مايزال "راي" يعاني من صعوبات في الاتِّجاهات، شعرَ بأنَّه يدور حول نفسه عاجزاً عن إيجاد المكتبة، وجدَ نفسه لدى القبَّة الزجاجية ولاحظ تجمُّع الكثير من الأشخاص حولها، كانوا أطفالاً صغاراً ومراهقين، لذا لم يخف "راي" من التقدُّم وسؤالهم عمَّ يجري.
_رجل المحيط في الداخل! وجميعنا ننتظر خروجه!
_ولماذا تنتظرونه؟
قبل أن يجيبه الفتى فُتح البابُ على آخره بقوَّة، فعرفوا جميعاً من يفتح الباب بهذه الطريقة المُبهرجة، إنَّه رجل المحيط!
_مذهل! يالِ هذا الحشد الضخم! أجميعُكم هنا لرؤيتي؟
بدأ الصبيان يتدافعونَ ليكونوا الأقرب لرجل المحيط، وبدأ الجُموع بطرح الأسئلة على رجل المحيط.
_أخبرنا كيف كانت رحلتك يا رجل المحيط؟
_نريد معرفة كل المغامرات التي عشتها!
_كيف تمكنت من اصطياد الحوت؟!
_يا قبطان! هل يمكنكَ اصطحابي في رحلتك القادمة؟
أجاب "أوشن" على الأخير وقال:
_سأصحبُك إن أثبتَّ أنَّك مفيد.
صاح عليهم أحدُ الفتيان وقد كانَ أكبرَهم سناً، وكان أيضاً مع رجل المحيط على متن رحلته.
_كُفُّوا عن إزعاج القبطان! ثم التفت إلى رجل المحيط وتابع:
_أنا آسفٌ يا حضرة القبطان! حاولتُ طردهم لكن لم أستطع، أعرف أنك متعبٌ الآن لذا سأفتح لك الطريق لتمر.
لكن "أوشن" لم يهتمَّ بذلك وبدأ يضحك ضحكةً خشنةً شبيهةً بضحكة القراصنة.
_جميعكُم تريدون معرفة قصَّتي؟ هيَّا بنا!
وتقدَّم يسيرُ أمامهم وحشدٌ من الصبيان يسير من ورائه، فكَّر "راي" بأن كثيراً من الصبيان فضوليون أيضاً بشأن رجل المحيط، وأنَّه ليس وحده، تبِعهم "راي" فحاله كان كحال الأطفال يريد معرفة المزيد عن رجل المحيط، لكنَّ الأطفال الباقين كانوا مهتمين بالرحلة أكثر منه اهتماماً بالرجل، جلسَ رجل المحيط على صخرةٍ يتوسَّطُهم وجلسوا هم من حوله على الرمال، وبدأ يحكي لهم قصَّته التي استمرَّت طويلاً وطويلاً وطويلاً، بينما الجميعُ يستمعُ له بأفواهٍ فاغرة، وأعينٌ مصدومة تكاد تخرجُ من مكانها، وقلوبٌ تتقافز من أجسادهم بسبب عنصر التشويق، لم يُقاطع أحدٌ رجل المحيط ولو لمرَّة واحدة، ولم يسألهُ أحدٌ سؤالاً واحداً، فهوَ لم يترك الفرصة لذلك أصلاً، كان يُجيب على جميع أسئلتهم قبل حتَّى أن يُفكِّروا بها، ضحِكُوا كثيراً خلال ذلك وبكوا كثيراً أيضاً، كانت رحلة صيدٍ ملحمية دامت لثلاث سنوات، أغفلَ "أوشن" الكثيرَ من التفاصيل خلالَ ذلك، لأنَّ عقول الصبيان الصغيرة غير قادرة على استيعابها، ولأنَّه أراد أيضاً أن يقدِر على الانتهاء من القصَّة قبل الغروب، وقد أنجز هدفه، لكنَّ الأطفال لم يكتفُوا بمعرفة القصَّة وحسب تلك بل بدأوا يسألونَ المزيد من الأسئلة.
_هل كانت هذه هي أطول رحلة خُضتَها؟
_لا، بل أطولُ رحلة خُضتُها دامت لخمس سنوات، هذه رحلة ذات مدَّة متوسطة، فأقصرُ رحلةٍ دامت لعامين وربع العام.
_هل كانت أخطر رحلة؟
_ليست كذلك، فمنذ أن صرتُ قبطاناً ما عادت رِحَلُ الصيد خطيرة.
قال "أوشن" ذلك ليُشجِّع الصبيان الكبار على المجيء معه، فهو بحاجةٍ للكثير من الأعضاء الجدد.
_هل كانت أكثر رحلة تحصلون فيها على الغنائم؟
_لم تكن كذلك أيضاً، كانت أوَّلَ رحلةٍ أخُوضُها هي أكثر رحلةٍ نحصلُ فيها على الغنائم، وكانت قبل حوالي عشرين عاماً.
بالنسبة ل"أوشن"، لم تكن هذه الرحلة هي أروعَ رحلةٍ صيدٍ خاضها، بل كانت أشبه برحلة صيد روتينية خالية من الأشياء الغير مُتوقَّعة، باستثناء حادث الهروب والذي تمَّ مُعالجتُه بسرعة، لكن بالنسبة للصغار الذين استمعوا إليه، كانت أكثر شيء مثيرٍ سمعوه في حياتهم، وكان "أوشن" سعيداً بكونه محطَّ الاهتمام، كان سابقاً محطَّ الاهتمام لدى لبالغين لكنَّهم فقدوا الاهتمام به، بل ويريدون تعليقه أيضاً! بدأ الصبيان بالمغادرة بعد أن تأكَّدوا أن رجل المحيط ما عاد لديه شيءٌ ليقوله، غادروا جميعاً باستثناء "راي" ظلَّ يحدِّق برجل المحيط بنظراتٍ مليئة بالإعجاب، فتح فمه ليتحدَّث لكنَّ رجل المحيط قاطعه.
_لا مزيدَ من الأسئلة، لِمَ لمْ تسأل بينما الآخرون هنا؟ أنا متأكدٌ أنهم كانوا سيرغبون بسماع الإجابة.
_لم أكن لأسأل، بل كنتُ لأقولَ بأنَّك ثرثارٌ أكثر منِّي، لطالما صاحبتني صفة ثرثار في كل مكان لكنِّي الآن أفهم جيداً معنى أن تُقابلَ شخصاً ثرثاراً، برأيك سيدي عندما يجتمع الثرثارون معاً لمن ستكونُ الغلبة؟
_ظننتني قلتُ لا مزيد من الأسئلة.
_آسف.. لقد نسيت.
_أعتقدُ أنَّ من سيفوز هو الشخص الذي لديه قصص أكثر ليقولها.
_لكن بوسعي اختلاقُ القصص، ليس صعباً علي بأن أتخيَّل نفسي مكانك، بل أظنُّني قادراً على صنع قصة أكثر روعة من قصتك.
_ستكونُ قصةً زائفة، الحقيقي يتغلَّب على المزيِّف دائماً.
_ليس إن كانت متقنة الصنع، لكنِّي لا أقول بأني سأبدأ باختلاق القصص عنك! لن أفعل ذلك أبداً وأعتقد أن رحلتك كانت رائعةً جداً وسأدفعُ الكثير لأعيش مغامرةً واحدة من مغامراتك.
_لا حاجة لك بأن تدفع، أثبت لي بأنَّك مفيدٌ وسأرحِّب بك؟
_لكن ألستُ صغيراً؟
_صعدتُ رحلتي الأولى عندما كنتُ في العاشرة، ظنَّ الجميع بأنِّي صغير لكنِّي أثبتُّ لهم جميعاً كم أنا بارع، لدرجة أنَّها كانت أكثر رحلة مربحة على مدار خمسين عاماً، ولم تأتِ رحلةٌ تهزمها بعد.
_لكنِّي في السابعة، هناك فرقٌ كبير!
_أنت في السابعة؟! حقاً مالذي جاء بك إلى هنا!
_جئتُ مرافقاً.. لم أستطع البقاء في الخارج لأنِّي كنتٌ وحيداً تماماً، هل عشتَ الوحدة من قبل سيدي رجل المحيط؟
_منذ صرتُ برفقة المحيط لم أعد أشعر بالوحدة، لكنِّي جربتُها قبل ذلك.
_سعيدٌ أنك لم تعد وحيداً بعد الآن، لأني لم أعد كذلك أيضاً، فلقد حصلتُ على بعض الأصدقاء.
_هذا جيد.
بدأ رجل المحيط بالسير و"راي" يسير بجواره.
_أتعرفُ سيدي رجل المحيط؟ لقد راودتني عشراتُ الأسئلة التي أردتُ سؤالك عنها لكنِّي لم أفعل، بصراحة أنا مهتمٌ بكَ أكثر منه اهتمامي برحلتك، وشعرت أنِّي لو سألتك عن نفسك، فلن يُعجب ذلك الأشخاص حولي المتلهِّفين لسماع تفاصيل رحلتك، لذا امتنعت.
_ولماذا أنت مهتمٌ بمعرفة المزيد عنِّي؟
_لأنَّك ثرثارٌ مثلي، بل ربَّما أكثر، لكن لأوضِّح لك الصورة، لقد تعرَّضتُ لما يُشبهُ فقدان الذاكرة، لذا فكَّرتُ بأنِّي إن علمتُ كيف صرتَ أنت ثرثاراً، فسأحصلُ على فرصةٍ لأعرف كيف صرتُ أنا ثرثاراً، أعني.. لا يُولَدُ الأشخاص بلسانٍ ثرثار أليس كذلك؟
أجابه "أوشن" بعدما حصل على فرصةٍ للإجابة، إنَّها المرَّةُ الأولى التي يذوقُ فيها طعم الثرثار الذي لا يسمحُ لكَ بالحديث، وشعرَ أنَّ الأمر أعجبه لأنَّه إن لم يُعجبه فسيعترفُ بأنَّ شخصيته سيئة.
_هل تقولُ بأنِّي أنا وأنت اكتسبنا شخصيتنا الثرثارة من خلال محيطنا؟ أعتقدُ بأنَّ جزءاً كبيراً من الشخصية يُولَدُ مع الشخص، وربما تكون الثرثرة قد وُلِدَت معك.
_لكن هذا مستحيل! مؤكدٌ أنَّ شيئاً حدث في الماضي جعل الثرثارَ ثرثاراً، ألا تظنُّ ذلك؟
_لا أدري، أنا لستُ ذكياً بهذه الأمور كلُّ ما أبرعُ به هو أمور المحيط، لكن إن كنتَ تتحدَّث عن ماضييَّ أنا، فأستطيعُ أن أقول لك بأنِّي وُلِدتُ بشخصيتي لا اكتسبتُها، لا أظن أن شيئاً حدث على سبيل الخصوص جعلني ثرثاراً، ولِعلمكَ أنت ثاني شخص في حياتي يدعوني بالثرثار
_أنا آسفٌ لدعوتك بالثرثار، لكنِّي لا أراها صفةً سيئة، بل تعني بأنَّ لديك الكثير من الأشياء التي تستحقُّ أن تُقال، فالثرثرةُ لا تكون لغواً دائماً، وأيضاً أنا آسف لأنِّي سألتك عن ماضيك ... أ. أنا أعرفُ أنه ممنوع لكنِّي لم أستطع المقاومة فأنت وماضيك تُثيرانِ فضولي.
أنزل "راي" رأسه إلى الأرض بوجهٍ ملأهُ الخجل والنَّدم، بينما أطلق "أوشن" ضحكة كبيرة وقال: من قال لك بأنَّ سؤالَ أحدٍ عن ماضيه ممنوع؟
أجابه "راي" بوجهٍ برَق فيهِ بعضُ الأمل: صديقي قال ذلك
_هو لم يُوضِّح لك الأمور جيداً، المجرمون يكرهون من يسألهم عن ماضيهم أما أنا فلستُ مجرماً وبوسعك سؤالي ما تشاء.
_حقاً؟
هتف "راي" بسعادةٍ حقيقية كونه علِم بأنَّ رجل المحيط ليس مجرماً، هو لم يسأله عن معنى علامته البنفسجية، خجلاً من أسئلته الكثيرة وخوفاً من سماع الإجابة.
_بالطبع! لكن ليس الآن فلقد تأخَّر الوقت، لذا ما رأيُكَ أن نتقابل غداً؟
_حسناً، لكن يجبُ أن نحدِّد مكاناً.
_همم لنرى..
بدأ "أوشن" بالتَّفكيرِ، خطر بباله القبَّة الزجاجيِّة للحظة، لكنَّ "هيوغو" لن يكون سعيداً باستضافة مزعجيْن اثنيْن يتحدَّثان بلا توقف، قاطعَ "راي" تفكيره وهو يصرخ:
_ما رأيُكَ بأن نتقابل على الجسر؟ أشعرُ بأنَّ النظرَ للمحيط خلال الحديث يساعد على تدَّفُق الأفكار، وأيضاً أنت تكره الابتعاد عن المحيط لذا أحدُ الأماكن المغلقة أو المحاطة بالرِّمال لن تكون مناسبة، فلقد لاحظتُ بأنك اصطحبتنا بجوار المحيط عندما رويْتَ قصَّتك.
_ممتاز! لديك عقلٌ نشط أيُّها الفتى، بدأتَ تُعجبني، والآن هل سترافقني إلى الوليمة؟
_أي وليمة؟
_وليمةَ الحوتِ بالطَّبع! نُقيمها احتفالاً بعودتنا، هي لا تكونُ مزدحمة لأنَّ مُعظمَ الأشخاصِ لا يتناولون الطعام البحريِّ.
_هذا مُذهل! أنا لم أتذَّوق حوتاً من قبل!
_ستكونُ هذهِ مرَّتك الأولى!
_لكن أليس الحوتُ ضخماً جداً؟ ماذا تفعلون بما تبقَّى منه؟
_نبيعُ بعضَهُ في الجزيرة، مقابلَ تزويدنا بما نحتاجه للرحلة القادمة من أشياء كالأقمشة والرِّماح والأدوات، والباقي نبيعهُ لسفينة البضائع مقابل ما ستُزِّودُنا بهِ من طعامٍ للرحلة القادمة، لكنَّ طعامَهم لا يعني لي شيئاً فأنا لا أتناول سوى طعام المحيط.
_وماذا تفعلون بالغنائم؟
_نُوزِّعُها علينا بناءً على رتبةِ كلٍّ منَّا، والباقي نبيعهُ لسفينة البضائع مقابل مستلزمات الجزيرة من طعام وأدوية، نقومُ بهذه العملية مرةً بعد كلِّ رحلة صيد، وبفضلنا لم تمُرَّ الجزيرةُ بحالة من نقص الموارد من قبل، إلَّا هذه المرة، لكنَّنا عالجنا الأمر سريعاً.
_أنتم أبطالٌ فعلاً!
لقد عرَف "راي" الآن فقط أهميَّة رحلة الصيد، إنَّهمُ السببُ الوحيدُ الذي يُبقي سكَّانَ هذهِ الجزيرة على قيد الحياة!
***
جلس "راي" بجوارِ "أوشن" وكان محاطاً بالبالغين لأنَّ الأطفال كانوا يجلسون في دائرةٍ أخرى، كان العددُ كبيراً شعرَ "راي" بأنَّها كانت وليمةً اجتمعَ عليها جميعُ سكان الجزيرة، وبالفعل كان الوضعُ كذلك، فلم يخلو المكانُ إلا مِن مَنْ لا يأكلونَ الطعام البحري، أمثال "هيوغو" وجماعته، وشاهد "جين" برفقةِ "غانبو" يتجوَّلانِ بين الدوائر يبحثان عنه، شعرَ بالسعادة كونهما يفعلان شيئاً معاً، أراد أن يقفَ ليُحييهما لكنَّه لم يستطعْ ذلك، لأنَّ "أوشن" كان ممسكاً بكتفه بقوَّة، لم يكن الأمر مؤلماً لكنَّه كان عاجزاً عن الحراك، وفجأة بدأ "أوشن" بالتلِّويح نحو أحدِهم وصرخ بجملة أسقطت قلب "راي" رعباً.
_أيُّها الرجل الضخم! ما رأيُك بأن تنضمَّ إلينا؟ فلتكن جلسة صلحٍ لما حدث بيننا، أنا أكره أن يُكِّنَّ أحدُهم ضغينةً ضدي.
تقدَّم والدُ "راي" نحوَهم بينما ينظر إلى "راي"، كانت وضعيةً غريبةً حيثُ يضمُّه "أوشن" بقوة وكأنَّه ابنه، بينما "راي" كان يحني رأسه محاولاً إخفاءَ وجهه، والعرقُ يتصبَّبُ من جبينه، لكن لا فائدة لأنَّ والدَهُ لاحظَ وجودَه، أجابَ الرجلُ الضخمُ بهدوءٍ شديدٍ.
_لا أظنُّ ذلك، فقد حصلتُ على مكانٍ بالفعل.
_حقاً؟ ظننتك تتجوَّلُ بحثاً عن مكان، ثمَّ تابَع بعدما لاحظ نظراته المركِّزة على "راي":
_أتتساءلُ عن هذا الطفل؟ إنه طفلٌ مسلٍّ حقاً وقد قرَّرَ الجلوس بجانبي، أعرف أنَّه يبدو كابني لكنَّه ليس كذلك، بصراحة أشفقُ على والد هذا الفتى لأنَّ ابنه اختار الجلوس بجواري على أن يجلسَ بجوار والده، أيُّ شخصٍ سيرانا سيظنُّ أنَّنا أبٌ وابنه، حتَّى وإن كان والده بحدِّ ذاته.
وبدأ بالضَّحك ضحكته الخشنة المعتادة، بينما "راي" تمنَّى لو يستطيعُ الاختفاء للأبد، ما قاله رجل المحيط جعل "راي" يقتنعُ بأنَّ والده سيقتلعُ رأسيهما في أي لحظةٍ من الآن.
_فهمت، هكذا الأمر إذاً..
استجمع "راي" شجاعته كلَّها ليُوجِّهَ بصرَهُ نحوَ والده، لكنَّه كان قد ذهب، ثم التفت إلى "أوشن" وأمسك به وقال بغضب:
_لماذا قلتَ لهُ ذلك؟ لقد استفززته!
_ها؟ كيفَ يُمكن لكلامي أن يكون مستفزاً؟
تذكَّر "راي" بأنَّ رجل المحيط لا يعرفُ بأنَّ الرجل الضخم يكون والده، بل لا أحد في ذلك المكان يعرف، وهو لا ينوي إخبار أحد.
_ل. لا عليك
لم يُعِر "راي" ما حدث المزيد من الاهتمام، بل بدأ بالاستمتاع بلحمِ الحيتان بعد أن ترك "أوشن" كتِفَهُ أخيراً، هو لم يتذكَّر ماذا كان طعامُه المفضل من قبل، لكنَّه شعرَ لوهلةٍ بأنه سيُفَضِّل طعامَ اليابس على طعامِ المُحيط.
***
غادر "أوشن" بعد منتصف الوليمة، فاستغلَّ "راي" الفُرصة وذهب ليقابل صديقيْه، وجدهما جالسان وحدهما "جين" عاقدٌ ذراعيه ينظر بعيداً، بينما "غانبو" مُرَكِّزة على طبقها تلتهمه بنهم، فورما لاحظَ "جين" وجودَه نهضَ وقال:
_راي! أنت هنا!
وبدأ ينقلُ بصرَهُ بينهُ وبين "غانبو" ثُمَّ تابع:
_لقد قُلتَ البارحة بأنَّك ستذهبُ إلى المكتبة، وعندما لم أجدك ظننتُ أن هذه الفتاة قد ألحقت مكروهاً بك، أبقيتُها تحت ناظريَّ حتَّى تعترف.
_"جين"! ما كان عليك أبداً أن تتَّهِم "غانبو" بهذا الاتِّهام! لكن يُسعدني أنَّكُما قضيتُما بعضَ الوقت معاً! أصرتُما صديقيْن؟
تأفَّف "جين" وأجابه: مستحيل ...!
_فلنُصلِح الخلافات إذاً! دعُونا نعقد جلسة صلح، لقد تعلَّمتُ هذا المصطلح اليوم بالمناسبة.
كان "راي" سعيداً بفكرة استخدامه لمصطلحٍ جديد، وشعر بأنَّه سيتعلَّمُ الكثيرَ من الأشياء من "أوشن"، جلس راي قبالة "غانبو" وسألها:
_"غانبو"، هل أنتِ مُجرِمة؟
نفت "غانبو" كلامهُ باستخدام رأسها فعادَ يسألُها: هل علامتُكِ سوداء؟
نفت "غانبو" كلامه مُجدَّدَاً، بينما عادت تُركِّز بصرها على الطبق في يدها
_أريني إيَّاها إذاً!
وضعت "غانبو" الطَّبق على الأرض، فتوقَّع "راي" بأنَّها ستُريه علامتَها، لكنَّها فاجأته بأنَّها رفضت طلبه.
_أرأيت؟ هي لن تُرينا وشمها لأنَّها كاذبة!
_لا بأس يا "غانبو"، أنا متأكدٌ بأنَّ لديكِ أسبابَكِ وأنا أحترمُها.
_تحترمُها؟ يالكَ من أحمقِ يا "راي"!
_"غانبو" ... سؤالٌ أخير، هل هنالك ولو فرصة ضئيلة، بأن تُؤذينا يوماً ما؟ أنا و"جين"؟
حرَّكت "غانبو" رأسها بقوِّة دلالة على النفي القاطع، ثُمَّ رسمت علامة اكس بكِلتا ذراعيْها لتؤكِّد نفيها.
التفت "راي" إلى "جين" وقال: رأيت؟ لن تؤذينا.
_أحمق، أحمق، أنت حقاً أحمق!! جلسَ بالقرب من "راي" وبدأ يُحادثهُ بنبرةٍ قلقة: هي لن تؤذينا، بل أحدهم سيفعل إن رآنا معها، اسمع.. يوجدُ رجلٌ هنا يقتل كلَّ شخصٍ ذي علامة سوداء وإن شُوهدنا نسير مع حاملها فسيعرضنا ذلك لخطرٍ كبيرٍ!
_لكن "غانبو" قالت بأنَّ علامتها ليست سوداء!
التفت "جين" إلى "غانبو" ثُمَّ عاودَ نظرهُ إلى "راي" بنظراتٍ ملأها الرجاء وقال: أتُصدِّقُها؟
_بل أثقُ بها، يجب أن تسمعني أنت أيضاً، في هذا المكان التَّعيس عندما كنتُ عالقاً في عمق الظلام، "غانبو" هي أوَّل من مدَّ يدَ العونِ لي! هي أوَّلُ من ساعدني على رؤية النور! ولن أنسى لها ذلك أبداً.
_مازلتُ أشعرُ بأنَّك تُبالغُ في طريقة وصفك...
وعلى عكس نظرات "جين" الخالية من التأثُّر نظرت "غانبو" ل "راي" بتأثُّر شديد بنظرات مليئة بالامتنان، كانت على وشك البكاء.
***
_مساءُ الخير سيدة "هاوبر"!
_مساءُ الخير يا "أوشن"، فورما رأيتُ حالة شعرك وذقنك كنتُ مُتأكِّدةً بأنَّك ستأتي لزيارتي.
_لستُ أطلُبكِ اللَّية، بل أريدُ لقاءَ ابنك.
_لماذا؟ لقد كنتَ ملتصقاً به لثلاث سنوات، ألم تشبع منه؟
أجابها "أوشن" دون أن يتقبَّل المزحة، فالأجواء مُتوتِّرة ولا تحتملُ المُزاح:
_لا تدَّعي الجهل سيدة "هاوبر"، لابُدَّ أنك على علمٍ بكل شيء، ابنُكِ حاولَ الهرب بالسفينة، أخبرتُ "هيوغو" بأنَّ الهارب مات لكنَّها مسألةُ وقتٍ حتَّى يكتشف أنَّ أحداً لم يمت، سيكتشفُ ذلك غداً صباحاً عندما أضطر للإعلان عن حقيقة التأخير وعندها سيُفصِحُ أفرادُ طاقمي عن كون أحداً لم ينتحر على متن السفينة.
جاءَ ابن "هاوبر" من السلالم خلفها وقال:
_لكنَّك ستكون في مأزق حقيقي صحيح؟ كيف ستُبرِّر كذِبَك؟
_لا بأس باكتشاف "هيوغو" حقيقة أنِّي كنتُ أكذب، على أي حال مُهمتُنا هي إخفاؤك حتى موعد السفينة القادمة، وعندها سنُهرِّبُكَ من خلالها.
_لكن كيف؟ الرَّحلة القادمة ستصلُ بعد مدةٍ طويلة، مهما حاولتُ التَّخفي سيكتشفُ وجودي في النهاية، الجزيرة بأكملها ستساعدهُ في البحث عني!
_ماذا عن المكتبة؟ -قالت السيدة "هاوبر"-، إنَّه المكان الوحيد الذي لا يستطيع "هيوغو" دخوله.
_لا يُمكن، علاقتي برجل المكتبة ذاك سيئة، لن يسمحَ لي بإخفاء أحد رجالي هناك.
_فلنقاتل إذاً! فليحاول "هيوغو" ذاك أذيَّة ابني وسأرفعُ السِّكينَ في وجهه! وكثيرون سيساعدوننا في ذلك!
_نحنُ لن نُعلِنَ حرباً على "هيوغو"! إنه.. إنه صديقي.
_لكنَّه ليس كذلك بعدَ الآن، لذا فيمَ يهُمُّ ذلك؟
_أنا أحترمُ العِشرة التي كانت بيننا، على أيِّ حال ليس عليك القلق بشأن مكان الاختباء، تحدَّثتُ مع الرِّجال الذين أثق بهم على متن السفينة، وتوصَّلنا إلى أننا سندفنك.
صرخ الشاب في فزع واضعاً يديه على وجهه: ماذا ستفعلون؟!
_سندفِنُك، سنحفرُ اللَّيلة على طرف الجزيرة لذا ستكونُ هناك فتحةً كافية لتتنفس، وسيكونُ بوسعنا توصيل الماء والطعام لك إن سبح أحدهم من أسفل الجسر نحوك.
_لكنَّ السباحة حول الجزيرة خطيرة! لن يفعلها أحد.
_أنت مُحق، لذا في أسوء الأحوال خُذْ معكَ قدرَما تستطيعُ من الماء والطعام، وحاول أن تنجو.
_هذا فظيع! لن أحتمل العيش هكذا!
تقدَّمَ أوشن نحوه في غضبٍ وقال: إمّا هذا أو تخرُجَ أحشاؤك من معدتك على يد "هيوغو"! أنصت أيها الكريه، لقد كان خطؤكَ بالكامل كونكَ حاولتَ الهرب، ألا تعرفُ عقوبةَ من يهربون؟ ولقد كنتَ أحمقاً أكثر لأنَّك ظننت ولو بنسبةٍ ضئيلة بأنَّك ستنجح، كان على أن أرميَك في البحر آنذاك لكنِّي لستُ مجرماً، ولقد كنتَ مفيداً جداً لي في الرِّحلتيْن السابقتيْن لهذا السَّبب أحاول مساعدتك، لذا فلتخرسْ وتكن شاكراً!
أنهى "أوشن" نوبةَ غضبه أخيراً، لكنَّ كلامه لم يَزد ابنَ "هاوبر" إلا فزعاً، وضعَ ذراعيه على رأسه وبدأ يصيحُ في هلع:
_ليتني لم أولد قطُّ هنا! أنا لستُ مجرماً فلماذا أنا هُنا؟ لم أختر المجيء إلى هنا أبداً! ثُمَّ التفت إلى أمه وقال: هذا خطؤكِ! كُلُّ هذا خطؤكِ! لماذا أنجبتني في مثل هذا المكان التعيس؟
نظرت "هاوبر" لابنها بنظرات حزينة، هي لم تعرف ماذا يجب أن تقول.
_هذا يكفي، اللَّيلة ستكونُ مرَّتك الأخيرة لرؤية أمك، احرص على أن تُودِّعها وداعاً لائقاً.
بعد صمتٍ دام للحظات، مسح فيه ابن "هاوبر" دموعه بينما استجمعت أمُّه شتاتَ نفسها، دخل أحدهم من الباب وقد كان زائراً غير مرغوبٍ فيه بالمرة.
_ما هذا التجمُّع الغريب الذي أراه هنا؟!
_"هيوغو"! لستَ مُرحَّباً بكَ لتكونَ هُنا!
_على رسلك يا امرأة! ألا حقَّ لي بالحصول على قصَّة شعرٍ أنا أيضاً؟ شعريَ الأشقرُ بدأ يتهاوى ثُمَّ تابع يقول بينما نظرة الغرور تعلو وجهه: لماذا لستُم في الوليمة على أي حال؟
_لا أحبُ الطعامَ البحري.
_أردتُ قضاءَ بعض الوقت مع أمي.
بدأ "هيوغو" بالتقدُّم نحوَهم وسأل بعد أن امتنع "أوشن" عن الإجابة.
_وأنت؟
_وليمةُ الحوت ليست شيئاً مميزاً بالنِّسبة لي، أنا أتناولُ الأسماك طوال الوقت.
_غريب، لطالما كانت الوليمةُ حدثاً مميزاً بالنِّسبةِ لك، لا بُدَّ بأنَّ تغيُّبَك عنها يعني أنك تريد فعل شيءٍ أكثر أهمية.
_رُبما، إن كنتَ تعتبرُ أن تصفيفَ الشَّعر أكثر أهميةً من تناول الطعام.
لم تُعجب إجابته "هيوغو" فقال ببعض الغضب:
_هل تظنُّنُي سأصدِّقُ بأنك هنا لتصفيفِ شعرك؟
سألته "هاوبر" لتبدأ الدِّفاع عن "أوشن":
_وماذا عنكَ أنتَ يا "هيوغو"؟ نعرفُ جميعاً بأنك لستَ هنا لتصفيف شعرك.
_عندما أطلبُ لقائكِ ثلاث مرات فتمتنعين عن ذلك، فبالطبع سآتي.
_ولماذا اخترتَ هذا الوقت بالتَّحديد؟
_هل أنت مُتأكِّدة أن بوسعي قولها أمام ابنك؟
تقدَّم "هيوغو" نحوَها وهمس لها بصوتٍ سمعوه جميعاً.
_أنا أحبُّ اللقاءاتِ اللَّيليَّةَ أكثر.
_هيهيهي!
زيَّفت "هاوبر" ضحكتَها لتبدو أنثوية وناعمة، لم تكن ضحكةً مريحةً لتسمعها من امرأة قاربت على الخمسين، ثُمَّ تابعت بأنثوية:
هل اقتنعت بالأمر أخيراً؟ أخشى أن عليكَ تأجيلها فكما ترى لدينا ضيوف.
ثم أشارت ل "أوشن" الذي كان يرمقُ "هيوغو" بنظرات حقد، وكأنَّه يُريد قتله، لقد كانوا يتحدَّثون عن شيءٍ بالغِ الأهميَّة لكنَّه قاطعَهُم ليتحدَّث عن شيءٍ بقمة الرذالة!
_تفضَّل يا "أوشن" على كرسيِّك، ستحصلُ على تسريحةٍ مجانية.
جلس "أوشن" على كرسيه، لم يكن ينوي حقاً تصفيف شعره اللَّيلة لكنَّه الآن مجبرٌ على ذلك.
_أبوسعي البقاءُ أيضاً؟ أحبُ رؤيتك تعملين فهذا يجعلك ... جذابة.
ضحكِت "هاوبر" ضحكتَها المُبتذلة مجدداً وقالت:
_بالطَّبع يُمكنك ذلك، تفضَّل واجلس على الكرسي المُجاور، وإن أردت الحصول على تسريحة شعرٍ جديدة فلا بأس بذلك.
جلس "هيوغو" على الكرسي المجاور وقال بينما يؤرجح كرسيه.
_لا.. شعري بخير.
_وأنتَ يا بُنيَّ اذهب ونم في سريرك، لاشكَّ بأنَّك متعبٌ الآن.
تبادل هو و"أوشن" نظرات ذات معنى، لم يُلاحظها "هيوغو" فقد كان منشغلاً بأرجحة كرسيِّه، صعد ابن هاوبر السلالم فاطمئنَّ "أوشن" لأن أمرهم لم ينكشف.
_أيُمكنكَ أن تتوقَّف عن أرجحة الكرسي!؟ ستكسرهُ!
حدَّق فيه "هيوغو" كطفلٍ بريء يتعرَّضُ للتوبيخ من والديه وقال: ما المُشكلةُ في ذلك؟ "هاوبر" تسمح لي، صحيح؟
_بالطَّبع! أرجحه كما تشاءُ فلديَّ الكثيرُ غيره، وأنتَ يا "أوشن" دعهُ وشأنه! على المرءِ إظهارُ جانبه الطفولي أحياناً، ولا بأس بذلك لا أحد هُنا سوى أنت صديقه القديم وأنا ... امم ماذا أكونُ بالنَّسبةِ لك؟
نطق "هيوغو" بسرعةٍ فائقة وكأنَّه كان يُحضِّرُ تلك الإجابة: كُلَّ شيء!
فأطلقت "هاوبر" ضحكتها الغريبة مجدداً.
لم يكن الوضع مريحاً بالنسبة ل "أوشن"، سحقاً لذلك! هوَ حرفياً سيُنقذُ ابنها من الموت لكن هي أسكتته لتسمعَ كلماتٍ مبتذلة من الشخص الذي ينوي قتل ابنها! امتلاكُ وجهٍ جميل يقلبُ الموازينَ في صفِّك بالفعل!
قاطع افكاره سؤال "هيوغو" وقد توقَّف عن أرجحةِ كرسيِّه: لماذا لم تُعلن عمَّا حدث على السفينةِ اليوم؟ بدلاً من ذلك أخبرتَ الجميع بأن يؤجِّلوا سخطهم لما بعد الوليمة.
_شعرتُ بأنَّ عليَّ أن أرتبَ كلماتي، لم أكن مستعداً بعد لقولِ الحقيقة فالإعلانُ عن انتحارِ أحد أفراد طاقمك ليس سهلاً.
_حقاً؟ هل يُعقل أنَّ شخصاً ثرثاراً مثلَك يصعُب عليهِ صياغةُ بعضِ الجُمل؟
نعم فباستثناء "راي"، كان "هيوغو" الشَّخص الوحيدَ الذي نعت "أوشن" بالثرثار، لكنَّ "هيوغو" لم يُمانع ثرثرة صديقه، فهو شخصٌ يُفضِّلُ الاستماع على الحديث، تابع "هيوغو" بعدما عادَ لأرجحة كرسيه:
_مازلتُ أشعر بأنَّ شيئاً في القصة مخفيٌ عنِّي.
_أنتَ تعيشُ في الوهم.
انتهت "هاوبر" من تصفيفِ شعر "أوشن"، حلقت لحيته الخفيفة وقصَّرت أطراف شعره وهندمته، توقَّعت "هاوبر" أن يظلَّ "هيوغو" معها لكنَّه نهض فورما نهض رفيقُه وبدأ بالسير معه، وأصاب ذلك "هاوبر" بخيبةِ أملٍ شديدة.
_ما بالُك منزعجٌ هكذا منذ أن ظهرت؟ أيُعقل بأنِّي قاطعتُ شيئاً مهماً لتلك الدرجة؟
لم يُجِبه "أوشن"، بل استمرَّ بالسير بسرعة محاولاً تجاوز صديقه، لكنَّ "هيوغو" كان يستمرُّ باللَّحاق به، لم يستطع "أوشن" التماسُك أكثر فسأله.
_"هاوبر".. هل هي هدفُك القادم؟
_نعم هي كذلك.
_ظننتُكَ وعدَّتني بألَّا تقتلَ أحداً عندما أكون هُنا ...
_انتهى ذلكَ الوعد بانتهاءِ صداقتنا، كما أنَّها رغِبت برؤية ابنها بشدَّة، لذا أجَّلتُ قتلها حتَّى تعودَ رحلة الصيد وترى ابنها، أترى كم أنا طيب؟
_بالفعل..
_لا أفهمُ ما مشكلتك؟ وماذا إن ماتت هاوبر؟ إنَّها مجرمة! أم أنَّك صرتَ تُشفِقُ على المُجرمين؟!
_وماذا عنكَ؟ ألستَ مُجرماً؟
_أنا أعاقبُ المُجرمين
_ألا يجعلُك ذلك مجرماً أيضاً؟
_ربما، لكن نوعٌ آخر من المجرمين
سار "أوشن" مبتعداً عن "هيوغو" مجدَّدا، لكن هذه المرَّة "هيوغو" لم يلحقه
***
_"جين".. أنت لم تُخبرني قطُّ عن العلامة البنفسجية.
كان "جين" مستلقياً على جانبه شبه نائم، حتَّى داهمه "راي" بهذا السؤال الغريب، لم يكن قادراً على الكلام بسبب النُّعاس لذا أجابه بصوتٍ خافت:
_هل قابلت احداً منهم؟ إنهم نادرون جداً وبالكاد نراهم.
_رجل المحيط ذا علامة بنفسجية.
قال "جين" وقد أبدى اهتمامه بالموضوع: ذلك الشخص؟ أظنني سمعت بالأمر، ثم تابعَ "جين" وكأنه يقول معلومةً غير مهمة:
_"تيدي" علامته بنفسجية أيضاً.
_تقصدُ الفتى الذي سرقتُ خنجره؟ ظننتُ علامتَه سوداء لأنه يغطيها.
قال "جين" بنفاذ صبر: ما زلت لا أفهم لماذا يُغطِّيها، ثم تابع ظانَّاً بأنه يُحادث نفسه:
_أظنُّ أنَّ الزعيم أمره بذلك
_الزعيم؟ هل تقصد "هيوغو"؟
انتفض "جين" لما سمعه ونهض من نومه فزعاً فقال:
_هل تعرفُ الزعيم؟ هل قابلته؟
_سمعت عنه لكني لم اره، أجابه "راي" دون أن يفهم سبب فزعه، ظللتُ طوال الوقت أبحثُ عن شخصٍ بشعر أشقر لكن لم أجد، سكت قليلاً ثم تابع: تذكَّرت! رجل المكتبة كان شعره أشقراً.
تنفَّس "جين" الصعداء وعاد ليستلقي بلا اكتراث.
_رجل المكتبة؟ سمعت عنه لكن لم أره من قبل، يستحيل أن يكون هو الزعيم ف"هيوغو" ليس مهتماً بالقراءة.
_هل هو من الأشخاص الذين فقدوا قدرتهم على القراءة أيضاً؟
_هو يجيدُ القراءة! لكنَّه ليس مهتماً بدخول المكتبة.
كان كلام "جين" صحيحاً، لكنَّه لم يذكر حقيقة أن "هيوغو" حتَّى وإن رغب بدخول المكتبة فهو عاجزٌ عن ذلك، بفعل من يحرسها.
_ما معنى العلامة البنفسجية، أهم أخيار أم أشرار؟
_لون علامتك لا يكشف عمَّا إن كنتَ خيِّرًا أم شريراً، الجميع هنا تحوَّل ليكون شريراً، وأكثر الأشخاص شراً من أصحاب العلامات الحمراء، أما أصحاب العلامات السوداء فمعظمهم لا يؤذونَ غيرهم بغير داعٍ، هم مجرمون لكن قليلٌ منهم سفَّاحون، لكن هذا لا يعني بأنَّه لا يجب عليك الحذر منهم.
_صرتَ تتحدَّثُ كثيراً يا "جين"، هل انتقلت عدوى الثرثرة خاصتي إليك؟
احمرَّ وجه "جين" بخليطٍ من الغضب والخجل، كان ممَّن يتحوَّلُ وجههم للون الأحمر بسرعة.
_أنا المُخطئُ بكوني أشرحُ لك أصلاً! وسعيدٌ بأنك تعرف بكونك ثرثاراً ومزعجاً!
_عرفتُ بأنِّي ثرثار لكن لم أعرف بأني مُزعج، عموماً ما معناها؟ تلك العلامة البنفسجية؟
_العلامةُ البنفسجية هي لمن يُولدُ هنا، هم لم يجيئوا من الخارج بل كان هذا المكان هو المكان الوحيد الذي يعرفونه.
_حقاً؟ صرخ "راي" بدهشة عارمة فهو لم يتوقَّع هذه الإجابة على الإطلاق، إذاً فهناك علامة مُخصَّصَة للأشخاص الذين حُكِمَ عليهم بأن يعيشوا هُنا؟ تابع:
_هل يُسمح لهم بالمغادرة؟ فليس خطأهم كونهم ولدوا هنا
_هذا مستحيل، لا يمكنُ لأحدٍ مغادرة هذا المكان دون إذن، وأصحاب العلامات البنفسجية يستحيلُ حصولهم على إذن.
_لكن هذا ظلم! هم ليسوا مجرمين ولم يختاروا القدوم إلى هنا حتَّى.
_يقعُ اللومُ على أمهم التي قرَّرت إنجابهم.
استلقى "راي" بجوار "جين" وقال:
_فهمتُ قصدك عندما قلت إن العلامة لا تعكس شرَّ صاحبها، ف"تيدي" و"أوشن" كلاهما بعلامة بنفسجية لكنِّي أجزم أن "تيدي" شرير و"أوشن" طيب.
_"تيدي"! تعكَّر مزاج "جين" فوراً بعدما سماعِ اسم "تيدي" وتابع: ذلك الحقير! كم أكرهه!
_لماذا تكرهه؟ ما قصَّة العداوة بينكما؟
_ألم أخبرك بأنه ممنوعٌ أن تسأل أحداً عن ماضيه؟
_أخبرني رجل المحيط بأن المجرمين هم من لا يتحدَّثون عن ماضيهم! لذا إن لم تكن مجرماً فحدِّثني الآن.
_لن أفعل.. وأيضاً هل تحدَّثت مع رجل المحيط؟ أ نت تقابلُ الكثير من الأشخاص.
_تحدَّثتُ معه وراقَ لي! سأذهب لمقابلته غداً أتأتي معي؟
_لا لن أذهب.. نصحني أحدهم بألَّا أتحدث معه، لأنِّي حينها لن أكون قادراً على مقاومة سحر حديثه
ضحك "راي" ضحكة خافتةً وقال:
_من نصحك محقٌ تماماً، لكن من هذا الشخص الذي يستمرُّ بتقديم النصائح لك؟
ابتسم "جين" وقال: لن أخبركَ أبداً
فهوَ لن يُخاطر أبداً بالإفصاح عن علاقته السرية مع "هيوغو"، لأنه إن فعل ذلك فتلك العلاقة ستنتهي.
أخرج "راي" الخنجر الذي سرقه وبدأ بتقليبه بين يديه، ثُمَّ سأل "جين":
_ما هذه الكلمة المنحوتة على خنجري؟
_ليس خنجرك!
أجابه "جين" دون أن يلتفت إلى الكلمة، كيْلا يبدو كمن حاول قراءتها، فهو إن فعل ذلك سيتِّهمه "راي" بأنَّه كذبَ بشأن قدرته على القراءة: إنها اسمُ الزعيم.
أطلق "راي" صيحة استغراب وسأله: وكيف وصلَ خنجر الزعيم ليد "تيدي"؟
_إنَّه هدية بالطبع! لا يمكن ل "تيدي" أن يسرق خنجراً من الزعيم ولو بعد مئة عام.
_ولماذا قد يهديه "هيوغو" هدية؟
قالها "راي" بعد أن أدرك بأنَّه لا يجب عليه مناداة "هيوغو" بالزعيم.
_ومن يدري؟
_هل يظنُّ "تيدي" بأنَّ "هيوغو" هوَ والده؟
_امم أجل، لكن كيف عرفت؟
_سمعتك أنتَ و"تيدي" تتحدَّثان، هل لهما اسم العائلة نفسه؟
_ليس كذلك، يظنُّ "تيدي" بأنَّه ابنُ "هيوغو" وعندما حصل على الخنجر اقتنع أكثر بذلك.
فكَّر "راي" لبرهة ثُمَّ قال: ربما يكون محقاً، فلكلاهما الشعر الأشقر نفسه.
_شخصياً لا أدعمُ هذه النظرية، الزعيم نفاها كثيراً وأنا أميلُ لتصديقه على "تيدي"
_بالنسبة لي كلاهما كاذبان وشريران، أعني.. "هيوغو" شرير أليس كذلك؟
_أكرهُ "هيوغو" أقلَّ مما أكرهُ "تيدي" لهذا أميلُ لتصديقه، لا علاقة للشرِّ بذلك.
_لكنَّك لم تُجبني، "هيوغو" شرير، أليس كذلك؟
قالها "راي" بإصرارٍ أكبر للحصول على الإجابة، بينما "جين" لم يفهم سبب إصراره، حاول تجنب الإجابة قبلاً لكنَّ ذلك لم يُفلح، هو لم يعرف كيف يجيب على هذا السؤال ف"هيوغو" كان حتماً شريراً في نظر الجميع، لكن من هو ليحكم عليه بالشر أو الصلاح؟
_لا أعرف..
_حسناً، سأحكمُ عليه بنفسي.
_أنصحكَ بعدم إظهار نفسك للزعيم.
_لا تقلق، لن أفعل ذلك في الوقت الراهن، سأؤجِّل أمره لوقتٍ لاحق، حالياً سأراهُ شريراً لكن ليس الأكثر شراً.
لم يهتمَّ "جين" كثيراً بإجابة صديقه، لذا قال له والنُّعاسُ يغلبه:
_هذا جيد، والآن هل ستسمح لي بالنوم رجاءً؟
_آسف، سأترككَ لتنام الآن.
ماكانت إلا لحظات من السكوت التي جعلت "جين" يغفى فوراً، بينما"راي" نهضَ وبدأ بتأمِّل القبة الزجاجية، وعقله غارقٌ في التفكيربالأسئلة التي سيسألها ل "أوشن" غداً، مع مراعاة عدم التطفل على حياته كثيراً.
viloeto7789