_مرحباً بالأخِّ الصَّغير!
التفتَ "بنس" الجالس بجوارِ الباب إلى هذا الصوتِ المُزعج الذي كادَ ينساه، همَّ بالنُّهوض بعصبيَّة فورما تعرَّفَ على وجه أخيهِ "هيوغو" الذي قال يُبرئُ نفسَه: لا يجبُ أن تكونَ غاضباً هكذا! أنا لم أدخل المكتبةَ بعد، انظُر إلى أقدامي أنا خارجَها!
أغلقَ "بنس" البابَ بوجههِ بقوَّة دونَ أن يُكلِّفَ نفسَهُ عناء الردِّ، وقفَ "هيوغو" المطرود بحيرة، فهوَ لم يتوقَّع أن يتصرَّف أخوهُ هكذا، دارَ المكانَ بحثاً عن نافذةٍ للولوجِ فوجدَها، النَّافذةُ ذاتُها التي اعتاد أن يتسلَّلَ منها هو و"أوشن" سابقاً، و"بنس" قد قرأ افكارَ "هيوغو" فراحَ هو كذلك إلى النَّافذة وهرعَ يُغلِقُها، صدَّهُ "هيوغو" عن ذلكَ بكلِّ قُوَّتِه وقال بغضب: انتظر! لديَّ شيءٌ أقولُه لك!
زمجرَ "بنس" بغضب: لا حديثَ بينَنا أيُّها الحقير!
_ما خطبُك؟! لا تُعامل أخاكَ الكبير بهذا الشَّكل!
توقَّفَ "بنس" عن محاولةِ إغلاق النَّافذة، فبدلاً من أن يكونَ "هيوغو" مُمتنَّاً لذلك راحَ يسخرُ منهُ ويقول: أنتَ أجملُ بكثيرٍ من آخر مرَّةٍ رأيتُك فيها، لو خرجَ هذا الوجهُ فصدِّقني ستستمعُ كثيراً، هل تُريدُ أن أعثرَ لك على عجوزٍ غنيَّة هنا؟
لم يؤثَّر ذلكَ الكلامُ ب"بنس" بل قال ببرود: مازلتَ كما عهدتُك خبيثاً.. لم أعد ولداً صغيراً لتقومَ باستفزازي.
_معكَ حق، أردتُ فقط اختبار مدى نُضجِكَ الحاليِّ
_لا تقلق عليَّ، نضجتُ منذُ اللَّحظةِ التي تخلَّيتُ فيها عنك.
أدخلَ "هيوغو" رأسَه في تلكَ النَّافذة بينما يجولُ نظرُه في أنحاء المكتبة، قال ل"بنس" الذي انزعجَ من تصرُّفِه: إذاً متى ستسمحُ لي بالدُّخولِ إلى هُنا؟
أجابَهُ "بنس" بحزم: لن يحدُثَ ذلكَ إلَّا على قبري.
_اسمح لي هذهِ المرَّةَ فقط، هنالِكَ ما يجبُ عليَّ فعلُه، هذا ضروريّ!
_وما شأني أنا بذلك؟! ارحل الآن!
عادت نبرةُ "هيوغو" لتكونَ ساخرةً فقال: هيَّا! أنا أخوكَ الذي تُحبُّهُ كثيراً، صحيحٌ أنِّي لا أحبُّكَ بنفسِ القدرِ لكن لا يُفترضُ بهذا أن يكونَ مُشكلة.
نظرَ له "بنس" مُطوَّلاً ثُمَّ ابتسمَ بسُخريَّة، ممَّا جعلَ "هيوغو" يقفُ مصدوماً، لم يملك "بنس" هذهِ الابتسامة السَّاخرةَ قط، والأهمُّ أنَّهُ ماكانَ ليستخدِمَها مع شقيقه عندما يُحاولُ استفزازه، سألَهُ "هيوغو" بارتباكٍ: لماذا تبتسمُ هكذا؟! لأنَّك تكرُهنِي؟
أجابَهُ "بنس" والابتسامة السَّاخرة المُخيفة ما تزالُ تُزيِّنُ وجهه: أكرهُك لكنِّي أشفقُ عليكَ أكثر.. هل تعرفُ لماذا لم تُبادِلنا نفسَ الحبِّ الذي منحناهُ لك؟
نظرَ له "هيوغو" باستنكارٍ وقال: لم تكن شخصاً يستحقٌّ أن يُحبَّ.
_مُتأكدٌ من أنَّ هذا السبب؟ لقد أهديتَ كاملَ حُبِّكَ وشغفِكَ لشخصٍ واحدٍ فقط، شخصٌ واحدٌ لا يستحق، أنا أشفقُ عليك..
أغضبَ ذلكَ الكلامُ "هيوغو" ف"بنس" يضربُ وترَهُ الحسَّاس، شدَّ ملابسَهُ وصرخ بغضب: وما أدراكَ أنتَ بذلك؟! أنتَ تهذي! أنتَ من يحتاجُ إلى الشفقة!
ابتسمَ "بنس" بسُخريَّةٍ قاتلة وقال: بقيتُ بعدَكَ سنينَ طويلةً في العالم الخارجيِّ، وأنا أعلمُ كلَّ شيءٍ حدثَ من بعدك، لقد تلاعبتُ بكَ يا "هيوغو"، وسأفعلُ مُجدَّداً!
أبعدَ "هيوغو" يديه وكان رأسُه يضجُّ بالاحتمالات، حاولَ إخفاءَ الخوفَ الشديد الذي أصابهُ وقال: مُضحك! تقول بأنَّك تتلاعبُ بي وتُريدُ أن أصدِّقكَ!
تحوَّلت ملامحُ "بنس" لنظرةٍ باردةٍ كالثلج، نظرة لم يفهمها "هيوغو" أبداً، قال ببرود: لديَّ دليل.. دليلٌ على حقيقةِ ما حدث.
أجابَه "هيوغو" بتردُّد، فجزءٌ عميقٌ فيهِ خائفٌ من سماعِ الحقيقة: دعني أراهُ إذاً..
_ستراه.. فقط عندما أكونُ على فراشِ الموت.
***
عادَ "هيوغو" ساخطاً إلى مكتبه، ضربَ البابَ بقوِّةٍ وصاح: مُزعج! هوَ مُزعج!
_كما توقَّعت.. "بنس" لم يسمح لكَ بمُحاولةِ التحقيق في أيِّ شيء.
قالَها "أوشن" الذي كان جالساً بانتظارِ "هيوغو"، وكانَ يحملُ كتاباً بالمقلوب ويتظاهرُ بقراءته، سحبَ "هيوغو" رُمحَهُ وقال بغضب: لا فائدة! السَّبيلُ الوحيدُ لدخولِ المكتبةِ هوَ قتلُه!
أجابَهُ "أوشن" ببرود: لا يستحقُّ الأمرُ نقضَ الصُّلحِ لأجله.
وضعَ "هيوغو" رُمحَهُ جانباً وقد هدأ قليلا، وقع نظرُه على الكرسيِّ خلفَ مكتبه وقال بحماس: هل هذا؟!
نظرَ "أوشن" للكرسيِّ ببرودٍ وقال: لم أفهم ما هذا؟ أدخلَهُ رجالُكَ للتوِّ.
تحدَّث "هيوغو" بحماس طفلٍ حصلَ على لُعبةٍ جديدة: إنَّهُ كرسيٌّ بعجلات! لطالما تمنَّيتُ واحداُ مثله!
جلسَ عليهِ وتأرجحَ فيهِ ثُمَّ تابع: الآن لن ينكسرَ الكُرسيُّ أبداً مهما أرجحتُه! أنتَ لن تُصدِّقَ عددَ الكراسيِّ التي كسرتُها بسببِ ذلك.
_أتذكَّرُ عادتَكَ هذه، ألِهذا كانَ هُناكَ كرسيٌّ واحدٌ في مكتبِكَ دوماً؟ لكنِّي ظننتُكَ تخلَّصتَ من هذهِ العادة بعدما بتُّ أرى كرسيِّينِ في مكتبك.
_كبحتُها فقط، لكن الآن ومعي هذا لا داعيَ لكبحِها.
سأل "أوشن" بقليلٍ من الاهتمام: أريدُ فقط أن أعرفَ كم دفعتَ لأجله؟
أجابَهُ "هيوغو" دونَ إخفاءٍ لحماسِهِ: الكثير! لكنَّهُ يستحقّ!
انغمسَ "هيوغو" يؤرجحُ كُرسيَّهُ بينما لم يقل "أوشن" المزيد، حتَّى أغلقَ الكتابَ ووضعَهُ أمامَهُ ونطقَ شيئاً يُثقلُ ظهرَه: انتهينا من تجهيزاتِنا، سنُغادرُ غداً.
نظرَ له "هيوغو" بقلقٍ وقال: بهذهِ السُّرعة؟ دونَ إعلانٍ حتَّى؟
_قضينا وقتاً كافياً..
حملقَ "هيوغو" بارتيابٍ في وجهِ "أوشن" وقال: إنَّها المرَّةُ الأولى التي لا تبدُو فيها سعيداً لذلك، أنتَ مُكتئبٌ يا "أوشن".
ابتسمَ "أوشن" بحزنٍ وقال: تمنَّيتُ لو أودِّعُ أحدَهُم قبلَ رحيلي، "راي"..
تراجعَ "هيوغو" للخلفِ وعقدَ ذراعيهِ بانزعاج، هو حتماً لم يتذكَّر اسمَ "راي" لكنَّهُ تذكَّرَ الشَّخصَ الوحيدَ الذي قد يهتمُّ "أوشن" بتوديعه، قال: ذلكَ الفتى المزعج!
_هل صادفتَهُ مؤخَّراً؟
_لم أرهُ منذُ عامين ، أتساؤلُ ما إن كانَ وجههُ قد صارَ أكثرَ خُشونة.
زادت ابتسامةُ "أوشن" اتِّساعاً وقال: أشعرُ أنَّ ملامحَهُ ستظلُّ بريئةً للأبد.
تقدَّمَ "هيوغو" بكُرسيَّه وتابعَ يقولُ بجديَّة، غيرُ مُتسائلٍ عن السببِ الذي جعلَهم يُناقشونَ ملامحَ "راي" المُستقبليَّة في مكتبه: على العكس! أظنُّه سيكتسبُ ملامحَ حادَّة عندما يكبُر
_سيسعدُ كثيراً عندَ سماعِهِ لهذا، إنَّهُ يكرهُ وجهه.
صمتَ "هيوغو" لبرهةٍ وسأل: مادُمتَ مُستاءً هكذا لعدمِ توديعه.. لِمَ لا تذهبُ للقائه؟
بدت ملامحُ الضِّيقِ على "أوشن" وقال: هذا أفضلُ له..
ثُمَّ مدَّ ذِرَاعُه السليمةُ وأراها ل"هيوغو" الذي اتَّسعت عيناهُ صدمةً لما رآه، فقد امتلكَ "أوشن" وشماً بنفسجيَّاً رغمَ أنَّهُ كانَ على ذراعهِ المبتورة.
_قامُوا بوشمِكَ مُجدَّداَ؟! متى؟!
_اليوم.. هل كتبتَ في تقريرِكَ بأنِّي فقدتُ ذراعي؟
_بالطَّبعِ فعلت! كانَ ذلكَ ضرُوريَّاً
_أرادُوا التحقَّقَ من الذراعِ التي فقدتُها، وعندما عرفُوا بأنَّها الذراعُ الموشومة قاموا بوشمي مُجدَّداً، يبدو الأمرُ وكأنَّهُم حريصونَ جدَّاً على إبقاءِ هذا الوشمِ علينا، ممَّا يؤكدُ نظريَّتَنَا.
_تماماً! الوشمُ مسموم.
تنهَّدَ "أوشن" طويلاً وقال: منذُ أن وضعوه وأنا لا أشعرُ بخير، أظنُّهم قاموا بزيادةِ الجُرعةِ لتسريعِ موتي، لهذا السبب لم أذهب للقاء "راي"، أنا غالباً لن أعودَ في رحلةِ الصَّيدِ القادمة، إن اختارَ هوَ رؤيتي فسأرحِّبُ بذلك لكنِّي لن أفرضَ حُضُوري عليه، كيلا يفرضَ موتِي حُضورَهُ عليهِ لاحقاً.
نظرَ "هيوغو" إلى صديقِهِ بحُزنٍ حقيقيّ وقال: هل تشعر.. هل تعيشُ أيَّامكَ الأخيرة؟
لم يُجبهُ "أوشن" بل تجنَّبَ النَّظر لأعينِ صديقِهِ الذي تابعَ يقول: أنت! إن كنتُ كذلك فلِمَ ستذهبُ للمُحيط؟! مادامت آخرُ أيَّامِ حياتك فقضاؤها على اليابسة سيكونُ أفضل!
_هل تمزحُ معي؟! وأيُّ شيءٍ قد أطلبُه أكثرَ من قضاءِ آخرِ أيَّامي في المُحيط؟! هذا حُلمي، الموتُ على اليابس سيكونُ كابوساً فظيعاً بالنَّسبةِ لي.
صاحَ فيهِ "هيوغو": أنتَ أحمق! أحمقُ كبير!
امتلكَ "أوشن" الجُرأة أخيراً للنَّظرِ لعيني صديقه وقال بنظراتٍ امتلأت بحُزنِ العالمِ أجمع: هل تُسامِحُني؟ هل تُسامِحُنِي على ما دمَّرَ صداقتَنا؟
_أسامحُك.. وأنت هل تُسامحني على عدمِ مُحاولتِي العفوَ عنكَ قبلاً؟
_طبعاً أسامِحك! يُريحُني أن أعرفَ أنِّي سأموتُ دونَ أن يحملَ أيُّ شخصٍ ضغينةً ضدَّي، هل ستطلبُ من "بنس" أن يُسامِحُنِي كذلك؟
_أنتَ تعرفُ أنَّ "بنس" لا يكرهُك، هي فقط غيرةٌ انتهت منذُ وقتٍ طويل، أؤكدُ لكَ ذلك.
ابتسمَ "أوشن" بدفء أغرق "هيوغو" وقال: سعيدٌ أنَّها انتهت!
***
كان حولَهُ "جين" و"غانبو" النائمانِ تحت النُّجوم، لكن هو كان جالساً بضيقٍ عاقداً ذراعيه وقدميه معاً، في تلكَ اللحظة حتَّى منظرُ النُّجومِ الزَّاخر بالألوان ما كانَ ليستطيعَ إبهاجه، شيءٌ واحدٌ فقط قد يفعل، أخبرَه "جين" بأنَّ رحلةِ الصَّيد ستُغادرُ غداً، ومنذُ ذلكَ الوقت وعقلُه ما يزالُ يدور لاستيعابِ ذلك الخبر، وآثاره الجانبيَّة، هل سيرحلُ "أوشن" حقَّاً دونَ أن نُودِّعَ بعضنا؟! هو لم يرَهُ منذُ شهر لكن عقله لا ينفكُّ يُفكِّرُ بِسواه، شيءٌ ما في أعماقِ "راي" كان عاجزاً عن تصديقِ رحيله، بل لم يُرد حدوثَ ذلك دونَ فرصةٍ لتوديعه.
دفعَهُ ذلكَ الشُّعور في أعماقه إلى اتَّخاذِ قرارٍ فوريِّ، وجدَ نفسَهُ يقفُ على قدميه بعزمِ الأرضِ كاملة، وفي كلِّ خُطوةٍ يخطوها يزدادُ عزمُه ويتأكَّدُ من رغبتهِ في تحقيقِ مُراده، إنَّهُ الآن يرى سفينة الصيد في الأفق، أدهشَهُ التَّغييرُ الذي حلَّ بها، إنَّها أكبرُ وأجملُ بعشرِ مرَّاتٍ، قاموا بصيانتِها كثيراً مؤخراً، فلا شكَّ أنَّ "أوشن" كان مُنشغِلاً جدَّاً بقيادةِ كلِّ تلكَ التَّعديلات، أراد التقدُّمَ أكثر فوجدَ نفسُه عاجزاً..، كم كرِه نفسَهُ في تلكَ اللَّحظة! اعتادَ الجلوسَ مع "أوشن" لساعاتٍ وساعاتٍ على ذلك الجسرِ يتأمَّلانِ المُحيط، فلماذا هو الآن عاجزٌ حتَّى عن التقدُّم إليه؟! أنجدتَه من سوداويَّة أفكاره مُلاحظةَ شخصٍ ينزل، تجمَّد في مكانه عندما استطاعَ تمييزَ ملامحَه، إنَّهُ "أوشن"!
أرادَ أن يصرخ، أن يهتف، أن يركضَ إليه، لكنَّ "أوشن" الذي كانَ يسيرُ بمُحاذاةِ المحيط منعَهُ من ذلك، فجسدُه كانَ مُتصلِّباً بالفعلِ بسببِ صدمةِ رؤيةِ "أوشن"، بدا "أوشن" بالنَّسبةِ ل"راي" أكبرَ بعشرِ سنوات، انعكسَ لونُ السماءِ على عُيونِه لتشُّعَّا حزناً وهمَّاً، بعد أن ابتعدَ "أوشن" لمسافة خرجَ "راي" من تصلُّبهِ أخيراً، أخذَ يهرعُ ليُقابلَ مُحيطَهُ الحبيب لكنَّ المسافةَ بينهُما أبت أن تتقلَّص، كانت خطواتُ "أوشن" سريعةً ومُتعجِّلة لدرجةٍ أزعجت "راي"، مالذي يجعلُ "أوشن" مُستعجلاً في مثلِ هذا الوقتِ المُتأخِّر من اللَّيل؟! لكن أياً كانَ ذلك فهوَ يجعلُ مُهمَّة "راي" أصعب، توقَّفَ مكانَهُ بخيبةٍ عندما شاهدَ "أوشن" يدخلُ القُبَّةَ الزُجاجيَّة، هذا المبنى البديع الذي لم يرهُ منذُ عامين، لكن من الداخل كان مليئاً بالكآبة، لسببٍ يجهلُه "راي" فإنَّ "جين" قد منعَهُ منعاً باتَّاً من الاقترابِ من القُبَّة الزُجاجيَّة، وحذَّرهُ من ذلك مراراً، ودونَ أن يهتمَّ "راي" بالسبب انصاعَ لأوامرِ "جين"، كان هو و"غانبو" يكبُرانِه فيأمُرانِه ويُسيِّرانِه كما يشآن، لكن "غانبو" كانت أكثر حنيَّةً في إلقاءِ أوامرها، لم يشعر "راي" بأنَّ اقترابَهُ من القُبَّةِ قد يُشكِّلُ خطراً، ف"أوشن" هناكَ في الداخلِ وسيحميه، لم يرد أن تذهبَ رحلتُه هذه سُدى لذا جلسَ وانتظرَ خروجَ "أوشن" طويلاً، شعرَ وكأنَّ دهراً من الزَّمانِ قد انقضى لكنَّهُ لن يُغادر حتَّى يتحدَّثَ مع "أوشن" ولو كلَّفهُ ذلكَ العُمرَ كُلَّه.
لمحَ أخيراً رجلاً يخرجُ من الباب، ركضَ "راي" بأسرعِ ما لديه والفرحة تغُمره من رأسه حتَّى أخمصِ قدميه، كان سعيداً لدرجةِ أنَّهُ نسيِ التحقُّقَ من الشَّخص الخارج من الباب، صارَ أمامَهُ تماماً فعبَس فورما رأى أنَّهُ شخصٌ غيرُ مرغوب، كانَ "هيوغو" الغاضب الذي اجتمعت عليهِ كل أسباب الغضب في تلكَ اللَّحظة، شعورُ أنَّ "بنس" يُخفي شيئاً هامَّاً عنه، و"أوشن" الذي ينوي المُغادرَة في رحلةِ صيدٍ انتحاريَّة، والآن ظهورُ هذا الصبيِّ المُزعجِ أمامه! ضيَّقَ عينيه وقال بصوتٍ مُنخفض خرجَ من أطرافِ أسنانه: أنت!
ارتبكَ "راي" وتلعثمَ بالكلام، هذا الرجلُ لن يُحاولُ خنقَهُ مُجدَّداً في المُحيط صحيح؟
_أ. أنا ظننتُ أنَّ "أوشن" قد دخلَ إلى هنا! كنتُ في انتظاره! أ. أينَ هو..؟
خرجَ "أوشن" من وراءِ "هيوغو" وقال ببرود: من يبحثُ عنِّي؟
لكنَّهُ عندما وقعَ بصرُهُ على الجسدِ الصغير في الأسفل الذي ينظرُ إليهِ بارتجاف وترقٌّب، ابتسمَ ابتسامةً واسعةً حقيقيَّة، قال والسعادةُ تغمرُه: لقد تأخَّرتَ كثيراً!
لم يتمالك "راي" نفسَهُ وبدأ يبكي، بينما "هيوغو" يُطالعُ المشهدَ باشمئزاز.
_أنا.. لقد.. لم أرِد إزعاجَك!
ركع! "أوشن" على قدمٍ واحدة ومسح على رأسِ "راي" وقال بدفء: منذُ متى كنتُ أنزعجُ للقائك؟
انطلقَ "راي" يبكي بحرقةٍ أكبر يُحاولُ تغطيةَ دُموعِه التي كرهَ ذرفَها كثيراً، فهيَ تخذلُه ويعجزُ عن التحكُّمِ بها، أمَّا "أوشن" فقد استعادَ حيويَّتَهُ برؤيةِ "راي" وكانَ يُطالعهُ بابتسامةٍ دافئةٍ وحانية، ناظرَ "هيوغو" المشهد بقرفٍ وقال:
_يتوقُ كلٌّ منكُما لرؤيةِ الآخر، لكن كبرياؤكُما منعكُما من اتِّخاذ الخُطوةِ الأولى، مُثيرانِ للشفقة..
نهضَ "أوشن" وقالَ ل"هيوغو" بسُخريَّة: أظنُّه يُشبهِك..
صرخَ "راي" وسطَ بُكائه: كيفَ تُشبِّهُني بهذا المجرم!
ضحِكَ "أوشن" بخفوت وقال: أعني.. كلاكُما يخافُ من المُحيط!
عاد "راي" لبُكائِهِ دونَ أن يأبَه لتلكَ المعلومة، بينما قال "هيوغو" والغيظُ يملأه: _أنا لا أخافُ من المُحيط!
ثُمَّ ضربَ البابَ خلفّهُ بسخطٍ وتركَ "أوشن" و"راي" وحدَهُما، مسحَ "أوشن" على شعرِ "راي" مُجدَّداً وقال: كفاكَ بُكاءً، أنتَ لم تقطع كلَّ هذهِ المسافة لتُريني دُموعك.
عندما تضاءلت الدموعُ الخارجة من "راي" أخيراً، رفعَ نظرَهُ ولاحظَ ذراعَ "أوشن" المفقودة، قال بحيرة: لقد فقدتَ ذراعَك..
_نعم.. فقدتُها بشرف! والآن هل أنتَ مُستعدٌّ لتُخبِرني بما حدثَ خلالَ عامينِ من غيابي؟! لم أرغب بسماعِ أخبارِ الجزيرةِ إلا منك.
ابتسمَ "راي" وقال بحماس: حدثَ الكثيرُ أثناء غيابك! لكنِّي أشعرُ أنَّ لديك قصصاً أكثرَ لتقولها!
_بالفعل، لديَّ الكثيرُ لأقولَه أيضاً
قال "راي" بقلق: هل سيكونُ لدينا وقتٌ للتحدُّثِ عن كلِّ تلكَ الاشياء؟
صرخَ "أوشن" بحماس: نعم! سيكونُ لدينا كُلَّ الوقت!
لم يعلم "راي" بأنَّ "أوشن" لم يُمانع تأخيرَ رحلةِ الصيد ليومٍ بعد إنَّ شعرَ أنَّ ليلة واحدة لا تكفي، لكن ليلة واحدة كانت كافية ليبُوحا بكلِّ ما يُريدانِه، جلسا مُسندِيْنِ ظهريهُما على حائطِ القُبَّة الزُجاجيَّة، وكانَ الوقتُ حليفَهُما فقد شعرا أنَّ الزمنَ قد توقَّفَ فقط ليسمع حديثَهُما، وتسامرا الحديث حيال كل ما حدث مع كل منهما.
_لذا نعم لقد تعلَّمتُ الكثير، لكنِّي لم أتعلم بعد كيفَ أوقفُ دُموعي.. ولا كيفَ أغيِّرُ هذا الوجهَ الطُفوليِّ، أشعرُ أنَّهُ سيلتصقُ بي إلى الأبد!
ضحِكَ "أوشن" لبؤسِ "راي" وقال: أتعرف.. شخصيَّاً أحبُّ فكرةَ امتلاكِكَ لهذا الوجهِ للأبد، لكن قال لي أحدُهم بأنَّهُ يتوقَّعُ امتلاككَ لملامحَ حادَّة عندما تكبر، لا أراها تليقُ بشخصيَّتك لكنَّكَ ستكونُ جميلاً في جميعِ الحالات.
لم يسمع "راي" من كلِّ ما قيل سوى جملة واحدة، هل لديهِ فرصةٌ لامتلاكِ ملامح حادَّة عندما يكبر؟! هتفَ بحماس: قد يكونُ هذا أجمل توقِّعٍ أسمعُه في حياتي! فكَّرتُ بها كثيراً لكنِّي لم أؤمن بها قطُّ، عندما تسمعُها من شخصٍ مُختلف يكونُ الأمرُ مُختلفاً! ولا بأسَ بشأنِ الشخصيَّة، لا أظنُّ أنَّ شخصيَّتي ستظلُّ هكذا للأبد، أستطيعُ تصوُّرَ نفسي بصوتٍ ساخر وشخصيَّةٍ باردة.
انطلقت ضحكُاتُ "أوشن" بقوَّة وقال: لماذا تُريدُ أن تكونَ هكذا؟! شخصيتُك الحاليَّة أجملُ بكثير!
طالعَهُ "راي" باستغرابٍ وقال: لكن في الروايات التي أقرأهُا تكونُ الشخصيَّةُ المحبوبة هكذا دائماً، عُموماً أنا لا أريدُ أيَّ شيء، أحبُّ شخصيَّتي تقريباً لأنَّها جعلت أشخاصاً كثيرين مثلكَ يُحبُّونَني، مُشكلتي فقط في شكلي، لكنِّي تمنَّيتُ لو أكونُ أقوى.
_ستتغلَّبُ على كلِّ هذه الصراعات قريباً! وماذا بشأنِ اكتشافِ موهِبتك؟
تنهَّدَ "راي" بخيبة وأردف: رغمَ كلِّ ما تعلُّمته فأنا لم أجد موهبتي بعد..
_هل أنتَ مُتأكِّد!؟ ممَّا سمعته أرى بوضوحٍ ما هي موهبتُك
تطلَّع "راي" إليه وقال: حقَّاً؟! ما هي؟
_لنرى.. لقد تعلَّمتَ القراءةَ المُبارزة الرَّسم وفنونَ الخط، وتعلَّمتَ القتالَ بالسكاكينِ والخناجر، وكلُّ هذا خلالَ عامينِ فقط، لا أدري كيف لم تلحظ ذلك لكنَّكَ متعلمٌ سريعٌ يا "راي"، لديكَ قدرةٌ استثنائيةٌ على التعلُّم، بالنَّسبةِ لي فهذه موهبة.
اتَّسعت عينا "راي" ولمعتا ببريقِ الأمل فقال: أهيَ كذلك؟!
انتهى دورُ "راي" في سردِ الأحداثِ فبدأ "أوشن" يسردُ ما حدثَ معه، لكنَّهُ أغفلَ التَّفاصيل المُتعلِّقة بتعرُّضِ القرشِ للسُّم، وكانت حماسةُ "راي" لصراعِ "أوشن" مع القرشِ تُشبهُ حماسة "هيوغو"، ممَّا جعلَ "أوشن" يتيقَّنُ من أنَّ بينهُما الكثير من الخِصالِ المُتشابهة، خانَهُما اللَّيلُ فجأةً وسمحَ لذيولِ الشمسِ الذهبيَّة باستراقِ السَّمعِ لأحاديثِهما، فحتَّى الشمسُ كانت مسحورةً بما يقولانِه وقرَّرتِ الشُّروق مُبكِّراً ذلك الصباح فتُطلِقَ إشارةَ الرَّحيل، ودَّعا بعضهُما لكثيرٍ من الوقت، وعدَ فيهِ "راي" بالكثيرِ من الأشياء، وعدَ بأنَّهُ في المرَّةِ القادمة سيرسمُ صورةً ل"أوشن" وسينظرُ إليها أثناءَ غيابه وبهذا لن يكونَ غيابُه صعباً، كم كانَ "راي" سعيداً لشعورِه بأنَّ "أوشن" قد ضحَّى بقُربهِ من المُحيط ليكونَ قريباً منه، ووعدَه بأنَّهُ في المرَّةِ القادمة سيهرعُ لرؤيته ولن يكُرِّرَ غلطة هذه المرَّة، رغمَ أنَّه يظنُّ أنَّهُ قد عوَّضها بواسطةِ هذه اللَّيلة الأخيرة، بعدَ لقاءِ "أوشن" بثَّت الرُّوحِ في "راي" من جديد، شعرَ بنفسِه يُولَدُ مُجدَّداً، عكَّرَ عليه فجأةً مُخالفتُه لتحذيرات "جين" بقدُومهِ إلى هنا، وتمنَّى ألا تحدث مشاكل بشأنِ ذلك، لكن "جين" عندما يرى سعادتَه فلن يؤنِّبهُ أبداً، راقبَ "راي" السفينةَ تلوحُ بالأفق وتذكَّر شيئاً هامَّاً، فرغمَ كلِّ الوعودِ التي قدَّمها إلا أنَّ "أوشن" لم يعده بأيَّ شيء، لم يقل إلى اللِّقاءِ بل شعرَ أنَّهُ يودِّعهُ للأبد، لسببٍ ما، لم يُقدِّم "أوشن" وعداً بأنَّهُ سيعود..
viloeto7789