرأ لأني لا أجيدُ القراءة..
_لا تُجيدُ القراءة؟ تعلَّمها إذاً.
_كيفَ يمكنني ذلك؟
لم يجرؤ "راي" على أن يطلب من "بنس" تعليمهُ بشكلٍ مباشر، بل اكتفى فقط بالتَّلميح راجياً من "بنس" أن يفهم، و"جين كان متفاجئاً من صديقه كونهُ لم يسأل عن "غانبو" بعد، بدأ "بنس" بحكِّ فكِّه ممَّا جعل "جين" يتذكر شبيهه على الفور! لكنَّه حاول جاهداً إنكار ذلك، أردف "بنس" قائلاً:
_سمعتُ عنك، أنت الفتى الذي يريد تعلُّمَ القراءة، ظللتُ أنتظرك لفترة حتَّى فقدتُ الأمل، لماذا جئتَ متأخراً؟
_كنتُ خائفاً! كنتُ خائفاً منك!
_لماذا؟ هل منظري النائم أفزعك؟ أم أنَّ.. أحداً تحدَّث بسوءٍ عني؟
_لا لم يتحدَّث أحدٌ بسوءٍ عنك!، -أجابه "جين"- الجميع في الجزيرة يتحدثون عنك وكم أنَّك قوي، أنتَ الشخصُ الذي لا يسمحُ لأحدٍ بدخول المكتبة، أنتَ مشهور!
أشاح "بنس" بوجهه بعيداً وقال بقليلٍ من عدم الرضا: فهمت.. حتَّى عندما أحاولُ التَّواري عن الأنظار أظلُّ مشهوراً.
دامت لحظةُ صمتٍ حتَّى قطعها "راي": إذاً.. هل ستُعلِّمني؟
التفت "بنس" إليه دون أن يُجيب ثمَّ التفت إلى "جين" وسأله:
_ماذا عنك؟ هل تريدُ تعلُّمَ القراءة أنت أيضاً؟
لم يعرف "جين" الإجابة المناسبة، هو يُجيدُ القراءة فلماذا يُضيع وقت فراغه الثمين متظاهراً بتعلُّمها؟ خصوصاً أنَّ وقت الفراغ هذا لن يدومَ للأبد، لكنَّها ستكونُ خسارةً كبير إن ضيَّع فرصةً مجانية لرؤية وجه هذا الرجل كلَّ يوم، لذا استسلم في النهاية وقال: نعم أريدُ ذلك..
_هذا جيد، جمعنا عدداً مناسباً الآن.
تساءل "راي" وقال: مناسباً لأجل ماذا؟
_أنتما لستُما الوحيديْن الذيْن أرادا تعلُّم القراءة، فكَّرتُ بافتتاح صفٍ سابقاً لتعليم القراءة، لكنَّه فشل دون أن يبدأ.
قاطع "جين" الذي سمع بقصةٍ مشابهة حديث "بنس" وسأله: ولماذا فشل؟
_عارضها البالغون، لم تعجبهم فكرة اجتماع عدد من الأشخاص في مكانٍ واحد، ظنُّوا بأنِّي أسعى لتكوين طائفة تهدد وجودهم، لكن الآن، بعد رؤيتي إقبال الكثير من الأطفال أمثالكم على التعلُّم، فأشعر أنَّ الأمر سينجح.
نظر "راي" إليه بنظراتِ إعجاب و"جين" بنظراتٍ مليئة بالشك، قال "راي":
_هذا الصفُّ سيكون أمراً رائعاً! أنا متأكدٌ بأنَّه سينجح وإن حاول أحدٌ إفساده فسنتصدَّى له!
ابتسم "بنس" ابتسامة خافتة وقال: وكيفَ ستفعلونَ ذلك؟
أخرجَ "راي" خنجره ل "بنس" الذي بدا أنَّه تعرف على الخنجر على الفور فابتسامته قد تلاشت، ثم قال "راي":
_بالقوَّة!
رغم أنَّ تلك الإجابة لم تعجب "بنس" إلا أنَّه ابتسم وقال:
_ماذا لو اجتمع العقلُ مع القوَّة؟ ألن يكون ذلك أفضل؟ مهما كنَّا أقوياء فسيأتي من هو أقوى وعندها فقط سنقلب الكفَّة لصالحنا باستخدام العلم، فمعظمُ الأقوياء لا يستخدمون عقولهم.
ابتسم "راي" ابتسامةً مشرقة وقال:
_أنتَ مُحق! كنتُ غبياً لعدم تفكيري بذلك! سأبدأ باستخدام عقلي منذ الآن!
أمَّا "جين" كان قد بلغ لأقصى مراحل الانزعاج، أولاً يقوم "راي" بحركة غبية وبلهاء بإظهار خنجره للعلن، ألم يفهم بعد خطورة الاسم المنحوت على هذا الخنجر؟ والآن مواضيعهم الغريبة التي تبتعد أكثر وأكثر عن غرضهم الأساسي، قال بنفاذ صبر: هل ستقولُ ما جئنا لأجله أم لا؟
_ما جئتُم لأجله؟ أهناك شيءٌ آخر تودون قوله؟
كان "راي" خائفاً من ردَّة فعل "بنس" لما سيقولانه، لذا قال بتردُّد: نحن..
قاطعه "جين" بنبرةٍ حاسمة: نحنُ نبحثُ عن فتاة!
_أيُّ فتاة؟
_اسمها "غانبو".
_عذراً؟
_"غانبو"! فتاةٌ بشعرٍ أبيض.
_أوه.. تلك الفتاة.
سأله "راي" بنبرةٍ خائفة: عذراً سيدي.. ماذا فعلتَ بها؟
_وماذا قد أفعلُ بها؟! هل تظنُّنُي سآكلُها؟
_نحن نبحثُ عنها منذ أيَّام ولم نجد لها أثراً..
ضيَّق "بنس" عيناهُ بغضبٍ وقال: هذا طبيعي فتلك الفتاةُ تُجيدُ الاختباء جيداً، لا أصدق أنها ظلَّت متواريةً عن نظري طوالَ تلك المدَّة.
_ماذا فعلت بها؟!، صاح "راي" بنبرةٍ أكثر حزماً بقليل.
_ما دمتَ تسألُ فأنتَ تعرفُ بأنها كانت تنام هنا خلسة، صحيح؟
_نعم أعرف! وأخبرتني أنك مصدرُ تهديدٍ أيضاً لذا.. ماذا فعلتَ بها؟!
_لقد طردتُها بالطبع.. أنا لا أسمح لأحدٍ بالنَّوم هنا.
_وماذا بعد؟ ماذا بعد أن طردتها؟
_لا شيء، لم أرها بعدها فأنا لا أخرج من هنا.
_ومنذ متى طردَتها؟
_لا أذكر، منذُ بضعة أيام.
نظر "راي" إليه بغضبٍ شديد، كيف بوسعه طرد شخصٍ بلطافة "غانبو"؟! بل ويطردها بدمٍ بارد! وضع "جين" يده على كتف "راي" وقال: هذا يكفي، لنذهب.
استدارا يغادران و"بنس" يراقبهُما حتَّى قال: بالنسبة لدروس القراءة..
لكن "راي" قاطعهُ بصوتٍ مرتفع:
_أنا لن أتعلَّمَ القراءةَ حتَّى أجدَ "غانبو"!
viloeto7789