_واحدة! اثنتان! وهاهي الثالثة قادمة!
_آآخخ!
من بين أيامه على تلك الجزيرة، كان ذلك أسوأ صباح يمرُّ به "راي"، فلقد استيقظ بفعل الحجارة التي ترشق عليه، ماذا يكون هذا؟ لكنَّه بعد أن رأى "جين" أدرك أنه لم يكن الشخص المُستهدَف، بل أصابته الحجارة فقط لأن "جين" تجنَّبها، كان وجهه متورماً وأنفه ينزف، وأمامه ثلاثة أطفال أكبر من "راي" وأصغر من "جين"، الولد البدين الضخم في المنتصف هو "تيدي" بينما من خلفه التوأم المزعج "شوما" و "كوما"، سمع "راي" صراخ جين على الولد في المنتصف وهو يقول:
_ارحل من هنا فوراً يا "تيدي"!
_تعال وأجبرني، أيُّها الكريهُ ذا الشعر الحريري، مهلاً لقد نسيت! أحدهم جعل شعرك يحترق كالجحيم!
وانطلقت ضحكته وضحكات التوأم المزعج من خلفه.
كان "جين" يقف أمام "راي" يحجب عنه الرؤية، أو بالأصح كان يحجب "راي" عن الرؤية، هو لا يعرف لمَ هو مستميتٌ لتلك الدرجة لحماية "راي" وإبقائه مخفياً، كأنه جوهرة ثمينة يريد إبعاد أعين اللصوص عنها، لكنَّ "راي" حطَّم أحلامه بعدما تقدَّم نحوه وعقله ما يزال بحديث البارحة عن العلامات، نظر "راي" إلى "تيدي" أو بالأحرى إلى يد "تيدي" فوجدَهُ يُخفي علامتَه، هل هذا يعني أن علامته سوداء؟ لكنَّ "جين" قال إن "غانبو" هي أصغرُ شخصٍ بعلامة سوداء، وهذا الفتى يبدو بوضوحٍ أصغر منها، وبهذا تكون شكوكه قد تأكدت بأن "جين" ليس سوى كاذب كبير.
_"جين" من هؤلاء؟ ولماذا يرشقونني بالحجارة؟
خلال ذلك كان الصبيان الثلاثة يحدِّقون نحو "راي" بوجوهٍ مندهشة، ثمَّ أطلقوا صوتَ ضحكاتٍ عالية تصمُّ الآذان.
_ماهذا؟ المكروهون والضِّعاف بدأوا يتسكعون معاً، هل وجدت صديقا يا رأس الشوك؟ وبدأ بالضحك هو والتوأم المزعج ثمَّ تابع:
يؤسفني القول بأنك ستكونُ أكثر شخصٍ أكرهه هنا، لن يحتلَّ أحدٌ مكانك.
_يالهُ من شرف! كيف حال والدك؟ أوصله سلامي.
احمرَّ وجه "تيدي" وقد شعر بإهانة واضحة بسبب كلام "جين"
_أيُّها الحقير! كيف تجرؤ؟!
تقدَّم أمامه ثم تابع يقول: أنا "تيدي"! أتجرؤ على إهانة والدي؟
_إنَّهُ ليسَ والدك! أنتَ ابنُ أمِّك.
_بل أنا ابنه!، ألا ترى أن شعري أشقر مثل شعره؟
أمَّا "راي" فقد شعرَ بالمتعةِ خلالَ لعبة الاستفزاز هذه، كان "جين" مستَفَزِّاً جيداَ، أو ربما هو فقط يجيد استفزاز من هم أصغر منه، أراد "راي" تجريب حظه بمسرحية الاستفزاز هذه فقال:
_لِهذا الفتى جسدُ الدِببة والخنازير معاً.
نظر "كوما" و"شوما" نحو بعضهما البعض مرتقبينَ ردة فعل رئيسهما، نظر "تيدي" ل "راي" بحدة ثم ضحك وقال:
_رائع رائع، الفتى الجديد يجيد الكلام إذاً، مع الأسف هذا لن يدوم طويلاً، لأني سأقطعُ لك لسانك.
وأخرج "تيدي" خنجراً من جيبه فصُدم "راي"، هو لم يتوقَّع تصاعدَ الأمور لتلك الدرجة! نظر "راي" ل "جين" ببعضٍ الهلع لكنَّ "جين" لم يُزٍح نظراته الحادَّة عن "تيدي"، ولاحظ "راي" أنَّ بعض الأشخاص بدأوا بالتجمع حولهم، وقد بدوا مستمتعين حقاً بما يرونه، سدَّدَ "جين" لكمةً ل "تيدي" أسقطته أرضاً، أذهلت شجاعته ببدء قتال "راي"، كما أنَّ قوَّته أذهلته كذلك.
_"جين" أيها السافل! من سمح لك بالتدخل؟ هذا قتالٌ بيني وبين المغرور الجديد!
وبينما يستمع "راي" لكلماته لاحظ أن الخنجر قد وقع أرضاً بعيداً عن قبضة "تيدي" فقرَّر على الفور أنه لن يظلَّ واقفاً هكذا كالجبان! اندفع نحو الخنجر بسرعة فائقة أذهلت جميع من يشاهدون، لكنَّ ذلك كان منطقياً فشخصٌ ضئيلٌ بحجم "راي" لن يكون له سلاحٌ سوى سرعته، كما أنه لم يكن أوَّل سريع يشاهدونه، قفز "راي" موجهاً الخنجر نحو "تيدي" وصاح فيه:
_لا تتحرك!
لم يعجب ذلك المشهد "جين"، توجيه "راي" الخنجرَ بهذا الشكل نحو "تيدي"! لقد قال البارحة أنه لن يصير مجرماً فما باله يتحول لمجرمٍ بهذه السرعة؟ وبسبب أفكاره تلك لم يُسعفه الوقت لينتبه ل"شوما" و"كوما" , حيثُ انقضَّا عليه ودفعاه خارج الجُموع الذي كان مستمتعاً بشدَّة بما يحدث، ففي ذلك المكان كانت مواجهات البالغين مذهلة لكنها كانت مليئةً بالدماء، أما مواجهات الأطفال الصغار فكانت أشبه بتسلية قصيرة يحصلون عليها خلال النَّهار، وقد أسعدهم أنهم حصلوا على تلك التسلية في وقتٍ مبكرٍ من الصباح، بعدما أفلته "كوما" و"شوما" سارعا للعودة لمساعدة "تيدي"، نهض "جين" على أهبة الاستعداد ليساعد صديقه، لكنَّ يداً بأصابعَ نحيلة شدَّت على كتفه بقوة، نطق "هيوغو" :
_صباحُ الخير "جين"
تسمَّر "جين" مكانه دون حتَّى أن يلتفت ل "هيوغو"، لماذا يُحادثه بوضح النَّهار بينما الجميعُ حولهم؟ ألا يجب على علاقتهم أن تبقى سرية؟ تابع "هيوغو" كلامه مجيباً على استفسارات جين الداخلية.
_أردتُّ أن نحظى بمحادثةٍ قصيرة بينما الجميع منشغلون بذلك... الشيء.
ونظر نظرةً إلى الشِّجار السخيف الذي أمامه، بالنسبة له لم يكن الشجار شجاراً إن لم يكن جزءاً منه، وإن لم يمت أحدٌ أيضاً، ثم تابع يقول بعدما خفَّف قبضته عن كتف "جين".
_منذُ متى تستيقظ باكراً بالمناسبة؟
_حسناً.. لقد أجبرتُ على ذلك.
فهم "هيوغو" مقصده على الفور، إنه يشير لكون "تيدي" قد أجبره على الاستيقاظ، سادتْ لحظةُ صمتٍ بينهما، فأردف هيوغو مستفسراً عمَّ جاء لأجله:
_أتذكر عندما اقتحمت مكتبي آنذاك؟ لاحظتُ اختفاء أحد الأوراق التعريفية، كنتُ أتحضَّر لقراءة بعض الأوراق الجديدة فوضعتها على المكتب، أذكر أنهم كانوا سبعة لكنِّي وجدتُ أنهم صاروا ستة.
نعم كان هذا "هيوغو"، وسط كلِّ تلك الفوضى، كان كلُّ شيءٍ مرتباً داخل عقله، لم يكن منظماً بل كان دقيقاً، صحيحٌ أنَّ حياته مليئةٌ بالعشوائية والفوضى لكنَّ هذا ما يظهر فقط، بينما ما يحدث داخلَ عقله هو عددٌ لا متناهٍ من الحسابات الدقيقة، تابع "هيوغو" يقول محاولاً إبعاد أصابع الاتهام عن "جين":
_هل لاحظت شيئاً غريباً هناك؟
_ا. الغرفة، كانت في فوضى عارمة.
_لكنَّك تعلمُ أن ذلك لم يكن شيئاً غريباً.
_صحيح.. لم ألحظ أي شيء غريب.
تنهد "هيوغو" بعد أن شعر بالخيبة كونه لم يحصل على أيٍّ معلومة مفيدة، ثم تابع يشكو وكأنه يزيح هماً من صدره.
_أتساءلُ ورقةُ من تلك التي سُرقت.
كلمات "هيوغو" القليلة جعلت "جين" يتنفس الصعداء، على الأقل "هيوغو" يعلم أن هنالك ورقة مفقودة لكنَّه لا يعلمُ ورقة من هي، وبهذا يمكن ل "راي" أن يعيش يوماً هادئاً آخر، بعيداً عن "هيوغو"، سأله جين:
_هل فِقدانُها يشكِّل مشكلةً لتلك الدرجة؟
_هو ليس كذلك لو أنِّي قرأتُها، لكنَّ المشكلة أني لم أفعل، فلو كنتُ فعلتُها ما كنتُ لأهتم بضياعها، لأني أحفظ كلَّ حرفٍ أقرأه.
_لنَقُل أنك عرفت صاحب الورقة المفقودة، هل بوسعك الحصول على غيرها؟
_بوسعي طلبُ غيرها، لكنَّها لن تصل إلا في تاريخ قدوم سفينة البضائع القادمة، والتي ستكون بعد ثلاث سنوا...
صمت "هيوغو" لبرهة بعد أن صفعته فكرة لم تخطر بباله قبلاً، ثم تابع بامتنانٍ حقيقي:
_"جين"! أنت عبقري، سفينةُ البضائع القادمة ستصل بعد شهرٍ واحد فقط بسبب تأخر رحلة الصيد، لو استطعتُ معرفة صاحب الورقة المفقودة خلال أقل من شهر، فبوسعي طلبُ غيرها، ما رأيك هل ستساعدني باكتشاف هويته؟
بدأ التوتر ينهش أعضاء "جين"، يالهُ من أحمق! لقد أعطى "هيوغو" سبباً للبحث عن "راي"!
_امم.. لا أظن ذلك، أنتَ تعرفُ أني لا أفعل شيئاً بالمجان، ولن أنسى أنك لم تمنحني أجري مقابل آخر مهمة.
تأفَّف "هيوغو" وقال:
_هذا ليس ذنبي، بل ذنب تأخُّر رحلة الصيد التي تسبَّبت بتأخُّر سفينة البضائع، عندما يعود أولئك السفلة سألقِّنُهم درساً قاسياً! كما أنَّ هذه مهمةٌ تافهةٌ جداً لكي أمنحك أجراً عليها...
أجابه "جين" لكي يُبعد نفسه عن الشبهة، فربما رفضه مساعدة "هيوغو" قد يضعه في موضع شبهة.
_إن كنت مصراً فسأقبلُ بنصف أجر على..
قاطعه "هيوغو" بحدة: لا، لا داعيَ لذلك
نظر إليه "جين" فلاحظ أنه يُرَكِّز بصره بشدَّة على المواجهة بين "راي" وتيدي"، كانَ بِوسعْ "هيوغو" رؤيتها لأنه طويل، أما "جين" لم يستطع فالكثير من الأجسام الضخمة تحجب رؤيته، لقد نسيَ أمر المواجهة تماماً! يجب أن يهُبَّ لنجدة "راي" في أسرع وقتٍ ممكن! ربما يكون قد مات بالفعل! لكن أوقفته نظرات "هيوغو" المرعبة عن الهُبوب لمساعدة صديقه، كان يُحدِّق بتركيز شديد تجاه تلك المواجهة، وهذا ما جعل "جين" يتساءل، مالذي يحدث هناك؟ لكنها بضع لحظات حتى فسَّر "هيوغو": لا داعيَ لمساعدتك، عثرتُ على من أبحث عنه..
كبت "جين" فزعه بينما يتمنَّى من كل قلبه أن "هيوغو" لا يتحدَّث عن "راي"، لكن جاء صوت "هيوغو" تالياً مؤكداً شكوك "جين": من ذلك الفتى صاحب الشعر الأزرق؟ هل وصل مؤخراً؟ لم أره في أي من الأوراق التعريفية.
لم يجبه "جين" فلم يعرف ماذا يقول في مثل هذا الموقف، لكنَّه أدرك كم كان أحمقاً بابتلاعه ورقة تعريف "راي"، كيف لم يعرف أن "هيوغو" سيُلاحظ اختفاءها عاجلاً أم آجلاً.
_"جين"، ألا ترى أني أحادثك؟ لمَ لا تُجيب؟
انتفض "جين" بعد سماع اسمه وقال: علامَ أجيبك يا سيدي؟
_لا تتظاهر بالغباء، ذلك الفتى.. رأيتُه ينام بجوارك عندما مررتُ بجانبك ليلة البارحة.
_لا شأن لك في خصوصياتي!
استجمع "جين" كل شجاعته ليقول ما قاله، مُذَكِّراً "هيوغو" بحدوده فلم يكن من حقه أبداً التدخل بحياة "جين" الشخصية، كان هذا أحد بنود العقد بينهما.
_أفهم ذلك تماماً، لكن عندما تقتحمُ مكتبي لأجله، فعندها يجب أن أتدخل.
_مُجرَّد صديق..
_هل من سبيلٍ لاستعادة الورقة؟
_مستحيل.. ضاعت إلى الأبد.
_فهمت..
قالها "هيوغو" وقد انطفأ غيظه، كانت مشكلةً تافهة ولم يُرِد تضخيم الأمور فيخسر "جين" بذلك ثم تابع.
_ليست بالأمر الكبير ... سأطلب غيرها وحسب، لن أسألك عن سبب سرقتها فلا شأن لي بذلك، لكن سؤالٌ آخر، ذلك الفتى.. لماذا يحملُ خنجري المنحوت عليه اسم عائلتي؟
أجابه "جين" بحدَّة لكنه كان سعيداً كون "راي" ما يزال يحتفظ بالخنجر الذي سرقه: سرقه صديقي "راي" من "تيدي" ذاك، بالمناسبة هو ما يزال يتجول ويقول إنَّه ابنك
سأله "هيوغو" وقد اتَّسعت عيناه: حقاً؟ لم أعلم بذلك..
شعر "جين" أن في داخل "هيوغو" رغبةً عارمةً ليذهب ويصفع المدعوَّ "تيدي" بهذه اللحظة لذا قال له:
_لا تخبره بأني من وشيت به! كيلا يضايقني أكثر.
_لن أخبره بذلك، لكن لا شأن لي بمضايقاتك.
_تنهَّد "جين" ببعضٍ من الضيق، كان قد طلب من "هيوغو" كثيراً بأن يأمر "تئدي" بالابتعاد عنه، لكن لا فائدة ف"هيوغو" لن يتدَّخل، كان ذلك أحد بنود عقدهما أيضاً، لا أحد يساعد الآخر بمعاركه ولا يُعيق طريقه كذلك، عندما باتَ القتالُ على وشك الانتهاء، انسحب "هيوغو" من المكان بهدوء بعدما لاحظ انشغال الناس بالنظر إليه بدلاً من النظر للمواجهة، بينما "جين" قد ارتاح كثيراً بعد محادثته مع "هيوغو"، فقد سارَ الأمرُ على خير مايرام، لاحظ "هيوغو" وجود "راي" لكنَّه لم يعره اهتماماً ولم ينوٍ مطاردته، ولم يقل جملته الكارثية التي يموت كل شخص تُقال له، (أنا فُضُولِّيٌّ بشأنك) لم يدرٍ "جين" لماذا كان خائفاً من احتمال مطاردة "هيوغو" ل "راي"، ف"راي" كان طفلاً، وذا علامة حمراء، هذا يعني أنه من سابع المستحيلات أن يصير هدفاً ل "هيوغو"، عموماً قلق جين قد انزاح تماماً الآن، فالأمور بخير، لكن لا أحد يعلمُ إلى متى سيستمرُّ هذا الهدوء المُريح.
قبل أن يتدَّخل "جين" للعراكِ بين "راي" و"تيدي"، وجد "راي" قادماً نحوه بينما بدأ الناس بالتفرق، ممَّا يُشير إلى انتهاء النزال، جاءهُ "راي" بوجهٍ غارقٍ بالدماء، وابتسمَ ابتسامةً تنمُّ عن كونه فقد ثلاثة من أسنانه الأمامية، أخبرهُ "راي" غارقاً بالسعادة متناسياً غرق وجهه بالدماء: لقد انتصرت!
تساءلَ "جين" في نفسه، كيفَ يكونُ قد انتصر وهو مغطَّى بالدماء هكذا؟
_فقدت بعضاً من أسناني الأمامية لكن لا بأس، إنها أسنانٌ لبنية وسيعاودون الظهور صحيح؟
_أجل بالطبع..
_كما أني حصلتُ على هذا!
رفع الخنجر ليقابل وجه "جين" ثم تابع: سيكون مفيداً لي بالدفاع عن نفسي
_ظننتك قلتَ لن تصبح مجرماً ...
_انا لست مجرماً! -قالها بغيظ- كنتُ فقط أدافع عن نفسي! وانظُر إليه ليس عليه قطرةُ دمٍ واحدة! ثم أشار بسبابته إلى "تيدي".
سارَ "جين" باتجاه "تيدي" ليراه مستلقياً على الأرض فاقداً الوعي، و"كوما" و"شوما" بجواره يحاولون إيقاظه، سأله "جين" بتعجب.
_كيف فعلتَ هذا؟
_لستُ متأكداً.. أظنني تقدَّمتُ نحوه بشجاعةٍ وحسب، وجدتُ نفسي تسلَّقت فوقه وقد أحكمت قدميَّ على رقبته، وما هي إلا لحظات حتى سقط فاقداً الوعي.
بدأ بتقليب الخنجر بين يديه بلهفة وقال: أنا متحمسٌ لتعلم استخدام هذا الخنجر!
_سيعود "تيدي" قريباً لاستعادته، يعتزُّ بخنجره كثيراً ولن يتركه معك.
_فليحاول استعادته إذاً!
نظر إليه "جين" بنظراتٍ مضطربة، كان "راي" بوضوح يتحوَّلُ لمجرمٍ شيئاً فشيئاً، لكن من هو ليعترضَ على ذلك؟
_يجب أن تذهب إلى لطبيب، هذه الجروح لن تُضمِّد نفسها بنفسها، هيَّا بنا.
لحقه "راي" بحماس وسأله:
يوجد طبيبٌ هنا؟ هذه الجزيرة تستمرُّ بإبهاري كلَّ يومٍ أكثر فأكثر!
لم يُرِد "راي" الاعتراف بذلك لكنَّ الحياة على هذه الجزيرة بدأت تروقُ له، بل وربما تعجبه...
***
وصلا لدى عيادة صغيرة أو ربما أشبه بمستوصف، شعرَ "راي" بأنه ينظر لطبيبٍ حقيقي وهذا مالم يتوقعه، كان يرتدي رداء الأطباء الأبيض مع سماعات على رقبته ونظارات على أعينه البنية، في المنتصف رأى "راي" سريراً للمرضى وبجواره كرسيٌ للطبيب، أصابت الصدمةُ الطبيب عندما رأى "راي"، ليس بسبب كثرة الدماء وإنما هو معتادٌ على هذا المنظر، بل فاجأه صِغر عمر "راي" لكنَّه لم يعلِّق، غادر "جين" بعد أن تأكَّد من كون "راي" بأيدٍ أمينة، كان لديه بعضُ الأمور التي يجب أن يُنهيها، أمور لن يسمح ل "راي" بأن يعرف عنها شيئاً أبداً.
_ستعود أسناني للنمو صحيح؟
_نعم ستفعل، أنت محظوظٌ لأنك لم تحصل على ندبات دائمة.
ارتاح "راي" لأسلوب ذلك الطبيب كثيراً، كان ودوداً ولطيفاً بابتسامة تبعث على الاطمئنان، وشعر "راي" بالرغبة على استشارة طبيبه بشأن سرِّه الصغير، وقد استغلَّ أيضاً عدم وجود "جين"، فقد كان "راي" بصدَدِ الحديث عن ماضيه ولم يُرد ل "جين" سماعه، لقد رفض الآخر التحدَّث عن ماضيه لذا سيرفضُ هو أيضاً! بدأ يروي حكايتهُ كاملة على مسامع الطبيب الأربعيني، بينما جلس الآخر على كرسيِّه يستمعُ لطفل السبعة أعوام باهتمامٍ كامل .
_لذا هل من الغريب كوني فقدتُ ذكرياتي بهذا الشكل؟ هل من الممكن استعادتها؟
ابتسم له الطبيب يُطمئنه وقال: لا تقلق يا بُنيَّ، هذا ليس غريباً أبداً، فجميع الأشخاص لا يتذكرون طفولتهم بعمر السابعة وأقل، خُذني أنا على سبيل المثال، أول ذكرى أتذكرها عن نفسي عندما كنتُ بالسادسة وقرصتني نحلة، إنَّ الأمر تماماً كما وصفته كأنَّ أول شيءٍ رأيته عندما وُلدتْ هو مشهد النحلة التي تقرصني.
_لكنَّ هذا النسيان حصل على مدار سنوات! لا خلال بضع دقائق، كما أنك كبيرٌ جداً الآن لتتذكَّر طفولتك، أنا متأكدٌ أنك عندما كنتَ بالسادسة مثلاً كنتَ تذكر معظم ذكرياتك، صحيح؟
أُعجب الطبيب بذكاء "راي" وبطريقته في النقاش فتابع: بلى أنت محق، لكنَّك مررتَ بصدمةٍ عاطفية ممَّا ساهم بنسيانك لذكرياتك بطريقةٍ أسرع
_هل من فرصةٍ لاستعادتها؟
_هذا ليس السؤالَ المهم، بل ما يهمُّ هو فيمَ ستفيدك إن استعدتها؟ لم أخبرك بقصة النَّحلة لتعرف أن حالتك ليست غريبة، بل هي كذلك، لكن يجبُ أن تعرف أن الذكريات في ذلك العمر غير مهمة اطلاقاً، إنها تساعدُ على بناء بعض خصال شخصيتك فقط لذا دامت خصالك قد تكوَّنت فلا فائدة من تذكُّرها، وكما أرى فنسيانك لذكرياتك لم يؤثِّر على قدرتك العقلية ونشاطات عقلك، ولا أظنُّه قد غيَّر من كذلك شخصيتك فثرثرتك تثبت أنك لم تصب بأي امراض نفسية، سيمحو العقلُ تلكَ الذكريات بشكلٍ تلقائي مستقبلاً، لذا تذكرها ليس أمراً مهماً.
_كيف تقول إن تذكُّرها ليس أمراً مهماً؟! أنا أريدُ تذكُّرَ وجهِ أمِّي!
صمت الطبيب قليلاً شاعراً بتأنيب الضمير، لكنّه تابع بعدما هدأ "راي" عازماً على إيضاح الحقيقة مهما كانت مُرَّة.
_كنتُ لأساعدك لو كان في الأمر خطرٌ عليك، وكنتُ سأفعل لو كنتَ فقدتَ ذكرياتك الأساسية، لكن كما أرى أنت لم تنس اسمك، لا أستطيع استعادة الذكريات التي سيقدَّرُ لها أن تُنسى، فحتَّى إن استطعتَ تذكُّر وجه أمك، ستنساهُ في السنوات القادمة، سيُمحى من عقلك تماماً.
_هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً.. قالها "راي" وقد امتلأ صوته بيأس العالم كله.
_نصيحتي لك هي البدءَ بصنع ذكرياتٍ جديدة ها هنا، لكن إن كنت مصراً، فإن أملك الوحيد هو والدك، هو وحدهُ قادرٌ على مساعدتك، اطلب منه أن يصفَ لك أمك وبعضَ الأشياء التي تُريد تذكُّرها، حينها فقط قد تتذكر، هذا كل ما أملكه لأساعدك.
_حسناً ... شكراً لك أيُّها الطبيب، قالها "راي" بينما يتناول عُلب الفيتامينات من الطبيب.
_العفو، وأطلب منك ألا تنسَ نصيحتي.
_لن أنسى..
كان "راي" متأكداً أنها الشيء الوحيد الذي سيتذكره، كل تلك المحادثة عن كون والده أمله الوحيد كانت مجرَّد وهم، لأن ذهابه للحديث مع والده هو ضربٌ من الخيال، يستحيل أن يفعل ذلك! وبمناسبة الحديث عن النسيان تذكَّر "راي" نسيانه لأمرٍ مهمٍ جداً!
لقد وعدَ "غانبو" بزيارتِها مجدداً داخل المكتبة لكنَّه نسي الأمر تماماً! هرول خارجاً على عجل، لا بأس مازلنا في وقت الظهيرة، أنا لستُ متأخراً صحيح؟ وخلال عجلته سمع "راي" ذلك الصوت الذي أفزعه، إنَّه صوتُ ذلك البوق المفزع يتردد في الأجواء مجدداً! هل يُعقَلُ أنَّ رحلة الصيد تلك قد عادت أخيراً؟؟
***
وصل "راي" إلى المكان المنشود، إنَّه الميناء البحري! تجمَّع الجميعُ بالفعل وشكَّلوا نصف دائرة، حيث أفسحوا مكاناً بالمنتصف لاستقبال الأبطال، استطاع "راي" أن يحجز له مكاناً بالمقدمة، على أطراف الدائرة، حاول البحث عن "جين" بعينيه لكنَّه لم يجدِه وهذا ما أثار استغرابه، فقد توقَّع أن يكون "جين" من أوائل الواصلين وأن يقف في المقدمة، لكن يبدو أن "جين" لم يعد مهتماً برحلة الصيد وتخلَّى عن حماسه لعودة السفينة، وحاولَ البحث عن "غانبو" أو على الأقل أيَّ شخصٍ يعرف وجهه، واستطاع أن يلمح وجه السيدة "هاوبر" من بعيد.
كانت السفينة ماتزال بعيدة عنهم لكن استطاعوا جميعاً رؤية الرجل الواقف على ناصيتها، يضع يداً على خصره واليد الأخرى يُلوِّحُ بها، بعدَ لحظات رست السفينة وخرج منها بضعةُ رجال، رأى السيدة "هاوبر" مصففة الشعر وهي تحتضن ابنها، نظر "راي" للرجال ينزلون واحداً تلو الآخر فبدأ بالتساؤل، مالذي يفعله هنا؟ يُفترض أن يكون في المكتبة مع "غانبو" فلماذا هوَ هنا؟ ليس وكأنَّ عودة هذه السفينة سيشكل أيَّ فارق في حياة "راي"، ليس وكأنَّ الشخص الذي سيُحدِثُ فرقاً كبيراً في حياة "راي" سينزلُ من تلك السفينة، أو على الأقل هذا ما ظنَّه، وقف أحد الرجال بين الجُموع وقد كان أول من نزل، وهو ذاته من كان يقف على ناصية السفينة.
_أهلاً أهلاً أهلاً جميعاً! كم هو جميل أن نعود إلى هنا أحياناً، على أيِّ حال فلنبدأ بتجهيز العدَّة! سننطلقُ في رحلتنا القادمة بعد أسبوع!
كان الرجل يتبع نغمةً معينةً في كلامه، وقد كان حيوياً يبعثُ الابتهاج، نطق أحد الرجال:
_أجادٌ أنت يا سيادة القبطان؟ عُدنا للتوِّ وقد بدأتَ بالفعل التخطيط للرحلة القادمة!
_ماذا أفعلُ وماذا أقول؟ أنا رجل المحيط وُلِدْتُ لأعيش بالمحيط!
كان المُلقَّب برجل المحيط، رجلاً كثيفَ الشّعر والحواجب، كان حاجباه معقودان وكأنهما أجبرا على الغضب لكن بالمقابل كانت ابتسامته لا تفارق وجهه، كانت ملامحاً ذات مزيج غريب، بين حواجب غاضبة وفم مبتسم، وكان طويل القامَّة قويَّ البُنية ذا شعر بني داكن بشدَّة وعينان رماديتان كأجساد الدلافين، شعر "راي" بأنَّه يرى كلمة محيط في كل قسمة من قسمات ذلك الرجل, كأنَّه وُلِدَ ليتنفَّس المحيط، تناولَ رجل المحيط قلماً وبدأ بتوزيع توقيعه رغم أنَّ أحداً لم يطلبه، وقَّع على الورق وعلى الملابس ووقَّع على أجسادهم أيضاً!، لكنَّ أحداً لم يعترض، ورغم أنَّ "راي" لا يُجيدُ القراءة إلا أنه كان متأكداً أن ما يُسمِّيه رجل المحيط بتوقيع ليس بحروف حقيقية، بل هو أشبه ببعض خربشات الأطفال، رفع رجل المحيط يده ليُصدَم "راي" بما رآه! فعلامته لم تكن حمراء ولا سوداء بل كانت بنفسجية! "جين" لم يُخبره قطُّ بشأن العلامة البنفسجية! ما معناها؟ أهيَ تعني أكثر الأشخاص شراً أم أكثرهم طيبة؟ لم ينفر "راي" من رجل المحيط بل استلطفه، كان مليئاً بالطاقة بوجهٍ مفعمٍ بالحياة، على عكس باقي رجال السفينة الذين أنهكهم التعب ووجوههم شاحبة، وبينما رجل المحيط منهمكٌ بكتابة توقيعه الذي لم يطلبه أحد، تقدَّم منه رجلٌ ضخم صُعِقَ "راي" لرؤيته، لقد كان والده! التفت رجل المحيط إلى والد "راي" وقال:
_عجباً عجباً! من هذا الرجل الضخم؟ منذ متى وأنت هنا؟ عام؟ عامين؟ هل تُريد الحصول على توقيعي أيضاً؟ عذراً لكن يجب أن تقف على الدور، وفي المقابل يجب أن تُخبرني عن سرٍّ كُل هذه العضلات الضخمة، ماذا كانت مهنتك السابقة؟ أكنت رياضياً من نوعٍ ما؟ هل كنت تلعب كرة السلة؟ بالنسبة لي أحب كرة الشاطئ لأنك تمارسها بجوار المحيط، أنا لا أتنفس بعيداً عن المحيط!
استمع "راي" لحديثهما بإمعان، والذي كان حديثاً من طرفٍ واحد، ربما كان والد "راي" رياضياً فعلاً، لا شكَّ أنَّ رجل المحيط ساعده على معرفة بعض الأشياء عن والده، عاد للانشغال بالتوقيع دون أن يعير والد "راي" المزيد من الاهتمام، بدا رجلاً مزعجاً وثرثاراً يسألُ الكثير من الأسئلة دون انتظار الإجابات، ودون حتَّى أن يُعطيَ فرصةً للإجابة، تذكَّر "راي" أن صفة ثرثار كانت ملازمةً له دوماً، لكنَّه لم يُصدِّق أنه قد يكون مزعجاً لتلك الدرجة، شدَّ والد "راي" على كتف رجل المحيط وسأله:
_هل أنتَ الزعيم هنا؟
_زعيم؟ لستُ كذلك، أنا رجل المحيط ولا أعيش على اليابس، أجابه بينما هو منشغلٌ بالتوقيع.
_يجب أن أختبرك لأقرِّر.
قرَّر رجل المحيط أن يُعيرهُ اهتمامه، لأنَّ صبره بدأ ينفذ، هو يحبُّ عندما يبدأ هو بالكلام لكنَّه يكرهُ عندما يتكلَّمُ الآخرون.
_اسمع، يبدو لي أنك لست صبوراً صحيح؟ ثم انحنى وبدأ برسم توقيعه أو بالأحرى خربشاته على لباسه الأبيض وتابع: ما رأيك؟ هذا أفضل صحيح؟ والآن ارحل وكُفَّ عن إزعاجي.
مزَّق والد "راي" لباسه الأبيض وبدأ باتِّخاذ وضعيةٍ قتالية وقال: واجهني
نظر له رجل المحيط بعد أن اختفت ابتسامته وقال بغيظ:
_لقد عدتُّ للتوِّ من رحلةٍ متعبة دامت لأكثر من ثلاث سنوات! وأنتَ الآن تُريدُ مُواجهتي؟! من يكون هذا الضخم الأحمق!؟ خذوه بعيداً عني!
لكن قبل أن يتقدَّم أحدٌ تجاهه كان والد "راي" قد سدَّدَ بالفعل لكمةً لرجل المحيط أسقطته أرضاً، بينما أنفه بدأ يسيل، تحسَّسَ أنفه وقد شعر أنه كُسر فقام والغضبُ يملأه، أخذ رُمحه الذي كانَ قد غرسَهُ في الأرض سابقاً عندما نزل وقال:
_هكذا تُريد اللعب إذاً؟
بدأ بتدويرِ رُمحه ثم صوَّبه، كان الرمح يتراقص يميناً ويساراً بسبب دورانه، كان من المستحيلِ التنبؤ بمكان إصابته لكن في اللحظة الأخيرة تجنَّبه والد "راي" لكنَّه كان قد اخترق كتفه الأيسر وقال:
_كنتَ تستهدفُ قلبي؟ أنت وحش صيدٍ يستمتع بالقضاء على فريسته بضربةٍ واحدة.
_لستُ مقاتلاً جيداً، لكنِّي أجيدُ إصابة الأهداف الضخمة.
غرسَ والدُ "راي" الرمح في الرمال ثم التفت للمجموعة من حوله، يبدو أنه استطاع تكوين جماعة وهاهو يترأسها، قال للرجال من حوله:
_إنَّهُ ليسَ ندَّاً لي، هو ليس الزعيم، هيَّا بنا.
راقب رجل المحيط والد "راي" وهو يرحل، نسي على الفور كل شيءٍ قد حدث وصاح بابتسامةٍ تعلو وجهه الغاضب:
_أين "هيوغو" بالمناسبة؟ ألا يأتي ذلك الجاحد لاستقبال صديقه؟
كان "هيوغو" يُراقبُ ما يجري من مسافة بعيدة، لكنَّه غادر بالفعل منذ مدَّة دون أن يشهد قتال رجل المحيط والرجل الضخم، أراد فقط أن يعرف من مات ومن عاش وغادر عندما عرف مُراده.
سحبَ رُمحَه من الأرض ثمَّ انطلق يسير في اتجاه "راي"، توقَّف قليلاً يحدِّقُ في "راي" ورفع حاجبيه وقال:
_عجيب!
ثمَّ تابع سيره بينما الجميع يسير خلفه، أمَّا "راي" فلم يأبه بملاحظة الرجل وذهب في الاتجاه الآخر، توجَّه للمكتبة لكنَّ الفضول بشأن رجل المحيط وعلامته البنفسجية احتلَّ عقله.
*** _"هيوغوو"!! ألا تأتي لمقابلة صديقٍ قديم؟
نظر إليه "هيوغو" بملامحَ تحملُ نيَّة القتل، وبدأ يُحكِمُ قبضته على رُمحهِ المُثبَّت بخصره، بينما رجل المحيط كان قد تخلَّى عن رمحه سابقاً، فهو لا يحملُ أي نيَّة عدائية، والحشدُ من خلفه يتطلَّعون لمواجهة مُحتملة، تقدَّم "هيوغو" وتقدَّم بعده الرجال الأربعة الذين كان يجلسُ برفقتهم، عقدَ ذراعيه وصار مواجهاً لرجل المحيط فقال:
_أظنُّنَا جميعاً بحاجةٍ للإجابة يا "أوشن"، لماذا تأخَّرتُم؟
تقدَّم أحدُ الشُبَّان الذين لم يتجاوز عمرهم العشرون عاماً، كانَ ممَّن كانوا في رحلة الصيد وقال:
_صادفنا أمرٌ طارئٌ في رحلة العودة، ممَّا اضُّطرنا إلى تحريف المسار قليلاً.
نظر "هيوغو" إليه ثم أعاد نظره إلى "أوشن" وقال: هل عيَّنتَه متحدِّثاً عنك؟ أنا متأكدٌ بأنَّ رحلة الثلاث سنوات لم تصب لسانك بأي عطب.
ثمَّ سحب رمحه بسرعة فائقة ووجَّهَهُ نحوَ "أوشن" فتابع بأعينٍ تريد أن تقتل:
_أريدُ سماع الإجابة من فم القبطان.
أزاح "أوشن" رمح "هيوغو" عن وجهه وقال بابتسامته الغاضبة:
_أردتُ الحصول على نوعٍ معين من الطحالب، وفي نهاية الرحلة عندما لم أحصل عليه لم أرد العودة بدونه، انحرفنا عن المسار للمنطقة التي تأكدتُ من وجود الطحلب فيها ممَّا أدى لتأخُّرنا.
_هل تقول لي بأنَّ الجميع هنا كاد يموت من الجوع فقط لأن حضرة القبطان كان يشتهي طحلباً؟
_ربما، لكن لا مشكلة الآن فنحن هنا صحيح؟
_بل المشكلة مازالت قائمة! لن تأتي سفينة البضائع حتى مطلع الشهر القادم عقاباً لنا على تأخركم!
لم يُجبه ولم يُجب أحد، بينما امتلأت أعين الجميع بغضبٍ عارم، هم الآن متأكدون أن رحلة الصيد جرت على خير ما يرام واطمأنوا لعودة الجميع أحياء، هذا يعني أن الوقت قد حان لإنزال سخطهم وغضبهم عليهم! نطق أحدٌ من الجمهور.
_أطالب بأن يحصلوا على عقابٍ يليق بفعلتهم!
_نعم!! لقد تركونا جائعين وقلقين عليهم بينما هم كانوا يستمتعون هناك!
_ظننا أن مكروهاً حلَّ بكم!
وتعالت صيحاتُ الجميع ثم نطق أحدهم بما يراه العقاب المناسب لهم.
_أطالبُ بأن يُعلَّقوا من أرجلهم ويتفحَّموا بحرارة الشمس الحارقة لثلاثة أيام!
_نعم! هتف الجميع في آنٍ واحد.
_علِّقوهم! علِّقوهم! علِّقوهم!
يالَ هذا الوضع الساخر، كانوا متلهفين لعودة رحلة الصيد ويقيمون الاحتفالات لأجلهم طوال اليوم، لكن هاهم الآن يصبُّون جامَ غضبهم عليهم ويريدون تشويحهم في الشمس!، اقترب "هيوغو" من "أوشن" وهمس له في أذنه.
_هل لي بكلمة خاصَّة معكَ يا رجل المحيط؟
_لك ما تريد! يا رجل اليابس!
ثمَّ سار "هيوغو" وتبعه "أوشن" الذي أشار لرجاله بالعودة، كان عليهم البدء بتجهيز وليمة الحوت المعتادة، طمأنهم أن كلَّ شيءٍ سيكون بخير وأنه سيتصدَّى لمن يحاول تعليقهم.
***
في القبة الزجاجية، اتَّكأ "هيوغو" على الحائط وبدأ بشمِّ الزجاجة التي أعطاها له "أوشن" الذي سأله
_إذاً؟ كيف هي؟
أجابه "هيوغو" بملامح باردة:
_ممتاز، كم واحدةً لديك؟
فتح "أوشن" سُترته التي كان بداخلها الكثير من الزجاجات المعلَّقة وقال:
_الكثير!
_هذا جيد.
_كم تعتقدُ سنجني؟
_ثروة، عنبر الحيتان هو أكثر ما يطلبونه.
أعاد له "هيوغو" الزجاجة ليضعها مع أخواتها من الزجاجات، ثمَّ سأله "أوشن" بانفعالٍ مفرط، فهذه هي طريقته بالحديث.
_أخبرني يا "هيوغو"! كم عمر الأشخاص الذين باتوا يأتون إلى هنا؟ عندما أتيتَ أنتَ إلى هنا قبل عشرة أعوام، كنتَ في السادسة عشرة وقد اعتقدتُ أنك ستكونُ أصغرَ شخصٍ يأتي إلى هنا! لكن في كل عام يأتي أشخاصٌ أصغر وأصغر ولا أستطيع اخفاء صدمتي لذلك! رأيتُ أحد الصغار اليوم وأصبت بالصدمة! مالذي يدفع هؤلاء الصغار للقدوم؟ وأيضاً لقد رأيتُه يُخفي علامته، أيعقل أنه ذا علامة سوداء؟
لم يُبدِ "هيوغو" أدنى اهتمام بحديث صديقه، لكن اتَّسعت عيناهُ عندما سَمع الجملة الأخيرة.
_حقاً؟ هل كان يُخفي علامته؟
تذكَّر "هيوغو" "راي" فجأة، وعاد إليه تساؤله مجدداً، لماذا سرق "جين" ورقة التعريف الخاصة بذلك الفتى؟ هل يُعقل أنه يريد إخفاء حقيقة كون صديقه ذا علامة سوداء عنِّي؟ لكن هذا مستحيل ف"جين" لا يُصادق شخصاً بعلامة سوداء، عاد الهدوء إليه، لقد نفى الفكرة تماماً في عقله، لكنَّه قرَّر أنَّه يُريد معرفة المزيد عن صديق "جين".
_لا أظنُّ ذلك، يستحيل لطفلٍ صغير أن يرتكب جريمة.
_لكنَّ ذلك حدث من قبل! أعني تلك الفتاة ذات الشعر الأبيض، عندما جاءت إلى هنا قبل ثلاث سنوات، كنتُ موجوداً آنذاك.
_بالفعل، تلك الفتاة هي الاستثناءُ الوحيد.
_على أي حال، انتهت الحربُ بين الوشم الأسود والوشم الأحمر أليس كذلك؟
لم تنتهِ! وسأحرص كلَّ الحرص على أن تستمر.. أجابه "هيوغو" بعدما فقد هدوءه، كان أكثر ما يُزعجه هو الحديث عن أن الحرب بين الطرفين يجب أن تنتهي، فعندها سيفقد هدفه الوحيد في الحياة وهو قتل كل شخص من الطرف الآخر.
_لا يهمُّني الأمر ما دُمنا نحن أصحاب الوشم البنفسجي بعيداً عن الموضوع.
_أنتم أقلُّ عدداً من أن نشُنَّ حرباً عليكم، لكنَّكم جميعاً مُحايدون ومن يختر مُعاداتنا منكم سنقتله.
_حسناً حسناً لا بأس في الحياد، أنا في طرفكم بالمناسبة لكنِّي غيرُ راضٍ عن طريقتكم في إنجاز الأمور، على أيِّ حال يا "هيوغو"، ما رأيك أن تأتي معي في رحلة الصيد القادمة؟ بدأتُ بجمع الأشخاص بالفعل لكن لدينا نقص، فمُعظم من ذهبوا في الرحلة السابقة لا يريدون العودة في الرحلة القادمة! كم أكرههم جميعاً! نجوا وحصلوا على كمية جيدة من الأرباح ومع ذلك لا يريدون العودة!
أجابه "هيوغو" بعد أن حصل أخيراً على فرصةٍ للإجابة:
_لا أستطيع القدومَ معك فأنا ...
قاطعه "أوشن" وقال: تخاف؟
_بل أكره! المحيط
_لا تُنكر ذلك! أنا الوحيد في هذا المكان الذي يعرف أنك تخاف من المحيط.
_قل ذلك مرة أخرى وسأقتلك! في المرة السابقة التي قُلتَ فيها أنِّي أخافُ من المحيط انتهت صداقتنا، والآن ستنتهي حياتك!
_حقاً؟ انتهت صداقتنا لأني قلتُ ذلك؟ حدث ذلك منذ زمن بعيد ولا أستطيع التذكر، لكنِّي ظننتُ أنها انتهت لأني أجبرتك على الذهاب معي في تلك الرحلة، كان ذلك ممتعاً جداً أتذكُر؟
لم تتغير ملامح "هيوغو" بل ربما صارت أكثر حقداً، هو لم يحب أبداً تذكُّرَ تلك الذكرى ثمَّ قال يحاولُ تهدئة نفسه:
_أنا رجل اليابس وأنت رجل المحيط، لا أبتعدُ عن اليابسة ولا تبتعدُ عن المحيط، هل باتت الأمور واضحة الآن؟
_الأمور دوماً واضحة بالنسبة لي! والآن ماهي الكلمة الخاصَّة التي تريد قولها؟ أنا متأكدٌ بأنك لم تنفرد بي للحديث عن عنبر الحيتان صحيح؟
صمتَ "هيوغو" لفترةٍ من الوقت، ثمَّ أخذ نفساً طويلاً كأنَّه يستعدُّ لطرح موضوعٍ ثقيل.
_"أوشن".. أعرف لماذا تأخرتم في رحلتكم
أخفى "أوشن" اضطرابه أسفل قناعِ الابتسامة، فأكمل "هيوغو": حاول أحدٌ الهروب صحيح؟ لا تستطيعُ إخفاءَ ذلكَ عني.
_بالفعل! عندما كنَّا نياماً دخل أحدهم إلى قُمرة القيادة وغيَّر اتَّجاه مسارنا، ولم نكتشف الأمر إلا بعد بضعة أيام.
_بل ربما حاول جعلك تنشغل فلا تكتشف الأمر، أليس كذلك؟
_عجباً لديك حدسٌ جيد! لأنَّ هذا ما حدث تماماً!
_نعم كما أنِّي لا أحبُّ إغفال أية تفاصيل، سحب "هيوغو" خنجراً صوَّبه نحو رقبة "أوشن" وتابع: أنت تعرف من هو، كيف تعاملتَ معه؟
_كنت قد قررت رميه في المحيط ولم أفعل.
_لماذا امتنعتَ عن ذلك؟ تعرف أنَّك بتركك له ينجو فإنك تكون متواطئاً معه.
_امتنعت عن ذلك لأني قرَّرتُ ترك أمره لك، فمُعاقبة الهاربين اختصاصك لا اختصاصي.
_والآن من هوَ؟ من هوَ ذلك الذي يجرؤ على الهرب؟
_لا تهتمَّ بذلك، فلقد أغرق نفسه وقال إنه يُفضِّلُ الموت على العودة إلى هنا.
_لكنَّها لم تكن فكرتَه وحده، علِمَ البعضُ بخطَّته ولم يمنعوه، وما يُثبتُ كلامي هو محاولتكم للتستَّر عليه، أعني بذلك الظرف الطارئ الذي قاله ذلك الشاب، تبريراً لتأخرُّكم.
_أخطأ حدسُكَ هذه المرَّة، لم يحاولوا التًّستُّر عليه، بل أنا من حاولت، أقنعتهم بأنَّنا غيَّرنا وجهتنا لأجل الطحالب، وهم بطبيعة ولائهم لي حاولوا التستُّر على قائدهم.
_يالها من قصةٍ مؤثرة، وكيف برَّرت انتحاره؟ أخبرتُك أنِّي لا أغفل أي تفاصيل.
_لم أحتج لذلك، ظنُّوا تلقائياً بأنَّه فعلها لأنَّه يكره المكان هنا.
لم يجد "هيوغو" ثغرةً في تلك القصَّة، لذا أجبر على تصديقها مؤقتاً، أزاح خنجره عن "أوشن" وقال:
_لو علم أنَّ عودته إلى هنا تعني موته لانتظر قليلاً، كان سيحصل على الموت في النهاية فلماذا استعجل؟
_لأنَّه هُنا كان سيموتُ بأبشع الطرق وأفظعها، ونحنُ رجال المحيط نفضِّلُ الموتَ في أحضان المحيط بدلاً من أن نُدفن في اليابس.
_يال الهراء ... لا أظنُّ أنَّ أحداً يُفكر بهذا الشكل سِواك.
توجَّه "هيوغو" نحوَ كرسيِّه خلف الطاولة، ولم يكن لديه كرسيٌ آخرُ ليدعو "أوشن" للجلوس، انتظر "أوشن" حتَّى جلس وسأله:
_هل ستُعلِّقُ رجالي؟
_اذهب إلى هناك ووضِّح ما حدث، ولن يُعلِّقكم أحدٌ حينها.
_فهمت، بالمناسبة ما قصَّةُ ذلك الرجل الضخم الذي يبحث عن الزعيم؟ ظننتُه يبحثُ عنك.
_سمعتُ عنه، جاء إلى هنا مؤخراً فقط وبدأ بالتَّجول بحثاً عن شخص يستطيع التصدِّي لهُ في النزال، سأل بعض أفراد جماعتي بالصدفة فأخبروه بأنَّ الزعيم هو أقوى شخصٍ في هذا المكان، ومنذُ ذلك الوقت وهو يبحث عن الزعيم المنشود.
_ولم يستطع معرفة أن ذلك الزعيم هو أنت؟ كم هذا مُضحك.
_يصعُب على الآخرين توقُّع أني قوي نظراً لحجمي، لكنَّه أيضاً مغرور لأنه لم يسأل ببساطة عمَّن يكونُ الزعيم، بل يريد اكتشاف من أقوى شخصٍ هنا بمفرده عن طريق مواجهة جميع من يظنُّهم أقوياء، لكنِّي متأكدٌ بأنه سيستسلم ويسألهم في النهاية.
_هذا أكيد، هل تأذن لي بالذهاب الآن؟ فيجب أن أبدأ بجمع الأشخاص للرحلة القادمة.
_اذهب، وأنت لا تحتاجُ إذني لذلك.
_أعرف، لكنِّي أحب مُساعدتك في تأدية دور الزعيم.
viloeto7789